مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية ،

______________________________________________________

وقال المرتضى (١) ـ رحمه‌الله ـ وابن إدريس (٢) ـ رحمه‌الله ـ : إنّ البدأة بالأعلى مستحبة لا واجبة ، فلو نكس عمدا صحّ وضوؤه تمسكا بإطلاق الأمر بالغسل. واحتج لهما في المختلف أيضا (٣) بعموم قوله عليه‌السلام : « لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا » (٤) وهو احتجاج ضعيف ، فإنّ المسح غير الغسل.

واعلم أنّ أقصى ما يستفاد من الأخبار (٥) وكلام الأصحاب (٦) : وجوب البدأة بالأعلى بمعنى صب الماء على أعلى الوجه ثم اتباعه بغسل الباقي.

وأما ما تخيله بعض القاصرين من عدم جواز غسل شي‌ء من الأسفل قبل غسل الأعلى وإن لم يكن في سمته فهو من الخرافات الباردة والأوهام الفاسدة.

قوله : ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية.

المراد به الشعر الخارج عن حد الوجه طولا وعرضا. وقد أجمع علماؤنا وأكثر العامة على عدم وجوب غسله (٧) ، لخروجه عن مسمى الوجه ، ولقوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة الواردة في تحديد الوجه : « من قصاص شعر الرأس إلى الذقن » والذقن : مجمع اللحيين اللذين عليهما الأسنان السفلى من الجانبين ، فلا يجب غسل ما زاد عليه ، والا لم‌

__________________

(١) نقله عنه في المعتبر ( ١ : ١٤٣ ) ، والمختلف : (٢١).

(٢) السرائر : (١٧).

(٣) المختلف (٢١)

(٤) التهذيب ( ١ : ٥٨ ـ ١٦١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٧ ـ ١٦٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٦ ) أبواب الوضوء ب (٢٠) ح (١).

(٥) الوسائل ( ١ : ٢٧١ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ، وص (٢٨٣) ب (١٧).

(٦) كما في المبسوط ( ١ : ٢٠ ) ، والبيان : (٨) ، وإيضاح الفوائد ( ١ : ٣٩ ) ، وقواعد الأحكام ( ١ : ١٠ ).

(٧) لاحظ كتاب الأم ( ١ : ٢٥ ) ، والسراج الوهاج : (١٦) ، والمحلى ( ٢ : ٥١ ) ، وبداية المجتهد ( ١ : ١١ ) ، ومختصر المزني : (٢).

٢٠١

ولا تخليلها ، بل يغسل الظاهر.

______________________________________________________

تكن الغاية غاية.

قوله : ولا تخليلها ، بل يغسل الظاهر.

إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين اللحية الكثيفة والخفيفة ، وهو أحد القولين في المسألة وأظهرهما ، وبه صرح في المعتبر فقال : لا يلزم تخليل شعر اللحية ، ولا الشارب ، ولا العنفقة (١) ، ولا الأهداب ، كثيفا كان الشعر أو خفيفا ، بل لا يستحب (٢).

والمستند في ذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة الدالة على الاجتزاء بالغرفة الواحدة في غسل الوجه (٣) ، فإنها لا تكاد تبلغ أصول الشعر ، خصوصا مع الكثافة.

وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال ، قلت له : أرايت ما أحاط به الشعر؟ فقال : « كلما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ، ولكن يجرى عليه الماء » (٤).

وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام : قال : سألته عن الرجل يتوضأ أيبطن لحيته؟ قال : « لا » (٥) وهو شامل للخفيف والكثيف.

ونقل عن ظاهر ابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ وجوب التخليل في الخفيفة (٦) ، واختاره‌

__________________

(١) العنفقة : الشعر الذي في الشفة السفلى وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن ( راجع النهاية لابن الأثير ٣ : ٣٠٩ ).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٤٢ ).

(٣) الوسائل ( ١ : ٣٠٦ ) ب (٣١) من أبواب الوضوء.

(٤) الفقيه ( ١ : ٢٨ ـ ٨٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٣٣٥ ) أبواب الوضوء ب (٤٦) ح (٣).

(٥) الكافي ( ٣ : ٢٨ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٦٠ ـ ١٠٨٤ ) مع اختلاف في السند ، الوسائل ( ١ : ٣٣٤ ) أبواب الوضوء ب (٤٦) ح (١).

(٦) كما نقله في المختلف : (٢١).

٢٠٢

ولو نبت للمرأة لحية لم يجب تخليلها ، وكفى إفاضة الماء على ظاهرها.

الفرض الثالث : غسل اليدين ، والواجب غسل الذراعين والمرفقين ،

______________________________________________________

العلامة ـ رحمه‌الله ـ في جملة من كتبه (١) ، نظرا الى أنّ المواجهة لما لم يكن بالشعر الخفيف لم ينتقل اليه الحكم ، وهو احتجاج ضعيف ، فإنه إن تم فإنما يقتضي وجوب غسل ما لا شعر فيه من الوجه ، وليس النزاع فيه ، وعلى هذا فيرتفع الخلاف.

قوله : ولو نبت للمرأة لحية لم يجب تخليلها ، وكفى إفاضة الماء على ظاهرها.

هذا الحكم ثابت بإجماعنا. وردّ به على الشافعي حيث أوجب تخليلها مطلقا ، لأنّ المرأة من شأنها أن لا يكون لها لحية ، فكان وجهها في الحقيقة نفس البشرة (٢). وفساده ظاهر.

قوله : الفرض الثالث غسل اليدين ، والواجب غسل الذراعين والمرفقين.

المرفق كمنبر ومجلس : مفصل (٣) الذراع والعضد ، ذكره في القاموس (٤). وقد قطع الأصحاب بوجوب غسل المرفقين إما لأن « الى » في قوله تعالى ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (٥) بمعنى « مع » كما ذكره المرتضى ـ رحمه‌الله ـ (٦) وجماعة (٧) ، أو لأن الغاية إذا لم تتميز يجب دخولها في المغيّا.

ويرد على الأول أنه مجاز لا يصار اليه الا مع القرينة ، وهي منتفية هنا. وعلى الثاني‌

__________________

(١) كما في المختلف (٢٢) ، وقواعد الأحكام ( ١ : ١٠ ) ، والتذكرة ( ١ : ١٦ ).

(٢) السراج الوهاج : (١٦).

(٣) في « ق » موصل.

(٤) القاموس ( ٣ : ٢٤٤ ).

(٥) المائدة : (٦).

(٦) كما في الانتصار : (١٨).

(٧) منهم الشيخ في الخلاف ( ١ : ١١ ) ، والعلامة في التذكرة ( ١ : ١٦ ) ، والشهيد في الذكرى : (٨٥).

٢٠٣

والابتداء من المرفق. ولو غسل منكوسا لم يجزئ. ويجب البداءة باليمين.

______________________________________________________

أنّ الحق عدم دخول الغاية في المغيا مطلقا كما حقق في محله.

ولقد أجاد الشيخ الإمام أبو علي الطبرسي ـ رحمه‌الله ـ في تفسيره جوامع الجامع حيث قال : لا دليل في الآية على دخول المرافق في الوضوء الا أنّ أكثر الفقهاء ذهبوا الى وجوب غسلها ، وهو مذهب أهل البيت عليهم‌السلام. ومن هنا ذهب العلامة في المنتهى (١) وجمع من المتأخرين (٢) الى أنّ غسلهما غير واجب بالأصالة ، وإنما هو من باب المقدمة ، ولا بأس به ، لأنه المتيقن.

قوله : والابتداء من المرفق ، ولو غسل منكوسا لم يجزئه.

خالف في ذلك المرتضى (٣) وابن إدريس (٤) فجوّزا النكس هنا أيضا على كراهة ، تمسكا بإطلاق قوله تعالى ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) (٥).

( وقد نصّ المرتضى (٦) ـ رحمه‌الله ـ وغيره (٧) على أنّ « الى » في الآية بمعنى « مع » لأنها تجي‌ء في اللغة لهذا المعنى فيجب تنزيلها على ذلك توفيقا بين الآية والأخبار المتضمنة لوصف وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٨) ، ويحتمل كونها للانتهاء ويكون التحديد للمغسول لا للغسل ) (٩) ، وأما جعلها لانتهاء الغسل فباطل (١٠) ، لإجماع‌

__________________

(١) منتهى المطلب ( ١ : ٥٨ ).

(٢) منهم الشهيد الثاني في الروضة البهية ( ١ : ٧٥ ).

(٣) كما في الانتصار : (١٦).

(٤) السرائر : (١٧).

(٥) المائدة : (٦).

(٦) كما في الانتصار : (١٧).

(٧) منهم المحقق في المعتبر ( ١ : ١٤٣ ) ، والشهيد في الذكرى : (٨٥).

(٨) الوسائل ( ١ : ٢٧٢ ) أبواب الوضوء ب (١٥).

(٩) بدل ما بين القوسين في « م » : إما لما ذكره المرتضى من ان « الى » بمعنى حينئذ ، أو لأن التحديد للمغسول لا للغسل.

(١٠) ليست في « ق ».

٢٠٤

ومن قطع بعض يده غسل ما بقي من المرفق ، فإن قطعت من المرفق سقط فرض غسلها.

______________________________________________________

المسلمين كافة على جواز الابتداء بالمرافق ، ولعل هذا أولى (١) ، والكلام في هذه المسألة كما سبق في غسل الوجه.

قوله : ومن قطع بعض يده غسل ما بقي من المرفق ، فإن قطعت من المرفق سقط فرض غسلها.

قطع اليد إما أن يكون من تحت المرفق أو من فوقه أو من نفس المفصل. وفي الأول يجب غسل الباقي إجماعا ، للأصل ، والاستصحاب ، وحسنة رفاعة عن أبي جعفر عليه‌السلام إنه سأله عن الأقطع اليد والرجل كيف يتوضأ؟ قال : « يغسل ذلك المكان الذي قطع منه » (٢) ونحوه روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام (٣).

وفي الثاني يسقط الغسل لفوات محله ، ونقل عليه في المنتهى الإجماع (٤). وفي صحيحة علي بن جعفر الواردة في مقطوع اليد من المرفق : « إنه يغسل ما بقي من عضده » (٥) وظاهر ابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ الإفتاء بمضمونها فإنه قال : إذا كان أقطع من مرفقه غسل ما بقي من عضده (٦). ولم يعتبر العلامة في المنتهى خلافه حيث أجاب‌

__________________

(١) ليست في « ق » ، « م ».

(٢) الكافي ( ٣ : ٢٩ ـ ٨ ) بتفاوت يسير ، التهذيب ( ١ : ٣٥٩ ـ ١٠٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٣٣٧ ) أبواب الوضوء ب (٤٩) ح (٤).

(٣) الكافي ( ٣ : ٢٩ ـ ٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٦٠ ـ ١٠٨٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٣٣٧ ) أبواب الوضوء ب (٤٩) ح (٣). الا ان الرواية فيها عن أبي جعفر عليه‌السلام.

(٤) منتهى المطلب ( ١ : ٥٩ ).

(٥) الكافي ( ٣ : ٢٩ ـ ٩ ) ، التهذيب ( ١ : ٣٦٠ ـ ١٠٨٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٣٣٧ ) أبواب الوضوء ب (٤٩) ح (٢).

(٦) نقله عنه في المختلف : (٢٣).

٢٠٥

ولو كان له ذراعان دون المرفق أو أصابع زائدة أو لحم نابت وجب غسل الجميع ولو كان فوق المرفق لم يجب غسله. ولو كان له يد زائدة وجب غسلها.

______________________________________________________

عن هذه الرواية بأنها مخالفة للإجماع ، ثم حملها على الاستحباب ، وهو حسن.

وفي الثالث يجب غسل رأس العضد ، بناء على وجوب غسل المرفق أصالة. وعلى القول بأنّ وجوبه من باب المقدمة يسقط غسله ، وهو خيرة العلامة في المنتهى (١). وقول المصنف ـ رحمه‌الله ـ : فإن قطعت من المرفق سقط غسلها. يريد به قطع المرفق بأسره بأن يتحقق معه قطع رأس العضد لأن مذهبه ـ رحمه‌الله ـ وجوب غسل المرفق أصالة ، ولتصريحه في المعتبر بأنها لو قطعت وبقي المرفق وجب غسله (٢).

قوله : ولو كان له ذراعان دون المرفق أو أصابع زائدة أو لحم نابت وجب غسل الجميع ، ولو كان فوق المرفق لم يجب غسله.

لا ريب في وجوب غسل ما دون المرفق كله لأنه كالجزء من اليد ، سواء تميّز الزائد أو لم يتميّز. أما ما فوقه فلا إشكال في عدم وجوب غسله ، لخروجه عن محل الغسل.

قوله : ولو كان له يد زائدة وجب غسلها.

إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين أن تكون اليد تحت المرفق أو فوقه ، ولا بين أن تكون غير متميّزة من الأصلية أو متميّزة. وظاهر العلامة في التذكرة والمنتهى (٣) أن وجوب غسلها في غير الصورة الأخيرة مجمع عليه بين الأصحاب ، أما فيها فقيل بالوجوب أيضا (٤) ، واختاره في المختلف لإطلاق الاسم (٥) ، وصحة التقسيم.

__________________

(١) منتهى المطلب ( ١ : ٥٩ ).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٤٤ ).

(٣) التذكرة ( ١ : ١٧ ) ، منتهى المطلب ( ١ : ٥٩ ).

(٤) كما في المبسوط ( ١ : ٢١ ) ، والذكرى : (٨٥).

(٥) المختلف : (٢٣).

٢٠٦

الفرض الرابع : مسح الرأس ، والواجب منه ما يسمى به ماسحا ، والمندوب مقدار ثلاث أصابع عرضا.

______________________________________________________

والأصح خلافه ، لأن المطلق إنما ينصرف الى الفرد المتعارف. ولو لم يكن لليد الزائدة مرفق لم يجب غسلها قطعا.

قوله : الفرض الرابع : مسح الرأس ، والواجب منه ما يسمى به ماسحا. والمندوب مقدار ثلاث أصابع عرضا.

ما اختاره المصنف من أن الواجب في المسح مسمّاه هو المشهور بين الأصحاب ، وقال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في النهاية : والمسح بالرأس لا يجوز أقل من ثلاثة أصابع مضمومة مع الاختيار ، فإن خاف البرد من كشف الرأس أجزأه مقدار إصبع واحدة (١).

وقال ابن بابويه ـ رحمه‌الله ـ في كتابه : حد مسح الرأس أن يمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدم الرأس (٢) ، والمعتمد الأول.

لنا ما رواه زرارة في الصحيح ، قال : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : الا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك ثم قال : « يا زرارة قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونزل به الكتاب من الله ، لأن الله عز وجل يقول : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) فعلمنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يغسل ، ثم قال ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) ثم فصل بين الكلامين فقال ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) فعرفنا حين قال : ( بِرُؤُسِكُمْ ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه ، فقال ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فعرفنا حين وصلها بالرأس أن المسح‌

__________________

(١) النهاية : (١٤).

(٢) الفقيه ( ١ : ٢٨ ).

٢٠٧

______________________________________________________

على بعضها » (١).

وما رواه زرارة وأخوه بكير في الصحيح أيضا ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه قال : « إذا مسحت بشي‌ء من رأسك أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » (٢).

وما رواه حماد بن عيسى في الصحيح عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما‌السلام في الرجل يتوضأ وعليه العمامة ، قال : « يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح على مقدم رأسه » (٣).

احتج العلامة ـ رحمه‌الله ـ في المختلف (٤) للقولين الأخيرين بصحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، قال : سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظاهر القدم ، فقلت : جعلت فداك لو أنّ رجلا قال بإصبعين من أصابعه ، فقال : « لا الا بكفه » (٥) ولا دلالة لها على المدعى بوجه.

نعم يمكن أن يحتج للشيخ بصحيحة زرارة ، قال ، قال : أبو جعفر عليه‌السلام : « المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها‌

__________________

(١) الفقيه ( ١ : ٥٦ ـ ٢١٢ ) ، الكافي ( ٣ : ٣٠ ـ ٤ ) ، التهذيب ( ١ : ٦١ ـ ١٦٨ ) علل الشرائع : ( ٢٧٩ ـ ١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٦٢ ـ ١٨٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٠ ) أبواب الوضوء ب (٢٣) ح (١).

(٢) التهذيب ( ١ : ٩٠ ـ ٢٣٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٦٠ ـ ١٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٩ ) أبواب الوضوء ب (٢٣) ح (٤).

(٣) التهذيب ( ١ : ٩٠ ـ ٢٣٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ٦٠ ـ ١٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٩ ) أبواب الوضوء ب (٢٢) ح (٣).

(٤) المختلف : (٢٣).

(٥) الكافي ( ٣ : ٣٠ ـ ٦ ) ، التهذيب ( ١ : ٩١ ـ ٢٤٣ ) ، الاستبصار ( ١ : ٦٢ ـ ١٨٤ ) قرب الإسناد : (١٦٢) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٣ ) أبواب الوضوء ب (٢٤) ح (٤).

٢٠٨

ويختص المسح بمقدم الرأس.

______________________________________________________

خمارها » (١) والإجزاء إنما يستعمل في أقل الواجب.

ورواية معمر بن عمر عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « يجزئ في المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع ، وكذلك الرجل » (٢).

والجمع بين الروايات يتحقق إما بتقييد الأخبار المتقدمة بهذين الخبرين ، أو بحملهما على الاستحباب ، والمعتمد الثاني ، لقوة دلالة تلك الأخبار على الاكتفاء بالمسمّى مع مطابقتها لمقتضى الأصل والعمومات.

واعلم أنّ القائلين بالاكتفاء بالأقل اختلفوا في أنّ القدر الزائد عليه مع حصوله على سبيل التدريج هل يوصف بالوجوب أو الاستحباب؟ والأظهر الثاني إن قصد الامتثال بالأقل أو لم يقصد شيئا ، لأن فعل الأقل على هذا الوجه مخرج عن العهدة ومبرء للذمة ، وإنما يتوجه الإشكال مع قصد الامتثال بالمجموع ، ولا يبعد وصف الجميع بالوجوب على هذا التقدير (٣).

قوله : ويختص المسح بمقدم الرأس.

هذا مذهب الأصحاب ، وأخبارهم به مستفيضة ، فروى محمد بن مسلم في الصحيح ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « مسح الرأس على مقدّمة » (٤).

وروى محمد بن مسلم أيضا في الحسن عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، أنّه ذكر المسح‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٣٠ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٧٧ ـ ١٩٥ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٣ ) أبواب الوضوء ب (٢٤) ح (٣).

(٢) الكافي ( ٣ : ٢٩ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ٦٠ ـ ١٦٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٦٠ ـ ١٧٧ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٤ ) أبواب الوضوء ب (٢٤) ح (٥).

(٣) ليست في « س » ، وبدلها في « ح » : وفرضه نادر ولا يبعد مساواته للأول.

(٤) التهذيب ( ١ : ٦٢ ـ ١٧١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٦٠ ـ ١٧٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٩ ) أبواب الوضوء ب (٢٢) ح (١).

٢٠٩

ويجب أن يكون بنداوة الوضوء. ولا يجوز استئناف ماء جديد له.

______________________________________________________

فقال : « امسح على مقدم رأسك ، وامسح على القدمين ، وابدأ بالشق الأيمن » (١) والأخبار المتضمنة لوصف وضوئه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناطقة بذلك (٢). وما ورد في شواذ أخبارنا مما يخالف بظاهره ذلك فضعيف متروك بالإجماع.

قوله : ويجب أن يكون بنداوة الوضوء ، ولا يجوز استئناف ماء جديد له.

هذا ما استقر عليه مذهب الأصحاب بعد ابن الجنيد (٣) ـ رحمه‌الله ـ واحتجوا عليه بالأخبار الواردة في وصف وضوء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كقوله عليه‌السلام في صحيحة زرارة : « ثم مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدها في الإناء » (٤).

وفي صحيحة زرارة وأخيه بكير : « ثم مسح رأسه وقدميه الى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء » (٥).

وفي صحيحة أبي عبيدة الحذاء في وصف وضوء الباقر عليه‌السلام : أنه صبّ عليه الماء ـ الى أن قال ـ ثم مسح بفضل النداء رأسه ورجليه (٦).

وفيه بحث ، إذ من الجائز أن يكون المسح ببقية النداوة ، لكونه أحد أفراد الأمر‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٢٩ ـ ٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٤ ) أبواب الوضوء ب (٢٥) ح (١).

(٢) الوسائل ( ١ : ٢٧٢ ) أبواب الوضوء ب (١٥).

(٣) كما في المختلف : (٢٤).

(٤) التهذيب ( ١ : ٥٥ ـ ١٥٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٨ ـ ١٧١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٥ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (١٠).

(٥) الكافي ( ٣ : ٢٥ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٥٦ ـ ١٥٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٧ ـ ١٦٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٥ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (١١).

(٦) التهذيب ( ١ : ٥٨ ـ ١٦٢ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٨ ـ ١٧٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٥ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (٨) ( بتفاوت يسير ).

٢١٠

______________________________________________________

الكلي ، لا لتعينه في نفسه ، كما تقدم في المسألة البدأة بالأعلى.

والأجود الاستدلال عليه بصحيحة زرارة قال ، قال : أبو جعفر عليه‌السلام : « إنّ الله وتر يحب الوتر ، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات ، واحدة للوجه ، واثنتان للذراعين ، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك ، وما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى ، وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى » (١) فإنّ الجملة الخبرية هنا بمعنى الأمر ، وهو يقتضي الوجوب.

واستدل عليه في المعتبر أيضا : بأنّ الأمر بالمسح مطلق ، والمطلق للفور ، والإتيان به ممكن من غير استئناف ماء ، فيجب الاقتصار عليه تحصيلا للامتثال ، قال : ولا يلزم مثله في غسل اليدين ، لأنّ الغسل يستلزم استئناف الماء (٢). وهو استدلال ضعيف ، فإنّ تخلل مقدار استئناف الماء للمسح لا ينافي الفورية قطعا.

احتج العلامة في المختلف لابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ على جواز الاستئناف (٣) بصحيحة معمر بن خلاد ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام أيجزئ الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال : برأسه لا ، فقلت أبماء جديد؟ فقال : برأسه نعم (٤).

وموثقة أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن مسح الرأس ، قلت : أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال : « لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح » (٥).

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٢٥ ـ ٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٢ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (٢).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٤٧ ).

(٣) المختلف : (٢٥).

(٤) التهذيب ( ١ : ٥٨ ـ ١٦٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٨ ـ ١٧٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٨ ) أبواب الوضوء ب (٢١) ح (٥).

(٥) التهذيب ( ١ : ٥٩ ـ ١٦٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٩ ـ ١٧٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٧ ) أبواب الوضوء ب (٢١) ح (٤).

٢١١

______________________________________________________

والجواب : إنهما محمولان على التقية ، إذ لا خلاف بين علمائنا في جواز المسح بالنداوة ، بل رجحانه. ويشهد له عدوله عليه‌السلام عن التصريح بالجواب إلى الإيماء.

فإن قلت : إنّ الرواية الأولى تأبى هذا الحمل ، لأنها متضمنة لمسح الرجلين ، وهم لا يقولون به.

قلت : إنهم معترفون بصحة إطلاق اسم المسح على الغسل بزعمهم الفاسد ، وهو كاف في تأدّي التقية.

وينبغي التنبيه لأمور :

الأول : يستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة (١) أنّ الأولى مسح الناصية وظهر القدم اليمنى باليد اليمنى ، واليسرى باليسرى. والظاهر أنّ محل المسح باطن اليد دون ظاهرها. نعم لو تعذر المسح بالباطن أجزأ الظاهر قطعا. وهل يشترط تأثير المسح في المحل؟ فيه وجهان ، أقربهما ذلك ، وهو خيرة العلامة في النهاية (٢).

الثاني : لو مسح العضو وعليه بلل فهل يكون المسح مجزيا أم لا؟ قيل بالأول ، للأصل ، وإطلاق الأمر ، وصدق الامتثال ، وهو خيرة المصنف في المعتبر ، والعلامة في المنتهى (٣) ، وابن إدريس (٤) ، بل صرح المصنف في المعتبر بما هو أبلغ من ذلك فقال : لو كان في ماء وغسل وجهه ويديه ثم مسح برأسه ورجليه جاز ، لأن يديه لم تنفك عن ماء الوضوء ، ولم يضره ما كان على قدميه من الماء.

وقوّى العلامة في المختلف المنع ، ونقله عن والده ـ رحمه‌الله ـ محتجا بأنه مع رطوبة‌

__________________

(١) في ص (٢١١).

(٢) نهاية الأحكام ( ١ : ٤٣ ).

(٣) المعتبر ( ١ : ١٦٠ ). المنتهى ( ١ : ٦٤ ).

(٤) السرائر : (١٨).

٢١٢

ولو جف ما على يده أخذ من لحيته وأشفار عينيه ، فإن لم يبق نداوة استأنف.

______________________________________________________

الرجلين يحصل المسح بماء جديد (١) ، وفيه منع.

وقال في الذكرى : لو غلب ماء المسح رطوبة الرجلين ارتفع الإشكال (٢) ، وهو حسن.

الثالث : مذهب الأصحاب الاكتفاء في الغسل بغمس العضو في الماء ، لأن به يتحقق الامتثال. ونقل عن ظاهر ابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ وجوب إمرار اليد على العضو ، لحكاية وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولأنه المعهود في الغسل (٣). وهو ضعيف ، لأن ذلك لا يصلح مقيدا لإطلاق القرآن. ومع الغمس فينبغي القطع بجواز المسح بذلك البلل الكائن على العضو ان لم يستقر في الماء عرفا بعد تحقق الغسل ، لصدق المسح ببلة اليد ، وتحقق الامتثال بالنظر الى الأوامر الواردة بالمسح من الكتاب والسنة ، وانتفاء ما يصلح للتخصيص كما يعلم مما قدمناه.

ونقل عن السيد جمال الدين بن طاوس في البشرى أنه منع من ذلك ، لاقتضاء الغمس بقاء العضو في الماء آنا ما بعد الغسل فيلزم الاستئناف (٤). وقواه في الذكرى (٥).

وهو غير واضح ، لعدم صدق الاستئناف عرفا ، وهو المحكم في أمثال ذلك.

قوله : ولو جف ما على يده أخذ من لحيته وأشفار عينيه.

الظاهر أنه لا يشترط في الأخذ من هذه المواضع جفاف اليد بل يجوز مطلقا ، والتعليق في عبارات الأصحاب يخرج مخرج الغالب. ولا يختص الأخذ بهذه المواضع بل يجوز من‌

__________________

(١) المختلف : (٢٦).

(٢) الذكرى : (٨٩).

(٣) المختلف : (٢٣).

(٤) يعني به : انه يلزم كون المسح بماء جديد وكأن البقاء آنا ما هو بمثابة استئناف ماء جديد للمسح وهو باطل ومبطل.

(٥) نقله عن البشرى في الذكرى : (٨٥) ، وقواه.

٢١٣

والأفضل مسح الرأس مقبلا ، ويكره مدبرا على الأشبه. ولو غسل موضع المسح لم يجز.

______________________________________________________

جميع محال الوضوء ، وتخصيص الشعر لكونه مظنّة البلل.

قوله : والأفضل مسح الرأس مقبلا ، ويكره مدبرا على الأشبه.

الأصح جواز كل من الأمرين ، أعني استقبال الوجه بالمسح واستدباره به ، لإطلاق الآية ، وخصوص صحيحة حماد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا » (١).

وقال الشيخ في النهاية والخلاف (٢) ، والمرتضى في الانتصار (٣) إنه لا يجوز استقبال الشعر لوقوع الخلاف فيه ، فيجب فعل المتيقن وهو ضعيف.

وأما أفضلية الاستقبال وكراهة الاستدبار فلم أقف فيهما على دليل يعتدّ به. ويظهر من المصنف في المعتبر الاعتراف بذلك ، فإنه قال : وأما وجه الكراهة فللتفصي من الخلاف (٤). ولا يخفى ما في هذا الكلام من المسامحة ، فإنّ المقتضي للكراهة ينبغي أن يكون دليل المخالف لا نفس الخلاف.

قوله : ولو غسل موضع المسح لم يجز.

لا ريب في ذلك ، لعدم الإتيان بالمأمور به ، فيبقى المكلف تحت العهدة.

وذكر جماعة من الأصحاب أنّ بين حقيقتي الغسل والمسح تباينا ، لاشتراط الجريان في الأول وعدمه في الثاني (٥). وفيه نظر ، لصدق المسح مع الجريان القليل عرفا.

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٥٨ ـ ١٦١ ) ، الإستبصار ( ١ : ٥٧ ـ ١٦٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٨٦ ) أبواب الوضوء ب (٢٠) ح (١).

(٢) النهاية : (١٤) ، الخلاف ( ١ : ١٣ ).

(٣) الانتصار : (١٩).

(٤) المعتبر ( ١ : ١٤٥ ).

(٥) منهم الشيخ في الخلاف ( ١ : ١٤ ) ، والمحقق في المعتبر ( ١ : ١٤٨ ) ، والعلامة في المنتهى ( ١ : ٦١ ) ، والتذكرة ( ١ : ١٧ ).

٢١٤

ويجوز المسح على الشعر المختص بالمقدّم وعلى البشرة. ولو جمع عليه شعرا من غيره ومسح عليه لم يجز. وكذلك لو مسح على العمامة أو غيرها مما يستر موضع المسح.

الفرض الخامس : مسح الرجلين ، ويجب مسح القدمين من رؤوس الأصابع‌

______________________________________________________

والأظهر أنّ بينهما عموما من وجه ، يجتمعان مع إمرار اليد والجريان ، ويتحقق الغسل خاصة مع انتفاء الأول ، والمسح خاصة مع انتفاء الثاني.

وبما ذكرناه قطع الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى حيث قال : ولا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح ، لأنه من بلل الوضوء. وكذا لو مسح بماء جار على العضو وإن أفرط في الجريان ، لصدق الامتثال ، ولأنّ الغسل غير مقصود (١). وفي التعليل الأخير نظر.

قوله : ويجوز المسح على الشعر المختص بالمقدّم وعلى البشرة.

هذا الحكم ثابت بإجماعنا ، ويدل عليه روايات كثيرة ، كصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه‌السلام ، قال : « مسح الرأس على مقدّمه » (٢) وهو شامل للشعر والبشرة. وحسنة زرارة عن الباقر عليه‌السلام ، حيث قال فيها : « وتمسح ببلة يمناك ناصيتك » (٣) ، وهي صادقة على الشعر والبشرة أيضا.

والمراد بالمختص بالمقدم : النابت عليه الذي لا يخرج بمدّه عن حدّه.

قوله : الفرض الخامس مسح الرجلين.

وجوب مسح الرجلين في الوضوء ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

قال الله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ

__________________

(١) الذكرى : (٨٧).

(٢) التهذيب ( ١ : ٩١ ـ ٢٤١ ) ، والاستبصار ( ١ : ٦٠ ـ ١٧٦ ) ، والوسائل ( ١ : ٢٨٩ ) أبواب الوضوء ب (٢٢) ح (١).

(٣) الكافي ( ٣ : ٢٥ ـ ٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٢ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (٢).

٢١٥

إلى الكعبين ، وهما قبّتا القدمين ،

______________________________________________________

إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) (١) أما على قراءة الجر فبالعطف على الرؤوس ، وعطف اليدين على الوجه موجب لاشتراكهما في الغسل ، فيكون عطف الرجلين على الرأس كذلك عملا بمقتضى العطف.

فإن قيل : لا نسلم أنّ خفض الأرجل بالعطف على الرؤوس ، ولم لا يجوز أن يكون بالمجاورة ، وإن كان معطوفا على الأيدي ، كما في : حجر ضب خرب.

قلنا : الإعراب بالمجاورة نادر لا يقاس عليه ، بل قيل : إنه لم يجي‌ء في كلام الفصحاء ، كما اعترف به جماعة (٢) ، منهم المحقق النيشابوري في تفسيره حيث قال : ولا يمكن أن يقال أنّه كسر على الجوار كما في قوله : جحر ضب خرب ، لأن ذلك لم يجي‌ء في كلام الفصحاء في السعة ، وأيضا أنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.

وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل برؤوسكم. وبالجملة فهذا الحكم معلوم من مذهب أهل البيت عليهم‌السلام ضرورة ، فالبحث فيه خارج عن غرضنا (٣) في هذا التعليق.

قوله : وهما قبّتا القدمين.

ما ذكره المصنف ـ رحمه‌الله ـ في تفسير الكعبين من أنهما قبتا القدمين هو المعروف من مذهب الأصحاب ، ونقل عليه المرتضى ـ رحمه‌الله ـ في الانتصار ، والشيخ في الخلاف الإجماع (٤). وقال في المعتبر : إنه مذهب فقهاء أهل البيت (٥). واحتج عليه من‌

__________________

(١) المائدة : (٦).

(٢) منهم المحقق في المعتبر ( ١ : ١٤٨ ) ، والعلامة في المنتهى ( ١ : ٦٤ ) ، والشهيد الثاني في الروضة البهية ( ١ : ٧٦ ).

(٣) في « ح » فرضنا.

(٤) الانتصار : (٢٨) ، الخلاف ( ١ : ١٦ ).

(٥) المعتبر ( ١ : ١٤٨ ).

٢١٦

______________________________________________________

طريق الأصحاب بما رواه زرارة وبكير ابنا أعين في الصحيح عن أبي جعفر عليه‌السلام ، إنهما قالا له : أصلحك الله فأين الكعبان؟ قال : « ها هنا » يعني المفصل دون عظم الساق (١). وهذه الرواية لا تدل على ما ذكره صريحا. والظاهر أنه ـ رحمه‌الله ـ إنما احتج بها على إبطال ما ذهب إليه العامة من أنّ الكعبين هما العقدتان اللتان في أسفل الساقين.

والأجود الاستدلال عليه مضافا الى الإجماع ونص أهل اللغة (٢) بما رواه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الصحيح ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، قال : سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها الى الكعبين الى ظهر القدم (٣).

وفي الحسن عن ميسر ، عن أبي جعفر عليه‌السلام. قال : « الوضوء واحدة واحدة ، ووصف الكعب في ظهر القدم » (٤).

وفي رواية أخرى له عنه عليه‌السلام : أنه وضع يده على ظهر القدم ثم قال : « هذا هو الكعب » قال : وأومأ بيده الى أسفل العرقوب (٥) ، ثم قال : « إن هذا هو‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٢٦ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ٧٦ ـ ١٩١ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٢ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (٣).

(٢) قال الخليل في كتاب العين ( ١ : ٢٠٧ ) كعب الإنسان : ما أشرف فوق رسغه عند قدمه. انتهى ولم نجد أفضل من هذا في كتب اللغة ، بل أنهم نسبوا القول بأنه قبتا القدم وأنه في ظهر القدم إلى الشيعة. راجع النهاية ( ٤ : ١٧٨ ) ، ولسان العرب ( ١ : ٧١٨ ) ، والمصباح المنير : (٥٣٥).

(٣) التهذيب ( ١ : ٦٤ ـ ١٧٩ ) ، الاستبصار ( ١ : ٦٢ ـ ١٨٤ ) ، قرب الإسناد : (١٦٢) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٣ ) أبواب الوضوء ب (٢٤) ح (٤) ، ورواه أيضا في الكافي ( ٣ : ٣٠ ـ ٦ ).

(٤) الكافي ( ٣ : ٢٦ ـ ٧ ) ، التهذيب ( ١ : ٨٠ ـ ٢٠٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ٦٩ ـ ٢١٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٣٠٦ ) أبواب الوضوء ب (٣١) ح (١).

(٥) العرقوب : العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان ( راجع الصحاح ١ : ١٨٠ ).

٢١٧

______________________________________________________

الظنبوب (١) » (٢).

ويؤيده الأخبار الواردة بالمسح على النعلين من دون استبطان الشراك ، كصحيحة زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام : « إنّ عليا عليه‌السلام مسح على النعلين ولم يستبطن الشراكين » (٣) قال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ : يعني إذا كانا عربيين ، لأنهما لا يمنعان وصول الماء الى الرجل بقدر ما يجب فيه عليه.

وذهب العلامة في المختلف الى أنّ الكعب هو المفصل بين الساق والقدم. ثم قال : وفي عبارة علمائنا اشتباه على غير المحصّل ، فإنّ الشيخ وأكثر الجماعة قالوا : إنّ الكعبين هما النابتان في وسط القدم ، قاله الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في كتبه. وقال السيد : الكعبان هما العظمان النابتان في ظهر القدم عند الشراك. وقال أبو الصلاح : هما معقد الشراك. وقال المفيد ـ رحمه‌الله ـ : الكعبان هما قبتا القدمين ، أمام الساقين ، ما بين المفصل والمشط. وقال ابن أبي عقيل : الكعبان في ظهر القدم. وقال ابن الجنيد ـ رحمه‌الله ـ : الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق ، وهو المفصل الذي قدام العرقوب (٤).

قلت هذه العبارات صريحة في خلاف ما ادعاه ، ناطقة بأنّ الكعبين هما العظمان النابتان في وسط القدم ، غير قابلة للتأويل بوجه ، فإنّ المفصل بين الساق والقدم لا يكون وسطا للقدم ، فقوله : إن في عبارات الأصحاب اشتباها على غير المحصّل ، مريدا به أن المحصّل لا يشتبه عليه أنّ الكعب عند الأصحاب هو المفصل بين الساق والقدم ، عجيب.

وأعجب من ذلك أنّ شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى ( نسب العلامة‌

__________________

(١) الظنبوب : العظم اليابس من قدم الساق ( راجع الصحاح ١ : ١٧٥ ).

(٢) التهذيب ( ١ : ٧٥ ـ ١٩٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٥ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (٩).

(٣) الفقيه ( ١ : ٢٧ ـ ٨٦ ) مرسلا ، التهذيب ( ١ : ٦٤ ـ ١٨٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٩٤ ) أبواب الوضوء ب (٢٤) ح (٦).

(٤) المختلف : (٢٤).

٢١٨

______________________________________________________

ـ رحمه‌الله ـ الى التفرد ) (١) بما ذكره من أنّ الكعب هو المفصل ، والى مخالفة إجماع الأمة (٢) ، مع أنّه قال بمقالته في الرسالة (٣).

واحتج في المختلف (٤) على أنّ الكعب هو المفصل بصحيحة ابني أعين المتقدمة (٥). وبما روي عن الباقر عليه‌السلام : إنه حكى وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « فمسح على مقدم رأسه وظهر قدميه » (٦) قال : وهو يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم ، وبأنه أقرب الى ما حدّه أهل اللغة.

ويمكن الجواب عن الرواية الأولى بأنها معارضة بصحيحة ابن أبي نصر المتقدمة (٧) ، الدالة على أنّ الكعب في ظهر القدم ، فإنّ المفصل بين شيئين يمتنع كونه في أحدهما ، فيمكن حمل ما تضمنته من إيصال (٨) المسح الى المفصل على الاستحباب ، أو على أنّ المراد بالمفصل ما قاربه بضرب من المجاز.

وعن الرواية الثانية بالمنع من دلالتها على وجوب الاستيعاب. سلّمنا ذلك ، لكنها معارضة بما رواه الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الصحيح ، عن زرارة وأخيه بكير ، عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه قال : « إذا مسحت بشي‌ء من رأسك ، أو بشي‌ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك » (٩) ومع التعارض يجب الجمع بينهما بحمل‌

__________________

(١) كذا في جميع النسخ ، والأنسب أن تكون العبارة هكذا : نسب إلى العلامة ـ رحمه‌الله ـ التفرد.

(٢) الذكرى : (٨٨).

(٣) الألفية : (٢٨).

(٤) المختلف : (٢٤).

(٥) في ص (٢١٧).

(٦) الكافي ( ٣ : ٢٥ ـ ٤ ) ، الفقيه ( ١ : ٢٤ ـ ٧٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٧٢ ) أبواب الوضوء ب (١٥) ح (٢).

(٧) في ص (٢١٧).

(٨) في « س » اتصال.

(٩) المتقدمة في ص (٢٠٨).

٢١٩

______________________________________________________

الرواية الأولى على الاستحباب.

وقوله : إن ما ذكره أقرب الى ما حدّه به أهل اللغة ضعيف جدا ، فإنّ أهل اللغة منّا متفقون على أنّ الكعب هو الناتئ في ظهر القدم ، حيث يقع معقد الشراك ، لأنه مأخوذ من كعب إذا ارتفع ، ومنه كعب ثدي الجارية إذا علا ، بل الظاهر أنه لا خلاف بين أهل اللغة في إطلاق الكعب عليه ، وإن ادّعى العامة إطلاقه على غيره أيضا.

قال في القاموس : الكعب : العظم الناشز فوق القدم والناشزان في جانبيها (١). وقال ابن الأثير في نهايته : وكل شي‌ء علا وارتفع فهو كعب (٢). ونحوه قال الهروي في الغريبين ، قال : ومنه سمّيت الكعبة.

ونقل الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى عن الفاضل اللغوي عميد الرؤساء أنه صنّف كتابا في الكعب أكثر فيه من الشواهد على أنّه الناشز في ظهر القدم أمام الساق (٣). وقد ظهر من ذلك أنّ الأصح ما ذهب إليه أكثر الأصحاب (٤).

بقي هنا شي‌ء ، وهو أنّ ظهر القدم هل هو محل للمسح كالمقدّم في الرأس ، بحيث يجزي المسح على جزء منه ، أم يجب إيصاله إلى الكعبين؟ فيه وجهان ، يلتفتان الى أنّ التحديد في الرجلين للممسوح ، أو للمسح. ورجح المصنف في المعتبر الثاني بعد التردد (٥) ، ولا ريب أنه أحوط.

__________________

(١) القاموس ( ١ : ١٢٩ ).

(٢) النهاية ( ٤ : ١٧٩ ).

(٣) الذكرى : (٨٨).

(٤) منهم السيد في الانتصار : (٢٨) ، والشيخ في الخلاف ( ١ : ١٦ ) ، والمحقق في المختصر النافع : (٦) ، والشهيد في الذكرى : (٨٨).

(٥) المعتبر : ( ١ : ١٥٢ ).

٢٢٠