مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

وإذا تغيّر أحد أوصاف مائها بالنجاسة ، قيل : ينزح حتى يزول التغير ، وقيل : ينزح ماؤها. فإن تعذر لغزارته تراوح عليها أربعة رجال ، وهو الأولى.

______________________________________________________

واعلم : أنّ المراد بالنص هنا مطلق الدليل النقلي سواء كان قولا أو فعلا ، نصا بالمعنى المصطلح عليه أو ظاهرا ، فيكون المراد بغير المنصوص ما لم يثبت حكمه بدليل نقلي. وعرّف الشهيد ـ رحمه‌الله ـ النص هنا بأنه القول أو الفعل الصادر عن معصوم الراجح المانع من النقيض (١). وهو غير جيد.

قوله : وإذا تغير أحد أوصاف مائها بالنجاسة ، قيل : ينزح حتى يزول التغير ، وقيل : ينزح ماؤها ، فإن تعذر لغزارته تراوح عليها أربعة رجال ، وهو الأولى.

اختلف الأصحاب في هذه المسألة على أقوال منتشرة ، وأكثرها مستند إلى اعتبارات ضعيفة ، والأقوى تفريعا على القول بعدم نجاسة البئر بالملاقاة الاكتفاء في طهارته مع التغير بزواله مطلقا ، لصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن الرضا عليه‌السلام (٢) فإنها صريحة في ذلك.

أما على القول بالنجاسة فيتجه وجوب أكثر الأمرين من استيفاء المقدّر وما به يزول التغير في المقدّر ، ونزح الجميع في غيره إن أمكن وإلا فالتراوح ، ويحتمل قويا الاكتفاء فيه بزوال التغير مطلقا ، لأن الخروج عن مقتضى النص الصحيح السند الصريح الدلالة لا يخلو من مجازفة. وإنما لم نتعرض لنقل بقية الأقوال في المسألة والكلام عليها ، لظهور ضعفها مما قررناه.

__________________

(١) نقله عن شرح الإرشاد للشهيد في روض الجنان : (١٥).

(٢) التهذيب ( ١ : ٢٣٤ ـ ٦٧٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٣ ـ ٨٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٢٦ ) أبواب الماء المطلق ب (١٤) ح (٦).

١٠١

ويستحب أن يكون بين البئر والبالوعة خمس أذرع إذا كانت الأرض صلبة أو كانت البئر فوق البالوعة ، وإن لم تكن كذلك فسبع.

______________________________________________________

تفريع : لو زال تغير البئر بغير النزح ونحوه من المطهرات طهرت على المختار ، لمكان المادة. وعلى القول الآخر يحتمل وجوب نزح الجميع ، لعدم أولوية البعض وتوقف اليقين عليه ، ويحتمل الاكتفاء بنزح المقدّر إن كان ، وإلا بما يتحقق به زوال التغير على تقدير بقائه ، أخذا من باب مفهوم الموافقة ، ولعله الأقرب.

قوله : ويستحب أن يكون بين البئر والبالوعة خمس أذرع إذا كانت الأرض صلبة ، أو كانت البئر فوق البالوعة ، وإن لم يكن كذلك فسبع.

المراد بالبالوعة هنا : ما يرمى فيها ماء النزح ، أو غيره من النجاسات. ومعنى فوقية البئر : أن يكون قرارها أعلى من قرار البالوعة ، بأن تكون البالوعة أعمق منها. ولا يخفى أنّ المراد بالذراع المذكورة هنا الذراع الهاشمية المحدودة في بيان المسافة. وما اختاره المصنف من الاكتفاء بالخمس مع صلابة الأرض أو فوقية البئر وإلا فالسبع هو المشهور بين الأصحاب.

وقال ابن الجنيد : إن كانت الأرض رخوة والبئر تحت البالوعة فليكن بينهما اثنا عشر ذراعا ، وإن كانت الأرض صلبة أو كانت البئر فوق البالوعة فليكن بينهما سبع (١) والمعتمد الأول.

لنا : إن فيه جمعا بين رواية الحسن بن رباط ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن البالوعة تكون فوق البئر فقال : « إذا كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع ، وإن كانت فوق البئر فسبعة أذرع من كل ناحية وذلك كثير » (٢) ورواية‌

__________________

(١) نقله عنه في المختلف : (١٥).

(٢) الكافي ( ٣ : ٧ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ٤١٠ ـ ١٢٩٠ ) ، الاستبصار ( ١ : ٤٥ ـ ١٢٦ ) ، وفي الوسائل ( ١ : ١٤٥ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٤) ح (٣) رواه عن الحسين بن أسباط ، والظاهر أنه تصحيف لعدم ثبوت وجود هكذا شخص ( راجع : معجم رجال الحديث ٥ : ٢٣٥ ـ ٣٣٩١ ).

١٠٢

______________________________________________________

قدامة ابن أبي زيد الحمّار (١) ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته كم أدنى ما يكون بين البئر والبالوعة؟ فقال : « إن كانت سهلا فسبعة أذرع ، وإن كانت جبلا فخمسة أذرع » (٢).

احتج العلامة في المختلف (٣) لابن الجنيد برواية محمد بن سليمان الديلمي ، عن أبيه ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف فقال لي : « إنّ مجرى العيون كلها مع مهب الشمال ، فإذا كانت النظيفة فوق الشمال والكنيف أسفل منها لم يضرها إذا كان بينهما أذرع ، وإن كان الكنيف فوق النظيفة فلا أقل من اثني عشر ذراعا ، وإن كان تجاهها بحذاء القبلة وهما مستويان في مهب الشمال فسبعة أذرع » (٤).

وألحق جماعة من المتأخرين بالفوقية الحسية الفوقية بالجهة ، فحكموا بالاكتفاء بالخمس مع استواء القرارين ورخاوة الأرض إذا كانت البئر في جهة الشمال ، استنادا إلى هذه الرواية (٥). وهي غير دالة على ذلك ، بل ولا على ما ذكره ابن الجنيد ، مع أنها ضعيفة جدا بمحمد بن سليمان الديلمي وأبيه ، فقد قيل : إن سليمان كان غاليا‌

__________________

(١) اختلف ضبطه في كتب الرجال فقال في معجم الرجال ( ١٠ : ٢٤٩ ) : الحمّار ثم ذكر بدله الجمّال بلا ترجيح ، وفي جامع الرواة ( ١ : ٤٩٦ ) : قدامة بن أبي يزيد الجمّار ، بلا تعرض للاختلاف. ولم يتعرضه في تنقيح المقال ، لا في ترجمته ولا في ترجمة عبد الله بن عثمان ( وهو الراوي عنه ) وكذا في كتب القدماء.

(٢) الكافي ( ٣ : ٨ ـ ٣ ) ، التهذيب ( ١ : ٤١٠ ـ ١٢٩١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٥ ـ ١٢٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٥ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٤) ح (٢).

(٣) المختلف : (١٥).

(٤) التهذيب ( ١ : ٤١٠ ـ ١٢٩٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٥ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٤) ح (٦).

(٥) منهم الشهيد الثاني في روض الجنان : (١٥٦).

١٠٣

______________________________________________________

كذابا (١). وقال القتيبي : إنه كان من الغلاة الكبار (٢). وقال النجاشي : إن ابنه محمدا ضعيف جدا لا يعول عليه في شي‌ء (٣). وأيضا فإنها مجملة الدلالة ، متروكة الظاهر ، مخالفة للاعتبار ، فالأجود اطراحها رأسا.

وبالجملة : فالأخبار الواردة في هذه المسألة (٤) كلها ضعيفة السند ، لكن المقام مقام استحباب فالأمر فيه هين.

واعلم : أنه على ما اعتبره المتأخرون يتحصل في المسألة أربع وعشرون صورة ، لأن امتداد البئر والبالوعة إما أن يكون في جهة الجنوب والشمال ، أو فيما بين المشرق والمغرب ، وبكل تقدير إما أن تكون الأرض صلبة أو رخوة ، فهذه ثمان صور ، ثم إما أن يستوي القراران حسا أو تكون البئر أعلى أو البالوعة.

فإن كانت البئر في جهة الشمال فصوره ست.

الأولى : قرارها أعلى والأرض صلبة.

الثانية : الصورة بحالها والأرض رخوة.

الثالثة : استواء القرارين والأرض صلبة.

الرابعة : الصورة بحالها والأرض رخوة.

الخامسة : قرار البالوعة أعلى والأرض صلبة. وفي هذه الصور الخمس يستحب التباعد عندهم بخمس.

السادسة : الصورة بحالها والأرض رخوة والتباعد هنا بسبع. ومنه يعلم حكم الصور‌

__________________

(١) كما في رجال النجاشي : ( ١٨٢ ـ ٨٤٢ ).

(٢) كما في رجال الكشي ( ٢ : ٦٧٣ ـ ٧٠٤ ). ففيه : محمد بن مسعود ، قال ، قال علي بن محمد : سليمان الديلمي من الغلاة الكبار.

(٣) رجال النجاشي : ( ٣٦٥ ـ ٩٨٧ ).

(٤) الوسائل ( ١ : ١٤٤ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٤).

١٠٤

ولا يحكم بنجاسة البئر إلا أن يعلم وصول ماء البالوعة إليها.

______________________________________________________

الباقية إلا أنّ التباعد في الصورة الرابعة يكون فيها بسبع ، فالتباعد بخمس في سبع عشرة صورة وبسبع في سبع.

قوله : ولا يحكم بنجاسة البئر إلا أن يعلم وصول ماء البالوعة إليها.

بل الأظهر عدم نجاستها إلا بالتغير ، وهذا الحكم معلوم مما سبق (١) ويدل عليه أيضا رواية محمد بن القاسم ، عن أبي الحسن عليه‌السلام : في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة أذرع أو أقل أو أكثر يتوضأ منها؟ قال : « نعم ، ليس يكره من قرب ولا بعد ، يتوضأ منها ويغتسل » (٢) ولا ينافي ذلك ما رواه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الحسن ، عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير : قالوا : قلنا له : بئر يتوضأ منها يجري البول قريبا منها ، أينجسها؟ قال ، فقال : « إن كانت البئر في أعلى الوادي يجري فيه البول من تحتها وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجس ذلك شي‌ء. وإن كانت البئر في أسفل الوادي ويمر الماء عليها وكان بين البئر وبينه تسعة أذرع لم ينجسها ، وما كان أقل من ذلك لم يتوضأ منه » قال زرارة : فقلت له : فإن كان مجرى البول بلزقها وكان لا يلبث على الأرض؟ فقال : « ما لم يكن له قرار فليس به بأس وإن استقر منه قليل فإنه لا يثقب الأرض ولا يغوله (٣) حتى يبلغ البئر وليس على البئر منه بأس فتوضأ منه إنما ذلك إذا استنقع كله » (٤) وزاد في الكافي بعد قوله : لم ينجس ذلك شي‌ء : « وإذا كان‌

__________________

(١) المتقدم في ص (٥٥).

(٢) الكافي ( ٣ : ٨ ـ ٤ ) ، التهذيب ( ١ : ٤١١ ـ ١٢٩٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٦ ـ ١٢٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٢٦ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٤) ح (٤) ، بتفاوت يسير.

(٣) يغوله : يغلبه ( راجع مجمع البحرين ٥ : ٤٣٧ ).

(٤) التهذيب ( ١ : ٤١٠ ـ ١٢٩٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٦ ـ ١٢٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٤ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٤) ح (١).

١٠٥

وإذا حكم بنجاسة الماء لم يجز استعماله في الطهارة مطلقا ، ولا في الأكل والشرب إلا عند الضرورة.

______________________________________________________

أقل من ذلك نجّسها » (١).

لأنا نقول : يمكن تأويلها بما يوافق المشهور جمعا بين الأدلة بأن يحمل قوله : نجّسها ، على المعنى اللغوي ، ويحمل النهي عن الوضوء منها على التنزيه ، ويحمل البأس على ما يتناول الكراهة.

ويمكن القدح فيها بالإضمار ، لعدم العلم بالمسؤول عنه فلعله ممّن لا يجب اتباع قوله. إلا أنّ ذلك غير قادح عند التحقيق ، إذ الظاهر أن هؤلاء الأجلاء لا يروون إلا عن إمام.

فرع : قال في المنتهى : لو تغير ماؤها تغيرا يصلح استناده إلى البالوعة فهو على الطهارة ما لم يحصل اليقين بالاستناد ، وكذا غير البالوعة من النجاسات (٢).

قوله : وإذا حكم بنجاسة الماء لم يجز استعماله في الطهارة مطلقا ، ولا في الأكل والشرب إلا عند الضرورة.

المراد بعدم الجواز هنا معناه المتعارف وهو التحريم بقرينة قوله : ولا في الأكل والشرب. فإن استعماله فيهما محرم قطعا. وإنما كانت الطهارة بالنجس محرمة ، لأن استعمال المكلف النجس فيما يعده طهارة في نظر الشارع أو إزالة نجاسة يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه ، فيكون حراما لا محالة ، كما في الصلاة بغير طهارة.

ويحتمل أن يراد بعدم الجواز هنا عدم الاعتداد بالطهارة في رفع الحدث ، وبه صرح العلامة ـ رحمه‌الله ـ في النهاية ، حيث قال بعد أن حكم بتحريم ذلك : إنا لا نعني‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٧ ـ ٢ ).

(٢) المنتهى ( ١ : ١٩ ).

١٠٦

ولو اشتبه الإناء النجس بالطاهر وجب الامتناع منهما. وإن لم يجد غير مائهما تيمّم.

______________________________________________________

بالتحريم حصول الإثم بذلك ، بل نعني عدم الاعتداد به في رفع الحدث (١).

والمراد بالإطلاق هنا شمول حالتي الاختيار والاضطرار مقابل القيد الذي بعده ، فإنّ الماء النجس لا يصح الطهارة به إجماعا ، بل ينتقل معه إلى التيمم كما حكاه في النهاية. ويحتمل أن يريد بالإطلاق أنه لا فرق في ذلك بين الطهارة الحقيقية والمجازية ليشمل إزالة النجاسة.

قوله : ولو اشتبه الإناء النجس بالطاهر وجب الامتناع منهما ، وإن لم يجد غير مائهما تيمم.

هذا مذهب الأصحاب ، والمستند فيه ما رواه عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو ، وليس يقدر على ماء غيره قال : « يهريقهما ويتيمم » (٢) وهي ضعيفة السند بجماعة من الفطحية (٣).

واحتج عليه في المختلف أيضا : بأن اجتناب النجس واجب قطعا ، وهو لا يتم إلا باجتنابهما معا ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٤).

وفيه نظر : فإن اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه إلاّ مع تحققه بعينه لا مع الشك فيه ، واستبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا إذا لم يحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه‌

__________________

(١) نهاية الأحكام ( ١ : ٢٤٦ )

(٢) التهذيب ( ١ : ٢٤٨ ـ ٧١٢ ) ، ( ٤٠٧ ـ ١٢٨١ ) ، الوسائل ( ١ : ١١٦ ) أبواب الماء المطلق ب (٨) ح (١٤) ، بتفاوت يسير.

(٣) وهم ابن فضال ، وعمرو بن سعيد ، ومصدق بن صدقة ، وعمار الساباطي.

(٤) المختلف : (١٦).

١٠٧

______________________________________________________

الاشتباه غير ملتفت إليه ، وقد ثبت نظيره في حكم واجدي المني في الثوب المشترك ، واعترف به الأصحاب في غير المحصور أيضا ، والفرق بينه وبين المحصور غير واضح عند التأمل. ويستفاد من قواعد الأصحاب أنه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الماء وخارجه لم ينجس الماء بذلك ولم يمنع من استعماله. وهو مؤيد لما ذكرناه.

وهنا أبحاث :

الأول : إطلاق النص وكلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في ذلك بين ما لو كان الاشتباه حاصلا من حين العلم بوقوع النجاسة وبينما لو طرأ الاشتباه بعد تعيّن النجس في نفسه. والفرق بينهما محتمل ، لتحقق المنع من استعمال ذلك المتعين فيستصحب إلى أن يثبت الناقل عنه.

الثاني : لو أصاب أحد الإناءين جسم طاهر بحيث ينجس بالملاقاة لو كان الملاقي معلوم النجاسة ، فهل يجب اجتنابه كالنجس أم يبقى على أصل الطهارة؟ فيه وجهان أظهرهما : الثاني ، وبه قطع المحقق الشيخ علي ـ رحمه‌الله ـ في حاشية الكتاب ، ومال إليه جدي ـ قدس‌سره ـ في روض الجنان (١) ، لأن احتمال ملاقاة النجس لا يرفع الطهارة المتيقنة ، وقد روى زرارة في الصحيح ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، أنه قال : « ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا » (٢).

وقيل بالأول ، وهو اختيار العلامة في المنتهى محتجا بأن المشتبه بالنجس بحكم النجس (٣). وضعفه ظاهر ، للقطع بأن موضع الملاقاة كان طاهرا في الأصل ولم يعرض له ما يقتضي ظن ملاقاته للنجاسة فضلا عن اليقين.

__________________

(١) روض الجنان : (١٥٦).

(٢) التهذيب ( ١ : ٤٢١ ـ ١٣٣٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٨٣ ـ ٦٤١ ) ، الوسائل ( ٢ : ١٠٦١ ) أبواب النجاسات ب (٤١) ح (١).

(٣) المنتهى ( ١ : ٣٠ ).

١٠٨

______________________________________________________

وقولهم : ان المشتبه بالنجس بحكم النجس ، لا يريدون به من جميع الوجوه ، بل المراد صيرورته بحيث يمنع استعماله في الطهارة خاصة. ولو صرحوا بإرادة المساواة من كل وجه كانت الدعوى خالية من الدليل ، إلا أن الاحتياط يقتضي الاجتناب غالبا.

الثالث : مقتضى النص (١) وكلام الأصحاب وجوب التيمم والحال هذه إذا لم يكن المكلف متمكنا من الماء الطاهر مطلقا. وقد يخص ذلك بما إذا لم يمكن الصلاة بطهارة متيقنة بهما كما إذا أمكن الطهارة بأحدهما والصلاة ثم تطهير الأعضاء مما لاقاه ماء الوضوء والوضوء بالآخر. لكن يرد عليه : أنّ هذين الماءين قد صارا محكوما بنجاستهما شرعا واستعمال النجس في الطهارة مما لا يمكن التقرب به ، لأنه بدعة. وفيه ما فيه.

واعلم : أن المشتبه بالمغصوب كالمشتبه بالنجس في وجوب الاجتناب وبطلان الطهارة به ، للنهي عن استعمال كل واحد منهما.

وأما المشتبه بالمضاف فقد قطع الأصحاب بوجوب الطهارة بكل واحد منهما ، وأنه مع انقلاب أحدهما يجب الوضوء بالآخر والتيمم ، مقدّما الأول على الثاني.

وقد يقال : إن الماء الذي يجب استعماله في الطهارة إن كان هو ما علم كونه ماءا مطلقا فالمتجه الاجتزاء بالتيمم وعدم وجوب الوضوء به كما هو الظاهر. وإن كان هو ما لا يعلم كونه مضافا اكتفي بالوضوء ، فالجمع بين الطهارتين غير واضح. ومع ذلك فوجوب التيمم إنما هو لاحتمال كون المنقلب هو المطلق فلا يكون الوضوء بالآخر مجزيا ، وهذا لا يتفاوت الحال فيه بين تقديم التيمم وتأخيره كما هو واضح.

__________________

(١) الوسائل ( ٢ : ٩٦٦ ) أبواب التيمم ب (٤).

١٠٩

الثاني في المضاف :

وهو كل ما اعتصر من جسم أو مزج به مزجا يسلبه إطلاق الاسم. وهو طاهر لكن لا يزيل حدثا إجماعا ،

______________________________________________________

قوله : الثاني في المضاف ، وهو : كل ما اعتصر من جسم أو مزج به مزجا يسلبه إطلاق الاسم.

قد بينا فيما سبق أنّ هذه التعريفات كلها لفظية على قانون أهل اللغة ، وهو تبديل اسم باسم آخر أشهر منه ، وإن كان أعم من موضوعه (١). وحينئذ فلا يرد على هذا التعريف أنه غير مطرد ولا منعكس ، لانتقاضه طردا بالمصعّد ، وعكسا بالدم المعتصر مثلا ( مع إمكان اندفاع الثاني بقراءة : « ما » بالمد كما هو ظاهر ) (٢).

قوله : وهو طاهر لكن لا يزيل حدثا إجماعاً ،

هذا هو المشهور بين الأصحاب ، وخالف فيه ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ فجوّز رفع الحدث بماء الورد (٣). ولم يعتبر المصنف ـ رحمه‌الله ـ خلافه حيث ادّعى الإجماع على عدم حصول الرفع به لمعلومية نسبه ، أو لانعقاد الإجماع بعده. والمعتمد المشهور.

ولنا عليه وجوه :

الأول : قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ) (٤) أوجب التيمم عند فقد الماء المطلق ، لأن الماء حقيقة فيه ، واللفظ إنما يحمل على حقيقته ، ولو كان الوضوء جائزا بغيره لم يجب التيمم عند فقده ، وذلك ظاهر.

__________________

(١) في ص (٧).

(٢) ما بين القوسين ليس في : « س ».

(٣) الهداية : (١٣) ، الفقيه ( ١ : ٦ ) ، الأمالي : (٥١٤).

(٤) النساء : (٤٣) ، المائدة : (٦).

١١٠

______________________________________________________

الثاني : قوله عليه‌السلام في رواية أبي بصير وقد سأله عن الوضوء باللبن : « لا إنما هو الماء والصعيد » (١) نفى أن يكون غير الماء والصعيد مطهرا ، والتقريب ما تقدم.

الثالث : قوله تعالى ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) (٢) وجه الاستدلال أنه تعالى خص التطهير بالماء النازل من السماء ، فلا يكون غيره مطهرا.

أما المقدمة الأولى : فلأنه تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان ، فلو حصلت الطهارة بغيره كان الامتنان بالأعم أولى ، ولم يظهر للتخصيص فائدة.

وأما الثانية : فظاهرة ، كذا استدل في المختلف (٣).

وفيه نظر : لجواز أن يخصّ أحد الشيئين الممتنّ بهما بالذكر إذا كان أبلغ وأكثر وجودا وأعم نفعا ، وقد تقرر أنّ التخصيص بالذكر لا ينحصر في التخصيص بالحكم.

الرابع : إن الحدث وهو المنع من الصلاة معنى مستفاد من الشارع فيجب استمراره إلى أن يثبت له رافع شرعي ، والذي ثبت التعبد باستعماله وكونه رافعا للحدث هو الماء المطلق ، فينتفي بدونه.

واحتج ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ بما رواه يونس ، عن أبي الحسن عليه‌السلام : في الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة قال : « لا بأس بذلك » (٤) وهو ضعيف ، لاشتمال سنده على سهل بن زياد وهو عامي (٥) ومحمد بن عيسى عن يونس وقد نقل الصدوق ـ رحمه‌الله ـ عن شيخه ابن الوليد ـ رحمه‌الله ـ أنه لا يعتمد على حديث محمد‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ١٨٨ ـ ٥٤٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٥٥ ـ ٥٣٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٦ ) أبواب الماء المضاف ب (٢) ح (١).

(٢) الفرقان : (٤٨).

(٣) المختلف : (١٠).

(٤) الكافي ( ٣ : ٧٣ ـ ١٢ ) ، التهذيب ( ١ : ٢١٨ ـ ٦٢٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٤ ـ ٢٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٨ ) أبواب الماء المضاف ب (٣) ح (١).

(٥) تفرّد السيد المؤلف بنسبة العامية اليه ولم نجد من نسبها اليه غيره.

١١١

ولا خبثا على الأظهر. ويجوز استعماله فيما عدا ذلك.

______________________________________________________

بن عيسى عن يونس (١).

وحكم الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في كتابي الأخبار (٢) بشذوذ هذه الرواية ، وأن العصابة أجمعت على ترك العمل بظاهرها. ثم أجاب عنها باحتمال أن يكون المراد بالوضوء التحسين والتنظيف ، أو بأن يكون المراد بماء الورد الماء الذي وقع فيه الورد دون أن يكون معتصرا منه. وما هذا شأنه فهو بالإعراض عنه حقيق.

ونقل المصنف في المعتبر اتفاق الناس جميعا على أنه لا يجوز الوضوء بغير ماء الورد من المائعات (٣).

قوله : ولا خبثا على الأظهر.

خالف في ذلك المرتضى ـ رحمه‌الله ـ في شرح الرسالة (٤) ، والمفيد ـ رحمه‌الله ـ في المسائل الخلافية (٥) فجوزا إزالة الخبث به مطلقا.

والأصح عدمه كما اختاره المصنف (٦) وأكثر الأصحاب ، لورود الأمر بغسل الثوب والبدن بالماء في عدة أخبار (٧) ، وهو حقيقة في المطلق ، فيجب حمله عليه. ولا ينافي ذلك إطلاق الأمر بالغسل في بعضها أيضا ، لأن المقيد يحكّم على المطلق كما هو مقرر في الأصول.

__________________

(١) كما في رجال النجاشي : ( ٣٣٣ ـ ٨٩٦ ).

(٢) التهذيب ( ١ : ٢١٩ ) ، الاستبصار ( ١ : ١٤ ).

(٣) المعتبر ( ١ : ٨٢ ).

(٤) نقله عن شرح الرسالة في المعتبر ( ١ : ٨٢ ) وهذا القول والاحتجاج الذي يليه موجود في المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : (١٨٣).

(٥) نقله عنه في المعتبر ( ١ : ٨٢ ).

(٦) المعتبر ( ١ : ٨٢ ).

(٧) الوسائل ( ١ : ١٠٠١ ) أبواب النجاسات ب (١).

١١٢

______________________________________________________

احتج المرتضى ـ رحمه‌الله ـ بإجماع الفرقة ، وبإطلاق قوله تعالى ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) (١) وقوله عليه‌السلام : « إنما يغسل الثوب من المني والدم » (٢) والطهارة والغسل بحسب المفهوم متناول لما كان بالماء وغيره. ثم اعترض على نفسه في الأول : بالمنع من تناول الطهارة للغسل بغير الماء.

وفي الثاني : بأن إطلاق الأمر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل به في العادة ، ولم تقض العادة بالغسل بغير الماء.

وأجاب عن الأول : بأنّ تطهير الثوب ليس بأكثر من إزالة النجاسة عنه وقد زالت بغسله بغير الماء مشاهدة ، لأن الثوب لا تلحقه عبادة.

وعن الثاني : بالمنع من اختصاص الغسل بما يسمى الغاسل به غاسلا عادة ، ولو كان كذلك لوجب المنع من غسل الثوب بماء الكبريت والنفط وغيرهما مما لم تجر العادة بالغسل فيه ، ولما جاز ذلك ـ وإن لم يكن معتادا ـ إجماعا علمنا عدم الاشتراط بالعادة ، وأنّ المراد بالغسل ما يتناوله اسمه حقيقة من غير اعتبار العادة (٣). هذا كلامه ـ رحمه‌الله ـ.

ويرد على الأول : المنع من تساوي المفهومين شرعا ، كيف وقد اشترط هو ـ رحمه‌الله ـ في تطهير النجس ورود الماء عليه ولم يكتف بوروده على الماء (٤). وأجمع علماؤنا على أنّ إزالة النجاسة بالبصاق لا يفيد طهارة المحل ، ولو اتحدا مفهوما للزم طهارة المحل بمجرد زوال النجاسة به مطلقا.

__________________

(١) المدثر : (٤).

(٢) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : (١٨٣) ، المعتبر ( ١ : ٤١٥ ).

(٣) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : (١٨٣).

(٤) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : (١٨٣).

١١٣

ومتى لاقته النجاسة نجس قليله وكثيره ، ولم يجز استعماله في أكل ولا شرب.

ولو مزج طاهره بالمطلق اعتبر في رفع الحدث به إطلاق الاسم.

______________________________________________________

وعلى الثاني : أنّ الغسل إنما ينصرف إلى ما هو المعتاد الجاري على ألسنة أهل العرف وهو الغسل بالماء المطلق ، كما في قول القائل : اسقني. ولئن سلم عدم تناوله لماء الكبريت ونحوه لم يقدح ذلك في جواز الطهارة به ، لانعقاد الإجماع على الجواز كما اعترف به هو ـ رحمه‌الله ـ ومع ذلك فوجوب حمل المطلق على المقيد يبطل التمسك بما ذكره من الظواهر.

قوله : ومتى لاقته نجاسة نجس قليله وكثيره.

قال المصنف في المعتبر : هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا. واستدل عليه بأن المائع قابل للنجاسة ، والنجاسة موجبة لنجاسة ما لاقته ، فيظهر حكمها عند الملاقاة ثم تسري النجاسة بممازجة المائع بعضه بعضا (١) ، وهو حسن.

ولا تسري النجاسة مع اختلاف السطوح إلى الأعلى قطعا ، تمسكا بمقتضى الأصل السالم من المعارض.

ومتى حكم بنجاسة هذا الماء امتنع استعماله في مشروط بالطهارة. ولا سبيل إلى طهارته إلا باختلاطه بالجاري أو الكثير من الماء المطلق الطاهر وصيرورته ماءا مطلقا ، فيجوز استعماله حينئذ فيما يستعمل فيه المياه المطلقة.

قوله : ولو مزج طاهره بالمطلق اعتبر في رفع الحدث به إطلاق الاسم.

إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق بين ما إذا كان المضاف مخالفا للمطلق في الصفات أو موافقا له كماء الورد المنقطع الرائحة.

والحكم باعتبار الاسم في الأول مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة (٢).

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ٨٤ ).

(٢) منهم ابن زهرة في الغنية ( الجوامع الفقهية ) : (٥٥٢) ، والعلامة في التذكرة ( ١ : ٣ ).

١١٤

______________________________________________________

وإنما الخلاف في الثاني فنقل عن الشيخ ـ رحمه‌الله ـ اعتبار الأكثر وجواز الاستعمال مع المساواة (١). وعن ابن البراج المنع من الاستعمال مع المساواة أيضا (٢). واعتبر العلامة (٣) المخالفة المقدرة كالحكومة في الحر (٤). قال في الذكرى : فحينئذ يعتبر الوسط في المخالفة ولا يعتبر في الطعم حدّة الخل ولا في الرائحة ذكاء المسك (٥). وهو حسن. ويحتمل اعتبار أقل ما يتحقق به المخالفة ، والأصح ما أطلقه المصنف ـ رحمه‌الله ـ من اعتبار الاسم ، لأنه مناط الأحكام.

إذا تقرر ذلك فاعلم : أنه لو كان مع المكلف ماء لا يكفيه للطهارة وأمكن تتميمه بالمضاف مع بقاء الاسم وجب عليه ذلك على الأظهر ، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ونقل عن الشيخ ـ رحمه‌الله ـ أنه منع من وجوب التتميم وحكم بأن فرضه التيمم ، مع أنه أوجب عليه الوضوء بعده (٦). فألزمه العلامة بتنافي قوليه ، لأن الماء المطلق إن تحقق وجوده بالمزج صح الوضوء به ووجب المزج ، وإلا وجب الحكم بعدم صحة الوضوء (٧).

وأجاب عنه ولده في الشرح : بأنّ الطهارة واجب مشروط بوجود الماء والتمكن منه ، فلا يجب إيجاده ، لأن شرط الواجب المشروط غير واجب ، أما مع وجوده فيتعين‌

__________________

(١) المبسوط ( ١ : ٨ ).

(٢) المهذب ( ١ : ٢٤ ).

(٣) المنتهى ( ١ : ٥ ) ، والتذكرة ( ١ : ٣ ) ، والمختلف : (١٤).

(٤) أي : كما يقدر الحرّ عبدا في الحكومة.

(٥) الذكرى : (٧).

(٦) المبسوط ( ١ : ٩ ).

(٧) المختلف : (١٤).

١١٥

وتكره الطهارة بماء أسخن بالشمس في الآنية ،

______________________________________________________

استعماله (١).

وفيه نظر : فإنه إن أراد بإيجاد الماء ما لا يدخل تحت قدرة المكلف فهو حق ولا ينفعه ، وإن أراد به الأعم فممنوع ، لأنه لو توقف وجود الماء على حفر بئر ونحوه وجب قطعا ، فالتنافي بحاله.

قوله : وتكره الطهارة بماء أسخن بالشمس في الآنية.

الأصل في ذلك ما رواه إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الحسن عليه‌السلام : قال : « دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عائشة وقد وضعت قمقمتها في الشمس فقال : يا حميراء ما هذا؟ فقالت : أغسل رأسي وجسدي ، فقال : لا تعودي فإنه يورث البرص » (٢) وحكم المصنف في المعتبر بصحة سند هذا الحديث (٣). وهو غير واضح ، لأن في طريقه إبراهيم بن عبد الحميد ، ودرست ، وهما واقفيان (٤) ، ومحمد بن عيسى العبيدي وفيه كلام (٥).

وما رواه إسماعيل بن أبي زياد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : قال : « قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الماء الذي يسخن بالشمس لا توضئوا به ولا تغتسلوا به ولا تعجنوا به ، فإنه يورث البرص » (٦).

__________________

(١) إيضاح الفوائد ( ١ : ١٨ ).

(٢) التهذيب ( ١ : ٣٦٦ ـ ١١١٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٠ ـ ٧٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٥٠ ) أبواب الماء المضاف ب (٦) ح (١).

(٣) المعتبر ( ١ : ٤٠ ).

(٤) راجع رجال الشيخ : ( ٣٤٤ ، ٣٤٨ ).

(٥) راجع معجم رجال الحديث ( ١٧ : ١١٣ ـ ١١٥٠٩ ).

(٦) الكافي ( ٣ : ١٥ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٧٩ ـ ١١٧٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٥٠ ) أبواب الماء المضاف ب (٦) ح (٢). بتفاوت يسير.

١١٦

______________________________________________________

وحملهما الأصحاب على الكراهة ، لضعف سندهما ، ولما روي عن الصادق عليه‌السلام بطريق ضعيف أيضا أنه قال : « لا بأس أن يتوضأ بالماء الذي يوضع في الشمس » (١).

وإطلاق الخبر الثاني يقتضي عموم الكراهة سواء كان الماء في آنية أو في غيرها ، وسواء كانت الآنية منطبعة أم لا ، وسواء قصد إلى تسخينه أو تسخن من قبل نفسه ، وسواء كانت البلاد حارة أو معتدلة ، وسواء استعمل في الطهارة أو غيرها.

لكن قال العلامة في النهاية : إن التعليل بكونه يورث البرص يقتضي قصر الحكم على الأواني المنطبعة غير الذهب والفضة ، في البلاد الحارة ، لأن الشمس الحارة إذا أثرت في تلك الأواني استخرجت منها زهومة تعلو الماء ، ومنها يتولد المحذور. وقال : إنّ ما يسخن في الحياض والبرك لا تكره الطهارة به إجماعا (٢).

واعلم : أنّ المراد بالمكروه هنا ما نهى الشارع عنه لرجحان تركه على فعله على بعض الوجوه. وما قيل من أنّ مكروه العبادة عبارة عما كان أقل ثوابا من غيره (٣). فغير جيد ، لانتقاضه بكثير من المستحبات والواجبات.

وينبغي القطع بانتفاء الكراهة مع تعين استعمال ذلك الماء ، لتوجه الأمر باستعماله عينا المنافي لتعلق النهي به كما لا يخفى.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٦٦ ـ ١١١٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٠ ـ ٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٥١ ) أبواب الماء المضاف ب (٦) ح (٣) ، بتفاوت يسير.

(٢) نهاية الأحكام ( ١ : ٢٢٦ ).

(٣) كما في المسالك ( ١ : ٧٥ ) فإنه قال في كراهة الصوم في السفر : والمراد كونه أنقص ثوابا من الصوم في الحضر كنظائره من مكروه العبادة.

١١٧

وبماء أسخن بالنار في غسل الأموات.

والماء المستعمل في غسل الأخباث نجس ، سواء تغير بالنجاسة أو لم يتغير ،

______________________________________________________

قوله : وبماء أسخن بالنار في غسل الأموات.

هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب ، حكاه في المنتهى (١). وتدل عليه صحيحة زرارة : قال ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : « لا يسخن الماء للميت ولا يعجل له النار » (٢) والنهي وإن كان حقيقة في التحريم لكنه محمول على الكراهة ، لاتفاق الأصحاب على أن ذلك غير محرم.

قال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ : ولو خشي الغاسل من البرد انتفت الكراهة (٣). وهو حسن (٤).

قوله : والماء المستعمل في غسل الأخباث نجس ، سواء تغير بالنجاسة أو لم يتغير.

أما نجاسته مع التغير فبإجماع الناس ، قاله في المعتبر (٥) ، لما تقدم من أنّ غلبة النجاسة على الماء مقتضية لتنجيسه. وأما إذا لم يتغير فقد اختلف فيه كلام الأصحاب ، فقال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في المبسوط : هو نجس ، وفي الناس من قال لا ينجس إذا لم‌

__________________

(١) المنتهى ( ١ : ٤٣٠ ).

(٢) لم نعثر على حديث لزرارة بهذا النص ، نعم يوجد « لا يسخن الماء للميت » بدون ذيل الحديث في التهذيب ( ١ : ٣٢٢ ـ ٩٣٨ ) ، والوسائل ( ٢ : ٦٩٣ ) أبواب غسل الميت ب (١٠) ح (١) ، ووردت بتمامها بسند آخر عن يعقوب بن يزيد عن عدة من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه‌السلام في الكافي ( ٣ : ١٤٧ ـ ٢ ) ، والتهذيب ( ١ : ٣٢٢ ـ ٩٣٧ ) ، والوسائل ( ٢ : ٦٩٣ ) أبواب غسل الميت ب (١٠) ح (٣).

(٣) الخلاف ( ١ : ٢٧٩ ) ، والمبسوط ( ١ : ١٧٧ ) ، والنهاية : (٣٣).

(٤) في « ح » زيادة : لما بيناه في المسألة السابقة.

(٥) المعتبر ( ١ : ٩٠ ).

١١٨

______________________________________________________

تغلب النجاسة على أحد أوصافه ، وهو قوي ، والأول أحوط (١). واختلف كلامه في الخلاف ، فقال في موضع منه : إذا أصاب الثوب نجاسة فغسل بالماء [ فانفصل الماء ] (٢) عن المحل فأصاب الثوب أو البدن ، فإن كان من الغسلة الأولى فإنه نجس ويجب غسله والموضع الذي يصيبه ، وإن كان من الغسلة الثانية لا يجب غسله إلا أن يكون متغيرا بالنجاسة (٣). ثم قال في موضع آخر منه : إذا أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب ثوب الإنسان أو جسده لا يجب غسله سواء كان من الدفعة الأولى أو الثانية أو الثالثة (٤).

وقال السيد المرتضى ـ رحمه‌الله ـ في جواب المسائل الناصرية بعد أن نقل عن الشافعي الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه ، واعتبار القلتين في الثاني دون الأول : ويقوّى في نفسي عاجلا إلى أن يقع التأمل صحة ما ذهب إليه الشافعي (٥). ومقتضاه عدم نجاسة الماء بوروده على النجاسة مطلقا سواء في ذلك ما يزال به النجاسة وغيره.

وحكى العلامة في المختلف عن ابن إدريس القول بالطهارة (٦). ولم أقف على عبارته.

__________________

(١) المبسوط ( ١ : ٩٢ ). إلاّ أن فيه : « الأقوى » مكان « قوي ». وكذا في النسخة الحجرية للمدارك.

وما أثبتناه من النسخ الخطية الثلاث هو الموافق لما في المعتبر ( ١ : ٩٠ ) ، والمختلف : (١٣) من نقل عبارة المبسوط ـ هو الأصح.

(٢) ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر.

(٣) الخلاف ( ١ : ٤٨ ).

(٤) الخلاف ( ١ : ٤٩ ).

(٥) المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : (١٧٩).

(٦) المختلف : (١٣).

١١٩

______________________________________________________

وقال ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ في من لا يحضره الفقيه : فأما الماء الذي يغسل به الثوب ، أو يغتسل به من الجنابة ، أو تزال به النجاسة فلا يتوضأ به (١). والتسوية بينه وبين رافع الأكبر يشعر بطهارته.

وقطع المصنف والعلامة (٢) بالنجاسة مطلقا ، واستدل عليه في المعتبر (٣) : بأنه ماء قليل لاقى نجاسة فيجب أن ينجس ، وبرواية العيص بن القاسم : قال : سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال : « إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه » (٤).

واحتج عليه في المختلف (٥) أيضا بما رواه عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه » (٦).

وفي الجميع نظر :

أما الأول : فلمنع كلية كبراه ، كما بيناه فيما سبق. وأما الروايتان فضعيفتا السند كما اعترف به المصنف ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر (٧) ، قاصرتا الدلالة ، بل ربما كان في الثانية إشعار بالطهارة من حيث التسوية بين ما يغسل به الثوب ويغتسل به من الجنابة.

__________________

(١) الفقيه ( ١ : ١٠ ).

(٢) المنتهى ( ١ : ٢٤ ) ، والمختلف : (١٣) ، والتذكرة ( ١ : ٥ ).

(٣) المعتبر ( ١ : ٩٠ ).

(٤) المعتبر ( ١ : ٩٠ ) ، الذكرى : (٩) ، الوسائل ( ١ : ١٥٦ ) أبواب الماء المضاف ب (٩) ح (١٤).

(٥) المختلف : (١٣).

(٦) التهذيب ( ١ : ٢٢١ ـ ٦٣٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ٢٧ ـ ٧١ ) ، الوسائل ( ١ : ١٥٥ ) أبواب الماء المضاف ب (٩) ح (١٣) ، بتفاوت يسير.

(٧) المعتبر ( ١ : ٩٠ ).

١٢٠