🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

يمكن أن يحدث من الحوادث ما يصير تأخير البيعة واجبا لا جائزا ، فكيف جاز منه الإقدام على إطلاق الأمر بقتلهم؟ وهم كانوا من أعيان الصحابة عند أكثر المسلمين ، ما هذا إلا الاستخفاف بالدين.

وذكر إبراهيم بن محمد الثقفي في الجزء الثالث من كتاب المعرفة بروايته عن رجال الأربعة المذاهب قد وحا كثيرة وطعونا عظيمة في الخمسة الذين ضمهم عمر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام في الشورى وكلها قدوح في دين هؤلاء الخمسة وفي أنسابهم ، فلينظر كل من شك في ذلك إلى الكتاب المذكور.

ومن طرائف مناقضتهم في كثير من أفعالهم وأقوالهم ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من المتفق عليه من مسند عمر بن الخطاب عن ابن عمر من رواية سالم عنه قال : دخلت على حفصة ونوساتها تتنظف فقالت : أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال : قلت : ما كان ليفعل. قالت : إنه فاعل. قال : فحلفت أن أكلمه في ذلك ، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه قال : فكنت كأنما أحمل بيميني حبلا ، حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس وأنا أخبره ، قال : ثم قلت له : أني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك ، زعموا أنك غير مستخلف وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد قال : فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال : إن الله عز وجل يحفظ دينه وأني لئن لا أستخلف ، فإن رسول الله " ص " لم يستخلف ، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف قال : فوالله ما هو إلا ذكر أن رسول الله " ص " وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله أحدا وأنه غير مستخلف (١).

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٤٥٥.

٤٨١

(قال عبد المحمود) : أنظر رحمك الله في هذا الحديث الصحيح عندهم ففيه عدة طرائف.

فمن طرائفه إقرار عبد الله بن عمر وشهادته أن العقول تقتضي أن المتولي لأمور إذا تركهم بغير وصية إلى من يقوم مقامه يكون قد ضيعهم ، وقد شهدوا على رسولهم أنه قبض ولم يستخلف وضيع أمور الناس ، وفي ذلك ما فيه.

ومن طرائفه شهادته على أبيه إن هذا القول وافقه واستصلحه ثم عدل عنه. ومن طرائفه قول عمر إن الله يحفظ دينه وما في هذا القول من المغالطة ، أتراه يريد إن الله يحفظ دينه وإن لم يكن للناس راع وسائس أم لا بد من راع وسائس ، فإن كان يحفظ دينه من غير راع وسائس فقد ذم أبا بكر حيث نص عليه وذم نفسه حيث عين ستة أنفس ، فإن كان لا بد من سائس فقد عابوا على نبيهم إذا كان قد ترك الأمة بغير راع وسائس كما زعموا.

ومن طرائفه قوله ما يستخلف ، وليت شعري كيف يكون الاستخلاف؟ فإن عمر وإن كان قد خالف تدبير رسولهم وتدبير أبا بكر فإنه أيضا استخلف وأوصى وعين الخلافة في ستة نفر ويقلد الأمر حيا وميتا وزاد على ذلك أنه عرض الإسلام للفتنة.

ومن طرائفه التنبيه على أن الشورى كانت سبب الاختلاف بين المسلمين وافتراقهم ، والشاهد على ذلك ما ذكره جماعة من أهل التواريخ والعلماء ، وذكره ابن عبد ربه في كتاب العقد في المجلد الرابع عند ذكره أن معاوية سأل ابن حصين فقال له معاوية : أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين وجماعتهم وفرق ملأهم وخالف بينهم؟ فقال : نعم قتل الناس عثمان قال : ما صنعت شيئا قال : فمسير علي إليك وقتاله إياك قال : ما صنعت شيئا قال : ما عندي غير هذا

٤٨٢

يا أمير المؤمنين قال : فأنا أخبرك أنه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهوائهم إلا الشورى التي جعلها عمر في ستة نفر.

ثم فسر معاوية ذلك في آخر الحديث فقال ما هذا لفظه : فلم يكن من الستة رجل إلا رجاها لنفسه ورجاها لقومه ، وتطلعت إلى ذلك نفسه ، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك اختلاف (١).

(قال عبد المحمود) : فأراهم قد شهدوا أن عمر كان سبب المنع لنبيهم من الصحيفة التي أراد أن يكتبها لهم عند وفاته حتى لا يضلوا بعده أبدا وكان عمر سبب ضلال من ضل منهم لما تقدم شرحه ، وقد شهدوا عليه الآن إن ما عمله في الشورى كان سبب افتراق المسلمين واختلافهم فقد صار أصل الضلال وفرعه في الإسلام من عمر على ما شهد به علماؤهم.

ومن طرائف مناقضاتهم أنهم رووا السقيفة مع المهاجرين والأنصار أن الأئمة من قريش، وقد روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس في مسند عمر بن الخطاب إن أبا بكر قال ذلك اليوم : ولن يعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش.

ثم رووا في كتبهم أن عمر يترك هذه الموافقة لأبي بكر يوم السقيفة ، وقال يوم الشورى لما ذكر أصحاب الشورى وذم كل واحد بشئ يكرهه وقال : لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما تخالجني فيه الشكوك ، ومن المعلوم بلا خلاف أن سالما ما كان من قريش ، فكيف هذه المناقضة في الأحوال والاختلاف في الأفعال؟ وقد ذكر النظام في كتاب الفتيا حديث المناقضة في ذلك.

ومن طرائف ما رأيت في كتب المسلمين وقد ذكره عالم من علمائهم يقال قطب الدين الراوندي في كتاب منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة قال : إن

__________________

(١) العقد الفريد : ٢ / ٢٠٣ ط مصر.

٤٨٣

عمر لما نص على ستة أنفس استصلحهم للخلافة بعده فقال : إن اختلفوا فالحق في القوم الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فقال العباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام : ذهب الأمر منا لأن عبد الرحمن كانت بينه وبين عثمان مصاهرة وأمور توجب أنه لا يختار عليه أحدا فقال علي عليه السلام للعباس : أنا أعلم ذلك ولكن أدخل معهم في الشورى لأن عمر قد استصلحني الآن للأمة وكان من قبل يقول إن رسول الله " ص " قال النبوة والإمامة لا يجتمعان في بيت واحد وإني لأدخل معهم في ذلك ليظهر إنه كذب نفسه لما رأى أولا ، وذكر مقالة العباس مع علي عليه السلام وجوابه أحمد بن أبي طاهر الكاتب.

ومن طريف مناقضاتهم العجيبة ومباهتاتهم الغريبة أنهم قد ذكروا عن خليفتهم عمر ما قد تقدم ذكر بعضه من الحوادث المخالفة لشريعة نبيهم ولتدبير العقلاء ومع ذلك كله فإن جماعة كثيرة من المسلمين يسمونه بعمر الفاروق ، ويصفونه بذلك على رؤوس الأشهاد والمنابر ، ويعنون أنه فاروق بين الحق والباطل ولا يستحيون من هذا التناقض الهائل.

ومن طريف المناقضة منهم في ذلك أنهم لا ينحصرون هذا الاسم في نبيهم الذي اتفقوا على أنه فاروق عند جميع المسلمين ، أو في علي بن أبي طالب عليه السلام وقد تقدم رواياتهم بأنه فاروق بين المؤمنين والمنافقين وبين أمور كثيرة في أمر الدنيا والآخرة ، وتواتر أخبارهم يشهد أن عليا عليه السلام فاروق بين الحق والباطل ببيانه ولسانه وسيفه وسنانه.

في طرائف خلافة عثمان

ومن طرائف الأمور شهادة من شهد منهم بصحة خلافة عثمان بن عفان ، وهي مبنية على خلافة عمر وعبد الرحمن ، أما عمر فإنهم قد ذكروا عنه أنه

٤٨٤

خالف في تدبير الخلافة رسولهم محمدا " ص " وأبا بكر الذي كان أصل خلافته فكيف تثبت له وصية الخلافة مع هذه المخالفة؟ وأيضا فقد ذكروا عنه ما قد تقدم شرح بعضه من هدم كثير من شريعة نبيهم ونقضه أركان شريعته ، فكيف يصح وصيته بالخلافة لسواه ، وهو على ما ذكروه من الذم الذي شرحنا بعضه عنهم ورويناه ومن شهدوا عليه أنه على صفات لا تصح خلافته في نفسه ، فكيف يكون وصيته موجبة لخلافة غيره؟ إن هذا من البهت الشنيع والاختلاط البديع وإذا كانت خلافة عثمان على هذا الأساس الخراب كيف تصح له خلافته عند ذوي الألباب.

ومن طرائف فساد الأذهان والأديان تعويلهم بعد هذا على ما دبره عبد الرحمن لعثمان بن عفان ، وقد تقدمت روايتهم في مسند المغيرة بن شعبة أن عبد الرحمن ما رعا حرمة نبيهم في حياته وأنه عزل رسولهم عن مقام صلاته ولم يصبر عليه حتى يتوضأ للصلاة ، وقد كان عند عبد الرحمن من الجهل وسوء النظر والتصرفات إلى الحد الذي ذكرناه ، فكيف يصلح هذا للخلافة أو لاختيار الخلفاء لولا الغفلة الشديدة التي لا تخفى على العقلاء.

وأيضا فإن عبد الرحمن ما كان من أهل زهادة في الدنيا ولا بصفة من يكون حاكما على سائر المسلمين في شرق الأرض وغربها ويصير رأيه وقوله قائما مقام رأيهم ومشورتهم جميعا ، ليت شعري من جعل ذلك له ومن أثبت له هذا المقام وهو قد أقر على نفسه أنه لا يصلح للخلافة أو كان يصلح وغش المسلمين وعزل نفسه ، فكيف يكون زاهدا في الدنيا ومأمونا على اختيار الخلفاء قائما مقام سائر المسلمين.

وقد ذكر أصحاب التواريخ وصاحب كتاب الإستيعاب أنه لما مات قسمت تركته على ورثته وكان له ثلاث زوجات وقيل أربع ، فأصاب كل واحدة منهن

٤٨٥

عن ربع الثمن أو ثلثه ثلاثة وثمانين ألف دينار (١).

فهل يقبل العقل أن رجلا من الرعايا من عرض المسلمين يدعي له عاقل زهدا أو ورعا أو صلاحا وقد خلف تركة يبلغ ربع ثمنها ثلاثة وثمانون ألف دينار ، أين هذا من شمائل الزهاد والأخيار من هذا الاحتكار للدنيا والبخل بها والجمع لها والمنافسة فيها ، أما لهؤلاء عقل ينفعهم أو دين يردعهم عن هذه المناقضات المتراكمة والروايات المتضادة.

ومن طرائف صحيح ما شهد به العقلاء على نقص عبد الرحمن وذموه بذلك ما ذكره الغزالي الذي يذكرون أنه حجة الإسلام في كتابه المسمى بإحياء علوم الدين في المجلد الثاني من المهلكات في كتاب ذم البخل وذم حب الدنيا إن عبد الرحمن أثنى عليه كعب الأحبار فبلغ ذلك أبا ذر ـ الذي قال فيه نبيهم ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ولا خلاف بين المسلمين في صلاح أبي ذر ـ قال : فغضب أبو ذر من ذلك وأخذ عظما وتبع كعب الأحبار ليعزره ويؤدبه على شكره عبد الرحمن ، ولم ينكر على أبي ذر أحد في ذلك ، فصار كالإجماع من المسلمين على ذم عبد الرحمن وذم من يمدحه(٢).

ومن طريف ما يدل على اختلاط عبد الرحمن أو تعمده لترك الصواب ما أحدثه في الشورى من قبيح الأسباب ، فمن ذلك أنه بنى الأمر على أن يخلع أحد الستة الأنفس نفسه من الخلافة ويختار خليفة وألجأهم هو وأتباعه على ذلك ، وما كان ذلك إنصافا ولا حقا ولا عدلا ، لأنه يمكن أن يكون فيهم من يعتقد أنه لا يقوم أحد مقامه في الخلافة بل قد كان فيهم من يعتقد ذلك ، فما كان يجوز لذلك أن يخلع نفسه ويختار غيره ، وما جاز لعبد الرحمن أن يكلفهم ذلك ولا يلزمهم أبدا

__________________

(١) الإستيعاب : ٢ / ٣٩٦ هامش الإصابة.

(٢) إحياء علوم الدين : ٣ / ٢٦٦.

٤٨٦

ومن ذلك أن هذا ما تضمنه وصية عمر التي عولوا عليها في تعيين أصحاب الشورى ، فقد خالف عبد الرحمن الحق والعدل وخالف وصية عمر فكيف يصح تعيينه لعثمان.

ومن ذلك أنه اختص هو وانفرد بالاختيار وحده ولم يجعل عمر أيضا لأحد من الشورى أن ينفرد بالاختيار وحده ولا أن يرضى بالانفراد في ذلك ، ثم ولو كان عبد الرحمن يكفي عند عمر في اختيار خليفة للمسلمين كان قد اقتصر عليه ولم يحتج إلى تعيين ستة أنفس ، فلا لما رووه من أمر نبيهم لهم باتباع أهل بيته والتمسك بهم امتثلوا ، ولا بوصية خليفتهم عمر عملوا ، ولا إلى ترك وصيته بالكلية بتعيين ستة أنفس ومشاركتهم لسائر المسلمين ومشاورتهم عدلوا ، وكيف يصح خلافة عثمان عندهم وعند من عرف شناعة ما فعلوا.

ومن ذلك أن عبد الرحمن لما تفرد بالعزم على عثمان لم يذكر لأهل الشورى ولا للمسلمين اسم من قد وقع اختياره عليه ، وينظر رأيهم ورأي المسلمين في ذلك.

ومن ذلك أنه بنى الأمر في استخلافه لعثمان على المخادعة والمكر بالجماعة ومن وقف على ما رووه في الشورى عرف ذلك محققا.

عثمان يأمر برجم امرأة لا تستحق الرجم

ومن طرايف ما شهدوا به على عثمان بعد استخلافه ما ذكره مسلم في صحيحه في الجزء الخامس أوايله على حد كراسين من النسخة المنقول منها في تفسير سورة الأحقاف إن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر فذكر ذلك لعثمان بن عفان فأمر برجمها ، فدخل علي عليه السلام فقال إن الله عز وجل يقول " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " وقال تعالى " وفصاله في عامين " قال : فوالله كنا عند

٤٨٧

عثمان إن بعث إليها فردت (١).

(قال عبد المحمود) : ما هذه إلا جرأة عظيمة من عثمان أنه يأمر بقتل امرأة مسلمة متعمدا مع عدم علمه بإباحة ذلك ، وهلا تبين أو سأل ، أين الورع والاستظهار للدين أو الاحتياط في حفظ دماء المسلمين ، أما سمع إن عمر أراد مثل ذلك فعرفه علي بن أبي طالب عليه السلام حقيقة شرعهم في ذلك وقد تقدمت روايتهم في هذا ، أما كان عثمان في المدينة في تلك الواقعة الشايعة والحادثة الذايعة.

نهى عثمان عن متعة الحج

ومن طرائف ما ذكروه أيضا عن عثمان واستخفافه بالشرائع والأديان ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع الصحيحين في الحديث السابع من مسند علي بن أبي طالب عليه السلام عن مروان بن حكم من رواية على الحسين عن سعيد بن المسيب أنه شهد عثمان وعليا بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما وقال : لبيك بعمرة وحجة فقال عثمان : تراني أنهى الناس وأنت تفعله قال : ما كنت لأدع سنة رسول الله " ص " لقول واحد (٢).

(قال عبد المحمود) : أنظر إلى إنكار علي عليه السلام على عثمان وشهادته جهارا إن المتعة في الحج هي سنة رسول الله " ص " ولا. ولا يقول له إنه قد أباح رسولهم غير التمتع في الحج في تلك الحجة ثم انظر مع هذا كيف أقدم

__________________

(١) رواه مالك في الموطأ : ١٦٨ ـ ١٦٩ ، والطبري في تفسيره.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٨٩٧ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ١٥١.

٤٨٨

عثمان على البدعة في شريعة نبيهم وتغييرها ثم إنكاره على من عمل بسنة رسولهم ، ثم تعجب من أولئك المسلمين الحاضرين كيف لم ينكروا جميعا على عثمان قولا وفعلا ، إن هذا مما يتعجب منه العاقل وينفر منه.

ومن طريف الأمور أن عثمان يقبل قول علي بن أبي طالب عليه السلام في ترك رجم الحامل المقدم ذكرها ويخالفه في متعة الحج ، وقد عرف أنها سنة نبيهم ، إن هذا من بديع استخفاف عثمان بالشرائع والأديان.

عثمان أتم الصلاة بمنى أربعا

ومن طرائف إقدام عثمان على مخالفة رسولهم في شريعته ومخالفة أبي بكر وعمر في سيرته ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر قال : صلى النبي " ص " صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدرا من خلافته ثم أتمها أربعا ، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا ، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (١).

وذكر الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند عبد الله بن مسعود في الحديث الرابع عشر عن عبد الرحمن بن يزيد ـ وهو أخو الأسود ـ قال : صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات ، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال : صليت مع رسول الله " ص " بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، فليت حظى من أربع ركعات ركعتان متقبلتان ، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن مسعود (٢).

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٨٢ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٣٤.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٨٣ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٣٥ ، وأحمد بن حنبل في مسنده : ١ / ٣٧٨ و ٤٢٥.

٤٨٩

وذكر الحميدي في كتابه أيضا في مسند حارثة بن وهب الخزاعي في الحديث الأول قال : صلى بنا النبي " ص " بمنى والناس أكثر ما كانوا ، فصلى ركعتين (١).

ثم ذكر الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أبي جحيفة وهب بن عبد الله في الحديث الثاني من المتفق عليه ، وفي مسند عبد الله بن عباس في الحديث السادس عشر من أفراد مسلم ، وفي مسند أنس بن مالك في الحديث السابع والثلاثين بعد المائة ، وفي غير ذلك من الأسانيد عدة روايات عن نبيهم يتضمن أن الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر أربع ركعات (٢).

(قال عبد المحمود) : أما يتعجب العقلاء من هذا عثمان خليفة عبد الرحمن كيف يقدم على تغيير شريعة نبيهم وسيرة أبي بكر وعمر وتجاهره بذلك بين المسلمين! إن هذا من عجيب ما عرفناه وسمعناه ، ليت شعري ما عذر أتباعه في تزكيته وإمامته مع ما قد شهدوا عليه أنه مبدع ، وكيف ارتضوه وكيف يثق عاقل بروايات قوم كانوا بهذه الصفات ويستهزؤون بالإسلام إلى هذه الغايات.

قول عثمان إن في القرآن لحنا

ومن طرائف ما ذكروه عن عثمان من سوء إقدامه على القول في ربهم ورسولهم ما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى " إن هذان لساحران " (٣) روى عن عثمان أنه قال : إن في المصحف لحنا واستسقمه العرب بألسنتهم فقيل له :

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٨٤ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٣٥.

(٢) راجع صحيح مسلم : ١ / ٤٧٨ ـ ٤٨١.

(٣) طه : ٦٣.

٤٩٠

ألا تغيره؟ فقال : دعوه فإنه لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا ، وذكر نحو هذا الحديث ابن قتيبة في كتاب المشكل في تفسير قوله " إن هذان لساحران ".

(قال عبد المحمود) : كيف جاز لأولياء عثمان نقل مثل هذا الحديث عنه ، وليت شعري هذا اللحن في المصحف ممن هو؟ إن كان عثمان يذكر أنه من الله فهو كفر جديد لا يخفى على قريب ولا بعيد ، وإن كان من غير الله فكيف نزل كتاب ربه مبدلا مغيرا. لقد ارتكب بذلك بهتانا عظيما ومنكرا جسيما.

ومن طريف ذلك قوله إنه لا يحلل حراما ولا يحرم حلالا إذا كان كتاب ربهم بينهم أمانة من الله ورسوله أما يجب عليهم أن يؤدوها كما ائتمنوا عليها ، وكتابهم يتضمن " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ومن المعلوم في دين الإسلام إن من نقل القرآن ملحونا فإنه يكون قد كذب على الله بالنقل ، وقد تضمن كتابهم " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " (١).

ثم قد رووا فيما نقلناه عنهم في هذا الكتاب عن صحاحهم أن نبيهم قال : من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار. فإذا كان هذا حال من كذب عليه فكيف يكون حال من كذب على الله ورسوله ، وإذا كان يجب عليهم نقل كتابهم وتلاوته كما سمعوه من نبيهم فكيف لا يكون تركه على خلاف ذلك حراما ، وإذا كان عثمان لا يؤدي الأمانة في كتاب ربهم ولا يراقبه ولا يراقب رسوله ولا يستحيي من المسلمين في ذلك كيف يكون مأمونا على دماء سائر أهل الإسلام وأموالهم وما بينهم من الوقائع التي يكاد يخلو من اختلاف أغراض الأنام.

حال عثمان عند خواص الصحابة

ومن طرائف ما بلغ إليه حال عثمان من النقص عند خواص الصحابة ، ما

__________________

(١) الزمر : ٦٠.

٤٩١

رواه مسلم أيضا في المجلد الثالث من صحيحه عن همام بن الحارث أن رجلا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلا ضخما ، فجعل يحثوا في وجهه الحصباء فقال له عثمان : ما شأنك؟ فقال : إن رسول الله " ص " قال : إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب (١). هذا لفظ الحديث.

(قال عبد المحمود) : في هذا الحديث عدة طرائف.

فمن طرائفه أن الصحابة قد كان يمدح بعضهم بعضا وما نقل عن أحد منهم أنه حثى في وجه المادحين التراب ، فلولا أن عثمان ما بلغ إلى حال من النقص لم يبلغ إليه أحد من الصحابة لم يحث التراب في وجه مادحه.

ومن طرائفه أن المقداد ممن أجمع المسلمون على صلاحه وصواب ما يعمله.

ومن طرائفه أن عثمان لما كان عالما إن هذا لم يعمل مع أحد قال للمقداد : ما شأنك؟.

ومن طرائفه أن هذا قد جرى من المقداد وشاع إلى زماننا هذا وما سمعنا إن أحدا من المسلمين أنكر على المقداد ولا خطاه.

ومن طرائفه أن هذا يقتضي أن من مدح عثمان كذا ينبغي أن يحثو التراب في وجهه اقتداء برسول الله " ص " والمقداد الذي أجمع المسلمون على صلاحه.

نزول آيات في عثمان وطلحة ومثالبهما

ومن طرائف ما شهدوا به على عثمان وطلحة ما ذكره السدي في تفسير القرآن في تفسير سورة الأحزاب في قوله تعالى " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ".

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٢٩٧ كتاب الزهد.

٤٩٢

قال السدي : لما توفي أبو سلمة وخنيس بن حذيفة وتزوج رسول الله " ص " بامرأتيهما أم سلمة وحفصة ، قال طلحة وعثمان : أينكح محمد نساءنا إذا متنا ولا ننكح نساءه إذا مات ، والله لو قد مات لقد أجلنا على نسائه بالسهام ، وكان طلحة يريد عائشة وعثمان يريد أم سلمة فأنزل الله " وما كان لكم تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " الآية (١) وأنزل الله تعالى " إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما" (٢) وأنزل " الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا " (٣).

ومن طرائف ما شهدوا به على عثمان وارتداده عن ظاهر الإيمان وإن الله قد شهد عليه بذلك ، ما ذكره السدي أيضا في كتاب تفسيره للقرآن في تفسير قوله تعالى " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين " (٤).

قال السدي نزلت في عثمان بن عفان قال : لما فتح رسول الله " ص " بني النضير وقسم أموالهم قال عثمان لعلي عليه السلام : إئت رسول الله فاسأله أرض كذا وكذا فإن أعطاكها فأنا شريكك فيها ، أو آتيه أنا فاسأله إياها فإن أعطانيها فأنت شريكي فيها ، فسأله عثمان فأعطاه إياها فقال له علي فاشركني فأبى عثمان الشركة فقال : بيني وبينك رسول الله " ص " ، فأبى أن يخاصمه إلى النبي " ص " فقيل له : لم لا تنطلق معه إلى النبي؟ فقال : هو ابن عمه فأخاف أن يقضي له ، فنزل قوله تعالى " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن لم يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم

__________________

(١) الأحزاب : ٥٣ و ٥٤.

(٢) الأحزاب : ٥٣ و ٥٤.

(٣) الأحزاب : ٥٧.

(٤) النور : ٤٧.

٤٩٣

ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون " (١) فلما بلغ عثمان ما أنزل الله فيه أتى النبي " ص " فأقر لعلي بالحق وشركه في الأرض.

ومن طرائف ما شهدوا به على طلحة وعثمان من شكهما في الإسلام وشهادة الله عليهما بالكفر بعد إظهار الإيمان ما ذكره السدي في كتاب تفسيره في تفسير قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " (٢).

قال السدي لما أصيب أصحاب النبي " ص " بأحد قال عثمان : لألحقن بالشام فإن لي به صديقا من اليهود يقال له دهلك فلآخذن منه أمانا فإني أخاف أن يدال علينا اليهود ، وقال طلحة بن عبيد الله لأخرجن أي الشام فإن لي صديقا من النصارى فلآخذن منه أمانا فإني أخاف أن يدال علينا النصارى قال السدي فأراد أحدهما أن يتهود والآخر أن يتنصر قال : فأقبل طلحة على النبي " ص " وعنده علي بن أبي طالب عليه السلام فاستأذنه طلحة في المسير إلى الشام وقال : إن لي بها مالا آخذه ، ثم انصرف فقال له النبي " ص " عن مثل هذا الحال تخذلنا وتخرج وتدعنا ، فأكثر على النبي " ص " من الاستيذان فغضب علي فقال يا رسول الله ائذن لابن الحضرمية فوالله ما عز من نصر ولا ذل من خذل فكف طلحة عن الاستيذان عند ذلك فأنزل الله عز وجل فيهم " ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم " (٣) يعني أولئك يقول إنه يحلف لكم إنه مؤمن معكم فحبط عمله بما دخل فيه من أمر

__________________

(١) النور : ٤٨ ـ ٥٠.

(٢) المائدة : ٥٧.

(٣) المائدة : ٥٣.

٤٩٤

الإسلام حين نافق فيه.

(قال عبد المحمود) : وفي كتاب تفسير السدي أشياء عجيبة تشهد بتزكية فرقة الشيعة والطعن على من خالفها تركنا ذكرها خوف الإطالة فمن أرادها فليقف عليها هناك.

ومن أراد البسط تقدم ذكره في ظلم علي بن أبي طالب عليه السلام والتقدم عليه وشرح عيوبهم وخاصة عيوب عثمان بن عفان فعليه بتاريخ الثقفي وتاريخ الواقدي.

ومن طرائف ما بلغوا إليه من ذم أصل طلحة بن عبيد الله وطعنهم في نسبه وكونهم جعلوه ولد زناء ما ذكره جماعة من الرواة ، وذكره أيضا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب المثالب فقال : وذكر من جملة البغايا من ذوي الرايات صعبة فقال : وأما صعبة فهي بنت الحضرمية كانت لها راية بمكة واستبضعت بأبي سفيان فوقع عليها أبو سفيان وتزوجها عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم فجاءت بطلحة بن عبيد الله لستة أشهر فاختصم أبو سفيان وعبيد الله في طلحة فجعلا أمرهما إلى صعبة فألحقته بعبيد الله

فقيل لها : كيف تركت أبا سفيان؟ فقالت يد عبيد الله طلقة ويد أبي سفيان كرة ، فقال حسان بن ثابت وعاب على طلحة يقول :

فيا عجبا من عبد شمس وتركها أخاها

زنايا بعد ريش القوادم

ثم ذكر صاحب كتاب المثالب المشار إليه هجاءا لبني طلحة بن عبيد الله من جملته :

فاصدقونا قومنا أنسابكم

وأقيمونا على الأمر الجلي

لعبيد الله أنتم معشري

أم أبي سفيان ذاك الأموي

٤٩٥

وذكر أيضا في الكتاب المذكور ما هذا لفظه : وممن كان يلعب به ويتخنث عبيد الله أبو طلحة ابن عبيد الله.

(قال عبد المحمود) : ألا تعجب من قوم شهدوا على قوم بهذه الشهادات ثم زكوهم وبلغوا بهم غاية عظيمة من المدح وقاتلوا معهم علي بن أبي طالب عليه السلام المشهود له بما ذكر من جميل الصفات.

ومن طرائف عثمان ما ذكره صاحب لطائف المعارف واسم صاحب الكتاب القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد بن طاهر يقول فيه ذكر أشياء التي أحدثها حتى نقموا منه : منها ضربه عبد الله بن مسعود وإنه كان سبب موته (١).

ومنها ضربه عمار بن ياسر حتى اندق ضلع من أضلاعه وغشي عليه الغشية التي ترك منها الصلاة.

ومنها أنه وهب خمس إفريقية لمروان بن حكم ومبلغه خمسمائة ألف درهم.

ومنها كتابه الذي وجه بخطه وختمه في المصريين يأمر بقطع أيديهم.

ومنها تيسيره لأبي ذر الغفاري من دار هجرته إلى الربذة.

ومنها دفعه إلى الحكم بن العاص في دفعة واحدة مائتي ألف درهم.

ومنها استعماله الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخاه لأمه على الكوفة وصلاته بهم الغداة وهو سكران وقال لهم أزيدكم.

وقد ذكر صاحب الكتاب المذكور أشياء يطول ذكرها ومن أرادها فليقف عليها في الكتاب المذكور.

في اختيار عثمان القتل على خلع نفسه

ومن طرائف ما اجتمع عليه علماء الإسلام وخالفهم عثمان أنه يجوز إظهار

__________________

(١) راجع الغدير : ٩ / ٤ و ١٥.

٤٩٦

كلمة الكفر مع الخوف على النفس ، وكتابهم ينطق بذلك في قوله تعالى " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " (١).

وذكر علماء الأربعة المذاهب وغيرهم أنه لما اجتمع المسلمون على خلع عثمان من الخلافة قالوا له : إما أن تخلع نفسك أو نقتلك ، فاختار القتل على خلع نفسه وقال : لا أخلع قميصا ألبسنيه الله.

فيدل ذلك على أن خلع الإنسان لنفسه من الخلافة عند عثمان أعظم من إظهار كلمة الكفر ، والعجب من قوله ألبسنيه وقد علم هو وأهل العلم والتواريخ إنما ألبسه إياه عبد الرحمن بن عوف ، ثم قد رووا بلا خلاف بينهم أن أبا بكر قام على المنبر وقال : أقيلوني فلست بخيركم وفعل ذلك من غير إكراه أحد له على الخلع ولا خوف من القتل.

وهذا يدل على تخطئة عثمان أو أبي بكر وإن أبا بكر قد وقع منه أعظم من الكفر باستقالته من الخلافة على مذهب عثمان ، أو يكون عثمان قد ألقى بنفسه إلى الهلاك الذي تضمن كتابهم النهي عنه فقال " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (٢).

ومن طريف وعجائبه قولهم لعثمان أخلع نفسك وقول أبي بكر أقيلوني لأنه إن كان خلع الخليفة من الخلافة إلى الأمة ، فلأي حال قالوا لعثمان اخلع نفسك وقد كان يجب أن يخلعوه ، وإن كان الخلع إلى الخليفة فلأي حال يقول أبو بكر أقيلوني بل كان ينبغي أن يستقيل بنفسه ويقعد عن الخلافة وهذا يدل على ما يقال من الاختلاط والاختلال.

ومن طريف عصبية القائلين بخلافة عثمان أنهم قد علموا أن أهل المدينة

__________________

(١) النحل : ١٠٦.

(٢) البقرة : ١٩٥.

٤٩٧

وكثيرا ممن حضرها كانوا لما قتل عثمان بين معين قتله أو مظهر للرضي بقتله أو خاذل له ومستبيح لدمه ، حتى أنه ذكر علماء التواريخ وصاحب كتاب الإستيعاب أن عثمان بقي بعد قتله ثلاثة أيام لا يستحل أحد دفنه ولا يقدم على ذلك خوفا من المهاجرين والأنصار (١). ثم يزعم بعضهم أن هذا الاجماع لا يقتضي استحقاق عثمان القتل ولا خلعه من الخلافة ويبايعه في اليوم الأول عبد الرحمن كما تقدم ذكره فيصير خليفة وإماما ، إن هذا من قبيح الاعتقاد وفضيح العناد.

ومن طريف ذلك أن يكون مبايعة عمر وأبي عبيدة لأبي بكر حجة على خلافته ، ولم يكن إجماع أهل المدينة وكثير من أعيان أهل الإسلام على خلع عثمان وقتله قادحا في خلافته ولا ارتداده ولا نقصه ، إن هذا من البهتان الذي لا يجوز أن يستحسنه هل الأديان.

تسمية عثمان ذا النورين وعدم تسمية على ذا النور ونسب عثمان

ومن طرائف عصبية بعضهم لعثمان أنهم يسمونه بعد هذا الاجماع على خلعه وقتله واستحلال دمه ذا النورين أي أنه تزوج بابنتي رسولهم ، مع اختلاف الناس في أن اللتين تزوج بهما هل كانتا ابنتي رسولهم أو ربيبتين لخديجة ورباهما نبيهم ، ويكون علي بن أبي طالب عليه السلام قد تزوج بفاطمة سيدة نساء العالمين بلا خلاف بينهم وولد منها الحسن والحسين عليهما السلام وهما سيدا شباب أهل الجنة كما شهدوا ، ويكون علي عليه السلام أيضا أول هاشمي ولد من هاشميين وإنه أحد الثقلين المقدم ذكرهما ، ومع ذلك كله فلا يكون

__________________

(١) الإستيعاب : ٣ / ٨٠.

٤٩٨

علي بن أبي طالب عليه السلام ذا النورين ولا ذا النور ، إن ذلك من طرائف العصبية وسوء الأغراض الدنيوية.

ومن طرائف ما بلغوا إليه من الطعن في أصل عثمان ونسبه ما رواه علماؤهم وذكره أبو المنذر هشام بن محمد بن السايب الكلبي في كتاب المثالب ما هذا لفظه : وممن كان يلعب به ويتخنث ، ثم ذكر من كان كذلك قال : وعفان بن أبي العاص بن أمية ثم قال : وفي عفان بن أبي العاص يقول عبد الرحمن بن حنبل يعير عثمان بن عفان وكان عفان يضرب بالدف :

زعم ابن عفان وليس بهازل

إن الفرات وما حواه المشرق

خرج له من شاء أعطى فضله

ذهبا وتيك مقالة لا تصدق

أنى لعفان أبيك سبيكة

صفرا فاطعم العتاب الأزرق

وورثته دفا وعودا يراعة

جوعا يكاد بلبسها يستنطق

يودنا لو كنت تأتي مثله

فيكون دف فتاتكم لا تفتق (١)

(قال عبد المحمود) : أنظر إلى هذا الذم القبيح فكيف رضوا مثل هذا أن يكون نائبا لله ولرسوله ومقدما على بني هاشم وسائر المسلمين لولا الغفلة الشديدة على الراضين به.

مطاعن معاوية بن أبي سفيان

ومن طرائف عصبية كثير من المسلمين وجهلهم بأمور الدين رضاهم بخلافة معاوية بن أبي سفيان واعتقادهم بصحة خلافته ، وقد عرفوا أن أصلها المغالبة والقتال مع علي عليه السلام الذي هو بلا خلاف بينهم من العظماء من

__________________

(١) هذه الأشعار موجودة في المطبوعة والمخطوطة والترجمة وفي هامش الترجمة أن هذه الأشعار موجودة في خمس نسخ ولكنها لا تقرأ.

٤٩٩

الخلفاء الراشدين ، وقتل معاوية للصحابة والأخيار والصالحين وسيرته بسيرة الجبابرة واستخفافه بأمور الإسلام والدنيا والآخرة.

ومن طريف ما رأيت من ذم معاوية لعمر بن الخطاب وإنه أحق بالخلافة منه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الثامن من أفراد البخاري قال : دخلت على حفصة ونوساتها تنظف ، قلت : قد كان من أمر الناس ما ترين ولم يجعلوا لي من الأمر شيئا. فقالت : ألحق فإنهم ينتظروك وأخشى أن يكون في احتسابك عنهم فرقة فلم تدعه حتى ذهب ، فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه ، ثم ذكر الحميدي أن عبد الله بن عمر أراد أن يجيب معاوية عن ذلك فأمسك الجواب.

(قال عبد المحمود) : فإذا كان معاوية يتغلب على الخلافة بقتال الخليفة بالحق علي بن أبي طالب عليه السلام وبقتال بني هاشم وأعيان الصحابة والتابعين واستباحته لمحارم الدنيا والدين ، ويزعم مع ذلك أنه أحق بالخلافة من عمر ابن الخطاب ، فقد خرج بهذه الأسباب عن مذاهب علماء الإسلام ، فمن أين يبقى له إسلام أو خلافة عند ذوي الأفهام.

ومن طريف شهادتهم على ضلال معاوية ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبي سعيد الخدري في الحديث السادس عشر من أفراد البخاري قال : إن رسول الله " ص " قال : ويح لعمار تقتله الفئة الباغية يدعو هم إلى الجنة ويدعونه إلى النار (١) ، فقتله معاوية وعمار من أصحاب علي عليه السلام.

وذكر ذلك محمود الخوارزمي في كتاب الفائق في باب سائر معجزات نبيهم فقال : أنه قال لعمار : ستقتلك الفئة الباغية ، فقتله أصحاب معاوية. قال

__________________

(١) البخاري في صحيحه : ١ / ١١٥ ، ورواه مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٢٣٦.

٥٠٠