مدارك الأحكام - ج ١

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي

مدارك الأحكام - ج ١

المؤلف:

السيد محمّد بن علي الموسوي العاملي


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٧٦
  نسخة غير مصححة

______________________________________________________

وما رواه ابن بابويه في الصحيح ، عن زرارة ومحمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال ، قلت له : الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال : « لا يدخلان المسجد إلاّ مجتازين ، إنّ الله تبارك وتعالى يقول ( وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) (١).

وما رواه الشيخ في الحسن ، عن جميل ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال : « لا ، ولكن يمر فيها ( كلها ) (٢) إلا المسجد الحرام ( ومسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ) (٣) » (٤).

وفي الصحيح ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام إنه قال في الجنب : « ولا بأس أن يمر في سائر المساجد ، ولا يجلس في شي‌ء من المساجد » (٥).

وعن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام إنه قال في الجنب والحائض : « ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرامين » (٦).

ويستفاد من هذه الروايات جواز الاجتياز للجنب في المساجد عدا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو مجمع عليه بين الأصحاب. وربما ظهر منها جواز التردد له في جوانبها أيضا ، لإطلاق الإذن في المرور. ويشهد له أيضا ما رواه جميل بن‌

__________________

(١) علل الشرائع : (٢٨٨) ، الوسائل ( ١ : ٤٨٦ ) أبواب الجنابة ب (١٥) ح (١٠) ، ورواها أيضا في تفسير القمي ( ١ : ١٣٩ ).

(٢) من « ح » ، والمصدر.

(٣) زيادة من « م » والمصدر.

(٤) التهذيب ( ١ : ١٢٥ ـ ٣٣٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨٥ ) أبواب الجنابة ب (١٥) ح (٢) ، ورواها في الكافي ( ٣ : ٥٠ ـ ٤ ).

(٥) التهذيب ( ١ : ٤٠٧ ـ ١٢٨٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨٥ ) أبواب الجنابة ب (١٥) ح (٦).

(٦) التهذيب ( ١ : ٣٧١ ـ ١١٣٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨٨ ) أبواب الجنابة ب (١٥) ح (١٧) ، بتفاوت يسير.

٢٨١

ووضع شي‌ء فيها. والجواز في المسجد الحرام أو مسجد النبي عليه‌السلام خاصة ، ولو أجنب فيهما لم يقطعهما إلا بالتيمم.

______________________________________________________

دراج ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « للجنب أن يمشي في المساجد كلها ولا يجلس فيها ، إلا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » (١).

وألحق الشهيدان (٢) بالمساجد في هذا الحكم المشاهد المشرفة والضرائح المقدسة ، لاشتمالها على فائدة المسجدية ، وزيادة الشرف بمن نسبت إليه. وللتوقف فيه مجال.

قوله : ووضع شي‌ء فيها.

هذا مذهب الأصحاب عدا سلاّر فإنه كره الوضع (٣). ويدل على التحريم روايات ، منها : ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال : « نعم ، ولكن لا يضعان في المسجد شيئا » (٤).

وينبغي قصر التحريم على الوضع من داخل المسجد ، لأنه المتبادر من اللفظ. ونص الشارح على تحريم الوضع من خارجه أيضا ، تمسكا بإطلاق اللفظ (٥). وهو أحوط.

قوله : والجواز في المسجد الحرام ، أو مسجد النبي عليه‌السلام خاصة ، ولو أجنب فيهما لم يقطعهما إلا بالتيمم.

أما تحريم الجواز في هذين المسجدين فهو قول علمائنا أجمع ، والأخبار به‌

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٥٠ ـ ٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٨٥ ) أبواب الجنابة ب (١٥) ح (٤) ، بتفاوت يسير.

(٢) الشهيد الأول في الذكرى : (٣٥) ، والشهيد الثاني في روض الجنان : (٨١).

(٣) المراسم : (٤٢).

(٤) الكافي ( ٣ : ٥١ ـ ٨ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٥ ـ ٣٣٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٠ ) أبواب الجنابة ب (١٧) ح (١).

(٥) المسالك ( ١ : ٨ ).

٢٨٢

ويكره له الأكل والشرب وتخفّ الكراهية بالمضمضة والاستنشاق ،

______________________________________________________

مستفيضة (١). وأما وجوب التيمم على المجنب فيهما للخروج فهو اختيار الشيخ (٢) وأكثر الأصحاب ، لصحيحة أبي حمزة الثمالي قال ، قال أبو جعفر عليه‌السلام : « إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ، ولا يمر في المسجد إلا متيمما ، ولا بأس أن يمر في سائر المساجد ، ولا يجلس في شي‌ء من المساجد » (٣) ونقل عن ابن حمزة القول بالاستحباب (٤) ، وهو ضعيف ، وقد تقدم الكلام في ذلك.

قوله : ويكره له الأكل والشرب ، وتخفّ الكراهة بالمضمضة والاستنشاق.

المستفاد من العبارة بقاء الكراهة مع المضمضة والاستنشاق أيضا ، وصرح الأكثر ومنهم المصنف في النافع (٥) بزوال الكراهة بهما.

وقال الصدوق ـ رحمه‌الله ـ في من لا يحضره الفقيه : والجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب قبل الغسل لم يجز له إلا أن يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق ، فإنه إن أكل أو شرب قبل أن يفعل ذلك خيف عليه من البرص ، قال : وروي أنّ الأكل على الجنابة يورث الفقر (٦).

والذي وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار المعتبرة ما رواه الشيخ في الصحيح ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال ، قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أيأكل الجنب.

__________________

(١) الوسائل ( ١ : ٤٨٤ ) أبواب الجنابة ب (١٥).

(٢) المبسوط ( ١ : ٢٩ ).

(٣) المتقدمة في ص (٢٨١).

(٤) الوسيلة : (٧٠).

(٥) المختصر النافع : (٩).

(٦) الفقيه ( ١ : ٤٦ ).

٢٨٣

وقراءة ما زاد على سبع آيات من غير العزائم ، وأشدّ من ذلك قراءة سبعين ، وما زاد أغلظ كراهية ،

______________________________________________________

قبل أن يتوضأ؟ قال : « إنا لنكسل ، ولكن يغسل يده ، والوضوء أفضل » (١).

وفي الصحيح عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب » (٢).

ومقتضى الرواية الأولى استحباب الوضوء لمريد الأكل والشرب ، أو غسل اليد خاصة ، ومقتضى الثانية الأمر بغسل اليد والوجه والمضمضة ، وليس فيهما دلالة على كراهة الأكل والشرب بدون ذلك ، ولا على توقف زوال الكراهة على المضمضة والاستنشاق ، أو خفّتها بذلك. والأجود العمل بمقتضاهما ، والاكتفاء بغسل اليد ، وأفضلية المضمضة وغسل الوجه أو الوضوء كما اختاره المصنف في المعتبر (٣).

وينبغي أن يراعى في الاعتداد بذلك عدم تراخي الأكل والشرب عنه كثيرا على وجه لا يبقى بينهما ارتباط في العادة ، ويتعدد بتعدد الأكل والشرب مع التراخي لا مع الاتصال.

قوله : وقراءة ما زاد على سبع آيات من غير العزائم ، وأشدّ من ذلك قراءة سبعين ، وما زاد أغلظ كراهية.

اختلف الأصحاب في جواز قراءة القرآن للجنب عدا العزائم ، فذهب الأكثر إلى الجواز ، ونقل عليه المرتضى ـ رحمه‌الله ـ في الانتصار ، والشيخ في الخلاف ، والمصنف‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٧٢ ـ ١١٣٧ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٦ ) أبواب الجنابة ب (٢٠) ح (٧) ، قال في الوافي : ويشبه أن يكون ممّا صحف وكان « إنا لنغتسل ».

(٢) الكافي ( ٣ : ٥٠ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٩ ـ ٣٥٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٥ ) أبواب الجنابة ب (٢٠) ح (١).

(٣) المعتبر ( ١ : ١٩١ ).

٢٨٤

______________________________________________________

في المعتبر : الإجماع (١). وحكى الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى (٢) عن سلار في الأبواب (٣) تحريم القراءة مطلقا ، وعن ابن البراج (٤) تحريم قراءة ما زاد على سبع آيات ، ونسبه في المختلف (٥) إلى الشيخ في كتابي الحديث ، وكلامه في الكتابين (٦) غير صريح في ذلك خصوصا في الاستبصار ، فإنه جمع بين الأخبار أولا بتخصيص الأخبار الدالة على إباحة قراءة ما شاء بروايتي سماعة (٧) الدالة إحداهما على السبع ، والأخرى على السبعين ، ثم جمع بينها بحمل الاقتصار على العدد على الندب ، والباقي على الجواز ، فعلم أنه غير جازم بالتحريم ، بل ولا الكراهة أيضا ، والمعتمد : الجواز مطلقا.

لنا : أصالة الإباحة ، وعموم قوله تعالى ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (٨) وما رواه الشيخ في الصحيح ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « لا بأس أن تتلو الحائض والجنب القرآن » (٩).

وفي الصحيح ، عن عبيد الله بن عليّ الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال :

__________________

(١) الانتصار : (٣١) ، والخلاف ( ١ : ١٩ ) ، والمعتبر ( ١ : ١٨٧ ).

(٢) الذكرى : (٣٤).

(٣) المراد بالأبواب هو كتاب الأبواب والفصول في الفقه للشيخ الجليل أبي يعلى الملقب بسلاّر. نسبه إليه ابن داود في رجاله وهو غير مطبوع ظاهرا ( الذريعة ١ : ٧٣ ).

(٤) المهذب ( ١ : ٣٤ ).

(٥) المختلف : (٣٢).

(٦) التهذيب ( ١ : ١٢٨ ) ، الاستبصار ( ١ : ١١٥ ).

(٧) التهذيب ( ١ : ١٢٨ ـ ٣٥٠ و ٣٥١ ) ، الاستبصار ( ١ : ١١٤ ـ ٣٨٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٤ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح ( ٩ و ١٠ ).

(٨) سورة المزمل : (٢٠).

(٩) التهذيب ( ١ : ١٢٨ ـ ٣٤٧ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٤ ـ ٣٨٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٣ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح (٥).

٢٨٥

______________________________________________________

سألته أتقرأ النفساء والحائض والجنب والرجل يتغوط (١) ، القرآن؟ فقال : « يقرؤن ما شاؤا » (٢).

وفي الموثق عن ابن بكير : قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الجنب يأكل ويشرب ويقرأ القرآن؟ قال : « نعم يأكل ويشرب ويقرأ ويذكر الله عز وجل ما شاء » (٣).

وأما ما ذكره المصنف من كراهة قراءة ما زاد على السبع ، وتأكّد الكراهة فيما زاد على السبعين ، فلم أقف فيه على دليل يعتد به ، وعزاه في المعتبر إلى الشيخ في المبسوط ، واستدل عليه برواية سماعة : قال : سألته عن الجنب ( هل ) (٤) يقرأ القرآن؟ قال : « ما بينه وبين سبع آيات » (٥) قال : وفي رواية زرعة ، عن سماعة : سبعين آية (٦) ، ثم قال : وزرعة وسماعة واقفيان ، مع إرسال الرواية ، وروايتهما هذه منافية لعموم الرواية المشهورة الدالة على إطلاق الإذن في قراءة ما شاء عدا السجدة (٧) ، وإنما اخترنا ما ذهب إليه الشيخ تفصيا من ارتكاب المختلف فيه (٨).

__________________

(١) في « م » : بتغوط.

(٢) التهذيب ( ١ : ١٢٨ ـ ٣٤٨ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٤ ـ ٣٨١ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٤ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح (٦) ، بتفاوت يسير.

(٣) الكافي ( ٣ : ٥٠ ـ ٢ ) ، التهذيب ( ١ : ١٢٨ ـ ٣٤٦ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٤ ـ ٣٧٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٣ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح (٢).

(٤) من « ق » والمصدر.

(٥) التهذيب ( ١ : ١٢٨ ـ ٣٥٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٤ ـ ٣٨٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٤ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح (٩) ، بتفاوت يسير.

(٦) التهذيب ( ١ : ١٢٨ ـ ٣٥١ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٥ ـ ٣٨٣ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٤ ) أبواب الجنابة ب (١٩) ح (١٠).

(٧) الوسائل ( ١ : ٤٩٣ ) أبواب الجنابة ب (١٩).

(٨) المعتبر ( ١ : ١٩٠ ).

٢٨٦

ومسّ المصحف ، والنوم حتى يغتسل أو يتوضأ ،

______________________________________________________

قوله : ومسّ المصحف.

المراد بالمصحف هنا : ما عدا كتابة القرآن من الورق والجلد ، والحكم بكراهة مسه مذهب الشيخين (١) وأتباعهما (٢) ، واستدلوا عليه برواية إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال : « المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خيطه (٣) ولا تعلقه ، إن الله تعالى يقول ( لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) » (٤) وإنما حمل النهي على الكراهة ، لضعف سند الرواية باشتماله على عدة من المجاهيل والضعفاء فلا يبلغ حجة في إثبات التحريم ، ونقل عن السيد المرتضى ـ رحمه‌الله ـ المنع من ذلك (٥) ، استنادا إلى هذه الرواية ، وهو بعيد جدا.

وقال الصدوق في كتابه : ومن كان جنبا أو على غير وضوء فلا يمس القرآن ، وجائز له أن يمس الورق (٦). وليس في كلامه تصريح بالكراهة ، إلا أن المصير إليها أولى وإن ضعف سندها ، لمناسبة التعظيم.

قوله : والنوم حتى يغتسل أو يتوضأ.

أما كراهة النوم قبل الغسل فيدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله : قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يواقع أهله أينام على‌

__________________

(١) المبسوط ( ١ : ٢٩ ) ، ونقله في المعتبر ( ١ : ١٩٠ ) عن المفيد.

(٢) منهم : ابن البراج في المهذب ( ١ : ٣٤ ) ، وسلاّر في المراسم : (٤٢) ، وابن حمزة في الوسيلة : (٥٥).

(٣) كذا في جميع النسخ ، وفي المصدر : خطّه.

(٤) التهذيب ( ١ : ١٢٧ ـ ٣٤٤ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٣ ـ ٣٧٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٢٦٩ ) أبواب الوضوء ب (١٢) ح (٣).

(٥) نقله عنه في المنتهى ( ١ : ٨٧ ).

(٦) الفقيه ( ١ : ٤٨ ).

٢٨٧

والخضاب.

______________________________________________________

ذلك؟ قال : « إنّ الله يتوفى الأنفس في منامها ، ولا يدري ما يطرقه من البلية ، إذا فرغ فليغتسل » (١).

وأما انتفاء الكراهة مع الوضوء فيدل عليه ما رواه ابن بابويه في الصحيح ، عن عبيد الله الحلبي ، قال : سئل أبو عبد الله عليه‌السلام عن الرجل أينبغي له أن ينام وهو جنب؟ قال : « يكره ذلك حتى يتوضأ » (٢) قال ابن بابويه : وفي حديث آخر قال : « أنا أنام على ذلك حتى أصبح ، وذلك أني أريد أن أعود » (٣).

قوله : والخضاب.

الخضاب : ما يتلون به من حناء وغيره ، وقد اختلف الأصحاب في كراهة الاختضاب للجنب ، فأثبتها المفيد (٤) والمرتضى (٥) ـ رحمهما الله ـ والشيخ في جملة من (٦) كتبه. وقال ابن بابويه في كتابه : ولا بأس أن يختضب الجنب ، ويجنب وهو مختضب ، ويحتجم ، ويتنور ، ويذكر الله ، ويذبح ، ويلبس الخاتم ، وينام في المسجد ويمر فيه (٧).

احتج القائلون بالكراهة بورود النهي عنه في عدة أخبار (٨) ، وفي بعضها : « لا أحب له ذلك » وهو صريح في الكراهة ، وفي الجميع قصور من حيث السند. وعلل المفيد ـ رحمه‌الله ـ في المقنعة الكراهة بأن الخضاب يمنع وصول الماء إلى ظاهر الجوارح التي‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ٣٧٢ ـ ١١٣٧ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠١ ) أبواب الجنابة ب (٢٥) ح (٤).

(٢) الفقيه ( ١ : ٤٧ ـ ١٧٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠١ ) أبواب الجنابة ب (٢٥) ح (١).

(٣) الفقيه ( ١ : ٤٧ ـ ١٨٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠١ ) أبواب الجنابة ب (٢٥) ح (٢).

(٤) المقنعة : (٧).

(٥) نقله عنه في المعتبر ( ١ : ١٩٢ ).

(٦) الاستبصار ( ١ : ١١٧ ) ، والنهاية : (٢٨) ، والمبسوط ( ١ : ٢٩ ).

(٧) الفقيه ( ١ : ٤٨ ).

(٨) الوسائل ( ١ : ٤٩٧ ) أبواب الجنابة ب (٢٢) ح ( ٨ ـ ١٢ ).

٢٨٨

وأما الغسل :

فواجباته خمس : النيّة ،

______________________________________________________

عليها الخضاب (١). وهو غير جيد.

وقال المصنف في المعتبر : وكأنّه ـ رحمه‌الله ـ نظر إلى أن اللون عرض لا ينتقل ، فيلزم حصول أجزاء من الخضاب في محل اللون ، ليكون وجود اللون بوجودها ، لكنها خفيفة لا تمنع الماء منعا تاما ، فكرهت لذلك (٢). ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف.

احتج ابن بابويه بما رواه الحلبي في الحسن ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « لا بأس بأن يختضب الرجل وهو جنب » (٣) وهذه الرواية أجود ما وصل إلينا في هذه المسألة.

قوله : وأما الغسل ، فواجباته خمس : النيّة.

لم يتعرض المصنف لبيان ما يعتبر في النية هنا ، اعتمادا على ما قرره في الوضوء ، فإن الحكم في المسألتين واحد ، وقد بيّنّا هناك أن الأظهر الاكتفاء بالقربة ، والأحوط ضمّ الوجه مع الرفع أو الاستباحة.

وذكر جمع من المتأخرين (٤) أنّ دائم الحدث كالمستحاضة يقتصر على نية الاستباحة وأنه لا يقع منه نية الرفع ، لاستمرار حدثه ، وفرقوا بينهما بأن الاستباحة عبارة عن رفع‌

__________________

(١) المقنعة : (٧).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٩٢ ).

(٣) الكافي ( ٣ : ٥١ ـ ١١ ) ، الوسائل ( ١ : ٤٩٨ ) أبواب الجنابة ب (٢٣) ح (١) ، بتفاوت يسير.

(٤) منهم العلامة في القواعد ( ١ : ١٠ ) ، والشهيد الأول في الذكرى : (٨١) ، والمحقق الكركي في جامع المقاصد ( ١ : ٢٢ ).

٢٨٩

واستدامة حكمها إلى آخر الغسل ،

______________________________________________________

المنع ، وهو غير ممتنع منه ، بخلاف رفع الحدث فإن معناه رفع المانع ، وهو ممتنع لاستمراره ، ولهذا وجب عليه تجديد الوضوء لكل صلاة.

وعندي في هذا الفرق نظر : فإنّ الحدث الذي يمكن رفعه لا يعلم له معنى في الشرع سوى الحالة التي لا يسوغ معها للمكلف الدخول في العبادة ، فمتى ساغ له ذلك علم زوال تلك الحالة ، وهو معنى الرفع ، غاية الأمر أنّ زوالها قد يكون إلى غاية كما في المتيمم ودائم الحدث ، وقد يكون مطلقا كما في غيرهما ، وهذا لا يكفي في تخصيص كل قسم باسم بحيث لا ينصرف إلى غيره ، فلو قيل بجواز نيته مطلقا كما نقل عن شيخنا الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في بعض تحقيقاته (١) كان حسنا.

تفريع : المبطون والسلس كالصحيح بالنسبة إلى الغسل ، إذ الحق عدم بطلانه بتخلل الحدث الأصغر كما سيجي‌ء بيانه إن شاء الله تعالى ، وعلى القول بالبطلان يحتمل هنا الصحة ، للضرورة ـ وهو خيرة الذكرى (٢) ـ والاجتزاء به في الصلاة الواحدة كالوضوء. ويمكن أن يقال بوجوب الوضوء بعده ، لاستمرار الحدث ، وعدم الدليل على إلحاق الغسل بالوضوء في هذا الحكم ( فتأمل ) (٣).

قوله : واستدامة حكمها إلى آخر الغسل.

وقد تقدم البحث في ذلك ، وأنّ الأظهر أنها أمر عدمي ، وهو أن لا ينوي ما ينافي النية الأولى ، ومتى أخل بها لم يبطل ما فعله أولا ، وتوقف صحة الباقي على استيناف النية.

ولو أخل بالموالاة ثم عاد إلى إتمام الغسل قيل : يكفيه النية السابقة ، ولم يحتج إلى‌

__________________

(١) وجدناه في الذكرى : (٨١).

(٢) الذكرى : (١٠٠).

(٣) ليست في « س » و « ق ».

٢٩٠

وغسل البشرة بما يسمى غسلا ،

______________________________________________________

نية مستأنفة (١). وصرح العلامة في النهاية بوجوب تجديد النية متى أخر بما يعتد به (٢). وجزم في الذكرى بعدم الوجوب إلا مع طول الزمان (٣) ، وهو متجه.

قوله : وغسل البشرة بما يسمى غسلا.

المرجع في التسمية إلى العرف ، لأنه المحكّم في مثله ، وقد قطع الأصحاب بأنه إنما يتحقق مع جريان الماء على البشرة ولو بمعاون ، وهو حسن.

ويدل على اعتبار الجريان هنا روايات ، منها : صحيحة محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما‌السلام إنه قال في اغتسال الجنب : « فما جرى عليه الماء فقد طهر » (٤).

وصحيحة زرارة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه » (٥).

ويستفاد من قول المصنف : وغسل البشرة ، مع تأكيده بقوله : ويجب تخليل ما لا يصل إليه الماء إلا به ، أنه يجب تخليل الشعور في الغسل خفيفة كانت أو كثيفة ، وهو مذهب الأصحاب ، ويدل عليه صحيحة حجر بن زائدة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار » (٦).

__________________

(١) كما في روض الجنان : (٥٢).

(٢) نهاية الأحكام ( ١ : ١٠٧ ).

(٣) الذكرى : (٨٢).

(٤) الكافي ( ٣ : ٤٣ ـ ١ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣٢ ـ ٣٦٥ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٣ ـ ٤٢٠ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٢ ) أبواب الجنابة ب (٢٦) ح (١).

(٥) الكافي ( ٣ : ٢١ ـ ٤ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣٧ ـ ٣٨٠ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٣ ـ ٤١٦ ) ، الوسائل ( ١ : ٥١١ ) أبواب الجنابة ب (٣١) ح (٣).

(٦) التهذيب ( ١ : ١٣٥ ـ ٣٧٣ ) ، المجالس : ( ٣٩١ ـ ١١ ) ، عقاب الأعمال : (٢٧٢) ، الوسائل ( ١ : ٤٦٣ ) أبواب الجنابة ب (١) ح (٥).

٢٩١

وتخليل ما لا يصل إليه الماء إلا به ،

______________________________________________________

وصحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : « الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها أجزأها » (١).

أما الشعر فلا يجب غسله ، للأصل ، وخروجه عن مسمى الجسد. وظاهر المعتبر (٢) أنه مجمع عليه ، ويدل عليه صحيحة الحلبي ، عن رجل ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، عن أبيه ، عن علي عليه‌السلام قال : « لا تنقض المرأة شعرها إذا اغتسلت من الجنابة » (٣).

قوله : وتخليل ما لا يصل إليه الماء إلا به.

الضمير في : إليه ، يعود إلى البدن المدلول عليه بالبشرة ، ولو قال : وتخليل ما لا يصل الماء إلى البشرة إلا بتخليله كان أظهر. ولا ريب في وجوب التخليل حيث يتوقف إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة عليه ، لوجوب استيعاب ما ظهر من البدن بالغسل إجماعا.

قال في المنتهى : ويجب عليه إيصال الماء إلى جميع الظاهر من بدنه دون الباطن بلا خلاف (٤).

ومن البواطن : داخل الفم والأنف والأذن ، ومنه الثقب الذي يكون في الأذن للحلقة إذا كان بحيث لا يرى باطنه على الأظهر ، وبه جزم شيخنا المعاصر سلمه الله تعالى ، وحكم المحقق الشيخ علي في حاشية الكتاب بوجوب إيصال الماء إلى باطنه مطلقا ، وهو بعيد.

__________________

(١) الكافي ( ٣ : ٨٢ ـ ٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٥١١ ) أبواب الجنابة ب (٣١) ح (٤).

(٢) المعتبر ( ١ : ١٩٤ ).

(٣) الكافي ( ٣ : ٤٥ ـ ١٦ ) ، التهذيب ( ١ : ١٤٧ ـ ٤١٧ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٢١ ) أبواب الجنابة ب (٣٨) ح (٤).

(٤) المنتهى ( ١ : ٨٥ ).

٢٩٢

والترتيب : يبدأ بالرأس ، ثم بالجانب الأيمن ، ثم الأيسر ،

______________________________________________________

قوله : والترتيب ، يبدأ بالرأس ، ثم الجانب الأيمن ، ثم الأيسر.

هذا هو المشهور بين الأصحاب ، ونقل الشيخ في الخلاف فيه الإجماع (١) ، ولم يصرح الصدوقان (٢) بوجوب الترتيب ولا بنفيه ، لكن الظاهر من عبارتهما عدم الوجوب ، حيث ذكرا كيفية الغسل الواجبة والمستحبة ، ولم يذكرا الترتيب بوجه ، وهو الظاهر من كلام ابن الجنيد أيضا (٣).

احتج الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في التهذيب على وجوب الترتيب بصحيحة محمد بن مسلم ، عن أحدهما عليهما‌السلام ، قال : سألته عن غسل الجنابة فقال : « تبدأ بكفيك ، ثم تغسل فرجك ، ثم تصب على رأسك ثلاثا ، ثم تصب على سائر جسدك مرتين فما جرى الماء عليه فقد طهره » (٤).

وحسنة زرارة ، قال : قلت : كيف يغتسل الجنب؟ فقال : « إن لم يكن أصاب كفه شيئا غمسها في الماء ، ثم بدأ بفرجه فأنقاه ، ثم صب على رأسه ثلاث أكف ، ثم صب على منكبه الأيمن مرتين وعلى منكبه الأيسر مرتين ، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه » (٥).

وحسنة حريز ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « من اغتسل من جنابة ولم يغسل رأسه ، ثم بدا له أن يغسل رأسه لم يجد بدّا من إعادة الغسل » (٦).

__________________

(١) الخلاف ( ١ : ٢٩ ).

(٢) الفقيه ( ١ : ٤٦ ).

(٣) نقله عنه في الذكرى : (١٠١).

(٤) المتقدمة في ص (٢٩١).

(٥) الكافي ( ٣ : ٤٣ ـ ٣ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣٣ ـ ٣٦٨ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٢ ) أبواب الجنابة ب (٢٦) ح (٢) ، بتفاوت يسير.

(٦) الكافي ( ٣ : ٤٤ ـ ٩ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣٣ ـ ٣٦٩ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٤ ـ ٤٢١ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٦ ) أبواب الجنابة ب (٢٨) ح (٣).

٢٩٣

______________________________________________________

واعترضه المصنف في المعتبر فقال : واعلم أنّ الروايات دلت على وجوب تقديم الرأس على الجسد ، أما اليمين على الشمال فغير صريحة بذلك ، ورواية زرارة دلت على تقديم الرأس على اليمين ولم تدل على تقديم اليمين على الشمال ، لأن الواو لا يقتضي ترتيبا ، فإنك إذا قلت : قام زيد ثم عمرو وخالد ، دل على تقديم قيام زيد على عمرو ، وأما تقديم عمرو على خالد فلا ، لكن فقهاءنا اليوم بأجمعهم يفتون بتقديم اليمين على الشمال ، ويجعلونه شرطا في صحة الغسل ، وقد أفتى بذلك الثلاثة ، وأتباعهم (١). هذا كلامه ـ رحمه‌الله ـ وهو في محله.

ويدل على عدم وجوب الترتيب أيضا مضافا إلى الأصل ، وإطلاق القرآن (٢) ، ما رواه الشيخ في الصحيح ، عن زرارة : قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن غسل الجنابة ، فقال : « تبدأ فتغسل كفيك ، ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ، ثم تمضمض واستنشق ، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك » (٣).

وفي الصحيح ، عن يعقوب بن يقطين ، عن أبي الحسن عليه‌السلام ، قال : « الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل أن يغمسهما في الماء (٤) ، ثم يغسل ما أصابه من أذى ، ثم يصب الماء على رأسه وعلى وجهه وعلى جسده كله ، ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه » (٥). ويستفاد من هذه الرواية إطلاق الرأس في الغسل على المنابت خاصة.

__________________

(١) المعتبر ( ١ : ١٨٣ ).

(٢) المائدة : (٦).

(٣) التهذيب ( ١ : ٣٧٠ ـ ١١٣١ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٣ ) أبواب الجنابة ب (٢٦) ح (٥).

(٤) في « ح » : الإناء.

(٥) التهذيب ( ١ : ١٤٢ ـ ٤٠٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٥١٥ ) أبواب الجنابة ب (٣٤) ح (١) ، بتفاوت يسير.

٢٩٤

ويسقط الترتيب بارتماسة واحدة.

______________________________________________________

وفي الصحيح ، عن أحمد بن محمد ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن غسل الجنابة ، فقال : « تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك ، وتبول إن قدرت على البول ، ثم تدخل يدك في الإناء ، ثم اغسل ما أصابك منه ، ثم أفض على رأسك وجسدك ولا وضوء فيه » (١).

وبالجملة : فهذه الروايات كالصريحة في عدم وجوب الترتيب بين الجانبين ، لورودها في مقام البيان المنافي للإجمال ، والعمل بها متجه ، إلاّ أنّ المصير إلى ما عليه ( أكثر ) (٢) الأصحاب أحوط.

قوله : ويسقط الترتيب بارتماسة واحدة.

الارتماس : شمول الماء للبدن دفعة واحدة. والمرجع في الوحدة إلى العرف ، فلا ينافيه توقف إيصال الماء على تخليل ما يعتبر تخليله من الشعر ونحوه.

ويدل على سقوط الترتيب بالارتماسة الواحدة ـ مضافا إلى الأصل والإجماع وإطلاق القرآن ـ صحيحة زرارة ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « ولو أن رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك ، وإن لم يدلك جسده » (٣).

وصحيحة الحلبي ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : « إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله » (٤).

قال الشهيد ـ رحمه‌الله ـ في الذكرى : والخبران وإن وردا في غسل الجنابة ، لكن‌

__________________

(١) التهذيب ( ١ : ١٣١ ـ ٣٦٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٣ ـ ٤١٩ ) ، الوسائل ( ١ : ٥١٥ ) أبواب الجنابة ب (٣٤) ح (٣) ، بتفاوت يسير.

(٢) ليست في « ح ».

(٣) التهذيب ( ١ : ٣٧٠ ـ ١١٣١ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٣ ) أبواب الجنابة ب (٢٦) ح (٥).

(٤) الكافي ( ٣ : ٤٣ ـ ٥ ) ، التهذيب ( ١ : ١٤٨ ـ ٤٢٣ ) ، الإستبصار ( ١ : ١٢٥ ـ ٤٢٤ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٤ ) أبواب الجنابة ب (٢٦) ح (١٢).

٢٩٥

______________________________________________________

لم يفرق أحد بينه وبين غيره من الأغسال (١).

قلت : ويؤيده رواية الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « غسل الجنابة والحيض واحد » (٢).

ونقل الشيخ في المبسوط (٣) عن بعض الأصحاب أنه يترتب حكما ، قال في الذكرى : وما قاله الشيخ يحتمل أمرين :

أحدهما ـ وهو الذي عقله عنه الفاضل ـ : إنه يعتقد الترتيب حال الارتماس ، ويظهر ذلك من المعتبر حيث قال : وقال بعض الأصحاب : يرتب حكما ، فذكره بصيغة الفعل المتعدي ، وفيه ضمير يعود إلى المغتسل.

الثاني : إنّ الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتب بغير الارتماس.

وتظهر الفائدة لو وجد لمعة (٤) مغفلة فإنه يأتي بها وبما بعدها ، ولو قيل بسقوط الترتيب بالمرة أعاد الغسل من رأس ، لعدم الوحدة المذكورة في الحديث.

وفيما لو نذر الاغتسال مرتبا ، فإنه يبرأ بالارتماس ، لا على معنى الاعتقاد المذكور ، لأنه ذكره بصورة اللازم المسند إلى الغسل ، أي : يترتب الغسل في نفسه حكما وإن لم يكن فعلا (٥).

وقال الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في الاستبصار : إن المرتمس يترتب حكما وإن لم يترتب فعلاً ، لأنه إذا خرج من الماء حكم له أولا بطهارة رأسه ، ثم جانبه الأيمن ، ثم جانبه‌

__________________

(١) الذكرى : (١٠١).

(٢) التهذيب ( ١ : ١٦٢ ـ ٤٦٣ ) ، الوسائل ( ٢ : ٥٦٦ ) أبواب الحيض ب (٢٣) ح (١).

(٣) المبسوط ( ١ : ٢٩ ).

(٤) اللمعة : الموضع الذي لا يصيبه الماء في الغسل أو الوضوء من الجسد وهذا كأنه تشبيه بما قاله ابن الأعرابي : وفي الأرض لمعة من خلى : أي شي‌ء قليل. المصباح المنير : (٥٥٩) ( لمع ).

(٥) الذكرى : (١٠٢).

٢٩٦

______________________________________________________

الأيسر (١).

وأقول : إن الترتيب الحكمي بمعانيه بعيد جدا ، بل يكاد أن يكون مقطوعا ببطلانه ، إذ ليس في شي‌ء من الأدلة العقلية والنقلية دلالة عليه بوجه ، وإنما المستفاد من الروايات (٢) : الاجتزاء في الغسل بالارتماسة الواحدة الشاملة للبدن ، وسقوط الترتيب فيه مطلقا ، وإثبات ما عدا ذلك زيادة لم تعلم من النص. وقد أطنب المتأخرون في البحث في هذه المسألة بما لا طائل تحته.

وألحق الشيخ في المبسوط (٣) بالارتماس الوقوف تحت المجرى والمطر الغزيرين ، فأسقط الترتيب فيه ، واستدل بما رواه في الصحيح ، عن عليّ بن جعفر ، عن أخيه موسى عليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتى يغسل رأسه وجسده ، وهو يقدر على ما سوى ذلك؟ قال : « إن كان يغسله اغتسالة بالماء أجزأه ذلك » (٤) وهي قاصرة عن إفادة ما ادعاه.

وقال في المعتبر : هذا الخبر مطلق ، وينبغي أن يقيد بالترتيب في الغسل (٥). وهو حسن (٦) ، لأن الوقوف تحت المطر لا يتحقق معه الارتماس قطعا.

__________________

(١) الإستبصار ( ١ : ١٢٥ ).

(٢) الوسائل ( ١ : ٥٠٢ ) أبواب الجنابة ب (٢٦).

(٣) المبسوط ( ١ : ٢٩ ).

(٤) الفقيه ( ١ : ١٤ ـ ٢٧ ) ، التهذيب ( ١ : ١٤٩ ـ ٤٢٤ ) ، الاستبصار ( ١ : ١٢٥ ـ ٤٢٥ ) ، قرب الإسناد : (٨٥) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٤ ) أبواب الجنابة ب (٢٦) ح (١٠).

(٥) المعتبر ( ١ : ١٨٥ ).

(٦) في « ح » : أحسن.

٢٩٧

وسنن الغسل : تقديم النيّة عند غسل اليدين وتتضيق عند غسل الرأس. وإمرار اليد على الجسد ، وتخليل ما يصل إليه الماء استظهارا. والبول أمام الغسل

______________________________________________________

قوله : وسنن الغسل : تقديم النيّة عند غسل اليدين ، وتتضيق عند غسل الرأس.

بل الأجود تأخيرها إلى عند غسل الرأس.

قوله : وإمرار اليد على الجسد.

إنما استحب ذلك ، لما فيه من الاستظهار في وصول الماء إلى البدن ، ولمفهوم قوله عليه‌السلام : « ولو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده » (١).

ومن المستحبات أيضا : الموالاة ، لما فيها من الإسراع إلى فعل الطاعة ، وقد قطع الأصحاب بعدم وجوبها ، لصدق الامتثال بدونها ، ولصحيحة إبراهيم بن عمر اليماني ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : « إن عليّا عليه‌السلام لم ير بأسا أن يغسل الجنب رأسه غدوة وسائر جسده عند الصلاة » (٢).

قوله : والبول أمام الغسل.

ما اختاره المصنف من استحباب البول أمام الغسل هو المشهور بين المتأخرين ، وصرح الشيخ في المبسوط والاستبصار بوجوبه (٣) ، ونقله في الذكرى عن ابن حمزة وابن زهرة والكيدري (٤) وأبي الصلاح وابن البراج ، ثم قال : ولا بأس بالوجوب ، محافظة على‌

__________________

(١) المتقدمة في ص (٢٩٥).

(٢) الكافي ( ٣ : ٤٤ ـ ٨ ) ، التهذيب ( ١ : ١٣٤ ـ ٢٧٢ ) ، الوسائل ( ١ : ٥٠٩ ) أبواب الجنابة ب (٢٩) ح (٣) ، بتفاوت يسير.

(٣) المبسوط ( ١ : ٢٩ ) ، الإستبصار ( ١ : ١١٨ ).

(٤) في « ق » : والكندري ، ( وقد تقدم الكلام في ذلك في ص ٢٢٥ ).

٢٩٨

______________________________________________________

الغسل من طريان مزيله ، ومصيرا إلى قول معظم الأصحاب ، وأخذا بالاحتياط (١).

واحتج عليه في الاستبصار بالأخبار المتضمنة لإعادة الغسل مع الإخلال به إذا رأى المغتسل بللا بعد الغسل ، وهو خلاف المدعى.

نعم يمكن الاستدلال عليه بصحيحة أحمد بن محمد ، قال : سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن غسل الجنابة ، فقال : « تغسل يدك اليمنى من المرفقين (٢) إلى أصابعك ، وتبول إن قدرت على البول » (٣) ويمكن حملها على الاستحباب ، لعدم صراحة الجملة الخبرية في الوجوب ، وخلو أكثر الأخبار الواردة في بيان الغسل من ذلك. وكيف كان ، فالأولى أن لا يترك بحال ، وقد روي عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : « من ترك البول عقيب الجنابة أو شك [ أن ] (٤) يتردد بقية الماء في بدنه ، فيورثه الداء الذي لا دواء له » (٥).

وإنما يستحب البول للمنزل ، أما للمولج بغير إنزال فلا.

والأظهر اختصاصه بالرجل كما هو مورد الخبر ، ولتغاير مخرجي البول والمني من المرأة. وسوّى الشيخ ـ رحمه‌الله ـ في النهاية (٦) بين الرجل والمرأة في الاستبراء بالبول والاجتهاد ، قال في الذكرى : ولعل المخرجين وإن تغايرا يؤثر خروج البول في خروج ما تخلف في المخرج الآخر إن كان (٧). وهو أحوط.

__________________

(١) الذكرى : (١٠٣).

(٢) في « ح » : المرفق.

(٣) المتقدمة في ص (٢٩٥).

(٤) أثبتناه من المصدر.

(٥) قرب الإسناد : (٢١) ، مستدرك الوسائل ( ١ : ٧١ ) أبواب الجنابة ب (٣٥) ح (١) ، بتفاوت في المتن.

(٦) النهاية : (٢١).

(٧) الذكرى : (١٠٤).

٢٩٩

أو الاستبراء ، وكيفيته : أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ، ومنه إلى رأس الحشفة ثلاثا ، وينتره ثلاثا.

______________________________________________________

قوله : والاستبراء ، وكيفيته أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا ، ومنه إلى رأس الحشفة ثلاثا ، وينتره ثلاثا.

استحباب الاستبراء للرجل المنزل بالاجتهاد مذهب السيد المرتضى (١) ، وابن إدريس (٢) ، وأكثر المتأخرين ، وقال الشيخ في المبسوط والجمل بوجوبه (٣). وليس في النصوص ما يتضمن الاستبراء بعد الإنزال ، وإنما الموجود فيها الأمر بالاستبراء بعد البول ، وربما لاح منها أنّ الغرض من الاستبراء عدم انتقاض الوضوء بالبلل الموجود بعده ، لا أنه واجب في نفسه ، ولا ريب أنّ الوجوب أحوط.

واختلف الأصحاب في كيفيته : فقال الشيخ في المبسوط (٤) باعتبار المسحات التسع التي ذكرها المصنف ، وقال في النهاية : يمسح بإصبعه من عند مخرج النجو إلى أصل القضيب ثلاث مرات ، ثم يمرّ بإصبعه على القضيب وينتره ثلاث مرات (٥). وهو اختيار المصنف في النافع (٦) ، وقال المرتضى : ويستحب عند البول نتر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاث مرات (٧).

وما ذكره الشيخ في المبسوط أبلغ في الاستظهار ، إلا أنّ الأظهر الاكتفاء بما ذكره المرتضى من نتره من أصله إلى طرفه ثلاث مرات ، لما رواه الشيخ في الصحيح ، عن‌

__________________

(١) نقله عنه في المختلف : ( ٣٢ ، ٤٢ ) ، والمنتهى ( ١ : ٨٥ ).

(٢) السرائر : (٢١).

(٣) المبسوط ( ١ : ٢٩ ) ، الجمل والعقود ( الرسائل العشر ) : (١٦١).

(٤) المبسوط ( ١ : ١٧ ).

(٥) النهاية : (١٠).

(٦) المختصر النافع : (٨).

(٧) نقله عنه في المنتهى ( ١ : ٤٢ ).

٣٠٠