طاعة إلّا عمل بأشدهما وأشقهما (١)».
كظمه الغيظ وعفوه :
الذي يثير الغيظ في النفس هو تعرض الإنسان إلى الإساءة ، وتختلف الإساءة باختلاف من يسيء ، كما تختلف باختلاف مكانة من اُسيء إليه ، والذي يقابلها بأحد أمرين : إمّا الإقتصاص بإساءة مثلها ، أو العفو عن المسيء ، والإعراض عنه تكرّماً ، ولا يعتبر الإعراض عن المسيء عفواً إلّا إذا كان عن اقتدار ، وهو يمثل درجة سامية من ضبط النفس ، وحسن التصرف ، ويدل على نضوج العقل.
أمّا إذا كان الإعراض عن جبن وخوف ، فلا يعد عفواً عن المسيء ، ول ايعد المعرض كاظماً للغيظ ، لما فيه من امتهان للكرامة ، وذل ، وخنوع ، وأما إذا كان الإعراض عن ظالم لا قِبَل للمُساء إليه على أخذ الحق منه ، فيعتبر الإعراض (تقية).
وقد تعرض الإمام علي عليهالسلام ـ في مختلف أدوار حياته ـ إلى كثير من الإساءات ، وكان مقتدراً على الرد بالمثل ، وأخذ حقه بالإقتصاص ممّن أساء إليه ، ولكنه كان يترفع عن ذلك ، ويتحلى بكرم النفس ، والحلم ، وكانت نفسه الطاهرة تأبى أن يسيء إلى أحد حتى لو كان ذلك قصاصاً ، بل يعفو ، ثم لا يكتفي بالعفو ، فيتعداه إلى الإحسان لمن أساء إليه ، تطبيقاً لقوله عزوجل : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(٢).
ومَن ألقى نظرة على سيرة الإمام علي عليهالسلام يجد لذلك شواهد لا تحصى ، نذكر
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ٤ / ١١٠.
(٢) آل عمران ٣ : ١٣٤.
