فإنّه ممّا لا يتوقّف عليه تماميّة أصل الكلام ولا تماميّة فائدته ، فلابدّ لذكرها من فائدة اخرى ، وإفادة الانتفاء عند الانتفاء تصلح لتلك الفائدة ، والمفروض أنّ « الفاسق » في الآية باعتبار أنّه لم يعتمد على موصوف أنّما اعتبر مسندا إليه ، فيكون من العمدة وهي اللقب ، وقد عرفت أنّ التعليق على العمدة لا يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء ، وهذا هو معنى كون المفهوم المتوهّم بالنسبة إلى ذلك الوصف أشبه بمفهوم اللقب.
وفيه نظر : لأنّ ما هو من قبيل مفهوم اللقب ، هو انتفاء أصل حكم الكلام المتقوّم بالمسند والمسند إليه ، كما لو قلنا في مثل ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) أنّه يدلّ على عدم مجيء العادل ، ولا كلام في عدم حجّيّة هذا المفهوم ، لا انتفاء حكم آخر غير الحكم المتقوّم بالمسند والمسند إليه كما فيما نحن فيه ، فإنّ إيجاب التبيّن عن نبأ الفاسق غير إسناد المجيء بالنبأ إلى الفاسق ، فلو فرض دلالة التعليق على انتفائه عند انتفاء الفسق كان من مفهوم الوصف لا غير ، فلا معنى لجعله أشبه بمفهوم اللقب ، فانحصر طريق ردّ الاستدلال في منع حجّيّة مفهوم الوصف.
وأمّا الثاني : فلعدم كون التعليق في الآية مساوق لتعليل الحكم بالشرط في موضوع محقّق على كلا تقديري وجوده وانتفائه ، كما هو الضابط في حجّيّة مفهوم الشرط ، كما في قوله : « إن جاءك زيد فأكرمه » ، لا لبيان كون الشرط محقّقا لموضوع الحكم بحيث يقضي انتفائه بانتفاء أصل الموضوع ، ففي مثل ذلك لا يقصد منه المفهوم ، للزوم اللغو كما في قولك : « إن قدم زيد من السفر فاستقبله » ، و « إن رزقت ولدا فاختنه » ، و « إن أصبت مالا فأنفقه » ، و « إذا لقيت أسدا فاحذر منه » ، ومنه قوله عزّ من قائل : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ )(١) الآية ، ولا ريب أنّ ما نحن فيه من هذا الباب ، فإنّ مجيء الفاسق بنبأ محقّق لموضوع وجوب التبيّن ـ وهو نبأ الفاسق ـ ومع انتفائه لا نبأ أصلا حتّى يتبيّن صدقه أو كذبه ، فالسالبة في جانب المفهوم لو قصد إفادته إنّما هي من جهة انتفاء الموضوع وهي غير مفيدة ، فيلزم كون اعتباره وقصده لغوا.
لا يقال : إنّ السلب من جهة انتفاء الموضوع خلاف ظاهر القضيّة ، لكونها حقيقة في كون سلبها لانتفاء المحمول مع تحقّق الموضوع فلتحمل عليه لأصالة الحقيقة ، لأنّ الأصل
__________________
(١) سورة الأنفال : ٤١.
![تعليقة على معالم الاصول [ ج ٥ ] تعليقة على معالم الاصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1388_taliqaton-ala-maalem-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
