شاء ، وكان لا يريح المصحفي من المطالبة ، وإذا سمّ من أذاه أسلمه إلى عدوه غالب ، إلى أن هلك في سجنه كما تقدم في ترجمته.
ثم حصلت وحشة بين صبح أم هشام الخليفة وبين المنصور آل الأمر فيها إلى أن كانت الغلبة له ، وأخذ الأموال التي كانت في القصر مختزنة ، ونقلها إلى داره ، ووكّل بالقصر من أراد ، وصارت الدولة باطنا وظاهرا على حكمه.
وكان في أثناء ذلك مريضا ، وأرجف أعداؤه به ، ولما أفاق وصل إلى الخليفة هشام ، واجتمع به ، واعترف له بالاضطلاع بالدولة ، فخرست ألسنة الحسدة ، وعلم ما في نفوس الناس ، لظهور هشام ورؤيته ، إذ كان منهم من لم يره قط ، فأبرزه ، وركب ركبته المشهورة ، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا رازقهم ، معمما على الطويلة ، سادلا للذؤابة ، والقضيب في يده ، على زي الخلافة ، وإلى جانبه المنصور راكبا يسايره ، وعبد الملك بن المنصور راجلا يمشي بين يديه ، ويسير الجيش أمامه. وخرج المنصور إلى الغزاة ، وقد وقع في مرضه الذي مات في صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ، واقتحم أرض جلّيقيّة من تلقاء طليطلة إلى أرض قشتله ، بلد شانجه بن غرسية ، وهو كان مطلوبه ؛ فأحال الغارة على بلاده ، وقويت هنالك علته ، فاتخذ سرير خشب يحمله السودان على أعناقهم ، واشتدت عليه الخلقة ، فوصل إلى مدينة سالم ، وأيقن بالموت ، فقال : إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ، ما أصبح منهم أسوأ حالا مني فأمر ابنه عبد الملك بالنفوذ إلى قرطبة بعد ما أكثر وصيته ، وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر.
وذكر ابن حيان : أن أباه خلف بن حسين دخل على المنصور حينئذ ، وهو كالخيال ، وأكثر كلامه بالإشارة. ومات ليلة الإثنين ، لثلاث بقين من رمضان سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ، وأوصى أن يدفن حيث يقبض ، فذفن في قصره بمدينة سالم.
واضطرب الموالي على ابنه عبد الرحمن ، وقالوا : إنما نحن في حجر آل أبي عامر الدهر كله!
وكان عليه في قرطبة من الحزن يوم وصول العسكر ما لا شيء فوقه ، وكان مما أوصى ولده عبد الملك ألا يلقي بيده إلقاء الأمة فينشب في حبس بني أمية.
قال : فإن انقادت لك الأمور بالحضرة ، وإلا فانتبذ بأصحابك وغلمانك إلى بعض الأطراف التي حصّنتها لك ، وانتظر غدك إن أنكرت يومك ، وإياك أن تضع يديك في يد بني مروان فإني أعرف ذنبي لهم.
ومن فرحة الأنفس (١) : دامت دولته ستّا وعشرين سنة ، فيها اثنتان وعشرون غزوة. ومن
__________________
(١) فرحة الأنفس في فضلاء العمى من أهل الأندلس لأبي عبد الله ممد بن غالب البلنسي الكاتب الوزير المتوفى سنة ٧٦٧ ه.
![المغرب في حلى المغرب [ ج ١ ] المغرب في حلى المغرب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2271_almaghreb-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
