ومع عدم قيامه لا يحسن » (١).
أو لما قيل أيضا من أنّه لولا وجوب الحذر يلغو الإنذار المفروض كونه واجبا ، نظير ما استدلّ به غير واحد منهم [ صاحب ] المسالك (٢) على وجوب تصديق المرأة وقبول قولها في العدّة والحمل بقوله تعالى : ( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ )(٣) دلّت الآية على حرمة الكتمان ووجوب الإظهار عليهنّ ، فيجب قبول قولها في دعوى الحمل وإلاّ يلغو الإظهار.
وثانيهما : أنّ كلمة « لولا » في الماضي للتنديم والتوبيخ فتدلّ على وجوب النفر ، و « اللام » في قوله : ( لِيَتَفَقَّهُوا ) وفي ( لِيُنْذِرُوا ) للغاية ، فتدلّ على أنّ الغاية المقصودة من إيجاب النفر هو التفقّه ثمّ الإنذار ، وكلمة « لعلّ » أيضا واقعة موقع « لام » الغاية كما في قولك : « أسلم لعلّك تدخل الجنّة » ، و « تب لعلّك تفلح » ، ومنه قوله تعالى : ( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى )(٤) فإذا وجب النفر وجب غايته المقصودة منه وهو الإنذار ، وإذا وجب الإنذار وجب غايته أيضا وهو الحذر عقيب الإنذار ، لأنّ المتكلّم إذا أوجب شيئا فهو لا يرضى بانتفاء غايته والإخلال بها.
وقد يقرّر ذلك : بأنّ ذا الغاية مقدّمة للغاية ، وكما أنّ إيجاب ذي المقدّمة بخطاب أصلي يكشف عن وجوب المقدّمة ، فكذلك إيجاب المقدّمة بخطاب أصلي يكشف عن وجوب ذي المقدّمة.
وأمّا ما يقال ـ في منع دلالتها على وجوب الإنذار ليجب بوجوبه الحذر ـ من أنّ الظاهر ورودها في سياق آيات الجهاد ، كما يشهد به الآيات السابقة عليها واللاحقة بها ، خصوصا قوله : ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً )(٥) فيكون المراد بالنفر المأمور به هو النفر إلى الجهاد ، ومن المعلوم أنّ الغاية المقصودة من النفر إلى الجهاد ليس هو التفقّه بمعنى تعليم الأحكام ، بل إذلال الكفر وإعلاء كلمة الإسلام.
نعم ربّما يترتّب عليه التبصّر في الدين واستكمال الإيمان واليقين بما يتّفق لهم من مشاهدة آيات الله ، وظهور أوليائه على أعدائه ، وسائر ما يتّفق في حرب المسلمين مع
__________________
(١) معالم الدين : ١٩٠.
(٢) المسالك ٢ : ٣١.
(٣) سورة البقرة : ٢٢٨.
(٤) سورة طه : ١٤.
(٥) التوبة : ١٢٢.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
