السند ليندرج كلّ واحد من هذه الأخبار في نبأ العادل ، فبطل دعوى عدم الشمول باعتبار انصراف إطلاق « النبأ » إلى الخبر بلا واسطة ، إذ ليس هنا خبر مع الواسطة لئلاّ يشمله الإطلاق.
هذا ولكن انفتح من طريق هذا الجواب باب إشكال آخر أعظم من أصل الإيراد ، وهو أنّ حكم المفهوم لا يعمّ من الأخبار الّتي يتضمّنها السند ما عدا الخبر الأوّل وهو رواية الشيخ الحرّ عن الكليني ، لترتّب خبريّة ما عداه على حكم العامّ وتأخّر تحقّقه عن ثبوته له ، وذلك لأنّ وجوب قبول خبر العادل الّذي هو المفهوم عبارة عن وجوب تصديق المخبر في خبره ، على معنى الحكم على خبره بكونه صدقا.
وبعبارة اخرى : ترتيب آثار الصدق عليه ، ومن آثار صدق الشيخ الحرّ في إخباره عن الكليني كون الكليني مخبرا عن محمّد بن يحيى ، كما أنّ من آثار صدق الكليني في إخباره عن محمّد بن يحيى العطّار كون محمّد بن يحيى مخبرا ، ومن آثار صدق محمّد بن يحيى في إخباره عن أحمد بن محمّد بن عيسى كون أحمد بن محمّد مخبرا ، وهكذا كلّ لا حق بالقياس إلى سابقه.
ألا ترى لو أخبرنا زيد بأنّ عمروا أخبره بقدوم الحاج ، فمن آثار صدق زيد كون عمرو مخبرا بقدوم الحاج ، ضرورة أنّه لولا إخبار عمرو بقدوم الحاج وتحقّق هذا الخبر منه لم يكن زيد صادقا في خبره ، وقضيّة تأخّر خبريّة ما عدا الخبر الأوّل عن الحكم وترتّبه على ثبوته للخبر الأوّل عدم دخوله فيه ، وإلاّ لزم تقدّم الشيء على نفسه ، والأصل الكلّي في ذلك وجوب كون أفراد العامّ متساوية الأقدام بالنسبة إليه ، بأن يكون فرديّة الجميع في مرتبة واحدة ، بأن لا يكون فرديّة البعض متفرّعة على ثبوت الحكم للبعض الآخر متأخّرة عنه ، وإلاّ لم يعقل دخوله في حكم العامّ ، بل لابدّ لإثبات الحكم له من خطاب آخر.
وبالجملة الآية لا تدلّ على وجوب قبول خبر يتوقّف خبريّته على حكم الشارع بوجوب قبول الخبر ، لأنّ حكم القضيّة إنّما يثبت لموضوع يكون متحقّقا قبل ثبوت ذلك الحكم ومحرزا من غير جهته ، وأمّا لو توقّف موضوعيّة الموضوع على تماميّة حكم القضيّة وثبوته لغير ذلك الموضوع أوّلا فلا يثبت له ذلك الحكم ، بل يحتاج إلى خطاب آخر ، ومن هنا لو قال القائل : « كلّ خبري كاذب » لم يشمل حكمه لنفسه ، لأنّه إنّما يصير خبرا بعد تماميّة حكمه ، لأنّه قبل لحوق الحكم بالكذبيّة بكلّ خبري لم يكن خبرا ، وبعد ما صار خبرا لا حكم يشمله إلاّ بواسطة خطاب آخر ، فمفهوم الآية لا يشمل ما عدا الخبر الأوّل من الأخبار
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
