مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

______________________________________________________

وبريد بن معاوية العجلي ، عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما‌السلام : في البئر يقع فيها الدابة ، والفأرة ، والكلب ، والطير ، فيموت قال : « يخرج ، ثم ينزح من البئر دلاء ، ثم اشرب وتوضأ » (١).

وفي الصحيح عن علي بن يقطين ، عن أبي الحسن موسى عليه‌السلام ، قال : سألته عن البئر تقع فيها الحمامة ، والدجاجة ، أو الفأرة ، أو الكلب (٢) ، أو الهرة فقال : « يجزيك أن تنزح منها دلاء ، فإن ذلك يطهرها إن شاء الله تعالى » (٣).

وفي الصحيح عن أبي أسامة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في الفأرة ، والسنور ، والدجاجة ، والكلب ، والطير ، قال : « إذا لم تتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء ، وإن تغير الماء فخذ منه حتى يذهب الريح » (٤).

والأقرب عندي العمل بما دلّت عليه هذه الأخبار الصحيحة والاكتفاء بنزح دلاء في جميع ذلك عدا الخنزير ، فإن الأظهر نزح الجميع له ، لصحيحة ابن سنان الواردة في الثور ونحوه (٥). وبالجملة فالأخبار في هذه المسألة مختلفة جدا (٦) وذلك كله دليل الاستحباب.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٣٦ ـ ٦٨٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٦ ـ ٩٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٥ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٥) ، مع اختلاف يسير.

(٢) ليست في : « م ».

(٣) التهذيب ( ١ : ٢٣٧ ـ ٦٨٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٧ ـ ١٠١ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٤ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٢).

(٤) الكافي ( ٣ : ٥ ـ ٣ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٣٧ ـ ٦٨٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٧ ـ ١٠٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٥ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٧).

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٤١ ـ ٦٩٥ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣١ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (١).

(٦) لاحظ الوسائل ( ١ : ١٣١ ) أبواب الماء المطلق ب ( ١٥ ، ١٧ ، ١٨ ).

٨١

ولبول الرجل ،

______________________________________________________

قوله : ولبول الرجل.

هذا مذهب الخمسة (١) وأتباعهم (٢) ، قاله في المعتبر. ومستنده رواية علي بن أبي حمزة ، عن الصادق عليه‌السلام ، قلت : بول الرجل قال : « ينزح منه أربعون دلوا » (٣) وهي ضعيفة بعلي بن أبي حمزة فإنه واقفي (٤). واعتذر عن ذلك في المعتبر بأن تغيره إنما هو في زمن موسى عليه‌السلام فلا يقدح فيما قبله (٥). وهو ضعيف جدا ، فإن الاعتبار في عدالة الراوي بوقت الأداء لا التحمل ، ومن المعلوم انتفاء تحقق ذلك.

والأظهر نزح دلاء للقطرات من البول مطلقا ، لصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن الرضا عليه‌السلام (٦). ونزح الجميع لانصبابه فيها مطلقا ، لصحيحة معاوية بن عمار ، عن الصادق عليه‌السلام : في البئر يبول فيها الصبي أو يصب فيها بول أو خمر ، قال : « ينزح الماء كله » (٧).

__________________

(١) وهم والد الصدوق والسيد ، نقله عنهما في المعتبر ( ١ : ٦٧ ) ، والصدوق كما في الفقيه ( ١ : ١٣ ) ، والمقنع : (١٠) ، والهداية : (١٤) ، والمفيد كما في المقنعة : (٩) ، والشيخ كما في التهذيب ( ١ : ٢٤٣ ) ، والمبسوط ( ١ : ١٢ ) ، والنهاية : (٧).

(٢) منهم أبو الصلاح في الكافي في الفقه : (١٣٠) ، وسلار في المراسم : (٣٥).

(٣) التهذيب ( ١ : ٢٤٣ ـ ٧٠٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٤ ـ ٩٠ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٣ ) أبواب الماء المطلق ب (١٦) ح (٢).

(٤) راجع رجال النجاشي : ( ٢٤٩ ـ ٦٥٦ ) ، ورجال الشيخ : (٣٥٣) ، والفهرست : ( ٩٦ ـ ٤٠٨ ). والواقفة هم الذين وقفوا على موسى بن جعفر عليه‌السلام وقالوا إنه الإمام القائم ولم يأتموا بعده بإمام. ( راجع فرق الشيعة للنوبختي : ٨١ ).

(٥) المعتبر ( ١ : ٦٨ ).

(٦) الكافي ( ٣ : ٥ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٤٤ ـ ٧٠٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٤ ـ ١٢٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٠ ) أبواب الماء المطلق ب (١٤) ح (٢١).

(٧) التهذيب ( ١ : ٢٤١ ـ ٦٩٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٥ ـ ٩٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٢ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (٤).

٨٢

وبنزح عشر للعذرة الجامدة وقليل الدم كدم الطير والرعاف اليسير ، والمروي دلاء يسيرة ،

______________________________________________________

قوله : وبنزح عشر للعذرة الجامدة.

المراد بالجامدة غير الذائبة ، ومستنده خبر أبي بصير وقد تقدم (١).

قوله : وقليل الدم كدم الطير والرعاف اليسير ، والمروي دلاء يسيرة.

الراوي لذلك علي بن جعفر في الصحيح ، عن أخيه موسى عليه‌السلام ، قال : وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر ، هل يصلح أن يتوضأ منها؟ قال : « ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها » (٢).

قال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ : وأكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة فيجب أن يؤخذ به ، إذ لا دليل على ما دونه (٣).

واعترضه المصنف ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر : بأن ذلك إنما يكون مع الإضافة وأما مع تجريده عنها فلا ، إذ لا يعلم من قول القائل : عندي دراهم مثلا أنه لم يخبر عن زيادة عن عشرة ، ولا إذا قال : أعطه دراهم أنه لم يرد أكثر من عشرة (٤).

وأجاب عنه في المنتهى : بأن الإضافة هنا وإن جردت لفظا لكنها مقدرة وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ثم قال : ولا بد من إضمار عدد يضاف إليه تقديرا فيحمل على العشرة التي هي أقل ما يصلح إضافته لهذا الجمع ، أخذا بالمتيقن وحوالة على أصالة براءة الذمة (٥).

__________________

(١) تقدم في ص (٧٨).

(٢) الكافي ( ٣ : ٦ ـ ٨ ) ، التهذيب ( ١ : ٤٠٩ ـ ١٢٨٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤١ ) أبواب الماء المطلق ب (٢١) ح (١).

(٣) التهذيب ( ١ : ٢٤٥ ـ ٧٠٥ ) ذ. ح.

(٤) المعتبر ( ١ : ٦٦ ).

(٥) المنتهى ( ١ : ١٤ ).

٨٣

وبنزح سبع لموت الطير.

______________________________________________________

وفيه نظر : إذ لا يلزم من عدم تقدير الإضافة هنا تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإنما يلزم لو لم يكن له معنى بدون التقدير ، والحال أنّ له معنى كسائر صيغ الجموع ، ولو سلم وجوب التقدير لم يتعين العشرة. وقوله : إن أقل ما يصلح إضافته لهذا الجمع عشرة ممنوع ، وإنما أقله ثلاثة فيحمل عليها ، لأصالة البراءة من الزائد.

قال في المختلف : ويمكن أن يحتج [ الشيخ ] (١) من وجه آخر وهو أن يقال : هذا جمع كثرة وأقله ما زاد على العشرة بواحد فيحمل عليه عملا بالبراءة الأصلية (٢).

وفيه : إن هذا الدليل لا ينطبق على المدعى ، إذ مقتضاه وجوب أحد عشر والمدعى وجوب عشر ، مع أن في ثبوت ما ذكره من الفرق بين جمع القلة والكثرة على وجه الحقيقة نظرا.

قوله : وبنزح سبع لموت الطير.

فسر بالحمامة والنعامة وما بينهما ، والقول بوجوب السبع في موت الطير للثلاثة (٣) وأتباعهم (٤) ، واستدلوا عليه برواية علي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : وسألته عن الطير والدجاجة تقع في البئر ، قال : « سبع دلاء » (٥) ومثلها رواية سماعة ، عن‌

__________________

(١) أثبتناه من المصدر.

(٢) المختلف : (٦).

(٣) السيد كما نقله عنه في المنتهى ( ١ : ١٥ ) ، والمفيد في المقنعة : (٩) ، والشيخ في النهاية : (٧) ، والمبسوط ( ١ : ١١ ).

(٤) منهم ابن البراج في المهذب ( ١ : ٢٢ ) ، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه : (١٣٠) ، وسلار في المراسم : (٣٦).

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٣٥ ـ ٦٨٠ ) ، الاستبصار ( ١ : ٣٦ ـ ٩٧ ) ، المعتبر ( ١ : ٧٠ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٤ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٣).

٨٤

والفأرة إذا تفسّخت أو انتفخت ،

______________________________________________________

الصادق عليه‌السلام (١). وهما ضعيفتا السند (٢).

والأظهر : الاكتفاء بالخمس كما اختاره في المعتبر (٣) ، لصحيحة أبي أسامة المتقدمة (٤) ، وعليه يحمل إطلاق لفظ الدلاء في صحيحتي زرارة (٥) ، وعلي بن يقطين (٦). ويحتمل قويا الاكتفاء بمسمّى الدلاء وحمل الخمسة على الاستحباب.

قوله : والفأرة إذا تفسخت أو انتفخت.

مستنده الجمع بين صحيحتي معاوية بن عمار (٧) وعبد الله بن سنان (٨) الدالتين على الاكتفاء بنزح دلاء في وقوع الفأرة في البئر مطلقا ، وروايتي سماعة وأبي أسامة الدالتين على السبع كذلك ، بحمل روايتي السبع على حالتي التفسخ والانتفاخ وروايتي الدلاء على عدمه.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٣٦ ـ ٦٨١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٦ ـ ٩٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٥ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٤).

(٢) أما الأولى فلاشتمال سندها على بعض الواقفية كعلي بن أبي حمزة ، راجع رجال النجاشي : ( ٢٤٩ ـ ٦٥٦ ) ، ورجال الشيخ : (٣٥٣) ، والفهرست : ( ٩٦ ـ ٤٠٨ ) ، وأما الثانية فلان في طريقها عثمان بن عيسى وهو واقفي ضعيف ، راجع رجال النجاشي : ( ٣٠٠ ـ ٨١٧ ) ، ورجال الشيخ : (٣٥٥).

(٣) المعتبر ( ١ : ٧٠ ).

(٤) في ص (٨١).

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٣٦ ـ ٦٨٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٦ ـ ٩٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٥ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٥).

(٦) التهذيب ( ١ : ٢٣٧ ـ ٦٨٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٧ ـ ١٠١ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٤ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٢).

(٧) التهذيب ( ١ : ٢٣٨ ـ ٦٨٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٩ ـ ١٠٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٧ ) أبواب الماء المطلق ب (١٩) ح (٢).

(٨) التهذيب ( ١ : ٢٣٨ ـ ٦٨٩ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٩ ـ ١٠٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٧ ) أبواب الماء المطلق ب (١٩) ح (٢).

٨٥

ولبول الصبي الذي لم يبلغ ،

______________________________________________________

واستدل على هذا الجمع برواية أبي عيينة ، قال : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام عن الفأرة تقع في البئر فقال : « إذا خرجت فلا بأس ، وإن تفسخت فسبع دلاء » (١).

ولا يخفى ضعف هذا المستند ، فإن هذه الأخبار ليست متكافئة في السند ليجب الجمع بينها. وأيضا فإنه لا وجه لإلحاق الانتفاخ بالتفسخ ، لعدم الدليل عليه ، والمراد بالتفسخ تفرق الأجزاء. وحكى المصنف في المعتبر ـ رحمه‌الله ـ عن بعض المتأخرين أنه جعل حد التفسخ الانتفاخ (٢). وهو فاسد قطعا.

والأقرب الاكتفاء بالثلاث مطلقا وإن كان الأولى نزح السبع مع التفسخ والخمس بدونه ، لقوله عليه‌السلام في صحيحة أبي أسامة الواردة في الفأرة وما معها : « إذا لم تتفسخ أو يتغير طعم الماء فيكفيك خمس دلاء » (٣).

قوله : ولبول الصبي الذي لم يبلغ.

المراد بالصبي الفطيم الذي لم يبلغ.

وبالسبع قال الشيخان (٤) وأتباعهما (٥) ، واستدل عليه في التهذيب برواية منصور ابن حازم ، عن عدة من أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « ينزح منها سبع دلاء إذا بال فيها الصبي » (٦) وهي مع إرسالها وقصور سندها معارضة بصحيحة معاوية‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٣٣ ـ ٦٧٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣١ ـ ٨٣ ) ، الوسائل ( ١ : ١٢٨ ) أبواب الماء المطلق ب (١٤) ح (١٣).

(٢) المعتبر ( ١ : ٧١ ).

(٣) المتقدمة في ص (٨١).

(٤) المفيد في المقنعة : (٩) ، والشيخ في المبسوط ( ١ : ١٢ ) ، والنهاية : (٧).

(٥) منهم ابن البراج في المهذب ( ١ : ٢٢ ) ، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه : (١٣٠) ، وسلار في المراسم : (٣٦).

(٦) التهذيب ( ١ : ٢٤٣ ـ ٧٠١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٣ ـ ٨٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٣ ) أبواب الماء المطلق ب (١٦) ح (١).

٨٦

ولاغتسال الجنب ،

______________________________________________________

ابن عمار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام الدالة على نزح البئر كلها بذلك (١).

وقال المرتضى ـ رحمه‌الله ـ في المصباح : في بول الصبي إذا أكل الطعام ثلاث دلاء (٢). ونحوه قال ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ في من لا يحضره الفقيه (٣) ، ولم نقف لهما على شاهد.

قوله : ولاغتسال الجنب.

هذا الحكم مشهور بين الأصحاب ويدل عليه روايات :

الأولى : صحيحة الحلبي ، عن الصادق عليه‌السلام ، قال : « فإن وقع فيها جنب فانزح منها سبع دلاء » (٤).

الثانية : صحيحة محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما‌السلام ، قال : « إذا دخل الجنب البئر نزح منها سبع دلاء » (٥).

الثالثة : صحيحة عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « إن سقط في البئر دابة صغيرة ، أو نزل فيها جنب فانزح منها سبع دلاء » (٦).

الرابعة : رواية أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الجنب يدخل في‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٤١ ـ ٦٩٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٥ ـ ٩٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٢ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (٤).

(٢) كما نقله عنه في المعتبر ( ١ : ٧٢ ).

(٣) الفقيه ( ١ : ١٣ ).

(٤) الكافي ( ٣ : ٦ ـ ٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٤٠ ـ ٦٩٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٤ ـ ٩٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٢ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (٦) ، بتفاوت يسير.

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٤٤ ـ ٧٠٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٢ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٢) ح (٣).

(٦) التهذيب ( ١ : ٢٤١ ـ ٦٩٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٤ ـ ٩٣ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣١ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (١) ، بتفاوت يسير.

٨٧

______________________________________________________

البئر فيغتسل منها ، قال : « ينزح منها سبع دلاء » (١).

واعلم : أنّ البحث في هذه المسألة يقع من وجوه :

الأول : هل المقتضي للنزح وقوع الجنب في البئر ، أو اغتساله فيها ، أو ارتماسه؟

احتمالات ثلاثة ، أظهرها الأول ، لدلالة الأخبار الصحيحة عليه. ورجّح جدي ـ قدس‌سره ـ وجماعة : الثاني (٢) ، لتعليق الحكم على الاغتسال في رواية أبي بصير ، والمطلق يحمل على المقيد. وفيه نظر ، لأن الرواية المذكورة مع ضعف سندها بعبد الله بن بحر (٣) ، واشتراك أبي بصير ، غير منافية للأخبار المطلقة ، فإن التقييد فيها من كلام السائل ، والجواب عن ذلك المقيد لا يقتضي نفي الحكم عن ما عداه. ونقل عن ابن إدريس ـ رحمه‌الله ـ أنه خص الحكم بالارتماس مدعيا عليه الإجماع (٤) ، وهو ضعيف.

الثاني : هل النزح لسلب الطهورية ، أم لنجاسة البئر ، أم تعبد شرعي؟ صرح المصنف ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر ، والعلامة في المختلف بالأول (٥) ، وجدي ـ قدس‌سره ـ في الشرح بالثاني (٦) ، ويلوح من كلام جماعة الثالث. ويتوجه على الأول أشياء.

أ : إن قصارى ما تدل عليه الأخبار : وجوب النزح (٧) ، وهو أعم من عدم الطهورية ، فلا يدل عليه ، إذ العام لا يدل على الخاص.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٤٤ ـ ٧٠٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤٢ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٢) ح (٤) ، بتفاوت يسير.

(٢) المسالك ( ١ : ٣ ) ، روض الجنان : (١٥٣).

(٣) لجهالته ، إذ لم يذكره. كتبهم.

(٤) السرائر : (١٢).

(٥) المعتبر ( ١ : ٧٠ ) ، المختلف : (١٠).

(٦) المسالك ( ١ : ٣ ).

(٧) المتقدمة في ص (٨٧).

٨٨

______________________________________________________

ب : إن ذلك إنما يتم أن لو كان الحكم معلقا على الاغتسال ، وقد عرفت أن مقتضى الأخبار الصحيحة : ترتبه على مجرد الدخول والوقوع ، وذلك بمجرده غير مقتض لزوال الطهورية إجماعا.

ج : صرح المصنف في نكت النهاية (١) ، وغيره : بأن الماء الذي ينفعل بالاستعمال عند من قال به إنما هو القليل غير الجاري ، فيكون الحكم بزوال الطهورية هنا مخالفا لما ذكر ثمة أو مخصصا له.

ويرد على الثاني استلزامه النجاسة بغير سبب يقتضي التنجيس ، وهو معلوم البطلان. وأن ماء البئر ليس أسوء حالا من القليل والمضاف وهما لا ينجسان به إجماعا.

وما قيل من أنّ الاستبعاد مدفوع بالنص (٢) فهو جيد لو كان النص صالحا لإثبات ذلك ، أما بدونه فيجب القطع بفساده.

الثالث : هل يحكم بارتفاع الحدث عن هذا المغتسل أم لا؟ قيل بالأول ، لتحقق الامتثال ، وعدم استلزام الأمر بالنزح النهي عن الاستعمال (٣).

وقيل بالثاني وهو اختيار المحقق الشيخ علي (٤) ـ رحمه‌الله ـ واحتج عليه بأن خبر عبد الله بن أبي يعفور (٥) صريح في النهي عن الوقوع في البئر ، وذلك مقتض لفساد الغسل.

وأجاب عنه جدي ـ رحمه‌الله ـ بمنع أنّ النهي عن العبادة ، بل عن الوقوع في الماء‌

__________________

(١) نكت النهاية : ( الجوامع الفقهية ) : (٣٧٥).

(٢) كما في المسالك ( ١ : ٣ ) ، وروض الجنان : (١٥٤).

(٣) كما في المنتهى ( ١ : ١٩ ).

(٤) جامع المقاصد ( ١ : ١٣ ).

(٥) الكافي ( ٣ : ٦٥ ـ ٩ ) ، التهذيب ( ١ : ١٤٩ ـ ٤٢٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٧ ـ ٤٣٥ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٠ ) أبواب الماء المطلق ب (١٤) ح (٢٢).

٨٩

______________________________________________________

وإفساده ، وهو إنما يتحقق بعد الحكم بطهر الجنب لا بمجرد دخوله في البئر ، فلا يضر هذا النهي ، لتأخره وعدم كونه عن نفس العبادة ، قال : إلا أن يقال : الوسيلة إلى المحرم محرمة ، وإن كانت قبل زمانه (١).

وفيه نظر : فإنه ـ رحمه‌الله ـ قد حقق فيما سبق (٢) أنّ المراد بالوقوع الغسل ، حملا للمطلق على المقيد ، فيكون النهي متوجها إليه خاصة ، والفساد وإن كان مترتبا على الغسل ومتأخرا عنه عند القائل به إلا أنّ المفسد له في الحقيقة هو الغسل ، وليس بعد تحققه فعل يمكن توجه النهي إليه ، وإنما الموجود هو أثر ذلك الفعل المنهي عنه.

والحق أنّ الجمع بين الأخبار غير جيد كما بيناه ، وأن المنهي عنه في خبر ابن أبي يعفور نفس الوقوع في البئر ، لما فيه من تغيره بواسطة ثوران الحمأة (٣) ونحوه فيمكن حمله على الكراهة ، ولو حمل على حقيقته وهو التحريم لم يلزم منه بطلان الغسل مطلقا ، بل إنما يلزم بطلانه إذا وقع الاغتسال مع نفس الوقوع المقتضي لتغيره ، لا متأخرا عنه فتأمل.

واعلم : أنه قد ذكر جماعة من الأصحاب تفريعا على القول بالنجاسة أن الجنب إن اغتسل مرتمسا طهر بدنه من الحدث ونجس بالخبث ، وإن اغتسل مرتبا أجزأه غسل ما غسله قبل وصول الماء إلى البئر خاصة (٤).

وللنظر فيه مجال ، لتعليق الحكم عندهم على الاغتسال وهو لا يتحقق إلا بالإكمال.

__________________

(١) روض الجنان : (١٥٤).

(٢) المصدر السابق ص (١٥٣).

(٣) الحمأ : الطين الأسود ، قال الله تعالى ( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) وكذلك الحمأة بالتسكين ، تقول منه : حمأت البئر حمأ ، بالتسكين ، إذا نزعت حمأتها. ( الصحاح ١ : ٤٥ ).

(٤) منهم العلامة في المنتهى ( ١ : ١٩ ) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (١٥٤).

٩٠

ولوقوع الكلب وخروجه حيا ،

______________________________________________________

الرابع : اشترط جماعة من الأصحاب (١) خلو بدن الجنب من نجاسة عينية ليتم الاكتفاء بالسبع ، إذ لو كان عليه نجاسة لوجب لها مقدرها إن كان ، وإلا فعلى ما سيأتي من الخلاف.

وتوقف في ذلك العلامة في المنتهى فإنه عزى الاشتراط إلى ابن إدريس ـ رحمه‌الله ـ ثم قال : ونحن لما لم تقم عندنا دلالة على وجوب النزح للمني توقفنا عن هذا الاشتراط (٢). واعترض عليه بأنه لا وجه لتوقفه في ذلك مع كون النصوص واردة بمجرد دخول الجنب في البئر للاغتسال ، وليس من لوازم الجنابة النجاسة ، خصوصا مع اشتهار وجوب نزح الجميع للمني بين الأصحاب. وجوابه معلوم مما سبق.

والحق أن إجراء هذه الأخبار على ظاهرها مشكل ، فيجب إما حملها على نجاسة بدن الجنب ، أو على التقية لموافقتها لمذهب بعض العامة (٣) ، أو على أنّ الغرض من ذلك مجرد التنظيف من ثوران الحمأة التي نشأت من نزول الجنب إلى البئر وزوال النفرة الحاصلة من ذلك ، وهذا أقرب والله أعلم.

قوله : ولوقوع الكلب وخروجه حيا.

مستنده صحيحة أبي مريم : قال : حدثنا جعفر قال : كان أبو جعفر عليه‌السلام يقول : « إذا مات الكلب في البئر نزحت » ، وقال جعفر : إذا وقع فيها ثم أخرج منها حيا نزح منها سبع دلاء (٤).

__________________

(١) منهم ابن إدريس في السرائر : (١٢) ، والمحقق الكركي في جامع المقاصد : (١٣) ، والشهيد الثاني في المسالك ( ١ : ٣ ).

(٢) المنتهى ( ١ : ١٥ ).

(٣) منهم ابن حزم في المحلى ( ١ : ١٨٥ ).

(٤) التهذيب ( ١ : ٢٣٧ ـ ٦٨٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٨ ـ ١٠٣ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٤ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (١).

٩١

وبنزح خمس لذرق الدجاج الجلال ، وبنزح ثلاث لموت الحيّة والفأرة.

______________________________________________________

ويمكن القول بالاكتفاء في ذلك بالخمس ، لصحيحة أبي أسامة (١) ، بل لو قيل بالاكتفاء بمسمى الدلاء ، لصحيحة علي بن يقطين (٢) وحمل الخمس والسبع على الاستحباب كان وجها قويا.

وأوجب ابن إدريس ـ رحمه‌الله ـ هنا نزح أربعين (٣) ، إذ لا نص فيه عنده ، وإنما اكتفى فيه بالأربعين مع حكمه بنزح الجميع لما لا نص فيه ، لأنها تجزئ لموته كما مر ، فلوقوعه حيا أولى.

قوله : وبنزح خمس لذرق الدجاج الجلال.

المراد بالجلال : المغتذي بعذرة الإنسان محضا إلى أن يسمى في العرف جلالا. وأطلق الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في جملة من كتبه (٤) نزح الخمس لذرق الدجاج بناء على القول بنجاسته. وهو ضعيف جدا كما سيجي‌ء بيانه إن شاء الله تعالى. ولم أقف على نص يقتضي النزح لذلك. واستقرب المصنف في المعتبر دخوله في قسم العذرة (٥). وفيه بعد. ولو اكتفي فيه بنزح دلاء كما يشعر به صحيحة محمد بن إسماعيل (٦) كان وجها حسنا.

قوله : وبنزح ثلاث لموت الحية والفأرة.

أما نزح الثلاث للفأرة فمعلوم مما سبق.

__________________

(١) المتقدمة في ص (٨١).

(٢) المتقدمة في ص (٨١).

(٣) السرائر : (١١).

(٤) كما في المبسوط ( ١ : ١٢ ) ، والنهاية : (٧).

(٥) المعتبر ( ١ : ٧٦ ).

(٦) الكافي ( ٣ : ٥ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٤٤ ـ ٧٠٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٤ ـ ١٢٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٠ ) أبواب الماء المطلق ب (١٤) ح (٢١).

٩٢

وبنزح دلو لموت العصفور وشبهه ،

______________________________________________________

وأما الحية فقد اعترف الأصحاب بعدم ورود نص فيها على الخصوص. وقال في المعتبر : الذي أراه وجوب النزح في الحية ، لأن لها نفسا سائلة وميتتها نجسة (١). واستبعده المتأخرون. والحكم بنزح الثلاث فيها للشيخ (٢) وأتباعه (٣). وحكى في المعتبر عن علي بن بابويه ـ رحمه‌الله ـ في رسالته أنه اكتفى فيها بدلو واحد (٤). ونقل عنه في المختلف أنه قال : ينزح منها سبع دلاء (٥).

والأظهر الاكتفاء فيها بالثلاث ، بناء على ما ذكره في المعتبر من أنّ لها نفسا سائلة ، لما رواه الشيخ في الصحيح ، عن الحلبي ، عن الصادق عليه‌السلام : قال : « إذا سقط في البئر شي‌ء صغير فمات فيها فانزح منها دلاء » (٦).

قوله : وبنزح دلو لموت العصفور وشبهه.

مستنده رواية عمار ، عن الصادق عليه‌السلام حيث قال فيها : « وأقله العصفور ينزح منها دلو واحد » (٧) وفي الطريق ضعف. وذكر الشارح ـ قدس‌سره ـ أنه يدخل في شبهه كلما دون الحمامة في الحجم ، وأنه لا يلحق به الطير في حال صغره (٨). وهو مشكل والأجود قصر الحكم على ما يصدق عليه اسم العصفور ، إذ لا دليل على إلحاق غيره‌

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ٧٥ ).

(٢) المبسوط ( ١ : ١٢ ) ، والنهاية : (٧).

(٣) منهم ابن البراج في المهذب ( ١ : ٢٢ ) ، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه : (١٣٠) ، وسلار في المراسم : (٣٦).

(٤) المعتبر ( ١ : ٧٤ ).

(٥) المختلف : (٩).

(٦) الكافي ( ٣ : ٦ ـ ٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٤٠ ـ ٦٩٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٤ ـ ٩٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٢ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (٦) ، مع اختلاف يسير.

(٧) التهذيب ( ١ : ٢٣٤ ـ ٦٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٤١ ) أبواب الماء المطلق ب (٢١) ح (٢).

(٨) المسالك ( ١ : ٣ ) ، وروض الجنان : (١٥٥).

٩٣

ولبول الصبي الذي لم يغتذ بالطعام.

______________________________________________________

به ، وأولى به : نزح الخمس أو الثلاث للطير مطلقا ، لصحيحتي الفضلاء (١) وعلي بن يقطين (٢) ، عن الباقر والصادق والكاظم صلوات الله عليهم.

قوله : ولبول الصبي الذي لم يغتذ بالطعام.

اختلف الأصحاب فيما ينزح لبول الصبي الذي لم يغتذ بالطعام اغتذاء مستندا إلى إرادته وشهوته ، فذهب الشيخان (٣) وابن البراج (٤) ـ رحمهم‌الله ـ إلى أنه دلو واحد ، واستدل عليه في التهذيب برواية علي بن أبي حمزة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : سألته عن بول الصبي الفطيم يقع في البئر ، قال : « دلو واحد » (٥) والظاهر أنه ـ رحمه‌الله ـ إنما استدل بمفهوم الرواية لا بمنطوقها ، فإن منطوقها بول الفطيم لكن إذا اكتفى في بول الفطيم بدلو واحد فالرضيع أولى ، إلا أنّ منطوقها غير معمول عليه عند الأصحاب.

وقال أبو الصلاح (٦) وابن زهرة (٧) : ينزح له ثلاث دلاء ، ولم أقف لهما على مستند ، ومقتضى صحيحة معاوية بن عمار نزح الجميع في بول الصبي من غير تفصيل (٨).

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٣٦ ـ ٦٨٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٦ ـ ٩٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٥ ) أبواب الماء المطلق ب (١٧) ح (٥).

(٢) المتقدمة في ص (٨١).

(٣) المفيد في المقنعة : (٩) ، والشيخ في المبسوط ( ١ : ١٢ ) ، والنهاية : (٧).

(٤) المهذب ( ١ : ٢٢ ).

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٤٣ ـ ٧٠٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٤ ـ ٩٠ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٣ ) أبواب الماء المطلق ب (١٦) ح (٢).

(٦) الكافي في الفقه : (١٣٠).

(٧) الغنية : ( الجوامع الفقهية ) : (٥٥٢).

(٨) التهذيب ( ١ : ٢٤١ ـ ٦٩٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٥ ـ ٩٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٢ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (٤).

٩٤

وفي ماء المطر وفيه البول والعذرة وخرء الكلاب ثلاثون دلوا.

______________________________________________________

قوله : وفي ماء المطر وفيه البول والعذرة وخرء الكلاب ثلاثون دلوا.

المستند في ذلك رواية كردويه : قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول ، والعذرة ، وأبوال الدواب ، وأرواثها ، وخرء الكلاب قال : « ينزح منها ثلاثون دلوا وإن كانت مبخرة » (١).

وأورد هنا إشكال : وهو أنّ العذرة وحدها مع الذوبان ينزح لها خمسون فإذا انضم إليها غيرها من البول ـ وقد روي صحيحا أنه ينزح له الجميع (٢) ـ وأبوال الدواب وأرواثها وخرء الكلاب يتضاعف النجاسة فكيف يكتفى بالثلاثين؟! وأجيب عنه : بأنه يمكن تنزيل الرواية على ماء المطر المخالط لهذه النجاسات مع استهلاك أعيانها (٣). وفيه تكلف.

وأجاب عنه جدي ـ قدس‌سره ـ بجواز استناد التخفيف إلى مصاحبة ماء المطر ، قال : ومن نظر إلى ما ينفعل عنه البئر وما يطهر به ، واشتمالها على جمع المتباينات كالهر والخنزير ، وتفريق المتماثلات كالكلب والكافر والثور والبقرة ، يزول عنه استبعاد حكم هذه النجاسات منفردة عن ماء المطر ومصاحبة له (٤).

وما ذكره ـ رحمه‌الله ـ جيد مع وضوح المأخذ ، لكن الراوي لهذه الرواية وهو كردويه مجهول (٥). وقيل : إنه لقب لمسمع بن عبد الملك ككردين. ومسمع غير موثق (٦) فلا‌

__________________

(١) الفقيه ( ١ : ١٦ ـ ٣٥ ) بتفاوت يسير ، التهذيب ( ١ : ٤١٣ ـ ١٣٠٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٣ ـ ١٢٠ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٣ ) أبواب الماء المطلق ب (١٦) ح (٣).

(٢) الوسائل ( ١ : ١٤٠ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٠).

(٣) كما في جامع المقاصد ( ١ : ١٣ ).

(٤) المسالك ( ١ : ٣ ).

(٥) لم يذكره النجاشي ولا الشيخ بل لم ينص أحد على توثيقه كما قال في معجم رجال الحديث ( ١٤ : ١١٤ ـ ٩٧٢٢ ).

(٦) راجع رجال النجاشي : ( ٤٢٠ ـ ١١٢٤ ) ، ورجال الشيخ : ( ٣٢١ ، ١٣٦ ).

٩٥

والدلو التي ينزح بها ما جرت العادة باستعمالها.

______________________________________________________

تصلح لمعارضة الأخبار الواردة بنزح المقادير المعينة لتلك النجاسات (١) ، والأجود اطراح هذه الرواية والعمل بما اقتضته الأخبار الصحيحة.

قوله : والدلو التي ينزح بها ما جرت العادة باستعمالها.

ينبغي أن يكون المرجع في الدلو إلى العرف العام ، فإنه المحكّم فيما لم يثبت فيه وضع من الشارع ، ولا عبرة بما جرت العادة باستعماله في تلك البئر إذا كان مخالفا له. ونقل عن بعض المتقدمين أنّ المراد بالدلو الهجرية (٢) التي وزنها ثلاثون رطلا أو أربعون. وهو ضعيف.

ولو نزح بإناء عظيم ما تخرجه الدلاء المقدرة فقد قطع العلامة في أكثر كتبه بالاجتزاء به (٣) ، لحصول الغرض وهو إخراج ذلك القدر من الماء. واستقرب المصنف في المعتبر عدم الإجزاء ، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه ، ولأن الحكمة تعلقت بالعدد ولا نعلم حصولها مع عدمه (٤).

ولو غارت الماء ثم عادت سقط النزح ، لأن الظاهر من النصوص تعلق النزح بالماء الذي وقعت فيه النجاسة ، ولانتفاء القطع بنجاسة الماء العائد. ومن ذلك يعلم أنه لو لم يف الماء بنزح المقدرات المعينة اكتفى بنزح الجميع.

__________________

(١) الوسائل ( ١ : ١٤٠ ) أبواب الماء المطلق ب (٢٠) ، وص (١٣١) ب (١٥) ، وص (١٣٣) ب (١٦).

(٢) هجر بفتحتين : بلد بقرب المدينة يذكر فيصرف وهو الأكثر ويؤنث فيمنع وإليها تنسب القلال على لفظها فيقال : هجرية وقلال هجر بالإضافة إليها. والقلال جمع قلة : إناء للعرب كالجرة الكبيرة شبه الحب. ( المصباح المنير : ٥١٤ ، ٦٣٤ ).

(٣) كما في التذكرة ( ١ : ٤ ) ، والقواعد ( ١ : ٦ ) ، وتحرير الأحكام : (٥).

(٤) المعتبر ( ١ : ٧٧ ).

٩٦

فروع ثلاثة :

الأول : حكم صغير الحيوان في النزح حكم كبيره.

الثاني : اختلاف أجناس النجاسة موجب لتضاعف النزح ، وفي تضاعفه مع التماثل تردّد ، أحوطه التضعيف ،

______________________________________________________

قوله : فروع ثلاثة ، الأول ، حكم صغير الحيوان في النزح حكم كبيره.

ينبغي أن يراعى في ذلك إطلاق الاسم. وروى الحلبي في الصحيح ، عن الصادق عليه‌السلام ، قال : « إذا سقط في البئر شي‌ء صغير فمات فيها فانزح منها دلاء » (١).

ونقل عن الصهرشتي شارح النهاية أنه ألحق صغير الطيور بالعصفور (٢). وقد عرفت أنّ المتجه إلحاق الجميع بالطير (٣).

قوله : الثاني ، اختلاف أنواع النجاسة موجب لتضاعف النزح ، وفي تضاعفه مع التماثل تردد ، أحوطه التضعيف.

اختلف الأصحاب في هذه المسألة على أقوال ، ففرق في ثالثها بين المتخالفة والمتماثلة ، فيتضاعف في الأول دون الثاني ، وهو ظاهر اختيار المصنف في هذا الكتاب ، واستدل عليه في المعتبر : بأنّ النجاسة من الجنس الواحد لا تتزايد ، إذ النجاسة الكلبية أو البولية موجودة في كل جزء فلا تتحقق زيادة توجب زيادة النزح ، ولا كذلك الأجناس المختلفة ، لاختلاف المقتضي (٤).

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٦ ـ ٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٤٠ ـ ٦٩٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٣٤ ـ ٩٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٣٢ ) أبواب الماء المطلق ب (١٥) ح (٦) ، بتفاوت يسير.

(٢) نقل عنه في المعتبر ( ١ : ٧٣ ).

(٣) تقدم في ص (٩٣).

(٤) المعتبر ( ١ : ٧٨ ).

٩٧

إلا أن يكون بعضا من جملة لها مقدّر ، فلا يزيد حكم أبعاضها عن جملتها.

______________________________________________________

والأحوط التضاعف مطلقا ، لأن الأصل عدم تداخل المسببات عند اختلاف الأسباب ، ولأن كثرة الواقع تزيد مقدار النجاسة فيزيد شيوعها في الماء فيناسبه زيادة النزح. وإن كان القول بالتداخل مطلقا ليس بذلك البعيد ، لأن نزح القدر المشترك بين الأمرين والأكثر منهما مقتض لامتثال الأمرين معا ، فيحصل الإجزاء ، على حد ما يقال في تداخل الأغسال والغسلات المعتبرة في التطهير ، وقد عرفت أنّ علل الشرع معرفات للأحكام فلا يضر تعددها على معلول واحد.

وكيف كان فيجب القطع بالتداخل فيما إذا كانت النجاسة المتعددة مما يصدق اسمها على القليل والكثير كالخمر والبول ونحوهما ، ولو كان الحكم في ذلك مختلفا بالقلة والكثرة كالدم وحصلت الكثرة بالدفعة الثانية مثلا وجب له منزوح الأكثر خاصة.

ولا يخفى أنّ موضع الخلاف ما لا يوجب نزح الجميع من النجاسات أما فيها فلا ريب في التداخل ، لما بيناه فيما سبق من عدم وجوب ما زاد على نزح الجميع (١). وفي الاكتفاء بتراوح اليوم الواحد مع تعذره وجهان.

قوله : إلا أن يكون بعضا من جملة لها مقدر ، فلا يزيد حكم أبعاضها عن جملتها.

لا ريب في عدم زيادة حكم الأبعاض عن الجملة ، وإنما الكلام في وجوب منزوح الجملة للبعض ، فقيل بالوجوب (٢) ، لتوقف القطع بيقين البراءة عليه. واحتمل المحقق الشيخ علي ـ رحمه‌الله ـ إلحاقه بغير المنصوص ، لعدم تناول اسم الجملة له (٣). وهو إنما يتم إذا كان منزوح غير المنصوص أقل من منزوح الجملة ، إذ لا يعقل زيادة حكم الجزء‌

__________________

(١) تقدم في ص (٩٦).

(٢) كما في الذكرى : (١٠) فإنه قال : أبعاض المقدّر كالمقدّر.

(٣) جامع المقاصد ( ١ : ١٣ ).

٩٨

الثالث : إذا لم يقدّر للنجاسة منزوح نزح جميع مائها. فإن تعذّر نزحها لم تطهر إلا بالتراوح.

______________________________________________________

على الكل.

ولو وجد جزءان وشك في كونهما من واحد أو اثنين فالأقرب عدم التضاعف ، لأصالة عدم التعدد.

قوله : الثالث ، إذا لم يقدّر للنجاسة منزوح نزح جميع مائها ، فإن تعذر نزحها لم تطهر إلا بالتراوح.

هذه المسألة لا تجري عند القائلين بالطهارة ، لأن استحباب النزح أو وجوبه تعبدا موقوف على ورود الأمر به والمفروض عدمه.

أما القائلون بالنجاسة فقد اختلفوا فيها على أقوال. أشهرها : ما اختاره المصنف ـ رحمه‌الله ـ من وجوب نزح الجميع إن أمكن وإلا فالتراوح. أما وجوب نزح الجميع فلتوقف القطع بجواز استعمال الماء عليه ، وأما الاكتفاء بالتراوح مع تعذره فلما تقدم (١).

وأورد عليه : أن ذلك غير مقتض للقطع بجواز استعمال الماء أيضا ، لعدم ثبوت طهارة البئر نفسه بذلك. ويمكن دفعه : بأن الإجماع منعقد على عدم اشتراط ما زاد على نزح الجميع.

وثانيها : وجوب نزح أربعين ، اختاره العلامة في جملة من كتبه (٢) ، وحكاه في المختلف عن ابن حمزة (٣) والشيخ في المبسوط (٤) ، محتجا بقولهم عليهم‌السلام : « ينزح‌

__________________

(١) في ص (٦٧).

(٢) كما في الإرشاد ( مجمع الفائدة ) ( ١ : ٢٧٠ ).

(٣) الوسيلة : (٧٥).

(٤) المبسوط ( ١ : ١٢ ).

٩٩

______________________________________________________

منها أربعون دلوا وإن صارت مبخرة ». وهذه الرواية لم نقف عليها في شي‌ء من الأصول ، وصدرها المتضمن لبيان متعلق الأربعين غير معلوم ، وظاهرها متروك ، فيسقط الاحتجاج بها رأسا.

وما قيل من أن الشيخ ثقة ثبت فلا يرسل إلا عن ثقة ، وأنه لو لا علمه بدلالة صدرها على موضع النزاع لما احتج بها. فظاهر الفساد.

واحتج العلامة في النهاية (١) على هذا القول أيضا برواية كردويه (٢) ، وهو وهم. نعم يمكن الاستدلال عليه بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة في أدلة الطهارة (٣) ، فإنها صريحة في الاكتفاء في طهارة البئر مع تغيره بنزح ما يزيل التغير خاصة وعدم وجوب نزح الماء كله ، ومتى انتفى وجوب نزح الجميع مع التغير انتفى مع عدمه بطريق أوّلى فيثبت الأربعون ، لعدم الجزم بحصول الطهارة بالثلاثين. وفيه ما فيه.

وثالثها : الاكتفاء فيه بنزح ثلاثين ، حكاه شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في شرح الإرشاد عن السيد جمال الدين بن طاوس ـ رحمه‌الله ـ في البشرى ونفى عنه البأس ، واحتج عليه برواية كردويه. وهو عجيب ، إذ لا دلالة لها على المتنازع بوجه فإن موردها نجاسات مخصوصة والكلام إنما هو في غير المنصوص.

والمسألة محل إشكال ، ولا ريب أن بنزح الجميع يحصل يقين البراءة ، ويحتمل الاكتفاء بما يزول به التغير لو كان ، لدلالة رواية ابن بزيع على الاكتفاء في طهارته مع التغير بنزح ما يذهب الريح ويطيب الطعم مطلقا ، وما يكفي مع التغير يكفي مع عدمه بطريق أولى.

__________________

(١) نهاية الأحكام ( ١ : ٢٦٠ ).

(٢) المتقدمة في ص (٩٥).

(٣) المتقدمة في ص (٥٥).

١٠٠