بعضاً منها على سبيل المثال :
ففي حرب الجمل ، وبعد أن هزم جيش أعدائه ، وقتل منهم من قتل ، وظفر بالباقين ، وفيهم عبد الله بن الزبير ، ومروان بن الحكم ، وسواهما من رؤوس الفتنة الذين خرجوا عليه ، وحرضوا القبائل ، فعفا عن الجميع ، ولم يؤاخذ أحداً منهم بجريرته ، وكانت القوة له ، والشرع يقر له القصاص منهم ، ولا ينقص ذلك من دينه ، ولا من مروءته ، ولكنه عليهالسلام أبى إلّا أن ينهج في عفوه نهج ابن عمه الرسول المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ عفا يوم الفتح عن كل من أساء إليه ، والذي كان يشفق على أعدائه لأنَّهم سيهلكون بأذاهم له ، فيتضرع إلى الله تعالى عله يهديهم إلى سواء السبيل : «اللهم اغفر لقومي إنَّهم لا يعلمون».
أمّا عائشة التي أججت نار الحرب ، وقادت الجيوش محرضة على الإطاحة به بكل وسيلة ، بل وقتله ، فقد قابل إساءتها بالرعاية ، والعفو ، والإحسان ، فأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يتعاهد هودجها ، ويدخلها داراً في البصرة ، كي لا يصيبها أذى ، وتأوه لها ممّن صانوا حلائلهم ، وأخرجوها من بيتها ، ولم يراعوا حرمة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما أمر الله تعالى به نساءه من أن يقرن في بيوتهن ، ثمَّ خيَّرها بين المقام أو العودة إلى المدينة المنورة ، ولما اختارت العودة أعادها معززة مكرمة ، ولم يؤاخذها بجريرة.
وهذا الخلق الرفيع لم يفارق الإمام علياً عليهالسلام حتى مع قاتله ابن ملجم ، عندما ضربه بسيف قد سقاه السم ، فأثر السم في بدنه ، فكان وهو في سكرات الموت يوصي ولده بقاتله خيراً ، فيقول لهم : إنَّه أسير ، فأحسنوا نزله ، وأكرموا مثواه ، فإن بقيت : قتلت ، أو عفوت ، وإن مت ، فاقتلوه قتلتي ، (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ
