مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

الرّكن الثاني : في الطهارة المائية ، وهي وضوء وغسل.

وفي الوضوء فصول :

الأوّل : في الأحداث الموجبة للوضوء ، وهي ستة :

______________________________________________________

قوله : الأول ، في الأحداث الموجبة للوضوء ، وهي ستة.

الحدث مقول بالاشتراك اللفظي على الأمور التي يترتب عليها فعل الطهارة ، وعلى الأثر الحاصل من ذلك ، والمعنى الأول هو المراد هنا. وهذه الأمور قد يعبّر عنها بالأسباب ، وهي في الأحكام الشرعية عبارة عن المعرفات ، وقد يعبر عنها بالموجبات نظرا إلى ترتب الوجوب عليها مع وجوب الغاية ، وقد يعبر عنها بالنواقض باعتبار طروّها على الطهارة ، والظاهر أنها مترادفة ، فإن وجه التسمية لا يجب اطراده.

وذكر شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في حواشي القواعد أنّ الأول أعم مطلقا ، وأنّ بين الأخيرين عموما من وجه.

واعترضه بعض مشايخنا المعاصرين : بأن الجنابة ناقضة للوضوء وليست سببا له ، وكذا وجود الماء بالنسبة إلى التيمم ، فلا يكون بين الناقض والسبب عموم مطلق بل من وجه.

وجوابه : أنّ الكلام إنما هو في أسباب الطهارات وموجباتها ونواقضها كما هو المفروض في عبارة القواعد (١) ، فالنقض بالجنابة غير جيد ، لأنها سبب في الطهارة.

ويمكن التزام ذلك في وجود الماء أيضا ، لأنه معرف لوجوبها. ويرد عليه أنّ النقض بالأمرين معا غير مستقيم ، لأن البحث إن كان في أسباب الوضوء ونواقضه وموجباته لم‌

__________________

(١) القواعد ( ١ : ٣ ).

١٤١

خروج البول والغائط والريح من الموضع المعتاد.

______________________________________________________

يرد الثاني ، وإن كان في الأعم لم يرد الأول ، كما هو ظاهر.

قوله : خروج البول والغائط والريح من الموضع المعتاد.

المراد بالمعتاد هنا هو الموضع الذي اعتيد كونه مصرفا للفضلة المعلومة وهو المخرج الطبيعي بقرينة ما سيجي‌ء في كلامه. والحكم بوجوب الوضوء بهذه الأمور الثلاثة إجماعي بين المسلمين ، والأخبار به مستفيضة (١) ، فمن ذلك :

رواية زكريا بن آدم ، عن الرضا عليه‌السلام ، قال : « إنما ينقض الوضوء ثلاث : البول ، والغائط ، والريح » (٢).

وصحيحة معاوية بن عمار ، قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : « إنّ الشيطان ـ عليه اللعنة ـ ينفخ في دبر الإنسان حتى يخيّل إليه أنه خرج منه ريح فلا ينقض وضوءه إلا ريح يسمعها ، أو يجد ريحها » (٣).

وصحيحة زرارة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا يوجب الوضوء إلاّ بول ، أو غائط ، أو ضرطة تسمع صوتها ، أو فسوة تجد ريحها » (٤) ومقتضى الرواية أنّ الريح لا يكون ناقضا إلا مع أحد الوصفين.

والجار في قوله : من الموضع المعتاد ، يتعلق بالخروج المعتبر في كل من الأمور‌

__________________

(١) الوسائل ( ١ : ١٧٧ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٢).

(٢) الكافي ( ٣ : ٣٦ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ١ : ١٠ ـ ١٨ ) ، الاستبصار ( ١ : ٨٦ ـ ٢٧٢ ) ، عيون الأخبار ( ٢ : ٢١ ـ ٤٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٨ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٢) ح (٦).

(٣) الكافي ( ٣ : ٣٦ ـ ٣ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٤٧ ـ ١٠١٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩٠ ـ ٢٨٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١) ح (٣).

(٤) التهذيب ( ١ : ١٠ ـ ١٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١) ح (٢).

١٤٢

ولو خرج الغائط مما دون المعدة نقض في قول ، والأشبه أنه لا ينقض.

______________________________________________________

الثلاثة ، فلا ينقض بخروج الريح من ذكر الرجل ولا من قبل المرأة في أظهر الوجهين ، لانتفاء الاسمين عنه ، وهو اختيار العلامة في المنتهى (١). وقطع في التذكرة بنقض ما يخرج من قبل المرأة ، لأن له منفذا إلى الجوف (٢). وهو ضعيف.

وينبغي أن يراد بالخروج : المتعارف ، وهو خروج الخارج بنفسه منفصلا عن حد الباطن ، لأنه الذي ينصرف إليه الإطلاق. مع احتمال النقض بمطلق الخروج عملا بالعموم.

قوله : ولو خرج الغائط مما دون المعدة نقض في قول ، والأشبه أنه لا ينقض.

المعدة للإنسان بمنزلة الكرش لكل مجترّ ، يقال : معدة ومعدة قاله الجوهري (٣).

والقائل بنقض ما يخرج من تحت المعدة دون ما فوقها هو الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في المبسوط والخلاف (٤) ، ولم يعتبر الاعتياد. واحتج على النقض بالخارج من تحت المعدة بعموم‌ قوله تعالى ( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) (٥) وعلى عدم النقض بالخارج من فوقها بأنه لا يسمى غائطا.

وقال ابن إدريس : إذا خرج البول والغائط من غير السبيلين نقض مطلقا (٦). ولم يعتبر الاعتياد ولا تحتية المعدة ، تمسكا بإطلاق الآية. وهما ضعيفان ، لأن الإطلاق إنما‌

__________________

(١) المنتهى ( ١ : ٣١ ).

(٢) التذكرة ( ١ : ١١ ).

(٣) الصحاح ( ٢ : ٥٣٩ ).

(٤) المبسوط ( ١ : ٢٧ ) ، الخلاف ( ١ : ٢٣ ).

(٥) المائدة : (٦).

(٦) السرائر : (١٩).

١٤٣

ولو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد نقض ، وكذا لو خرج الحدث من جرح ثم صار معتادا ، والنوم الغالب على الحاستين ،

______________________________________________________

ينصرف إلى المعتاد ، ولما رواه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الصحيح عن زرارة : قال ، قلت لأبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام : ما ينقض الوضوء؟ فقال : « ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الدبر والذكر » (١) الحديث.

وعن سالم أبي الفضل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك » (٢).

قوله : ولو اتفق المخرج في غير الموضع المعتاد نقض.

هذا الحكم موضع وفاق ، وفي الأخبار بإطلاقها ما يدل عليه. وفي حكمه ما لو انسد المعتاد وانفتح غيره.

قوله : وكذا لو خرج الحدث من جرح ثم صار معتادا.

المرجع في الاعتياد إلى العرف ، لأنه المحكم في مثله. وتحديده بالمرتين تخمين ، وقياسه على العادة في الحيض فاسد.

قوله : والنوم الغالب على الحاستين.

أراد بهما حاستي السمع والبصر ، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعم الحواس إدراكا ، فإذا بطل إدراكهما بطل إدراك غيرهما بطريق أولى ، كذا ذكره جمع من الأصحاب.

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٣٦ ـ ٦ ) ، التهذيب ( ١ : ٨ ـ ١٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٧ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٢) ح (٢).

(٢) الكافي ( ٣ : ٣٥ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١٠ ـ ١٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٥ ـ ٢٧١ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٧ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٢) ح (٤).

١٤٤

______________________________________________________

وفيه نظر.

والمشهور بين الأصحاب أنّ النقض بالنوم يعم جميع الحالات سواء كان النائم قاعدا أو قائما أو راكعا ، منفرجا أو منضما.

وأورد ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ في من لا يحضره الفقيه خبرا عن سماعة : إنه سأله عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائما ، أو قاعدا (١) ، أو راكعا ، فقال : « ليس عليه وضوء » (٢) ورواية أخرى مرسلة عن الكاظم عليه‌السلام : إنه سئل عن الرجل يرقد وهو قاعد فقال : « لا وضوء عليه ما دام قاعدا لم ينفرج » (٣).

قال في المختلف : وإن كانت هاتان الروايتان مذهبا له فقد صارت المسألة خلافية ، ونقل عن أبيه أنه لم يعد النوم في نواقض الوضوء (٤). والأصح أنه ناقض مطلقا.

لنا : قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) (٥) ، قال ابن بكير : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام قوله تعالى ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) ما يعني بذلك؟ قال : « إذا قمتم من النوم » (٦) ونقل عليه في المنتهى إجماع المفسرين (٧).

__________________

(١) ليست في « س » ، « ق » ، والمصدر.

(٢) الفقيه ( ١ : ٣٨ ـ ١٤٣ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨١ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (١٢) « بتفاوت يسير ».

(٣) الفقيه ( ١ : ٣٨ ـ ١٤٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨١ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (١١).

(٤) المختلف : (١٧).

(٥) المائدة : (٦).

(٦) التهذيب ( ١ : ٧ ـ ٩ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٠ ـ ٢٥١ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٠ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (٧).

(٧) المنتهى ( ١ : ٣٣ ).

١٤٥

______________________________________________________

وصحيحة زرارة عن أحدهما عليهما‌السلام ، قال : « لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك والنوم » (١).

وأورد على ظاهرها إشكالات :

الأول : إنّ مقتضاه حصر الناقض في الخارج والنوم ، مع حصوله بالسكر والإغماء إجماعا.

الثاني : إنه يقتضي كون مطلق الخارج ناقضا ، لأن : « ما » ، من أدوات العموم.

الثالث : إنّ قصر النقض على الخارج من الطرفين يقتضي أنّ الخارج من أحدهما غير ناقض.

ويمكن الجواب عن الأول : بأنّ حكم السكر والإغماء مستفاد من حكم النوم من باب التنبيه.

وعن الثاني : بأنّ الموصول كما يجي‌ء للعموم يجي‌ء للعهد ، والمعهود هنا هو المتعارف.

وعن الثالث : بأنّ المراد بالطرفين كل واحد منهما لا هما معا ، لامتناع خروج خارج منهما معا.

واستدل عليه أيضا بصحيحة إسحاق بن عبد الله الأشعري ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : قال : « لا ينقض الوضوء إلا حدث ، والنوم حدث » (٢).

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٦ ـ ٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٧٩ ـ ٢٤٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٧ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٢) ح (١).

(٢) التهذيب ( ١ : ٦ ـ ٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٧٩ ـ ٢٤٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٠ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (٤).

١٤٦

______________________________________________________

وأورد عليها إشكال : وهو أنّ المقدمة الأولى مشتملة على قضيتين مختلفتين كيفا إحداهما : لا ينقض الوضوء ما ليس بحدث. والثانية : الناقض للوضوء حدث. وانتظام السالبة مع الكبرى لا ينتج شيئا ، لعدم اتحاد الوسط. وكذا الموجبة ، لأن الموجبتين في الشكل الثاني عقيم.

وأجاب عنه في المختلف : بأن كل واحد من الأحداث فيه جهتا اشتراك وامتياز ، وما به الاشتراك وهو مطلق الحدث مغاير لما به الامتياز وهو خصوصية كل حدث ، ولا شك أنّ تلك الخصوصيات ليست إحداثا وإلا لكان ما به الاشتراك داخلا فيما به الامتياز فلا بد من مائز ، وننقل الكلام إليه وذلك موجب للتسلسل ، فإذا انتفت الحدثية عن المميزات لم يكن لها مدخل في النقض ، وإنما يستند النقض إلى المشترك الموجود في النوم على ما حكم به في الثانية ، ووجود العلة يستلزم وجود المعلول (١).

ويرد عليه أنه لا يلزم من انتفاء الحدثية من المميزات عدم مدخليتها ، وإنما اللازم عدم كونها ناقضة ، وأما عدم مدخليتها فلا.

فإن قلت : إنّ مدخليتها منفية بالأصل.

قلت : لما كان المراد من الحدث ما صدق عليه من الأفراد لم يعلم أنه لا مدخل للخصوصيات ، لجواز أن يراد بعضها ، إذ لا دليل على الكلية ، وإلا لم يحتج إلى هذا البيان.

ويمكن (٢) أن يقال : إنّ الحدث في المقدمة الأولى ليس المراد به حدثا معينا ولا حدثا ما بمعونة المقام بل كل حدث ، وإذا ثبت عمومها كان مفادها أنّ كل حدث ناقض‌

__________________

(١) المختلف : (١٧).

(٢) في « ق » ، « ح » : والأظهر.

١٤٧

______________________________________________________

للوضوء فيمكن جعلها كبرى للمقدمة الثانية من باب الشكل الأول ، ويكون الغرض الإشارة إلى بيان المقدمتين مع قطع النظر عن ترتيبهما. ويجوز أن يجعل صغرى للثانية ويكون من باب الشكل الرابع ، لكون الحدث موضوعا في الصغرى محمولا في الكبرى وينتج منه : بعض الناقض نوم.

ولا يخفى ما في ذلك كله من التكلف. والذي يقتضيه النظر أنّ الغرض المطلوب من الرواية : نفي النقض عما ليس بحدث لا إثبات كون الحدث ناقضا ، فإنّ ذلك ربما كان معلوما بالضرورة ، لكن لما كانت المقدمة المذكورة ربما توهم عدم كون النوم ناقضا ، لخفاء إطلاق اسم الحدث عليه وقع التصريح بكون النوم حدثا ، فلا يكون مندرجا فيما لا ينقض الوضوء فتأمل.

واعلم ، أنّ المستفاد من الأخبار المعتبرة تعليق الحكم بالنقض على النوم المذهب للعقل ، كقول أبي الحسن الرضا عليه‌السلام في صحيحة عبد الله بن المغيرة : « إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء » (١) وقول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام في حسنة زرارة : « والنوم حتى يذهب العقل » (٢) فإناطة الحكم به أولى.

فرع : قال في التذكرة : لو شك في النوم لم ينقض طهارته ، وكذا لو تخايل له شي‌ء ولم يعلم أنه منام أو حديث النفس ، ولو تحقق أنه رؤيا نقض (٣). وهو كذلك.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٦ ـ ٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٧٩ ـ ٢٤٥ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٠ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٣) ح (٢).

(٢) الكافي ( ٣ : ٣٦ ـ ٦ ) ، الفقيه ( ١ : ٣٧ ـ ١٣٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٨ ـ ١٢ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٧ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٢) ح (٢).

(٣) التذكرة ( ١ : ١١ ).

١٤٨

وفي معناه كلّ ما أزال العقل من إغماء أو جنون أو سكر ، والاستحاضة.

______________________________________________________

قوله : وفي معناه : كلّ ما أزال العقل من إغماء أو جنون أو سكر.

هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب ، بل قال في المنتهى : إنه لا يعلم فيه مخالفا (١). ونقل فيه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في التهذيب إجماع المسلمين (٢) ، واستدل عليه بصحيحة معمر بن خلاد ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع والوضوء يشتد عليه وهو قاعد مستند بالوسائد ، فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال ، قال : « يتوضأ » ، قلت له : إنّ الوضوء يشتد عليه ، قال : « إذا خفي عنه الصوت فقد وجب عليه الوضوء » (٣). وأورد عليه : أنّ الإغفاء لغة بمعنى النوم فلا يتم الاستدلال به على المطلوب وأجيب عنه بأن قوله عليه‌السلام : « إذا خفي عنه الصوت » مطلق فلا يتقيد بالمقدمة الخاصة. وفيه نظر ، فإن الضمير في قوله عليه‌السلام : « عنه » يرجع إلى الرجل المحدث عنه ، وهو الذي قد أغفى فيكون التقييد باقيا بحاله ( نعم ربما كان في الأخبار الدالة على تحديد النوم الناقض بالمزيل إشعار بالنقض بمطلق المزيل ) (٤). والأجود الاستدلال عليه بما دل على حكم النوم من باب التنبيه ، فإنه إذا وجب الوضوء بالنوم الذي يجوز معه الحدث وجب بالإغماء والسكر بطريق أولى ، ولعل ذلك هو الوجه في قول المصنف ـ رحمه‌الله ـ : وفي معناه كلما أزال العقل.

قوله : والاستحاضة القليلة.

قال المصنف ـ رحمه‌الله ـ في المعتبر : وإنما قال : القليلة ، وإن كان الصنفان‌

__________________

(١) المنتهى ( ١ : ٣٤ ).

(٢) التهذيب ( ١ : ٥ ).

(٣) الكافي ( ٣ : ٣٧ ـ ١٤ ) ، التهذيب ( ١ : ٩ ـ ١٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٢ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٤) ح (١).

(٤) ما بين القوسين من « م ».

١٤٩

ولا ينقض الطهارة مذي

______________________________________________________

الآخران يوجبان الوضوء أيضا ، لأنه أراد ما يوجب الوضوء منفردا (١). والحكم بوجوب الوضوء خاصة بالاستحاضة القليلة مذهب أكثر الأصحاب ، وهو المعتمد ، للأخبار الصحيحة الدالة عليه (٢).

وقال ابن أبي عقيل : لا يجب في هذه الحالة وضوء ولا غسل (٣). وقال ابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ بإيجابها غسلا واحدا في اليوم والليلة (٤). وهما ضعيفان ، وسيأتي الكلام في ذلك في محله إن شاء الله تعالى.

وأورد على نظير العبارة شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ : أنه إن أراد الموجبات للوضوء ليس إلاّ فكان ينبغي ذكر القليلة وأحد قسمي المتوسطة ، وهو فيما عدا الصبح ، وإن أراد ما يوجب الوضوء في الجملة فكان ينبغي ذكر الموجبات الأحد عشر (٥).

وجوابه : أنّ مراده الأول. والمتوسطة وإن كانت موجبة للوضوء وحده في بعض الحالات إلا أنها موجبة للغسل أيضا ، مع أنه لا وجه لتخصيص الإيراد بالمتوسطة ، لأن الكثيرة كذلك بالنسبة إلى العصر والعشاء.

قوله : ولا ينقض الطهارة مذي.

قال الجوهري : المذي بالتسكين ما يخرج عند الملاعبة أو التقبيل (٦). وما اختاره المصنف ـ رحمه‌الله ـ من أنه غير ناقض للوضوء هو المعروف من مذهب الأصحاب ، ونقل عليه في التذكرة الإجماع (٧).

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١١١ ).

(٢) الوسائل ( ٢ : ٦٠٤ ) أبواب الاستحاضة ب (١).

(٣) نقله عنه في المعتبر ( ١ : ١١١ ) ، والمختلف : (٤٠).

(٤) نقله عنه في المختلف : (٤٠) ، والذكرى : (٣٠).

(٥) كما في الدروس : (٢).

(٦) الصحاح ( ٦ : ٢٤٩٠ ).

(٧) التذكرة ( ١ : ١١ ).

١٥٠

______________________________________________________

وقال ابن الجنيد : إن ما يخرج من المذي عقيب الشهوة يكون ناقضا (١).

والمعتمد الأول :

لنا : ما رواه الشيخ في الصحيح ، عن زيد الشحام قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : المذي ينقض الوضوء؟ قال : « لا » (٢).

وما رواه محمد بن إسماعيل في الصحيح ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال : سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه ، ثم أعدت عليه سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه ، وقال : « إنّ عليا عليه‌السلام أمر المقداد أن يسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستحيا أن يسأله ، فقال : فيه الوضوء » قلت : فإن لم أتوضأ؟ قال : « لا بأس به » (٣).

احتج العلامة في المختلف لابن الجنيد بصحيحة محمد بن إسماعيل هذه بحذف‌

قوله : قلت فإن لم أتوضأ. ثم أجاب عنها بأنّ تتمة الرواية موجودة في خبر آخر ، وهو يقتضي أنه ليس بناقض ، وأن أمره بالوضوء على جهة الاستحباب (٤). وهو حسن.

نعم يمكن أن يستدل لابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ بصحيحة علي بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن المذي أينقض الوضوء؟ قال : « إن كان من شهوة نقض » (٥) وتحمل الأخبار المتضمنة لعدم النقض (٦) على المذي الذي لا يكون عقيب‌

__________________

(١) نقله عنه في المختلف : (١٨) والذكرى : (٢٦).

(٢) التهذيب ( ١ : ١٧ ـ ٤٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩١ ـ ٢٩٣ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٦ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٢) ح (٥).

(٣) التهذيب ( ١ : ١٨ ـ ٤٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩٢ ـ ٢٩٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٧ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٢) ح (٩).

(٤) المختلف : (١٨).

(٥) التهذيب ( ١ : ١٩ ـ ٤٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩٣ ـ ٢٩٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٨ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٢) ح (١١).

(٦) الوسائل ( ١ : ١٩٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٢).

١٥١

ولا ودي ، ولا دم ولو خرج من أحد السبيلين عدا الدماء الثلاثة ،

______________________________________________________

شهوة ، لأنّ المقيّد يحكّم على المطلق.

ويجاب : بأنها معارضة بما رواه ابن أبي عمير في الصحيح ، عن غير واحد من أصحابه ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « ليس في المذي من شهوة ، ولا من الإنعاظ ، ولا من القبلة ، ولا من مس الفرج ، ولا من المضاجعة وضوء » (١) ولا يضر إرسالها ، لأن في قوله : عن غير واحد من أصحابه. إشعارا ( باستفاضة ذلك ) (٢) عنده. والاحتياط هنا مما لا ينبغي تركه ، لأن المسألة موضع تردد.

قوله : ولا ودي.

الودي بالدال المهملة الساكنة : ماء ثخين يخرج عقيب البول. وهو غير ناقض للوضوء إجماعا قاله في التذكرة (٣). ويدل عليه روايات منها : صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم وزيد الشحام ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام إنه قال : « لو سال من ذكرك شي‌ء من مذي أو ودي فلا تغسله ، ولا تقطع له الصلاة ، ولا تنقض له الوضوء ، إنما ذلك بمنزلة النخامة » (٤).

قوله : ولا دم ولو خرج من أحد السبيلين ، عدا الدماء الثلاثة.

هذا الحكم مجمع عليه بين علمائنا ، ويدل عليه الحصر المستفاد من قوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : « لا يوجب الوضوء إلا غائط ، أو بول ، أو ضرطة تسمع صوتها ، أو فسوة تجد ريحها » (٥).

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ١٩ ـ ٤٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩٣ ـ ٣٠٠ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩١ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٩) ح (٢).

(٢) في « ح » : بثبوت مدلولها.

(٣) التذكرة ( ١ : ١١ ).

(٤) التهذيب ( ١ : ٢١ ـ ٥٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩٤ ـ ٣٠٥ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٦ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٢) ح (٢).

(٥) التهذيب ( ١ : ١٠ ـ ١٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٧٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١) ح (٢).

١٥٢

ولا قي‌ء ولا نخامة ، ولا تقليم ظفر ولا حلق شعر ، ولا مس ذكر ولا قبل ولا دبر ،

______________________________________________________

وصحيحة إبراهيم بن أبي محمود ، قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن القي‌ء والرعاف والمدّة أينقض الوضوء أم لا؟ قال : « لا ينقض شيئا » (١).

ورد المصنف ـ رحمه‌الله ـ بقوله : ولو خرج من السبيلين ، على الشافعي (٢) وأبي حنيفة (٣) حيث أوجبا الوضوء بالدم الخارج من السبيلين. ولا ريب في بطلانه.

قوله : ولا قي‌ء ولا نخامة ولا تقليم ظفر ولا حلق شعر.

الحكم بعدم وجوب الوضوء بهذه الأمور المذكورة مجمع عليه بين الأصحاب ، ويدل عليه مضافا إلى ما سبق حسنة زيد الشحام قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن القي‌ء هل ينقض الوضوء؟ قال : « لا » (٤).

وصحيحة سعيد بن عبد الله الأعرج ، قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : آخذ من أظفاري أو من شاربي وأحلق رأسي أفأغتسل؟ قال : « ليس عليك غسل » قلت : فأتوضأ؟ قال : « ليس عليك وضوء » (٥).

قوله : ولا مسّ ذكر ولا قبل ولا دبر.

هذا هو المشهور بين الأصحاب. ونقل عن أبي جعفر ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ أنّ‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ١٦ ـ ٣٤ ) ، الاستبصار ( ١ : ٨٤ ـ ٢٦٦ ) ، العيون ( ٢ : ٢١ ـ ٤٦ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٦) ح (٦).

(٢) الام ( ١ : ١٧ ).

(٣) نقله عنه في بداية المجتهد ( ١ : ٣٤ ).

(٤) الكافي ( ٣ : ٣٦ ـ ٩ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣ ـ ٢٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٣ ـ ٢٥٩ ) ، الوسائل ( ١ : ١٨٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٦) ح (٣).

(٥) التهذيب ( ١ : ٣٤٦ ـ ١٠١٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٩٥ ـ ٣٠٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٠٣ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٤) ح (٣).

١٥٣

ولا لمس امرأة ، ولا أكل ما مسّته النار ،

______________________________________________________

مس باطن الدبر والإحليل ناقض للوضوء (١). وعن ابن الجنيد : أنّ مس باطن الفرجين ناقض للوضوء مطلقا وكذا ظاهرهما إن كان محرما (٢). وهما ضعيفان.

لنا : الأصل ، وقوله عليه‌السلام : « ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك » (٣).

وما رواه زرارة في الصحيح ، عن أبي جعفر عليه‌السلام إنه قال : « ليس في القبلة ولا مس الفرج ولا الملامسة وضوء » (٤).

واحتج ابن بابويه وابن الجنيد ـ رحمهما الله ـ على ما نقل عنهما برواية أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « إذا قبّل الرجل المرأة من شهوة أو لمس فرجها أعاد الوضوء » (٥).

وقريب منها رواية عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٦).

والجواب : أنهما ضعيفتا السند ، ولو كانتا صحيحتين لوجب حملهما على الاستحباب جمعا بين الأدلة.

قوله : ولا لمس امرأة ، ولا أكل ما مسته النار.

هذان الحكمان إجماعيان عندنا ، منصوصان في عدة روايات كصحيحة أبي مريم ،

__________________

(١) الفقيه ( ١ : ٣٩ ).

(٢) نقله عنه في المختلف : (١٧) ، والمعتبر ( ١ : ١١٤ )

(٣) تقدم في ص (١٤٤).

(٤) الكافي ( ٣ : ٣٧ ـ ١٢ ) ، الفقيه ( ١ : ٣٨ ـ ١٤٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٢٣ ـ ٥٩ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٧ ـ ٢٧٧ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٢ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٩) ح (٣).

(٥) التهذيب ( ١ : ٢٢ ـ ٥٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٨ ـ ٢٨٠ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٣ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٩) ح (٩).

(٦) التهذيب ( ١ : ٤٥ ـ ١٢٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٨ ـ ٢٨٤ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٣ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٩) ح (١٠).

١٥٤

ولا ما يخرج من السبيلين إلا أن يخالطه شي‌ء من النواقض.

______________________________________________________

عن أبي جعفر عليه‌السلام حيث قال فيها : « والله ما بذلك بأس ـ يعني الملامسة وربما فعلته ، وما يعني بهذا ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) إلا المواقعة دون الفرج » (١).

وصحيحة بكير بن أعين : قال : سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الوضوء مما غيرت النار فقال : « ليس عليك فيه وضوء وإنما الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل » (٢).

وخالف في الحكمين بعض العامة (٣). ولا عبرة بخلافهم.

قوله : ولا ما يخرج من السبيلين إلا أن يخالطه شي‌ء من النواقض.

أي ولا ينقض الوضوء ما يخرج من السبيلين في حال من الأحوال إلا في حال مخالطة شي‌ء من النواقض له. وهذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب ، وخالف فيه أكثر العامة فحكموا بأنّ جميع ما يخرج من السبيلين ينقض الوضوء سواء كان طاهرا أو نجسا (٤). وبطلانه معلوم مما سبق.

ويتوجه على العبارة مؤاخذة : فإن الخارج لا يكون ناقضا بوجه من الوجوه فلا يحسن استناد النقض إليه ، بل الناقض هو ذلك المصاحب ، ففي العبارة تجوّز. وجعل جدي ـ قدس‌سره ـ في الشرح الاستثناء هنا منقطعا (٥). وهو غير واضح.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٢٢ ـ ٥٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٨٧ ـ ٢٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ١٩٢ ) أبواب نواقض الوضوء ب (٩) ح (٤).

(٢) التهذيب ( ١ : ٣٥٠ ـ ١٠٣٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٠٥ ) أبواب نواقض الوضوء ب (١٥) ح (٣).

(٣) منهم ابن حزم في المحلى ( ١ : ٢٤١ ).

(٤) الام ( ١ : ١٨ ) ، السراج الوهاج : (١١).

(٥) المسالك ( ١ : ٤ ).

١٥٥

الثاني : في أحكام الخلوة ، وهي ثلاثة :

الأول : في كيفية التخلي ، ويجب فيه ستر العورة ، ويستحب ستر البدن. ويحرم استقبال القبلة واستدبارها ، ويستوي في ذلك الصحاري والأبنية. ويجب الانحراف في موضع قد بني على ذلك.

______________________________________________________

قوله : ويجب على المتخلي ستر العورة.

أي جلوسه بحيث لا يرى عورته من يحرم نظره إليها ، فالزوجة والمملوكة التي يباح وطؤها ، والأطفال غير المميزين لا يجب الستر عنهم.

والمراد بالعورة : القبل والدبر والأنثيان على الأظهر ، اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المجمع عليه ، ولما روي عن أبي الحسن الماضي عليه‌السلام أنه قال : « العورة عورتان : القبل والدبر ، والدبر مستورة بالأليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة » (١).

قوله : ويستحب ستر البدن.

المراد بالستر هنا جلوس المتخلي بحيث لا يراه (٢) أحد ، بأن يبعد المذهب ، أو يلج حفيرة ، أو يدخل بناء ونحو ذلك. وإنما كان مستحبا لما فيه من التأسي بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولقوله عليه‌السلام : « من أتى الغائط فليستتر » (٣).

قوله : ويحرم استقبال القبلة واستدبارها ، ويستوي في ذلك الصحاري والأبنية ، ويجب الانحراف في موضع قد بني على ذلك.

اختلف الأصحاب في تحريم الاستقبال والاستدبار على المتخلي ، فذهب الشيخ (٤)

__________________

(١) الكافي ( ٦ : ٥٠١ ـ ٢٦ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٧٤ ـ ١١٥١ ) ، الوسائل ( ١ : ٣٦٥ ) أبواب آداب الحمام ب (٤) ح (٢).

(٢) في « م » : لا يرى.

(٣) الوسائل ( ١ : ٢١٥ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٤) ح (٤) ، وفيه عن شرح النفلية : (١٧).

(٤) الخلاف ( ١ : ١٩ ) ، والنهاية : (٩).

١٥٦

______________________________________________________

وابن البراج (١) وابن إدريس (٢) إلى تحريمهما في الصحاري والبنيان. وقال ابن الجنيد : يستحب إذا أراد التغوط في الصحراء أن يتجنب استقبال القبلة (٣). ولم يتعرض للاستدبار. ونقل عن سلار الكراهة في البنيان (٤). ويلزم منه الكراهة في الصحاري أيضا أو التحريم.

وقال المفيد ـ رحمه‌الله ـ في المقنعة : ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها. ثم قال بعد ذلك : فإن دخل دارا قد بني فيها مقعد الغائط على استقبال القبلة واستدبارها لم يكره الجلوس عليه ، وإنما يكره ذلك في الصحاري والمواضع التي يتمكن فيها من الانحراف عن القبلة (٥).

قال العلامة ـ رحمه‌الله ـ في المختلف بعد حكاية ذلك : وهذا يعطي الكراهة في الصحاري والإباحة في البنيان (٦). وهو غير واضح.

احتج القائلون بالتحريم برواية عيسى بن عبد الله الهاشمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي عليه‌السلام ، قال : « قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولكن شرّقوا أو غرّبوا » (٧).

ومرفوعة علي بن إبراهيم ، قال : خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله عليه‌السلام

__________________

(١) المهذب ( ١ : ٤١ ).

(٢) السرائر : (١٦).

(٣) نقله عنه في المختلف : (١٩).

(٤) المراسم : (٣٢).

(٥) المقنعة : (٤).

(٦) المختلف : (١٩).

(٧) التهذيب ( ١ : ٢٥ ـ ٦٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٧ ـ ١٣٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢) ح (٥).

١٥٧

______________________________________________________

وأبو الحسن عليه‌السلام قائم وهو غلام فقال له أبو حنيفة : يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال : « اجتنب أفنية المساجد ، وشطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، ومنازل النزال ، ولا تستقبل القبلة (١) بغائط ولا بول ، وارفع ثوبك وضع حيث شئت » (٢).

ومرفوعة عبد الحميد بن أبي العلاء أو غيره ، قال : سئل الحسن بن علي عليه‌السلام ما حد الغائط؟ قال : « لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها » (٣).

وهذه الأخبار كلها مشتركة في ضعف السند ، فحملها على الكراهة متعين ، لقصورها عن إثبات التحريم وربما كان في الروايتين الأخيرتين إشعار بذلك ، ويشهد له أيضا حسنة محمد بن إسماعيل ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام إنه سمعه يقول : « من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة وتعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له » (٤).

احتج العلامة ـ رحمه‌الله ـ في المختلف (٥) لسلار ـ رحمه‌الله ـ على الجواز في الأبنية برواية محمد بن إسماعيل ، قال : « دخلت على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام وفي منزله كنيف مستقبل القبلة (٦). ولا دلالة لها على المدعى ، إذ لا يلزم من كون الكنيف‌

__________________

(١) في « م » زيادة : ولا تستدبرها.

(٢) الكافي ( ٣ : ١٦ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٠ ـ ٧٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٢ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢) ح (١).

(٣) الفقيه ( ١ : ١٨ ـ ٤٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٣ ـ ٨٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٧ ـ ١٣١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢) ح (٦).

(٤) التهذيب ( ١ : ٣٥٢ ـ ١٠٤٣ ) ، المحاسن : ( ٥٤ ـ ٨٢ ) إلا أن الرواية فيه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبسند آخر ، الوسائل ( ١ : ٢١٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢) ح (٧).

(٥) المختلف : (١٩).

(٦) التهذيب ( ١ : ٢٦ ـ ٦٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٧ ـ ١٣٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٢١٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٢) ح (٧).

١٥٨

______________________________________________________

على القبلة جواز الجلوس عليه من غير انحراف.

وينبغي التنبيه لأمور :

الأول : المراد بالاستقبال والاستدبار هنا ما هو المتعارف في (١) أبواب الفقه : وهو الاستقبال بالبدن والاستدبار به. وربما توهم بعض المتأخرين أنّ الاستقبال المحرم أو المكروه ما كان بالعورة حتى لو حرفها زال المنع (٢). وليس بشي‌ء.

الثاني : المستفاد من الأخبار وكلام الأصحاب اختصاص ذلك بحالة البول أو التغوط ، ويحتمل شموله لحالة الاستنجاء ، لرواية عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قلت له الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد؟ قال : « كما يقعد للغائط » (٣) ولا ريب أنه أولى.

الثالث : الاستقبال والاستدبار بالنسبة إلى القائم والجالس معلوم ، وأما بالنسبة إلى المضطجع والمستلقي فقال بعض المحققين : إنه إن بلغ بهما العجز إلى هذا الحد فلا بحث في أنّ الاستقبال والاستدبار بالنسبة إليهما في التخلي يحال على استقبالهما في الصلاة ، وإلا ففيه تردد ينشأ من أنّ هذه حالة استقبال واستدبار في الجملة ، ومن أنّ ذلك إنما هو بالنسبة إلى العاجز وأما بالنظر إلى غير العاجز فلا ، ولهذا لو حلف ليستقبلن لم يبرّ بهذه الحالة مع القدرة على غيرها. ولعل هذا أقرب (٤).

قلت : بل الأظهر تحقق الاستقبال والاستدبار بالنسبة إلى المضطجع والمستلقي بالمواجهة ومقابلها مطلقا ، إذ لا معنى لاستقبال القبلة إلا كون المستقبل مواجها لها ،

__________________

(١) في « م » ، « ق » ، « ح » زيادة : جميع.

(٢) منهم الفاضل المقداد في التنقيح ( ١ : ٦٩ ).

(٣) الكافي ( ٣ : ١٨ ـ ١١ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٥٥ ـ ١٠٦١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٥٣ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٣٧) ح (٢).

(٤) جامع المقاصد ( ١ : ٧ ).

١٥٩

______________________________________________________

ويقابله الاستدبار ، وأما القيام والجلوس فليس بداخل في حقيقتهما قطعا.

الرابع : الظاهر استحباب التشريق أو التغريب (١) ، للأمر بهما في رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي المتقدمة (٢). وقال بعض المحققين : إن ذلك واجب وإنه لا يجوز استقبال ما بين المشرق والمغرب والقبلة تمسكا بظاهر الأمر ، وأيده بقوله عليه‌السلام : « ما بين المشرق والمغرب قبلة » (٣) ، وأن قبلة البعيد هي الجهة وفيها اتساع فلا بد من المبالغة في الانحراف ليبعد عن الاستقبال والاستدبار (٤). وهو استدلال ضعيف.

أما أولا : فلقصور الرواية من حيث السند عن إثبات حكم مخالف للأصل.

وأما ثانيا : فلعدم الوقوف على مصرّح بالوجوب ، ومن طريقة ذلك المحقق التوقف في الفتوى على وجود القائل وإن كان الحق خلافه كما بيناه في محله.

وأما ثالثا : فلضعف ما أيده به من قوله عليه‌السلام : « ما بين المشرق والمغرب قبلة » لأنه مع سلامة سنده محمول على الناسي ، أو مؤوّل بما يرجع إلى المشهور كما ستقف عليه في محله إن شاء الله تعالى.

الخامس : لو قلنا بالتحريم ولم يعلم الجهة ، قيل : وجب الاجتهاد في تحصيلها من باب المقدمة ، فإن حصل شيئا من الأمارات بنى عليه ، وإلا انتفت الكراهة أو التحريم. ويحتمل انتفاؤهما مطلقا للشك في المقتضي ، وهو قريب.

السادس : لا فرق في تحريم الاستدبار بين ما يلزم منه استقبال بيت المقدس وعدمه ، واحتمل العلامة في النهاية اختصاص الحكم بالأول (٥). وهو بعيد.

__________________

(١) في « م » ، « س » ، « ق » : والتغريب.

(٢) في ص (١٥٧).

(٣) الفقيه ( ١ : ١٨٠ ـ ٨٥٥ ) ، الوسائل ( ٣ : ٢١٧ ) أبواب القبلة ب (٢) ح (٩).

(٤) جامع المقاصد ( ١ : ٧ ).

(٥) نهاية الأحكام ( ١ : ٧٩ ).

١٦٠