واحدة ، وإن كان أحدهما في وروده متأخّرا عن الآخر بحسب الزمان ، فيخصّص العامّ بكلّ منهما ، فيصير من العامّ الّذي ورد عليه تخصيصات عديدة ، فقوله : « أكرم العلماء » في المثال المذكور يخصّص تارة بقوله : « لا تكرم الفاسق منهم » ، واخرى بقوله : « لا تكرم النحويّين » ، وكذلك الآيات الناهية فيما نحن فيه ، تخصّص تارة بدليل البيّنة كالإجماع مثلا ، واخرى بمفهوم الآية ، إذ ليس بينهما تقابل في أنفسهما ولا ترتّب في مقابلتهما الآيات ، بل نسبتهما إليهما نسبة واحدة في درجة واحدة.
ومن ذلك ينقدح : فساد توهّم انقلاب النسبة بطريق آخر ، وهو اختصاص الآيات بصورة التمكّن من العلم بدليل حجّيّة الظنّ في صورة تعذّر العلم ، فهي بملاحظة هذا التخصيص عامّة في خبر الفاسق وخبر العادل ، والمفهوم عامّ في صورتي تعذّر العلم والتمكّن منه ، ويتعارضان في خبر العادل الغير المفيد للعلم مع التمكّن من العلم بالواقع ، ويمكن تخصيص المفهوم أيضا بصورة تعذّر العلم.
وفيه : أيضا منع انقلاب النسبة ، بل الآيات باقية على عمومها المطلق بالنسبة إلى الجميع ، فهي عامّة بالقياس إلى إمكان العلم وتعذّره والبيّنة وغيرها ، وخبر العادل وغيره ، وقد خرج منها صورة تعذّر العلم بالعقل القاطع ، والبيّنة بدليلها من الإجماع ونحوه ، وخبر العادل بمفهوم الآية.
وكلّ من هذه الثلاث خاصّ بالنسبة إليها ولا ترتّب بينها ، وكون البعض مخصّصا لها لا يمنع من تخصيصها بالبعض الآخر.
وإن كان الأوّل في وروده متقدّما على الآخر ، وكان تخصيص الآيات به سابقا على تخصيصها بالآخر ، لأنّ ملاك تخصيص العامّ بالخاصّ هو كشف الخاصّ عن عدم إرادة العموم من العامّ ، وهذا نسبة واحدة حاصلة في الجميع ، فإنّ كون دليل حجّيّة الظنّ عند تعذّر العلم كاشفا عن عدم دخول صورة تعذّر العلم في الإرادة من الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم ، لا ينافي كون مفهوم الآية أيضا كاشفا عن عدم دخول خبر العادل في الإرادة منها ، ولا كون دليل البيّنة أيضا كاشفا عن عدم دخولها فيها ، فالآيات لا تعارض مفهوم الآية على حال.
ومنها : أنّه لو دلّت الآية بمفهومها على حجّيّة خبر العادل لدلّت على حجّيّة الإجماع الّذي نقله السيّد وأتباعه على عدم حجّيّة خبر الواحد ، فإنّه أيضا خبر أخبر به العدول ، ومفاده عدم حجّيّة خبر العادل مطلقا ، فيلزم من دلالة الآية على الحجّيّة عدم الحجّيّة.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
