مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

______________________________________________________

لا محالة. وكذا إن قلنا برفع المجدد. وإن اعتبرنا الوجه مع ذلك لم تجب الإعادة أيضا إن كان الوجه الملحوظ معتبرا على تقدير فساد الطهارة الأولى ، كما إذا وقع المجدد والمندوب في وقت لا تجب فيه الطهارة ، وإلا وجب عليه إعادتهما ، لإمكان أن يكون الإخلال من الأولى ، والثانية لا تبيح لعدم اشتمالها على الوجه المعتبر ، مع احتمال الصحة مطلقا ، لاشتمال النية على الوجه في الجملة ، وكون المكلف مأمورا بإيقاع الطهارة على ذلك الوجه بحسب الظاهر.

وإن اعتبرنا الرفع أو الاستباحة وقلنا بعدم رفع المجدد وجب إعادتهما ، لإمكان أن يكون الإخلال من الأولى ، والثانية غير مبيحة.

وقوّى العلامة في المنتهى عدم الالتفات إلى هذا الشك مطلقا ، لاندراجه تحت الشك في الوضوء بعد الفراغ (١). ونقله الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في البيان عن السيد جمال الدين بن طاوس ـ رحمه‌الله ـ واستوجهه (٢).

ويمكن الفرق بين الصورتين بأن اليقين هنا حاصل بالترك وإنما حصل الشك في موضوعه ، بخلاف الشك بعد الفراغ فإنه لا يقين فيه بوجه. والمتبادر من الأخبار المتضمنة لعدم الالتفات إلى الشك في الوضوء بعد الفراغ (٣) : الوضوء المتجدد الذي حصل الشك فيه بعد الفراغ منه ، فتأمل.

ولا يخفى أنّ الطهارة المفروضة ثانيا يمكن فرضها بغير التجديد ، ويتصور حينئذ اشتمالها على جميع الأمور المعتبرة في النية ، كما يتفق مع الذهول عن الطهارة السابقة والشك في الطهارة مع تيقن الحدث ، إذا تبين وقوعها بعد فعلها ثانيا ، ومعه يجب القطع‌

__________________

(١) المنتهى ( ١ : ٧٥ ).

(٢) البيان : (١٢).

(٣) الوسائل ( ١ : ٣٣٠ ) أبواب الوضوء ب (٤٢).

٢٦١

______________________________________________________

بعدم الإعادة لوقوع إحدى الطهارتين مستجمعة لشرائط الصحة عند الجميع.

والتفصيل في المسألة أن يقال : الوضوءان إما واجبان ، أو مندوبان ، أو بالتفريق ، ثم إما أن يكون الثاني مجددا أو غيره ، فالصور ثمان :

الأولى : أن يكونا واجبين والثاني غير مجدد ، كما لو توضأ للفريضة بعد دخول وقتها ، ثم ذهل عنه وتوضأ وضوءا واجبا ، ولا ريب في عدم وجوب الإعادة عند الجميع ، لحصول الإباحة بكل من الطهارتين.

الثانية : أن يكونا واجبين والثاني مجدد بالنذر ، وينبغي القطع بالصحة إن اكتفينا بالقربة والوجه ، والفساد إن اعتبرنا الرفع مطلقا.

الثالثة : أن يكونا مندوبين والثاني غير مجدد ، كما لو توضأ قبل دخول الوقت ، ثم ذهل عنه وتأهب للفريضة قبل دخول وقتها ، وحكمها كالأولى.

الرابعة : أن يكونا مندوبين والثاني مجددا ، وقد قيل بالصحة هنا أيضا بناء على اعتبار الوجه (١). وهو إنما يتم إذا كان الوضوء الثاني واقعا في حال البراءة من الواجب إلا على ما ذكرناه من الاحتمال.

الخامسة : أن يكون الأول مندوبا والثاني واجبا مجددا بالنذر ، والحكم فيه كما في الثانية.

السادسة : الصورة بحالها والثاني غير مجدد ، كما لو توضأ للتأهب ثم ذهل عنه وتوضأ للفريضة بعد دخول الوقت ، وحكمها كالأولى.

السابعة : أن يكون الأول واجبا والثاني مندوبا مجددا ، وحكمها كالرابعة.

الثامنة : الصورة بحالها والثاني غير مجدد ، كما في حالة الذهول عن الوضوء الواجب والتأهب للفريضة قبل دخول وقتها ، وحكمها كالأولى.

__________________

(١) كما في جامع المقاصد ( ١ : ٣ ).

٢٦٢

ولو صلى بكل واحدة منهما صلاة أعاد الأولى بناء على الأول.

ولو أحدث عقيب طهارة منهما ولم يعلمها بعينها أعاد الصلاتين إن اختلفتا عددا ، وإلا فصلاة واحدة ينوي بها ما في ذمته. وكذا لو صلى بطهارة ثم أحدث وجدّد طهارة ثم صلى أخرى وذكر أنه أخلّ بواجب من إحدى الطهارتين.

______________________________________________________

قوله : ولو صلى بكل واحدة منهما صلاة أعاد الأولى بناء على الأول.

أي أعاد الصلاة الأولى خاصة بناء على القول الأول ، وهو الاكتفاء بالقربة ، لاحتمال كون الخلل من الطهارة الأولى فتفسد الصلاة الأولى دون الثانية ، لتعقبها الطهارة صحيحة. وعلى الثاني ، وهو اشتراط الاستباحة يعيد الصلاتين معا ، لجواز أن يكون الخلل من الأولى ، والثانية غير رافعة.

قوله : ولو أحدث عقيب طهارة منهما ولم يعلمها بعينها أعاد الصلاتين إن اختلفتا عددا ، وإلا فصلاة واحدة ينوي بها ما في ذمته.

إنما كان كذلك ، لأن الطهارتين مبيحتان للصلاة ، بناء على الاكتفاء بالقربة ، لكن تخلل الحدث يفسد إحداهما ويترتب عليه اشتباه صلاتها فيجب إعادتهما معا مع الاختلاف عددا ، تحصيلا ليقين البراءة وإلا فذلك العدد. وعلى القول الثاني يعيدهما معا كما في صورة الإخلال.

والفرق بين المسألتين : أنّ الحدث على تقدير وقوعه بعد الطهارة الثانية يقتضي بطلان الطهارتين معا ، بخلاف الإخلال فإنه إنما يبطل الطهارة التي وقع فيها خاصة فتسلم له اخرى.

والحكم بجواز الإطلاق مع اتفاق الصلاتين عددا قول معظم الأصحاب ، لصدق الامتثال بالترديد ، وأصالة البراءة من الزائد السالمة عن معارضة كونه مقدمة للواجب ،

٢٦٣

ولو صلى الخمس بخمس طهارات وتيقن أنه أحدث عقيب إحدى الطهارات أعاد ثلاث فرائض : ثلاثا واثنين وأربعا ، وقيل : يعيد خمسا ، والأول أشبه.

______________________________________________________

ولورود النص بجواز الإطلاق لمن نسي فريضة مجهولة من الخمس (١) ، والعلة في الجميع واحدة ، وفي هذا نظر.

وقال أبو الصلاح وابن زهرة : يعيد الصلاتين كالمختلفتين ، لعدم جواز الترديد في النية مع إمكان الجزم. وفيه منع.

واعلم : أنه يتصور كون الوضوءين واجبين ومندوبين وبالتفريق.

قيل : ويشكل في صورة المندوبين ، كما إذا توضأ بري‌ء الذمة من مشروط به ، ثم صلى فريضة في وقتها ، ثم تأهب للأخرى قبل وقتها وصلى ، ثم ذكر الإخلال. وفي صورة المندوب بعد الواجب ، بفرض الوضوء الأول في وقت اشتغال الذمة بمشروط به ، لعدم الجزم ببراءة الذمة لما توضأ ندبا ، لجواز أن يكون الخلل من الأولى فتفسد صلاته وتصير في الذمة ، فيقع المندوب في غير موضعه.

وعندي في تأثير مثل ذلك نظر ، إذ المكلف كان مأمورا بإيقاع الوضوء على ذلك الوجه ، والامتثال يقتضي الإجزاء.

قوله : ولو صلى الخمس بخمس طهارات ، وتيقن أنه أحدث عقيب إحدى الطهارات ، أعاد ثلاث فرائض : ثلاثا واثنتين وأربعا ، وقيل : يعيد خمسا ، والأول أشبه.

الأظهر الاجتزاء بالفرائض الثلاث ، وهي : صبح ومغرب ورباعية مطلقة إطلاقا ثلاثيا بين الظهر والعصر والعشاء ، هذا إن كانت الفائتة من فرض المقيم ، وإن كانت‌

__________________

(١) التهذيب ( ٢ : ١٩٧ ـ ٧٧٤ ) ، الوسائل ( ٥ : ٣٦٥ ) أبواب قضاء الصلوات ب (١١) ح (١).

٢٦٤

وأما الغسل ، ففيه الواجب والمندوب :

فالواجب ستة أغسال : غسل الجنابة ، والحيض ، والاستحاضة التي تثقب الكرسف ، والنفاس ، ومس الأموات من الناس قبل تغسيلهم وبعد بردهم ، وغسل الأموات.

وبيان ذلك في خمسة فصول :

الأوّل : في الجنابة‌ والنظر في السبب ، والحكم ، والغسل‌.

أما سبب الجنابة فأمران :

الإنزال : إذا علم أن الخارج منيّ ، فإن حصل ما يشتبه وكان دافقا تقارنه الشهوة وفتور الجسد وجب الغسل ،

______________________________________________________

من فرض المسافر أتى بصلاتين : مغربا معينة ، وثنائية مطلقة إطلاقا رباعيا بين الصبح والظهر والعصر والعشاء ، لاتفاق عددهن ، ولا ترتيب في واحدة من الصورتين ، لاتحاد الفائتة. ويتخير في الفريضة المردد فيها بين الجهر والإخفات ، وبين الأداء والقضاء إن وقعت كذلك.

قوله : الأول ، في الجنابة ، والنظر في السبب ، والحكم ، والغسل ، أما سبب الجنابة فأمران ، الإنزال إذا علم أن الخارج منيّ ، فإن حصل ما يشتبه به وكان دافقا تقارنه الشهوة وفتور الجسد وجب الغسل.

اتفق العلماء كافة على أنّ الجنابة سبب في الغسل ، والقرآن الكريم ناطق بذلك ، قال الله تعالى ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ) (١) وأجمعوا على أنها تحصل بأمرين :

أحدهما : إنزال المني ، فإذا تيقن أنّ الخارج مني وجب الغسل ، سواء خرج متدافقا‌

__________________

(١) المائدة : (٦).

٢٦٥

______________________________________________________

أو متثاقلا ، بشهوة وغيرها ، في نوم ويقظة. وتدل عليه الأخبار المستفيضة ، كصحيحة عنبسة بن مصعب ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « كان عليّ عليه‌السلام لا يرى في شي‌ء الغسل إلا في الماء الأكبر » (١) ورواية الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « كان علي عليه‌السلام يقول : إنما الغسل من الماء الأكبر » (٢).

وحسنة عبيد الله الحلبي : قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن المفخّذ عليه غسل؟ قال : « نعم إذا أنزل » (٣).

وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع : قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة ، عليها غسل؟ قال : « نعم » (٤).

ومع الاشتباه يعتبر باللذة ، والدفق ، وفتور البدن ، أي : انكسار الشهوة بعد خروجه ، لأنها صفات لازمة للمني في الأغلب فيرجع إليها عند الاشتباه ، ولما رواه علي بن جعفر في الصحيح ، عن أخيه موسى عليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يلعب مع امرأته ويقبّلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال : « إذا جاءت الشهوة ودفع (٥) وفتر لخروجه فعليه الغسل ، وإن كان إنما هو شي‌ء لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس » (٦).

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ١١٩ ـ ٣١٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٩ ـ ٣٦١ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٣ ) أبواب الجنابة ب (٧) ح (١١).

(٢) الكافي ( ٣ : ٤٨ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٠ ـ ٣١٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٩ ـ ٣٦٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٩ ) أبواب الجنابة ب (٩) ح (١).

(٣) الكافي ( ٣ : ٤٦ ـ ٤ ) ، التهذيب ( ١ : ١١٩ ـ ٣١٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٤ ـ ٣٤١ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧١ ) أبواب الجنابة ب (٧) ح (١).

(٤) الكافي ( ٣ : ٤٧ ـ ٦ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٣ ـ ٣٢٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٨ ـ ٣٥٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧١ ) أبواب الجنابة ب (٧) ح (٣).

(٥) في « م » : ودفق.

(٦) التهذيب ( ١ : ١٢٠ ـ ٣١٧ ) ، الاستبصار ( ١ : ١٠٤ ـ ٣٤٢ ) ، قرب الإسناد : (٨٥) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٧ ) أبواب الجنابة ب (٨) ح (١).

٢٦٦

______________________________________________________

قال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في التهذيب : قوله عليه‌السلام : « وإن كان إنما هو شي‌ء لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس » معناه : إذا لم يكن الخارج الماء الأكبر ، لأن من المستبعد في العادة والطبائع أن يخرج المني من الإنسان ولا يجد له شهوة ولا لذة ، وإنما أراد أنه إذا اشتبه على الإنسان فاعتقد أنه مني ولم يكن في الحقيقة منيا يعتبره بوجود الشهوة من نفسه ، فإذا وجد وجب عليه الغسل ، وإذا لم يجد علم أن الخارج منه ليس بمني. وهو حسن.

ويشهد له : أنّ السائل رتّب خروج المني على الملاعبة والتقبيل ، مع أنّ الغالب حصول المذي عقيبهما لا المني ، فبيّن عليه‌السلام حكم الخارج بقسميه.

وذكر جماعة من الأصحاب أنّ من صفاته الخاصة التي يرجع إليها عند الاشتباه قرب رائحته رطبا من رائحة الطلع والعجين ، وجافا من بياض البيض. وهو مشكل ، لعدم النص ، وجواز عموم الوصف.

ولا فرق في وجوب الغسل بالإنزال بين الرجل والمرأة بإجماع علماء الإسلام ، والأخبار الواردة به متضافرة :

فروى الحلبي في الصحيح ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ قال : « إن أنزلت فعليها الغسل ، وإن لم تنزل فليس عليها الغسل » (١).

وروى ابن سنان في الصحيح ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن المرأة ترى‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٤٨ ـ ٥ ) ، الفقيه ( ١ : ٤٨ ـ ١٩٠ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٣ ـ ٣٣١ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٧ ـ ٣٥٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٢ ) أبواب الجنابة ب (٧) ح (٥).

٢٦٧

ولو كان مريضا كفت الشهوة وفتور الجسد في وجوبه.

______________________________________________________

الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتى تنزل ، قال : « تغتسل » (١) وما ورد في بعض الأخبار مما يخالف بظاهره ذلك (٢) فمأوّل أو مطروح.

فروع : الأول : لو خرج المني من غير الموضع الخلقي فهل يكون ناقضا مطلقا؟ أو يعتبر فيه الاعتياد؟ أو انسداد الخلقي كالحدث الأصغر؟ قيل : بالأول (٣) ، لعموم قوله عليه‌السلام : « إنما الماء من الماء » (٤) وهو خيرة العلامة في النهاية (٥). وقيل : بالثاني (٦) ، حملا للإطلاق على ما هو الغالب ، وهو خيرة الذكرى (٧).

الثاني : يعتبر في الخنثى خروج المني من الفرجين معا لا من أحدهما إلا مع الاعتياد ، ويجي‌ء على قول النهاية عدم اعتبار الاعتياد هنا مع تحقق المني.

الثالث : لو خرج المني بلون الدم لكثرة الوقاع فالأقرب وجوب الغسل به مع التحقق ، واحتمل العلامة في النهاية عدمه ، لأن المني دم في الأصل فلما لم يستحل الحق بالدماء (٨).

قوله : ولو كان مريضا كفت الشهوة وفتور الجسد.

يلوح من هذه العبارة اشتراط اجتماع الأوصاف الثلاثة في الصحيح مع الاشتباه ،

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٤٨ ـ ٦ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٤ ـ ٣٣٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٨ ـ ٣٥٧ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٢ ) أبواب الجنابة ب (٧) ح (٧).

(٢) الوسائل ( ١ : ٤٧٤ ، ٤٧٥ ) أبواب الجنابة ب (٧) ح ( ١٨ ـ ٢٢ ).

(٣) كما في روض الجنان : (٤٨).

(٤) عوالي اللئالي ( ٢ : ٢٠٣ ـ ١١٢ ) ، وج ( ٣ : ٣٠ ـ ٧٩ ) ، سنن الدارمي ( ١ : ١٩٤ ) ، سنن ابن ماجه ( ١ : ١٩٩ ـ ٦٠٧ ).

(٥) نهاية الأحكام ( ١ : ٩٩ ).

(٦) كما في جامع المقاصد ( ١ : ٣٥ ).

(٧) الذكرى : (٢٧).

(٨) نهاية الأحكام ( ١ : ٩٨ ).

٢٦٨

ولو تجرّد عن الشهوة والدفق مع اشتباهه لم يجب. وإن وجد على جسده أو ثوبه منيّا وجب الغسل إذا لم يشركه في الثوب غيره.

______________________________________________________

وهو كذلك ، لرواية علي بن جعفر المتقدمة (١).

ويدل على عدم اعتبار الدفق في المريض صحيحة عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قلت له : الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فينظر بللا فلا يجد شيئا ، ثم يمكث الهوينا بعد فيخرج ، قال : « إن كان مريضا فليغتسل ، وإن لم يكن مريضا فلا شي‌ء عليه » قال ، قلت له : فما فرق بينهما؟ قال : « لأن الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفقة قوية ، وإن كان مريضا لم يجي‌ء إلا بعد » (٢) ونحوه روى معاوية بن عمار في الصحيح ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٣).

قوله : وإن وجد على جسده أو ثوبه منيّا وجب الغسل إذا لم يشركه في الثوب غيره.

ويتحقق الاشتراك بكونهما دفعة مجتمعين فيه ، كالكساء الذي يفرش أو يلتحف به. وفي حكمه : المختص إذا احتمل كون المني الموجود عليه من غيره ، لأن الطهارة المتيقنة لا ترتفع بالشك في الحدث بإجماع العلماء.

ولو كان الثوب مما يتناوبان عليه ، فهل يحكم بالجنابة على ذي النوبة أم لا؟ الأظهر العدم ، لجواز التقدم ، ولو علم ذو النوبة السبق سقط عنه قطعا ، ولم يجب على الأول إلا مع التحقق.

__________________

(١) في ص (٢٦٦).

(٢) الكافي ( ٣ : ٤٨ ـ ٤ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٦٩ ـ ١١٢٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٠ ـ ٣٦٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٨ ) أبواب الجنابة ب (٨) ح (٣).

(٣) الكافي ( ٣ : ٤٨ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٦٨ ـ ١١٢٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٩ ـ ٣٦٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٧ ) أبواب الجنابة ب (٨) ح (٢) ، بتفاوت يسير.

٢٦٩

______________________________________________________

وبالجملة : فالمعتبر العلم بكون المني من واجده ، لعموم قول أبي جعفر عليه‌السلام في صحيحة زرارة : « ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا » (١).

وينبغي التنبيه لأمور :

الأول : الأظهر أنه إنما يحكم على واجد المني بالجنابة من آخر أوقات إمكانها ، تمسكا بأصالة عدم التقدم ، واستصحابا للطهارة المتيقنة إلى أن يتيقن الحدث ، وحينئذ يحكم عليه بكونه محدثا ، ويجب عليه قضاء ما يتوقف على الطهارة من ذلك الوقت إلى أن يتحقق منه طهارة رافعة.

وأما النجاسة الخبثية فإن تحققت بنيت الإعادة بسببها على ما سيأتي في مسألة جاهل النجاسة ، ومن ذلك يعلم أنه يمكن استناد البطلان إليهما معا ، وإلى الخبثية خاصة مع الغسل الرافع للحدث ، وإلى الحدثية خاصة مع الغسل المزيل للنجاسة ولو اتفاقا. وذهب الشيخ في المبسوط أولا إلى إعادة كل صلاة لا يعلم سبقها على الحدث ، ثم قوّى ما اخترناه (٢). وقوته ظاهرة.

الثاني : قد بيّنا أنّ وجود الجنابة في الثوب المشترك لا يقتضي وجوب الغسل على واحد من المشتركين ، لأن كلاّ منهم متيقن للطهارة ، شاك في الحدث ، فيجوز لهم أن يفعلوا ما يفعله الطاهر من دخول المساجد وقراءة العزائم.

وفي جواز ايتمام أحدهما بالآخر ، وحصول عدد الجمعة بهما قولان : أظهرهما الجواز ، لصحة صلاة كل منهما شرعا ، وأصالة عدم اشتراط ما زاد على ذلك. وقيل : بالعدم ، للقطع بحدث أحدهما (٣). وهو ضعيف ، لأنا نمنع حصول الحدث إلا مع تحقق الإنزال‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٤٢١ ـ ١٣٣٥ ) ، الاستبصار ( ١ : ١٨٣ ـ ٦٤١ ) ، علل الشرائع : ( ٣٦١ ـ ١ ) ، الوسائل ( ٢ : ١٠٦٥ ) أبواب النجاسات ب (٤٤) ح (١).

(٢) المبسوط ( ١ : ٢٨ ).

(٣) كما في البيان : (١٤).

٢٧٠

والجماع : فإن جامع امرأة في قبلها والتقى الختانان وجب الغسل وإن كانت الموطوءة ميتة.

______________________________________________________

من شخص بعينه ، ولهذا ارتفع لازمه وهو وجوب الطهارة إجماعا.

الثالث : ذكر جماعة من الأصحاب منهم المصنف في المعتبر استحباب الغسل هنا احتياطا (١). ولا بأس به ، لعموم الأدلة المقتضية لرجحان الاحتياط في الدين. وينبغي الاقتصار فيه على نية القربة ، ولو نوى الوجوب جاز إن أمكن ذلك ، ولو تبين الاحتياج إليه كان مجزئا على الأظهر.

قوله : والجماع ، فإن جامع امرأة في قبلها والتقى الختانان وجب الغسل ، وان كانت الموطوءة ميتة.

هذا هو السبب الثاني للجنابة ، وقد اتفق العلماء كافة على وجوب الغسل به ، والأصل فيه الأخبار المستفيضة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام ، قال : سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة؟ قال : « إذا أدخله فقد وجب الغسل والمهر والرجم » (٢).

وصحيحة محمد بن إسماعيل ، قال : سألت الرضا عليه‌السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان ، متى يجب الغسل؟ فقال : « إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل » قلت : التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال : « نعم » (٣).

وصحيحة زرارة ( عن أبي جعفر عليه‌السلام ) (٤) قال : « جمع عمر بن الخطاب‌

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٧٩ ).

(٢) الكافي ( ٣ : ٤٦ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١١٨ ـ ٣١٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٨ ـ ٣٥٨ ) ، السرائر : (١٩) ، الوسائل ( ١ : ٤٦٩ ) أبواب الجنابة ب (٦) ح (١).

(٣) الكافي ( ٣ : ٤٦ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ١ : ١١٨ ـ ٣١١ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٠٨ ـ ٣٥٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٦٩ ) أبواب الجنابة ب (٦) ح (٢).

(٤) ما بين القوسين من « ح » والمصدر.

٢٧١

وإن جامع في الدبر ولم ينزل وجب الغسل على الأصحّ.

______________________________________________________

أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الأنصار : الماء من الماء ، وقال المهاجرون : إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل ، فقال عمر لعليّ عليه‌السلام : ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال عليّ عليه‌السلام : أتوجبون عليه الجلد والرجم ، ولا توجبون عليه صاعا من ماء!؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل ، فقال عمر : القول ما قال المهاجرون ، ودعوا ما قالت الأنصار » (١).

ورد المصنف بقوله : وإن كانت الموطوءة ميتة. على الحنفية حيث لم يوجبوا الغسل بوطء الميتة (٢) ، وهو باطل.

ومقطوع الحشفة يعتبر إيلاجه بقدرها ، على ما ذكره الأصحاب ، ويمكن الاكتفاء بمسمى الدخول ، لظاهر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (٣).

قوله : وإن جامع في الدبر ولم ينزل وجب الغسل على الأصح.

هذا قول معظم الأصحاب ، قال السيد المرتضى ـ رحمه‌الله ـ : لا أعلم خلافا بين المسلمين في أنّ الوطء في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب وغيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل والمفعول به وإن لم يكن أنزل ، ولا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلاّ ذلك ، ولا سمعت من عاصرني منهم من شيوخهم ـ نحوا من ستين سنة ـ يفتي إلاّ بذلك ، فهذه المسألة إجماعية من الكل ، ولو شئت أن أقول : إنه معلوم بالضرورة من دين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه لا‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ١١٩ ـ ٣١٤ ) ، السرائر : (١٩) ، الوسائل ( ١ : ٤٧٠ ) أبواب الجنابة ب (٦) ح (٥).

(٢) نقله عن أبي حنيفة في المغني لابن قدامة ( ١ : ٢٣٧ ).

(٣) في ص (٢٧١).

٢٧٢

______________________________________________________

خلاف بين الفرجين في هذا الحكم (١).

قال العلامة ـ رحمه‌الله ـ في المختلف بعد أن أورد ذلك : وهذا يدل على أنّ الفتوى بذلك متظافرة مشهورة في زمان السيد المرتضى ـ رحمه‌الله ـ بل ادعاؤه الإجماع يقتضي وجوب العمل به ، لأنه صادق ونقل دليلا قطعيا ، وخبر الواحد كما يحتج به في نقل المظنون فكذا في المقطوع به (٢). ثم استدل على الوجوب بعموم قوله تعالى ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) (٣) وقوله عليه‌السلام : « إذا أدخله فقد وجب الغسل » (٤) وفحوى قول عليّ عليه‌السلام منكرا على الأنصار : « أتوجبون عليه الجلد والرجم ، ولا توجبون عليه صاعا من ماء » (٥).

ومرسلة حفص بن سوقة ، عمن أخبره ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يأتي أهله من خلفها ، قال : « هو أحد المأتيين فيه الغسل » (٦).

وذهب الشيخ في الاستبصار والنهاية إلى عدم الوجوب (٧) ، واستدل بصحيحة الحلبي ، قال : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج أعليها غسل إن هو أنزل ولم تنزل هي؟ قال : « ليس عليها غسل ، وإن لم ينزل هو‌

__________________

(١) نقله عنه في المختلف : (٣١).

(٢) المختلف : (٣١).

(٣) النساء : (٤٣) ، المائدة : (٦).

(٤) المتقدم في ص (٢٧١).

(٥) المتقدم في ص (٢٧١).

(٦) التهذيب ( ٧ : ٤١٤ ـ ١٦٥٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٢ ـ ٣٧٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨١ ) أبواب الجنابة ب (١٢) ح (١).

(٧) الإستبصار ( ١ : ـ ١١١ ) ، النهاية : (١٩).

٢٧٣

ولو وطئ غلاما فأوقبه ولم ينزل ، قال المرتضى رحمه‌الله : يجب الغسل ، معوّلا على الإجماع المركب ، ولم يثبت الإجماع.

______________________________________________________

فليس عليه غسل » (١).

ومرفوعة البرقي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليها ، فإن أنزل فعليه الغسل ولا غسل عليها » (٢).

وفي الأدلة من الجانبين نظر ، والمسألة محل تردد ، وإن كان القول بالوجوب لا يخلو من قرب (٣).

قوله : ولو وطئ غلاما فأوقبه ولم ينزل ، قال المرتضى ; : يجب الغسل ، تعويلا على الإجماع المركب ، ولم يثبت.

الإجماع المركب عبارة عن إطباق أهل الحل والعقد في عصر من الأعصار على قولين لا يتجاوزونهما إلى ثالث ، وفي جواز إحداث الثالث أقوال : ثالثها : أنه إن رفع شيئا متفقا عليه منع منه ، وإلاّ فلا ، واستوجهه بعض مشايخنا المعاصرين. وهو غير جيد ، لأنه إنما يتمشى على قواعد العامة ، والمطابق لأصولنا هو المنع منه مطلقا كما حقق في محله.

إذا تقرر ذلك فاعلم أنّ المرتضى ـ رحمه‌الله ـ ادعى أنّ كل من أوجب الغسل بالغيبوبة في دبر المرأة أوجبه في دبر الذكر ، وكل من نفى نفى (٤). ولما كان الوجوب في الأول ثابتا بالأدلة المتقدمة تبيّن (٥) أنّ الإمام عليه‌السلام قائل به ، فيكون قائلا‌

__________________

(١) الفقيه ( ١ : ٤٧ ـ ١٨٥ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٤ ـ ٣٣٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١١ ـ ٣٧٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨١ ) أبواب الجنابة ب (١١) ح (١).

(٢) الكافي ( ٣ : ٤٧ ـ ٨ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٥ ـ ٣٣٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٢ ـ ٣٧١ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨١ ) أبواب الجنابة ب (١٢) ح (٢).

(٣) في « ح » : ولا ريب أنّ الوجوب أولى.

(٤) نقله عنه في المعتبر ( ١ : ١٨١ ).

(٥) في « م » ، « ح » ، « س » : وبينا ، وفي « ق » : بيننا ، والأنسب ما أثبتناه.

٢٧٤

______________________________________________________

بالوجوب في الثاني ، وهو المطلوب. وهذه حجة واضحة بعد ثبوتها ، لكن المصنف اعترضها بأن هذا الإجماع لم يثبت عنده. ورده المتأخرون بأن الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة ، وكفى بالسيد ناقلا (١).

وأقول : إن توقف المصنف في هذا ونظائره ليس لعدم قبول خبر الواحد عنده ، بل لاستبعاد تحقق الإجماع في مثل ذلك ، لما صرح به هو (٢) وغيره (٣) : من أنّ الإجماع إنما يكون حجة مع العلم القطعي بدخول قول المعصوم في أقوال العلماء ، وأنه لو خلا المائة من أصحابنا عن قوله لم يعتد بأقوالهم.

والتزم الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى أنه لو جاز في مجهول مظهر لمذهب أهل الخلاف أن يكون هو الإمام ، وأن إظهار ذلك المذهب على سبيل التقية اعتبر قوله في تحقق الإجماع (٤).

والسر في ذلك ظاهر ، فإنه مع عدم العلم به عليه‌السلام بعينه لا يعلم قوله إلا بأن يعلم قول كل مجتهد مجهول في تلك المسألة ، وهذا مما لا سبيل إليه في زماننا وما شابهه.

وإن قيل بجواز نقله عن الغير إلى أن يتصل بزمان يمكن فيه ذلك. أجبنا عنه بأن ذلك يخرج الخبر من الإسناد إلى الإرسال ، وهو مما يمنع من العمل به كما حقق في محله.

تفريع : إنما تحصل الجنابة للخنثى بالجماع بإيلاج الواضح في دبرها بناء على أنّ الوطء في الدبر موجب للغسل مطلقا.

__________________

(١) منهم المحقق الكركي في جامع المقاصد ( ١ : ٣٢ ) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (٤٨) ، والمسالك ( ١ : ٧ ).

(٢) معارج الأصول : (١٣٣).

(٣) منهم السيد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ( ٢ : ٦٣١ ) ، والشهيد الأول في الذكرى : (٤) ، والحسن ابن الشهيد الثاني في معالم الأصول : (١٧٨).

(٤) الذكرى : (٤).

٢٧٥

ولا يجب الغسل بوطء البهيمة إذا لم ينزل.

تفريع :

الغسل يجب على الكافر عند حصول سببه ، لكن لا يصحّ منه في حال كفره ،

______________________________________________________

ولو أولج في قبلها فقال في التذكرة : يجب عليها الغسل ، لصدق التقاء الختانين (١).

وقيل بالعدم ، لجواز زيادته (٢).

ولو توالج الخنثيان فلا غسل عليهما ، كما قطع به في المعتبر (٣).

ولو أولج الواضح في قبلها ، وأولجت هي في قبل امرأة ، فالخنثى جنب على التقديرين ، والرجل والمرأة كواجدي المني في الثوب المشترك.

قوله : ولا يجب الغسل بوطء البهيمة إذا لم ينزل.

ما اختاره المصنف ـ رحمه‌الله ـ من عدم وجوب الغسل بوطء البهيمة إذا لم ينزل قول الشيخ في المبسوط ، معترفا بأنه لا نصّ فيه فينبغي أن لا يتعلق به حكم ، لعدم الدليل عليه (٤) ، وإليه ذهب أكثر الأصحاب. وقيل : بالوجوب (٥) ، لفحوى إنكار عليّ عليه‌السلام على الأنصار ، وهو أحوط.

قوله : تفريع ، الغسل يجب على الكافر عند حصول سببه ، لكن لا يصحّ منه في حال كفره.

أما الوجوب فمذهب علمائنا ، وأكثر العامة (٦) ، تمسكا بعموم اللفظ المتناول للكافر‌

__________________

(١) التذكرة ( ١ : ٢٣ ).

(٢) كما في المعتبر ( ١ : ١٨١ ) ، وروض الجنان : (٤٨).

(٣) المعتبر ( ١ : ١٨١ ).

(٤) المبسوط ( ١ : ٢٨ ).

(٥) كما في المسالك ( ١ : ٧ ).

(٦) منهم الشافعي في الأم ( ١ : ٣٨ ) ، وابن حزم في المحلى ( ٢ : ٤ ) ، وابن قدامة في المغني والشرح الكبير ( ١ : ٢٣٩ ).

٢٧٦

فإذا أسلم وجب وصحّ منه. ولو اغتسل ثم ارتدّ ثم عاد لم يبطل غسله.

وأما الحكم :

فيحرم عليه قراءة كل واحدة من العزائم ، وقراءة بعضها حتى البسملة إذا نوى بها إحداها ،

______________________________________________________

وغيره. وزعم أبو حنيفة أنّ الكافر غير مخاطب بشي‌ء من الفروع (١). ولا ريب في بطلانه.

وأما عدم الصحة فثابت بإجماعنا ، بل ادعى جدّي ـ قدس‌سره ـ الإجماع على اشتراط الإيمان أيضا (٢) ، وفي النصوص دلالة عليه (٣) ، فالقول به متعين.

قوله : فإذا أسلم وجب عليه وصحّ منه.

قيل ، قوله : وجب ، مستدرك ، لسبق ذكره. قلنا : فائدته رفع توهم سقوطه بالإسلام كما يسقط قضاء الصلاة. وينبغي أن يقيد الوجوب بوجوب غاية مشروطة به بناء على أنّ وجوب غسل الجنابة لغيره ، كما يقول به المصنف.

قوله : ولو اغتسل ثم ارتدّ ثم عاد لم يبطل غسله.

هذا مما (٤) لا خلاف فيه بين العلماء ، ولا يخفى أنه لو قال : ولو اغتسل ثم ارتد لم يبطل غسله ، لكان أخصر وأظهر.

قوله : وأما الحكم ، فيحرم عليه قراءة كل واحدة من العزائم ، وقراءة بعضها حتى البسملة إذا نوى بها إحداها.

العزائم لغة : الفرائض ، كما نص عليه في القاموس (٥). والمراد بها هنا السور التي‌

__________________

(١) نقله عنه في المغني والشرح الكبير ( ١ : ٢٣٩ ).

(٢) كما في روض الجنان : (٣٥٦).

(٣) الوسائل ( ١ : ٩٠ ) أبواب مقدمة العبادات ب (٢٩).

(٤) في « م » : إجماعي.

(٥) القاموس المحيط ( ٤ : ١٥١ ) ( عزم ).

٢٧٧

______________________________________________________

فيها السجدات الواجبة وهي : سجدة لقمان (١) ، وحم السجدة (٢) ، والنجم (٣) ، واقرأ باسم ربك (٤) ، سميت بذلك باعتبار إيجاب الله تعالى السجود عند قراءة ما يوجبه منها.

والحكم بتحريم قراءة هذه السور وأبعاضها على الجنب هو المعروف من مذهب الأصحاب. قال المصنف في المعتبر : ورواه البزنطي في جامعه عن المثنى ، عن الحسن الصيقل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٥).

والذي وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار روايتان : روى إحداهما زرارة ومحمد ابن مسلم في الموثق ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال ، قلت : الحائض والجنب يقرآن شيئا؟ قال : « نعم ما شاء إلا السجدة » (٦).

والأخرى رواها محمد بن مسلم أيضا : قال ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : « الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب ويقرآن من القرآن ما شاءا إلا السجدة » (٧).

وليس في هاتين الروايتين مع قصور سندهما دلالة على تحريم قراءة ما عدا نفس السجدة إلا أنّ الأصحاب قاطعون بتحريم السور كلها ، ونقلوا عليه الإجماع (٨) ، ولعله‌

__________________

(١) السجدة : (١٥) ، والمراد بسجدة لقمان : سورة الم سجدة التي تلي سورة لقمان بلا فصل.

(٢) فصلت : (٣٧).

(٣) النجم : (٦٢).

(٤) العلق : (١٩).

(٥) المعتبر ( ١ : ١٨٧ ).

(٦) التهذيب ( ١ : ٢٦ ـ ٦٧ ) ، الاستبصار ( ١ : ١١٥ ـ ٣٨٤ ) ، علل الشرائع : ( ٢٨٨ ـ ١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٢٠ ) أبواب أحكام الخلوة ب (٧) ح (٦).

(٧) التهذيب ( ١ : ٣٧١ ـ ١١٣٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٤ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح (٧).

(٨) منهم العلامة في المنتهى ( ١ : ٨٦ ) ، والشهيد الأول في الذكرى : (٢٣) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (٤٩) ، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة ( ١ : ١٣٤ ).

٢٧٨

ومسّ كتابة القرآن أو شي‌ء عليه اسم الله تعالى سبحانه ،

______________________________________________________

الحجة. وعلى هذا فيحرم قراءة أجزائها المختصة بها مطلقا ، والمشتركة بينها وبين غيرها مع النية.

قوله : ومسّ كتابة القرآن.

المراد بكتابة القرآن صور الحروف ، ومنه التشديد والمد ، لا الإعراب. ويعرف كون المكتوب قرآنا بكونه لا يحتمل إلا ذلك ، وبالنية ، وإن انتفى الأمران فلا تحريم. والمراد بالمسّ الملاقاة بجزء من البشرة. وفي الظفر والشعر وجهان.

والحكم بتحريم المس مذهب أكثر الأصحاب ، بل قيل : إنه إجماع (١) ، لظاهر قوله تعالى ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (٢) وللنهي عنه في أخبار متعددة (٣).

وقال الشيخ في المبسوط (٤) وابن الجنيد (٥) بالكراهة ، وهو متجه ، لأنّ الأخبار التي استدل بها على المنع لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة ، والآية الشريفة محتملة لمعان متعددة ، إلا أنّ المنع أحوط وأنسب بالتعظيم.

وهل يجب على الولي منع الطفل من ذلك؟ فيه قولان ، أظهرهما : العدم. وجزم لمصنف في المعتبر (٦) ، والشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى (٧) بالوجوب ، ولم نقف على مأخذهما.

قوله : أو شي‌ء عليه اسم الله سبحانه.

أي نفس الشي‌ء الذي عليه الاسم ، وهو يرجع إلى نفس الاسم. وبما ذكرناه صرح‌

__________________

(١) كما في المنتهى ( ١ : ٨٧ ) ، وروض الجنان : (٤٩).

(٢) الواقعة : (٧٩).

(٣) الوسائل ( ١ : ٢٦٩ ) أبواب الوضوء ب (١٢).

(٤) المبسوط ( ١ : ٢٩ ).

(٥) نقله عنه في الذكرى : (٣٣).

(٦) المعتبر ( ١ : ١٧٦ ).

(٧) الذكرى : (٣٣).

٢٧٩

والجلوس في المساجد ،

______________________________________________________

في المعتبر فقال : ويحرم عليه مسّ اسم الله سبحانه ولو كان على درهم ودينار أو غيرهما.

واحتج عليه برواية عمار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله » (١) ثم قال : والرواية وإن كانت ضعيفة السند ، لكن مضمونها مطابق لما يجب من تعظيم الله سبحانه (٢).

وما ذكره ـ رحمه‌الله ـ وإن كان حسنا ، إلا أنّ في صلاحيته لإثبات التحريم نظرا ، مع أنّ أبا الربيع روى عن أبي عبد الله عليه‌السلام : في الجنب يمس الدراهم وفيها اسم الله واسم رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : « لا بأس به وربما فعلت ذلك » (٣).

وألحق الشيخان باسم الله أسماء الأنبياء والأئمة (٤). قال في المعتبر : ولا أعرف المستند ، ولا بأس بالكراهة لمناسبة التعظيم (٥).

قوله : والجلوس في المساجد.

هذا هو المشهور بين الأصحاب ، بل قال في المنتهى : إنه لا يعرف فيه مخالفا إلاّ سلار ، فإنه كرهه (٦).

والمعتمد التحريم ، لنا : قوله تعالى : ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) إلى قوله : ( حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (٧) والمراد مواضع الصلاة ليتحقق العبور والقربان.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣١ ـ ٨٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٤٨ ـ ١٣٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩١ ) أبواب الجنابة ب (١٨) ح (١).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٨٧ ).

(٣) المعتبر ( ١ : ١٨٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٢ ) أبواب الجنابة ب (١٨) ح (٤).

(٤) المفيد في المقنعة : (٦) ، والطوسي في المبسوط ( ١ : ٢٩ ).

(٥) المعتبر ( ١ : ١٨٨ ).

(٦) المنتهى ( ١ : ٨٧ ).

(٧) سورة النساء : (٤٣).

٢٨٠