مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

الثاني : في الاستنجاء ، ويجب غسل موضع البول بالماء ، ولا يجزي غيره مع القدرة ،

______________________________________________________

السابع : إذا تعارض الاستقبال والاستدبار قدم الاستدبار ، ولو عارضهما مقابلة ناظر محترم وجب تقديمهما قطعا.

قوله : الثاني : في الاستنجاء ، ويجب غسل موضع البول بالماء ، ولا يجزي غيره مع القدرة.

أجمع علماؤنا كافة على وجوب غسل مخرج البول بالماء ، وأنه لا يطهر بغيره ، حكاه المصنف ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر (١) ، والعلامة ـ رحمه‌الله ـ في التذكرة والمنتهى (٢). والأصل فيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « لا صلاة إلا بطهور ، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار ، وبذلك جرت السنة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأما البول فلا بد من غسله » (٣).

وفي الصحيح عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « إذا انقطعت درّة البول فصب الماء » (٤).

وعن بريد بن معاوية ، عن أبي جعفر عليه‌السلام إنه قال : « يجزي من الغائط المسح بالأحجار ، ولا يجزي من البول إلا الماء » (٥).

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٢٤ ).

(٢) التذكرة ( ١ : ١٣ ) ، المنتهى ( ١ : ٤٢ ).

(٣) التهذيب ( ١ : ٤٩ ـ ١٤٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٥ ـ ١٦٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٢ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٩) ح (١).

(٤) الكافي ( ٣ : ١٧ ـ ٨ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٥٦ ـ ١٠٦٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٧ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣١) ح (١).

(٥) التهذيب ( ١ : ٥٠ ـ ١٤٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٧ ـ ١٦٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٩) ح (٦).

١٦١

وأقلّ ما يجزي مثلا ما على المخرج.

______________________________________________________

ولا ينافي ذلك ما رواه حنان بن سدير ، قال : سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله عليه‌السلام : إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك عليّ ، فقال : « إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك ، فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك » (١).

لأنا نجيب عنها أولا : بالطعن في السند ، بأن راويها وهو حنان بن سدير واقفي على ما نص عليه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ (٢).

وثانيا : بالحمل على التقية ، أو على أنّ المراد نفي كون البلل الذي يظهر على المحل ناقضا فتأمل.

وقد يتوهم من قول المصنف : ولا يجزئ غيره مع القدرة ، إجزاء غيره مع العجز عنه ، وليس كذلك إذ الإجماع منعقد على عدم طهارة المحل بغير الماء.

ولعله أشار بذلك إلى ما ذكره ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر : من أنه إذا تعذر غسل المخرج لعدم الماء أو غيره من الأعذار وجب مسحه بما يزيل عين النجاسة. واحتج عليه بأنّ الواجب إزالة العين والأثر ، فإذا تعذر أحدهما يسقط ويبقى وجوب الآخر بحاله (٣).

وفيه نظر ، فإنا لم نقف على ما يقتضي وجوب إزالة النجاسة على غير الوجه المطهر ، وتخفيف النجاسة مع بقائها لا يعلم وجهه.

قوله : وأقل ما يجزي مثلا ما على المخرج.

هذه العبارة مجملة ، والأصل فيها ما رواه الشيخ ، عن نشيط بن صالح ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته كم يجزئ من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال :

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٢٠ ـ ٤ ) ، الفقيه ( ١ : ٤١ ـ ١٦٠ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٥٣ ـ ١٠٥٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٠١ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٣) ح (٧).

(٢) رجال الشيخ الطوسي : (٣٤٦).

(٣) المعتبر ( ١ : ١٢٦ ).

١٦٢

______________________________________________________

« مثلا ما على الحشفة من البلل » (١).

وهي ضعيفة الإسناد ، لأن من جملة رجالها الهيثم بن أبي مسروق ، ولم ينصّ عليه الأصحاب بمدح يعتدّ به (٢) ، ومروك بن عبيد ، ولم يثبت توثيقه (٣).

واختلف الأصحاب في المعنى المراد منها ، فقيل : إنّ المراد وجوب غسل مخرج البول مرتين ، والتعبير بالمثلين لبيان أقل ما يجزئ (٤). وفيه نظر ، فإنّ المثلين إذا اعتبرا غسلتين كان المثل الواحد غسلة ، وقد ثبت أنّ الغسلة لا بد فيها من أغلبية مائها على النجاسة واستيلائه عليها ، وذلك منتف مع كل واحد من المثلين ، فإنّ المماثل للبلل الذي على الحشفة لا يكون غالبا عليه.

وذكر بعض المتأخرين (٥) أنه يمكن اعتبار المماثلة بين الماء المغسول به وبين القطرة المتخلفة على الحشفة بعد خروج البول ، فإنّ تلك القطرة يمكن إجراؤها على المخرج ، وأغلبيتها على البلل الذي يكون على حواشيه. ولا يخفى ما فيه من التكلّف. مع أنّ راوي هذه الرواية وهو نشيط بن صالح روى أيضا عن الصادق عليه‌السلام أنه قال : « يجزئ من البول أن يغسله بمثله » (٦).

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٥ ـ ٩٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٩ ـ ١٣٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٢ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٦) ح (٥).

(٢) راجع رجال النجاشي : ( ٤٣٧ ـ ١١٧٥ ) ، ورجال الطوسي : (٥١٦) ، ومعجم رجال الحديث ( ١٩ : ٣١٧ ).

(٣) راجع رجال النجاشي : ( ٤٢٥ ـ ١١٤٢ ) ، ورجال الطوسي : (٤٠٦) ، والفهرست (١٦٨) ، ومعجم رجال الحديث ( ٨ : ١٢٥ ، ١٢٦ ).

(٤) جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

(٥) جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

(٦) التهذيب ( ١ : ٣٥ ـ ٩٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٩ ـ ١٤٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٦) ح (٧).

١٦٣

______________________________________________________

وقيل : إن المثلين كناية عن الغسلة الواحدة (١) ، لاشتراط الغلبة في المطهر ، وهو لا يحصل بالمثل كما بيناه ، وهو قريب. ويشهد له إطلاق صحيحتي زرارة وجميل السابقتين (٢) ، وخصوص حسنة بن المغيرة ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال ، قلت له : للاستنجاء حد؟ قال : « لا حتى ينقى ما ثمّة » (٣) وهي لا تقصر عن الصحيح.

وموثقة يونس بن يعقوب قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الوضوء الذي افترضه الله تعالى على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال : « يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين » (٤).

ولا ريب أنّ الغسلتين أولى لما فيه من الاستظهار في إزالة النجاسة ، والخروج من الخلاف. والثلاث أكمل لصحيحة زرارة ، قال : كان يستنجي من البول ثلاث مرات ، ومن الغائط بالمدر والخرق (٥).

واعلم أنّ شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى (٦) اعتبر هنا الفصل بين المثلين ، مع أنه اكتفى في تحقق المرتين في غير الاستنجاء بالانفصال التقديري. واستوجهه المحقق الشيخ علي في الشرح فقال : وما اعتبره في الذكرى من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين لتحقق تعدد الغسل حق ، لا لأنّ التعدد لا يتحقق إلاّ بذلك ، بل لأنّ التعدد المطلوب‌

__________________

(١) قد يستفاد ذلك من المعتبر ( ١ : ١٢٧ ) حيث قال : ولأن غسل النجاسة بمثلها لا يحصل معه اليقين بغلبة المطهر على النجاسة ولا كذا لو غسل بمثليها.

(٢) في ص (١٦١).

(٣) الكافي ( ٣ : ١٧ ـ ٩ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٨ ـ ٧٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٧ ) أبواب أحكام الخلوة ب (١٣) ح (١).

(٤) التهذيب ( ١ : ٤٧ ـ ١٣٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٢ ـ ١٥١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٩) ح (٥).

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٠٩ ـ ٦٠٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٢ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٦) ح (٦).

(٦) الذكرى : (٢١).

١٦٤

وغسل مخرج الغائط بالماء حتى يزول العين والأثر ،

______________________________________________________

بالمثلين لا يوجد بدون ذلك ، لأنّ ورود المثلين (١) دفعة واحدة غسلة واحدة. ولو غسل بأكثر من المثلين بحيث تتراخى أجزاء الغسل بعضها عن بعض في الزمان لم يشترط الفصل قطعا (٢). وفيه نظر يعلم مما سبق.

قوله : وغسل مخرج الغائط بالماء حتى يزول العين ، والأثر.

المستفاد من الأخبار المعتبرة (٣) أنّ الواجب في الاستنجاء من الغائط هو الإنقاء خاصة ، وهو الذي عبّر به المصنف ـ رحمه‌الله ـ في النافع والمعتبر (٤). وأما ما ذكره المصنف هنا وجمع من الأصحاب من وجوب إزالة الأثر مع العين فلم نقف فيه على أثر ، مع اضطرابهم في تفسيره ، فقيل : إنّ المراد به اللون ، لأنه عرض لا يقوم بنفسه فلا بد له من محل جوهري يقوم به ، إذ الانتقال على الأعراض محال ، فوجوده دليل على وجود العين (٥) ، وهو فاسد.

أما أولا : فلمنع الاستلزام (٦) ، وجواز حصوله بالمجاورة كما في الرائحة.

وأما ثانيا : فلتصريح الأصحاب بالعفو عن اللون في سائر النجاسات ، ففي الاستنجاء أولى.

وقيل : إنّ المراد به ما يتخلف على المحل عند مسح النجاسة وتنشيفها (٧). وهو غير واضح أيضا ، إلا أن الأمر في ذلك هين بعد وضوح المأخذ.

__________________

(١) يعني به مقدار الماء الذي يجب غسل المخرج به ، وهو مثلا ما على الحشفة المار ذكره.

(٢) جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

(٣) الوسائل ( ١ : ٢٢٧ ) أبواب أحكام الخلوة ب (١٣).

(٤) المختصر النافع : (٥) ، المعتبر ( ١ : ١٢٧ ).

(٥) التنقيح الرائع ( ١ : ٧٢ ).

(٦) يعني به : استلزام وجود اللون لوجود العين.

(٧) جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

١٦٥

ولا اعتبار بالرائحة. وإذا تعدى المخرج لم يجز إلا الماء.

______________________________________________________

قوله : ولا اعتبار بالرائحة.

هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا. ويدل عليه مضافا إلى الأصل حسنة عبد الله بن المغيرة السابقة ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، حيث قال فيها ، قلت : فإنه ينقى ما ثمّة ويبقى الريح ، قال : « الريح لا ينظر إليها » (١).

واعترض على ذلك شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ بأنّ وجود الرائحة يرفع أحد أوصاف الماء ، وذلك يقتضي النجاسة (٢).

وأجاب عنه مرة بالعفو عن الرائحة ، وأخرى بأنّ الرائحة إن كان محلها الماء نجس لانفعاله ، وإن كان محلها اليد أو المخرج فلا ، وهذا أجود.

قوله : وإذا تعدى المخرج لم يجز إلا الماء.

ينبغي أن يراد بالتعدي : وصول النجاسة إلى محل لا يعتاد وصولها إليه ، ولا يصدق على إزالتها اسم الاستنجاء. وذكر جماعة من الأصحاب أنّ المراد به تجاوز النجاسة عن المخرج وإن لم يتفاحش ، وهو بعيد. وهذا الحكم ، أعني تعيّن الماء للإزالة مع التعدي مذهب أهل العلم ، قاله في المعتبر (٣) ، واستدل عليه بقوله عليه‌السلام : « يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة » (٤) وعلى (٥) ما فسرنا به التعدي. والأمر (٦) واضح.

__________________

(١) في ص (١٦٤).

(٢) نسبه إليه في جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

(٣) المعتبر ( ١ : ١٢٨ ).

(٤) تفرّد بروايتها المحقق في المعتبر ( ١ : ١٢٨ ) ، ويوجد ما يقرب من هذا المعنى في بعض مصادر العامة.

(٥) في « س » : وغسل.

(٦) في « ق » : فالأمر.

١٦٦

وإذا لم يتعدّ كان مخيّرا بين الماء والأحجار ، والماء أفضل ، والجمع أكمل ،

______________________________________________________

قوله : وإذا لم يتعدّ كان مخيّرا بين الماء والأحجار ، والماء أفضل.

هذا الحكم إجماعي بين العلماء ، ويدل عليه روايات كثيرة ، منها عموم حسنة عبد الله بن المغيرة ، وموثقة يونس بن يعقوب المتقدمتين (١) ، وخصوص صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار » (٢) وإنما كان الماء أفضل لأنه أبلغ في التنظيف ، وربما كان في صحيحة زرارة إشعار بذلك أيضا.

وأورد على هذا الحكم أنّ الإزالة واجبة إما بالماء أو بالأحجار وجوبا تخييريا فكيف يكون أحدهما أفضل من الآخر ، بل قد صرحوا في مثل ذلك باستحباب ذلك الفرد الأفضل ، ومنافاة المستحب للواجب واضحة (٣).

وأجيب عنه بأن الوجوب التخييري لا ينافي الاستحباب العيني ، لأن متعلق الوجوب في التخييري ليس أمرا معينا بل الأمر الكلي ، فتعلق الاستحباب بواحدة منهما (٤) لا محذور فيه (٥). وفيه نظر ، فإنه إن أريد بالاستحباب هنا المعنى العرفي ، وهو الراجح الذي يجوز تركه لا الى بدل لم يكن تعلقه بشي‌ء من أفراد الواجب التخييري ، وإن أريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثوابا من الآخر فلا امتناع فيه كما هو ظاهر.

قوله : والجمع أكمل.

يدل عليه ما روي مرسلا عن الصادق عليه‌السلام أنه قال : « جرت السنة في‌

__________________

(١) في ص (١٦٤).

(٢) المتقدمة في ص (١٦١).

(٣) كما في جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

(٤) في « ق » ، « م » : منها.

(٥) كما في جامع المقاصد ( ١ : ٦ ).

١٦٧

ولا يجزي أقلّ من ثلاثة أحجار.

______________________________________________________

الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء » (١).

وينبغي تقديم الأحجار لما فيه من تنزيه اليد عن مباشرة النجاسة ، ولأنه المستفاد من الخبر.

وذكر المصنف ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر : أنّ الجمع بين الماء والأحجار مستحب وإن تعدى الغائط ، لأنه جمع بين مطهرين (٢) بتقدير أن لا يتعدى ، وإكمال في الاستظهار بتقدير التعدي (٣). وفيه ما فيه ، ولو لا الإجماع المنقول على هذا الحكم لكان للمناقشة فيه من أصله (٤) مجال.

قوله : ولا يجزي أقلّ من ثلاثة أحجار.

هذا هو المشهور بين الأصحاب لقوله عليه‌السلام : « ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار » (٥) فإنه يدل بمفهومه على عدم إجزاء ما دونه ، ولأن زوال النجاسة حكم شرعي ، فيقف على سببه الشرعي ، ولم يثبت كون ما نقص عن الأحجار الثلاثة سببا فيه.

وقيل : إنّ الواجب ما يحصل به النقاء وإن كان واحدا (٦) ، اختاره المفيد ـ رحمه‌الله ـ على ما نقل عنه (٧) ، والشيخ في ظاهر كلامه (٨). واستوجهه في المختلف (٩) ، وهو‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٤٦ ـ ١٣٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٦ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣٠) ح (٤).

(٢) في « ح » المطهرين.

(٣) المعتبر ( ١ : ١٣٦ ).

(٤) في « س » أجله.

(٥) المتقدمة في ص (١٦١).

(٦) كما في الجامع للشرائع : (٢٧) ، ومجمع الفائدة والبرهان ( ١ : ٩٢ ).

(٧) في السرائر : (١٦).

(٨) كما في المبسوط ( ١ : ١٦ ) ، والخلاف ( ١ : ٢٠ ) ، والنهاية : (١٠).

(٩) المختلف : (١٩).

١٦٨

______________________________________________________

المعتمد.

لنا : قوله عليه‌السلام في حسنة ابن المغيرة وقد سأله : هل للاستنجاء حدّ؟ « لا حتى ينقى ما ثمّة » (١).

والاستنجاء يطلق على غسل موضع النجو ومسحه كما يشهد به الأخبار المستفيضة ونصّ أهل اللغة ، قال في القاموس : النجو ما يخرج من البطن من ريح أو غائط ، واستنجى أي غسل بالماء منه ، أو تمسح بالحجر (٢). وقال الجوهري : استنجى أي غسل موضع النجو ، أو مسحه (٣).

ويدل عليه أيضا إطلاق قوله عليه‌السلام في موثقة يونس بن يعقوب : « ويذهب الغائط » (٤). وصحيحة زرارة ، قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : « كان الحسين عليه‌السلام يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل » (٥) وروى زرارة أيضا في الصحيح ، قال : كان يستنجي من البول ثلاث مرات ، ومن الغائط بالمدر والخرق (٦).

ويمكن حمل رواية الأحجار على الاستحباب ، أو على أنّ الغالب عدم حصول النقاء بما دون الثلاثة ، مع أنها واردة في صورة معيّنة ، فتعديتها إلى ما عدا الأحجار ، والتزام عدم حصول الطهارة بالثوب المتصل إلا بعد قطعه ثلاثا مستبعد ، ومع ذلك فالأول أحوط.

__________________

(١) المتقدمة في ص (١٦٤).

(٢) القاموس ( ٤ : ٣٩٦ ).

(٣) الصحاح ( ٦ : ٢٥٠٢ ).

(٤) المتقدمة في ص (١٦٤).

(٥) التهذيب ( ١ : ٣٥٤ ـ ١٠٥٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٥٢ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣٥) ح (٣).

(٦) المتقدمة في ص (١٦٤).

١٦٩

ويجب إمرار كل حجر على موضع النجاسة. ويكفي معه إزالة العين دون الأثر. وإذا لم ينق بالثلاثة فلا بد من الزيادة حتى ينقى. ولو نقي بدونها أكملها وجوبا. ولا يكفي استعمال الحجر الواحد من ثلاث جهات

______________________________________________________

قوله : ويجب إمرار كل حجر على موضع النجاسة.

بل الأصح ما اختاره في المعتبر (١) من إجزاء التوزيع ، بمعنى أن يمسح ببعض أدوات الاستنجاء بعض محل النجاسة ، وببعض آخر بعضا آخر مع حصول النقاء المعتبر ، إذ لا دليل على وجوب استيعاب المحل كله بجميع المسحات.

قوله : ويكفي معه إزالة العين دون الأثر.

قد عرفت أنّ الأثر لم يرد به خبر ، وأن المعتمد وجوب الإنقاء في الحالين ، إذ لا يستفاد من الأخبار أزيد منه. ونعني بالإنقاء هنا زوال عين النجاسة ورطوبتها بحيث يخرج الحجر نقيا ليس عليه شي‌ء من أجزاء النجاسة.

قوله : وإذا لم ينق بالثلاثة فلا بد من الزيادة حتى ينقى.

هذا موضع وفاق بين العلماء ، ويستحب أن لا يقطع إلا على وتر ، ذكره جماعة من الأصحاب ، وهو مروي في بعض الأخبار (٢).

قوله : ولو نقي بما دونها أكملها وجوبا.

قد تقدم البحث في ذلك ، وإنما أعاده للرد على المخالف صريحا.

قوله : ولا يكفي استعمال الحجر الواحد من ثلاث جهات.

ما اختاره المصنف ـ رحمه‌الله ـ من عدم الاكتفاء باستعمال ذي الشعب من ثلاث‌

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٣٠ ).

(٢) التهذيب ( ١ : ٤٥ ـ ١٢٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٢ ـ ١٤٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٩) ح (٤).

١٧٠

______________________________________________________

جهات أحد القولين في المسألة ، تمسكا باستصحاب حكم النجاسة إلى (١) أن يعلم حصول المطهر لها شرعا. وإنما يعلم بالأحجار الثلاثة لقوله عليه‌السلام : « يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار » (٢) والحجر الواحد لا يصدق عليه أنه ثلاثة.

وذهب شيخنا المفيد ، وابن البراج (٣) ، والعلامة في جملة من كتبه (٤) ، والشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى (٥) إلى الاجتزاء بذلك ، لأن المراد ( من الأحجار ) (٦) المسحات وإن كانت بحجر واحد ، كما لو قيل : اضربه عشرة أسواط ، فإن المراد عشر ضربات وإن كانت بسوط واحد. ولأنها إذا انفصلت أجزأت قطعا فكذا مع الاتصال ، قال في المختلف : وأي عاقل يفرّق بين الحجر متصلا بغيره ومنفصلا (٧).

ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٨) : « إذا جلس أحدكم لحاجة فليمسح ثلاث مسحات » (٩).

ويرد على الأول أنّ إرادة المسحات من الأحجار يتوقف على القرينة ، لأنه خلاف مدلول اللفظ ، والفارق بينه وبين ما شبّهه به وجود القرينة فيه على إرادة المعنى المجازي وانتفاؤها هنا.

وعلى الثاني أنه مصادرة محضة ، والفارق بين الاتصال والانفصال هو النصّ ،

__________________

(١) في « م » : إلاّ.

(٢) المتقدم في ص (١٦١).

(٣) المهذب ( ١ : ٤٠ ).

(٤) التذكرة ( ١ : ١٣ ) ، والقواعد ( ١ : ٣ ) ، والمنتهى ( ١ : ٤٥ ).

(٥) الذكرى : (٢١).

(٦) في « ح » : بالأحجار.

(٧) المختلف : (١٩).

(٨) في « ح » : عليه‌السلام.

(٩) لم نقف على هذا النص ، والذي وقفت عليه رواية بهذا المضمون في مجمع الزوائد للهيثمي ( ١ : ٢١١ ).

١٧١

ولا يستعمل الحجر المستعمل ، ولا الأعيان النجسة ، ولا العظم ، ولا الروث ، ولا المطعوم ،

______________________________________________________

والغالب في أبواب العبادات خصوصا الطهارة رعاية جانب التعبد ، ولهذا أوجب الأكثر إتمام الثلاثة مع النقاء بما دونها.

وأما الرواية الأخيرة فمجهولة الإسناد ، والظاهر أنها عامية فلا يسوغ التعلق بها ، مع أنها مطلقة والخبر المتضمن للأحجار مقيد ، والمقيد يحكّم على المطلق.

وبالجملة فالمتّجه ـ تفريعا على المشهور من وجوب الإكمال مع النقاء بالأقل ـ عدم الإجزاء. ومع ذلك فينبغي القطع بإجزاء الخرقة الطويلة إذا استعملت من جهاتها الثلاثة ، تمسكا بالعموم.

قوله : ولا يستعمل الحجر المستعمل ، ولا الأعيان النجسة.

بل الأظهر جواز استعمال المستعمل إذا كان طاهرا ، كالمستعمل بعد النقاء والمطهّر ، للأصل وعدم المخرج عنه ، وهو خيرة المصنف في المعتبر (١). ويمكن التوفيق بينه وبين ما هنا بحمل المستعمل على المتنجس ، وحمل الأعيان النجسة على نجس العين. والحكم بعدم جواز الاستنجاء بالنجس مجمع عليه بين الأصحاب ، حكاه في المنتهى (٢) ، ويدل عليه قوله عليه‌السلام : « جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار » (٣) ولأن المحل ينجس بملاقاة الحجر النجس فلا يكون مطهرا.

قوله : ولا الروث ، ولا العظم ، ولا المطعوم.

أما المنع من استعمال العظم والروث فقال في المعتبر إنّ عليه اتفاق الأصحاب (٤) ، ويدل عليه ما رواه ليث المرادي عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن‌

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٣١ ).

(٢) منتهى المطلب ( ١ : ٤٦ ).

(٣) التهذيب ( ١ : ٤٦ ـ ١٣٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٦ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣٠) ح (٤).

(٤) المعتبر ( ١ : ١٣٢ ).

١٧٢

ولا صيقل يزلق عن النجاسة. ولو استعمل ذلك لم يطهّره.

______________________________________________________

استنجاء الرجل بالعظم ، أو البعر ، أو العود قال : « أما العظم والروث فطعام الجن ، وذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : لا يصلح لشي‌ء من ذلك » (١) وفي السند ضعف (٢).

وأما المنع من المطعوم كالخبز والفاكهة فاستدل عليه في المعتبر بأنّ له حرمة تمنع من الاستهانة به. وبأنّ طعام الجن منهي عنه ، فطعام أهل الصلاح أولى (٣). وفيهما نظر.

وكيف كان فينبغي أن يراد بالمطعوم ما كان مطعوما بالفعل ، اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق إن تم ، وإلا فالأظهر الجواز فيما لم يثبت احترامه.

قوله : ولا صقيلا (٤) يزلق عن النجاسة ، ولو استعمل ذلك لم يطهّره.

أما عدم حصول الطهارة بالصقيل (٥) الذي يزلق عن النجاسة فواضح ، وأما غيره من المطعوم والعظم والروث الصلب القالع للنجاسة ففيه قولان ، أظهرهما الإجزاء ، لعموم ما دل على الاكتفاء بما يحصل به النقاء ، ولا ينافي ذلك تعلق النهي به ، كما في إزالة النجاسة بالماء المغصوب.

واستقرب المصنف في المعتبر عدم الإجزاء ، لأنّ المنع من استصحاب النجاسة شرعي ، فيقف زواله على الشرع (٦). والجواب أنّ الاكتفاء بالنقاء ثابت بالشرع كما بيناه.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٥٤ ـ ١٠٥٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٥١ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣٥) ح (١).

(٢) لأن فيه أحمد بن عبدوس ولم يوثقه النجاشي ولا الشيخ ، راجع رجال النجاشي : (١٩٧) ، والفهرست (٢٤) ، ورجال الطوسي : (٤٤٧) وقد يكون هناك ضعف من ناحية أخرى.

(٣) المعتبر ( ١ : ١٣٢ ).

(٤) في « ح » صيقليا.

(٥) في « ح » بالصيقل.

(٦) المعتبر ( ١ : ١٣٣ ).

١٧٣

الثالث : في سنن الخلوة ، وهي مندوبات ومكروهات :

فالمندوبات : تغطية الرأس ، والتسمية ، وتقديم الرجل اليسرى ،

______________________________________________________

قوله : والمندوبات ، تغطية الرأس.

أي إذا كان مكشوفا ، لأنه من سنن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال في المعتبر : وعليه اتفاق الأصحاب (١). وذكر الشيخان (٢) أنه يستحب التقنع فوق العمامة لما رواه علي بن أسباط مرسلا عن الصادق عليه‌السلام : إنه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه (٣).

قوله : والتسمية.

لما رواه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الصحيح عن معاوية بن عمار ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « إذا دخلت المخرج فقل : بسم الله ، اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث ، الرجس النجس ، الشيطان الرجيم. وإذا خرجت فقل : بسم الله ، الحمد لله الذي عافاني من الخبيث المخبث وأماط عني الأذى » (٤).

قوله : وتقديم الرجل اليسرى.

أي عند دخوله إلى الخلاء ، وذلك في البنيان ظاهر ، وأما في الصحراء فيمكن أن يراد تقديمها إلى موضع الجلوس كما ذكره العلامة ـ رحمه‌الله ـ في النهاية (٥). وهذا الحكم مشهور بين الأصحاب. قال في المعتبر : ولم أجد به حجة غير أن ما ذكره الشيخ‌

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٣٣ ).

(٢) المقنعة : (٣) ، المبسوط ( ١ : ١٨ ) ، النهاية : (٩).

(٣) الفقيه ( ١ : ١٧ ـ ٤١ ) ( بتفاوت يسير ) ، التهذيب ( ١ : ٢٤ ـ ٦٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٤ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣) ح (٢).

(٤) التهذيب ( ١ : ٢٥ ـ ٦٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٦ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٥) ح (١).

(٥) نهاية الأحكام ( ١ : ٨١ ).

١٧٤

والاستبراء ، والدعاء عند الاستنجاء وعند الفراغ ، وتقديم اليمنى عند الخروج ،

______________________________________________________

وجماعة من الأصحاب حسن (١).

قوله : والاستبراء.

إطلاق العبارة يقتضي استحباب الاستبراء للرجل والمرأة ، والأصح ( اختصاصه بالرجل ) (٢). والقول بالاستحباب هو المشهور بين الأصحاب ، وقال الشيخ في الاستبصار بوجوبه ، لصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه‌السلام في الرجل يبول ، قال : « ينتره ثلاثا ، ثم إن سال حتى يبلغ الساق فلا يبالي » (٣) وسيأتي تمام البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

قوله : والدعاء عند الاستنجاء.

وهو غسل الموضع أو مسحه فيستحب الدعاء بالحالين بقوله : « اللهمّ حصّن فرجي ، وأعفّه ، واستر عورتي ، وحرمني على النار » (٤).

قوله : وعند الفراغ منه.

بقوله : « الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط عني الأذى » (٥).

قوله : وتقديم اليمنى عند الخروج.

والكلام فيه كما تقدم في الدخول ، واتباع الأصحاب في ذلك حسن إن شاء الله.

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٣٤ ).

(٢) في « ح » : استحبابه للرجل.

(٣) الاستبصار ( ١ : ٤٨ ـ ١٣٦ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٧ ـ ٧٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٠٠ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٣) ح (٣).

(٤) الكافي ( ٣ : ٧٠ ـ ٦ ) ، الفقيه ( ١ : ٢٦ ـ ٨٤ ) ، ( مرسلا ) التهذيب ( ١ : ٥٣ ـ ١٥٣ ) ، المقنع : (٤) ، ثواب الأعمال (٣٨) ، المحاسن : ( ٤٥ ـ ٦١ ) ، أمالي الصدوق : ( ٤٤٥ ـ ١١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٢ ) أبواب الوضوء ب (١٦) ح (١).

(٥) التهذيب ( ١ : ٣٥١ ـ ١٠٣٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٦ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٥) ح (٢).

١٧٥

والدعاء بعده.

والمكروهات : الجلوس في الشوارع ، والمشارع ، وتحت الأشجار المثمرة ،

______________________________________________________

قوله : والدعاء بعده.

بما (١) تقدم في صحيحة معاوية بن عمار (٢).

قوله : والمكروهات ، الجلوس في الشوارع ، والمشارع.

المشارع : جمع مشرعة ، وهي موارد المياه ، كشطوط الأنهار ورؤس الآبار. والشوارع : جمع شارع وهو الطريق الأعظم ، قاله الجوهري (٣). والمراد بها هنا مطلق الطرق النافذة ، لأن المرفوعة ملك لأربابها عند الأصحاب ، ويدل على كراهة الجلوس في هذين الموضعين أخبار كثيرة.

منها ، ما رواه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الصحيح عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قال رجل لعلي بن الحسين عليهما‌السلام : أين يتوضأ الغرباء؟

قال : « يتقي شطوط الأنهار ، والطرق النافذة ، وتحت الأشجار المثمرة ، ومواضع اللعن » قيل له : وأين مواضع اللعن؟ قال : « أبواب الدور » (٤).

قوله : وتحت الأشجار المثمرة.

قال بعض المحققين : ليس المراد بالمثمرة هنا المثمرة بالفعل ، بل ما من شأنها ذلك ، لأن المشتق لا يشترط في صدقه بقاء أصله (٥) ، وفيه نظر ، لأن صدق هذا المشتق إنما‌

__________________

(١) في « س » ، « م » ، « ق » : لما وفي « ح » مما. والأنسب ما أثبتناه.

(٢) في ص (١٧٤).

(٣) الصحاح ( ٣ : ١٢٣٦ ).

(٤) التهذيب ( ١ : ٣٠ ـ ٧٨ ) ، وأوردها في الكافي ( ٣ : ١٥ ـ ٢ ) ، والفقيه ( ١ : ١٨ ـ ٤٤ ) ، ومعاني الأخبار : ( ٣٦٨ ـ ١ ) ، إلا أن الرواية فيه عن أبي خالد الكابلي ، والوسائل ( ١ : ٢٢٨ ) أبواب أحكام الخلوة ب (١٥) ح (١).

(٥) كما في روض الجنان : (٢٥) ، وجامع المقاصد ( ١ : ٧ ).

١٧٦

ومواطن النزال ، ومواضع اللعن ،

______________________________________________________

يقتضي جواز إطلاق المثمرة على ما أثمرت في وقت ما ، لا إطلاقها على ما من شأنها ذلك. نعم يصح ارتكاب ما ذكره بضرب من التجوز. وإنما كان الجلوس تحت الأشجار المثمرة مكروها لورود النهي عنه في عدة أخبار ، كصحيحة عاصم بن حميد المتقدمة (١) ، ورواية السكوني عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم‌السلام ، قال : « نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها ، أو نهر يستعذب ، أو تحت شجرة فيها ثمرتها » (٢).

ومقتضى هذه الرواية اعتبار كون الثمرة موجودة على الشجرة ، ويشهد له أيضا ما رواه الصدوق ـ رحمه‌الله ـ في كتاب من لا يحضره الفقيه عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه قال : « وإنما نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يضرب أحد من المسلمين خلاء تحت شجرة ، أو نخلة قد أثمرت ، لمكان الملائكة الموكلين بها. قال : ولذلك يكون الشجر والنخل أنسا إذا كان فيه حمله ، لأنّ الملائكة تحضره » (٣).

قوله : ومواطن النزال ، ومواضع اللعن.

المراد بمواطن النزال المواضع المعدة لنزول القوافل والمترددين. ومواضع اللعن هي أبواب الدور كما ورد في الخبر المتقدم ، ويمكن أن يراد بها ما هو أعم من ذلك.

ويدل على كراهة الجلوس في هذين الموضعين مضافا الى ما سبق مرفوعة علي بن إبراهيم ، قال : خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله عليه‌السلام وأبو الحسن موسى عليه‌

__________________

(١) في ص (١٧٦).

(٢) التهذيب ( ١ : ٣٥٣ ـ ١٠٤٨ ) ، الخصال : ( ٩٧ ـ ٤٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٨ ) أبواب أحكام الخلوة ب (١٥) ح (٣).

(٣) الفقيه ( ١ : ٢٢ ـ ٦٤ ) ، علل الشرائع : ( ٢٧٨ ـ ١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٣٠ ) أبواب أحكام الخلوة ب (١٥) ح (٨).

١٧٧

واستقبال الشمس والقمر بفرجه أو الريح بالبول ،

______________________________________________________

السلام قائم وهو غلام ، فقال أبو حنيفة : يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ قال : « اجتنب أفنية المساجد ، وشطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، ومنازل النزال ، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول ، وارفع ثوبك ، وضع حيث شئت » (١).

قوله : واستقبال الشمس والقمر بفرجه.

إطلاق العبارة يقتضي تعميم الحكم بالنسبة إلى الحدثين. والمروي عن الصادق عليه‌السلام : « أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول » (٢) وفي الطريق ضعف (٣).

والمراد بالاستقبال هنا استقبال نفس القرص دون الجهة. وتزول الكراهة بالحائل ، كما يدل عليه قوله عليه‌السلام في رواية الكاهلي : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر » (٤).

والظاهر عدم كراهة استدبارهما إذ لا مقتضي له.

قوله : أو الريح بالبول.

للنهي عنه في مرفوعة عبد الحميد بن أبي العلاء وغيره (٥). قال : سئل الحسن بن علي عليه‌السلام ما حدّ الغائط؟ فقال : « لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تستقبل الريح‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ١٦ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٠ ـ ٧٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٨ ) أبواب أحكام الخلوة ب (١٥) ح (٢).

(٢) التهذيب ( ١ : ٣٤ ـ ٩١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤١ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٥) ح (١).

(٣) لأن طريق الشيخ إلى أحمد البرقي لا يخلو من ضعف ، ذكره القهبائي في مجمع الرجال ( ٧ : ٢٠٨ ).

(٤) التهذيب ( ١ : ٣٤ ـ ٩٢ ) ، بزيادة : يستقبل به ، الوسائل ( ١ : ٢٤١ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٥) ح (٢).

(٥) في « ق » أو غيره.

١٧٨

والبول في الأرض الصلبة ، وفي ثقوب الحيوان ،

______________________________________________________

ولا تستدبرها » (١) ومقتضاها عموم الكراهة بالنسبة إلى الحدثين والى الاستقبال والاستدبار.

قوله : والبول في الصلبة.

لئلا يعود اليه. وكذا ما في معناها ، كالجلوس في أسفل الأرض المنحدرة ، وقد ورد بذلك روايات كثيرة.

منها ما رواه عبد الله بن مسكان في الحسن ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشد الناس توقيا للبول ، كان إذا أراد البول يعمد الى مكان مرتفع من الأرض ، أو الى مكان من الأمكنة فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول » (٢).

قوله : وفي ثقوب الحيوان.

وهي جحرتها (٣) بكسر الجيم وفتح الحاء والراء المهملتين. وإنما كره ذلك لورود النهي عنه في بعض الأخبار (٤) ، ولأنه لا يؤمن من خروج حيوان يلسعه ، فقد حكي أنّ سعد بن عبادة بال في جحر بالشام فاستلقى ميتا ، فسمعت الجن تنوح عليه بالمدينة وتقول :

نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة

ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده (٥)

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٣ ـ ٨٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٧ ـ ١٣١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢) ح (٦).

(٢) الفقيه ( ١ : ١٦ ـ ٣٦ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٣ ـ ٨٧ ) ، علل الشرائع ( ١ : ٢٧٨ ـ ١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٣٨ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٢) ح (٢).

(٣) جحرة : الجحر : كل شي‌ء يحتفره الهوام والسباع لا نفسها جمعها جحرة ( القاموس ١ : ٤٠٠ ).

(٤) سنن أبي داود ( ١ : ٨ ـ ٢٩ ) ، سنن النسائي ( ١ : ٣٣ ) ، مسند أحمد بن حنبل ( ٥ : ٨٢ ).

(٥) الطبقات الكبرى لابن سعد ( ٣ : ٦١٧ ).

١٧٩

وفي الماء جاريا وواقفا ، والأكل والشرب

______________________________________________________

قوله : وفي الماء جاريا وراكدا.

لورود النهي عنه ، وعللت الكراهة في بعض الأخبار بأنّ للماء أهلا (١). وتشتد الكراهة في الراكد. واستثني من ذلك الماء المعد في بيوت الخلاء لأخذ النجاسة واكتنافها ، كما يوجد في الشام ، وما جرى مجراها من البلاد الكثيرة الماء ، وهو مشكل ، لإطلاق النهي. وكيف كان فيجب القطع بانتفاء الكراهة مع الضرورة ، كما وقع التصريح به في الخبر.

قوله : والأكل والشرب.

قال المصنف في المعتبر : إنما كره الأكل والشرب لما يتضمن من الاستقذار الدال على مهانة نفس معتمدة (٢).

واحتج عليه في المنتهى (٣) أيضا بما رواه ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ في كتابه ، قال : دخل أبو جعفر الباقر عليه‌السلام الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها الى مملوك معه فقال : « تكون معك لآكلها إذا خرجت » فلما خرج قال للمملوك : « أين اللقمة »؟ قال : أكلتها يا بن رسول الله ، فقال : « إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة ، فاذهب فأنت حر لوجه الله ، فإني أكره أن استخدم رجلا من أهل الجنة » (٤).

وذلك لأنّ تأخيره عليه‌السلام لأكل تلك اللقمة مع ما فيه من الثواب العظيم‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٤ ـ ٩٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٣ ـ ٢٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٤٠ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢٤) ح (٣).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٣٨ ).

(٣) منتهى المطلب ( ١ : ٤١ ).

(٤) الفقيه ( ١ : ١٨ ـ ٤٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٥٤ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣٩) ح (١).

١٨٠