المفهوم على تقدير بقاء ظهور التعليق على حاله خاصّا مطلقا أو عامّا من وجه.
وقد عرفت أنّ مقتضى أظهريّة التعليل أو حكومته طرح ظهور التعليق وحمله على فوائده الاخر ، فمرجع الإيراد إلى سقوط الدلالة المفهوميّة في الآية بتحكيم عموم التعليل عليها.
وعن بعضهم (١) الذب عنه بمنع اندراج العمل بخبر العادل في عموم التعليل ، حملا للجهالة على السفاهة الباعثة على ارتكاب ما لا ينبغي ارتكابه في طريقة العقلاء ، المستتبع للتعسّف والندامة وملامة النفس ، من حيث ارتكابه له من غير تدبّر ولا رويّة ولا إعمال فطنة على ما هو من شيمة السفهاء ، تمسّكا بقوله تعالى : ( فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) لا مجرّد عدم العلم بصدق الخبر ، وإلاّ لما جاز الاعتماد على الشهادة والفتوى ، وحينئذ فيخرج عنه العمل بخبر العادل حسبما يتداوله العقلاء ، لأنّهم لا يعملون به على هذا الوجه ، بل تعويلا على العدالة الموجبة للوثوق والاطمئنان بصدق الخبر.
وكأنّه في النقض بالشهادة والفتوى غفلة عن قضيّة التخصيص ، أو أنّه توهّم لاستحالة التخصيص في مثله نظير التخصيص في العقليّات ، بزعم أنّ إصابة قوم بجهالة تجري مجرى القبائح العقليّة الغير القابلة للتخصيص ، وإلاّ فلا مانع من القول بأنّ التعليل يقتضي بعمومه عموم المنع فخرج عنه ما خرج وبقي الباقي.
وقد تقدّم في دفع كلام ابن قبة أنّ العمل بما فيه مخالفة الواقع أحيانا قد يحسن لأجل الاضطرار إليه ، وعدم وجود ما هو الأقرب إلى الواقع منه ، كما في الاعتماد على الفتوى ، وقد يكون لأجل مصلحة فيه تزيد على مفسدة مخالفة الواقع وعدم إدراكه ، كما فيها أيضا مع الشهادة في غالب مواردها.
وكيف كان فهذا الكلام كما ترى فى غاية الوهن والسقوط ، فإنّه مع كونه خلاف ظاهر « الجهالة » ممّا يأباه محلّ نزول الآية ، فإنّها نزلت في جماعة من العقلاء الذين قد همّوا قتال بني المصطلق ، وليس فيهم من يحكم بسفاهته ، خصوصا على ما في بعض التفاسير من أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قد همّ قتالهم ، فلا يبقى للجهالة محمل إلاّ مجرّد عدم العلم بصدق الخبر.
ولا ينافيه ظاهر لفظ الندامة « لأنّها » تتحقّق من العقلاء المتدبّرين عند انكشاف الخلاف في فعلهم ، فتراهم يقولون عند إظهار الندامة : « لعلّني لم أفعل هذا » ، أو « لم أقدم عليه أو لم أرتكبه » بل ربّما طرأهم ذلك في العمل عن علم ، فالجهالة لا محمل له إلاّ عدم العلم بصدق الخبر بالمعنى المتناول للظنّ به ، ولا سيّما الظنّ الابتدائي الّذي قد يحصل بخبر
__________________
(٢) حكاه ابن التلمساني عن القاضي ، انظر مفاتيح الاصول : ٣٥٦.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
