ملهج لسانها ، وحلّ من عينها مكان إنسانها ، وكان له مع أبي الوليد ابن جهور تآلف أحرما بكعبته وطافا ، وسقياه من تصافيهما نطافا ، وكان يعتدّ ذلك حساما مسلولا ، ويظن أنه يردّ به صعب الخطوب ذلولا ، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال ، وقصره عن الوخد والإرقال ، فاستشفع بأبي الوليد وتوسّل ، واستدفع به تلك الأسنّة المشرعة والأسل ، فما ثنى إليه عنان عطفه ، ولا كفّ عنه فنون صرفه ، فتحيّل لنفسه ، حتى تسلّل من حبسه ، ففرّ فرار الخائف ، وسرى إلى إشبيلية (١) سرى الخيال الطائف ، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام ، ونجا إليها برأس طمرّ ولجام ، فهشّت له الدولة ، وباهت به الجملة ، فأحمد قراره ، وأرهفت النكبة غراره. وحصل عند المعتضد بالله بن عباد ، كالسويداء من الفؤاد ، واستخلصه استخلاص المعتصم لابن أبي دؤاد ، وألقى بيديه مقاد ملكه وزمامه ، واستكفى به نقضه وإبرامه ، فأشرقت شمسه وأنارت ، وأنجدت محاسنه وغارت ، وما زال يلتحف بخطوته ، ويقف بربوته ، حتى أدركه حمامه ، ولقي السّرار تمامه ، فأخبى منه شهبا طالعة ، وزهرة يانعة ، وقد أثبت من مقاله ، في سراحه واعتقاله ، ومقامه وانتقاله ، ما هو أرقّ من النسيم ، وأشرق من المحيّا الوسيم ، من ذلك قوله متغزلا (٢) :
|
يا قمرا أطلعه (٣) المغرب |
|
قد ضاق بي في حبّك المذهب |
|
ألزمتني الذنب الذي جئته |
|
صدقت! فاصفح أيّها المذنب |
|
وإنّ من أغرب ما مرّ بي |
|
أنّ عذابي فيك مستعذب |
ورحل عنه من كان يهواه ، وفاجأه ببينه ونواه ، فسايره قليلا وما شاه ، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشّاه ، واستعجل الوداع ، وفي كبده ما فيها من الانصداع ، وأقام يومه بحالة المفجوع ، وبات ليله منافر الهجوع ، يردّد الفكر ، ويجدّد الذكر ، فقال [الرمل](٤) :
|
ودّع الصّبر محبّ ودّعك |
|
ذائع من سرّه ما استودعك |
|
يقرع السّنّ على أن لم يكن |
|
زاد في تلك الخطا إذ شيّعك |
|
يا أخا البدر سناء وسنا |
|
حفظ الله زمانا أطلعك |
|
إن يطل بعدك (٥) ليلي فلكم |
|
بتّ أشكو قصر الليل معك |
__________________
(١) إشبيلية : مدينة في الأندلس ، فتحها العرب وانتزعها منهم فرديناند. المنجد في اللغة والأعلام (ج ٢ / ص ٤٨).
(٢) الأبيات في الديوان (ص ٢٦٩) طبع الحلبي.
(٣) في الديوان : مطلعه.
(٤) الأبيات في نفح الطيب (ج ٥ / ص ٣٤١) وفي الديوان (طبعة علي عبد العظيم). وفي الأدب الأندلسي والمغربي (ص ١٢٧).
(٥) في الديوان : إن يطل ليلك بعدي.
![المغرب في حلى المغرب [ ج ١ ] المغرب في حلى المغرب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2271_almaghreb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
