🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

مختارين قطعا على سائر الأسباب وهذا واضح لذوي الألباب.

وقال الغزالي في المجلد الثامن من الإحياء في كتاب النية والإخلاص ما هذا لفظه : بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار (١) ، ثم شرع يستدل على صحة هذا المقال وهذا موافقة لأهل العدل بغير إشكال.

وقال : في كتاب حماقة أهل الإباحة في الجواب عن شبهتهم الأولى ما هذا لفظه : فإن الله تعالى ما كلفنا لأجل أن ينتفع بذلك ، بل لأجل انتفاعنا نحن بذلك. وضرب الغزالي لذلك مثل الطبيب والمريض ، ثم قال : وكذا الرب تعالى أمرنا بالطاعة ونهانا عن المعصية للراحة لنا وفائدة راجعة إلينا وهو مقدس منزه عن أفعالنا طاعة كانت أو معصية.

أقول : أما تراه عند ترك المعصية كيف يشهد بتنزيه الجلالة الإلهية من أفعال العباد؟ وهذا واضح لمن ترك منهم سبيل المكابرة والعناد وكان من أهل السداد وقد تقدم من الرد أهل هذه الاعتقادات ما في بعضه كفاية وشفاء لأهل العقول والديانات فاعتبر ما قلناه وقدمناه واحفظ نفسك من تقليد المجبرة وغيرهم ممن ترك الحق والصدق والذي حققناه.

ومن مناظرات أهل العدل للمجبرة ما روي أن ثمامة كان في مجلس المأمون وأبو العتاهية حاضر فسأل أبو العتاهية المأمون أن يأذن له في مناظرة ثمامة والاحتجاج عليه فأذن له ، فحرك أبو العتاهية يده وكان مجبرا وقال : من حرك هذه؟ ثمامة : وكان يقول بالعدل : حركها من أمه زانية. فقال أبو العتاهية شتمني يا مأمون في مجلسك. فقال ثمامة : ترك مذهبه يا مأمون ، لأنه يزعم أن الله حركها فلأي سبب غضب أبو العتاهية وليس لله أم فانقطع أبو العتاهية. ومن عجيب ما تقحم به المجبرة الذين يقولون إنه لا فاعل سوى الله وإن

__________________

(١) إحياء علوم الدين : ٤ / ٣٧٣.

٣٤١

كل فعل أو ترك يقع من العباد فإنه فعل الله على الجملة ، والتفصيل أن يقال لهم قد رحمناكم من شدة مصيبة هذا التفصيل ، ويحكم إن هذا الاعتقاد أقبح نكرا وأوضح كفرا من الذين اعتقدوا أن عيسى وعلي بن أبي طالب عليه السلام الاهان من دون الله ومن الذين عبدوا العجل والأصنام وغيرها من المعبودات لأن أولئك حيث عبدوها عظموها وقبلوا ما توهموا إنه منها وتركوا ما اعتقدوا أن يبعدهم عنها ، وأنتم إذا كنتم على هذا الاعتقاد الفاسد السخيف ، فكل قول أو أمر أو نهي يقع لكم من قوي أو ضعيف فهو أمر الله ونهيه ، فأين امتثالكم لأوامر بعضكم لبعض وترككم لمناهي بعضكم لبعض؟

فإن قلتم أيها المشككون فنحن أيضا إرادتنا وكراهتنا هي إرادة الله وكراهته وفعله ، فيقال لكم : إذا كان الأمر كذلك فسقطت العبادات والأوامر والنواهي وما بقي الوجود مأمور ومنهي ، لأنه كله على قولكم وجهلكم فعل إله واحد ورب واحد.

ومن عجيب ما يقال لهم أيضا : إذا كانت الأفعال كلها التي تقع منكم هي فعل الله على التحقيق ، فقد صار كلامكم وأمركم ونهيكم كالقرآن وكالوحي وكلام الله تعالى لموسى عليه السلام من الشجرة وكلام الأنبياء عن الله وما بينهم وبينكم فرق وحصل القدح في الرسل والطعن على الرسل.

ومن عجيب ما يقال لهم أيضا : إذا كان الأمر كما قلتموه من أن جميع أفعالكم فعل الله تعالى فيكم وليس لكم فعل تختصون به ، فكيف اشتمل الوجود على تابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس ونبي وأمته وإمام ورعيته ، لأنه لا يصح أن يكون الله جل جلاله وذاته واحدة وأفعاله صادرة عنها منقسمة في نفسه وفي أفعاله كانقسام التابع والمتبوع والرئيس والمرؤوس والنبي والأمة والرعية ، ويجتمع في ذاته تابع ومتبوع ورئيس ومرؤوس ونبي وأمته وإمام ورعيته ، أما لكم من

٣٤٢

ينظر في حالكم؟ فإن كنتم متعمدين للضلال أقام عليكم حدود النكال ، أو جاهلين أرشدكم وخلصكم من هذا الهلاك والاهمال ، أو مرضى حملكم إلى المارستان وداواكم من هذا المرض والاختلال.

ومن عجيب الآيات الصريحة في بطلان دعوى المجبرة إنه لا فاعل سوى الله تعالى قوله " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " (١).

وهذا كما ترى تصريح عظيم لا يحتمل التأويل بأن الطاغوت غير الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا والمجبرة تزعم أن الطاغوت هو الله تعالى.

ومن عجيب الآيات الصريحة بتكذيبهم والرد عليهم قوله تعالى " سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آبائنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون " (٢) وهذه دعوى المجبرة بعينها وقد كذبكم تكذيبا صريحا وقال : إن أنتم إلا تخرصون ، وقال الله تعالى " لو استطعنا لخرجنا معكم ثم قال الله يشهد إنهم لكاذبون " (٣) وقوله " ولهم أعمال من دون ذلك هم لها فاعلون.

ومن عجيب جواب بعض العقلاء لما سئل من اعتقاد المجبرة في أنه يجوز أن يكلف الله العباد ما لا يطيقون. فقال العدلي : إذا كلف المولى عبده ما لا يطيق فقد بسط عذره في مخالفته.

ومن عجيب جواب بعض أهل العدل لبعض المجبرة إن المجبر قال له : أنت ما ترضى من خلق المعاصي أن يكون لك ربا فقال : لا والله ولا عبدا ، يعني لو كان لي عبد يخلق المعاصي ما رضيته يكون عبدي ولو عرض علي

__________________

(١) البقرة : ٢٥٧.

(٢) الأنعام : ١٤٨.

(٣) التوبة : ٤٢.

٣٤٣

عبد يعمل المعاصي ويخلقها ما رضيت أن يكون في خدمتي ولا عندي.

(قال عبد المحمود) : ومن الحكايات المأثورة في ذلك ما رواه جماعة من علماء الإسلام عن نبيهم محمد " ص " أنه قال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا. قيل ومن القدرية يا رسول الله؟ فقال : قوم يزعمون أن الله سبحانه قدر عليهم المعاصي وعذبهم عليها(١).

ومن الحكايات المأثورة عن نبيهم محمد " ص " في ذلك ما رواه صاحب الفائق محمود الخوارزمي وغيره من علماء الإسلام عن محمد بن علي المكي بإسناده قال : إن رجلا قدم على النبي " ص " له النبي " ص " : أخبرني بأعجب شئ رأيت. قال : رأيت قوما ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم ، فإذا قيل لهم : لم تفعلون ذلك؟ قالوا : قضاه الله تعالى علينا وقدره ، فقال النبي : سيكون في أمتي أقوام يقولون مثل مقالتهم أولئك مجوس أمتي (٢).

ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما ذكره صاحب كتاب الفائق أيضا وغيره من علماء الإسلام عن جابر بن عبد الله صاحب نبيهم أنه قال : يكون في آخر الزمان قوم يعملون المعاصي ويقولون إن الله تعالى قد قدرها عليهم ، الراد عليهم كالشاهر سيفه في سبيل الله (٣).

ومن الحكايات المذكورة في ذلك ما روي عن القاسم بن زياد الدمشقي أنه قال : كنت في حرس عمر بن عبد العزيز فدخل غيلان فقال : يا أمير المؤمنين إن أهل الشام يزعمون أن المعاصي قضاء الله تعالى وأنك تقول ذلك فقال : ويحك يا غيلان أولست تراني أسمي مظالم بني مروان ظلما وأردها ، أفتراني أسمي قضاء الله ظلما وأرده.

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : فهذا آخر ما رأيت ذكره في هذا الباب.

__________________

(١ ـ ٣) نقله في البحار : ٥ / ٤٧.

٣٤٤

في عقائد المجسمة وردها

وأما حكي عن أحمد بن حنبل الأصفهاني لا الشيباني وقيل إنه مذهب الشيباني أيضا ومن أتبعه وشابهه ممن قال إن الله تعالى جسم لا كالأجسام أو جسم وله جوارح مثل جوارح البشر ، فقد عرفت أن لهم كتابا تصنيف ابن الفراء الحنبلي يذكر جوارح ربهم على التفصيل ، فمن أراد الوقوف عليه فليطلبه من حيث أشرت إليه ، فإنني لا أقدم على شرح ذلك لعظم جرأتهم على الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقد وقفت على كتاب في اعتقاداتهم اسمه كتاب الاعتقاد تأليف أبي إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الإخباري الهروي ، وهو يصرح فيه بأن اعتقادهم إن الله تعالى له جوارح كالبشر فقال ما هذا لفظه : إن الله عاب الأصنام " ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركائكم " (١) وقال حاكيا عن إبراهيم خليله إذ قال لقومه إذ حاجوه " قال هل يسمعونكم إذ تدعون " (٢) وقال لأبيه " لم تعبد ما لا يسمع ولا

__________________

(١) الأعراف : ١٩٥.

(٢) الشعراء : ٧٢.

٣٤٥

يبصر ولا يغني عنك شيئا " (١) وقال عز وجل " إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم " (٢) وقال إبراهيم لقومه " فاسئلوهم إن كانوا ينطقون " (٣) وعاب العجل فقال " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا " (٤) وقال أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا " (٥) فلما عاب الطواغيت بعدم تلك الصفات تبين أنه يمدح بها نفسه وأنها حقائق فيه ، فهذا صورة لفظ صاحب الإعتقادات الحنبلي.

(قال عبد المحمود) : فهؤلاء قد بلغوا غاية عظيمة من الضلال وفارقوا العقول وكتابهم ونبيهم بكل حال ، أما العقول فإنها شاهدة إن كل مركب من الأعضاء فإنه لا بد له ممن يركبه ويؤلفه فيجب أن يكون المركب محدثا فيحتاج إلى صانع قديم أحدثه وألفه ، هكذا يشهد العقول الصحيحة بحدوث المركبات والمؤلفات والمحدودات بالحدودات أو بالجهات.

وأما كتابهم فإنه قال في وصف الله تعالى " ليس كمثله شئ " (٦) وغير ذلك من التنزيه التام ، فلو كان لله أعضاء كما ذكروا كانت لها أمثال كثيرة.

وأما نبيهم محمد صلى الله عليه وآله فلا يحصى أخباره بتنزيه الله وكذلك أخبار عترته المترجمون عنه. وقد تضمن كتاب نهج البلاغة من كلام علي بن أبي طالب عليه السلام طرفا بليغا في تنزيه الله عن صفات المحدثات.

وأما قول صاحب كتاب اعتقاد الحنابلة من أن الله تعالى عاب الطواغيت.

__________________

(١) مريم : ٤٢.

(٢) فاطر : ١٤.

(٣) الأنبياء : ٦٣.

(٤) الأعراف : ١٤٨.

(٥) طه : ٨٩.

(٦) الشورى : ١١.

٣٤٦

فهذا عجيب منه ، لأن الله ليس حديثه في مع الأصنام ولا قصد تعيبها وإنما عاب من عبدها واتخذها آلهة وهي على صفات يستحيل معها أن تكون مستحقة للعبادة ، وكيف يعتقد عاقل أن هذا الكلام الذي ذكره صاحب الاعتقاد عن كتابهم دالا على أن لله رجلا ويدا وعينا وغير ذلك من الأعضاء؟ لأنه تعالى ليس بجسم وما هو مرأي في ذاته أصلا ولا ادعى عاقل أنه رأى الله بأعضاء وجوارح حتى يكون مراده أفلا يرون الطواغيت بغير جوارح وأنا لي جوارح وأعضاء ، ولا يخفى على العاقل إن هذا الكلام خرج على وجه الاستعظام لما فعلوه وقالوه من عبادة الأصنام.

وكيف اقتضت عقولهم أن يعدلوا عن الله مع ظهور دلالته وآياته وحيث عدلوا عن الله فلم يتعوضوا بمن ينفعهم أن عبدوه أو يضرهم إن لم يعبدوه ، ولا بينه وبين الإلهية نسبة ولا يقدر أن ينفع نفسه بيد يبطش بها ولا رجل يمشي بها أو جوارح ينتفع بها أو ينفع غيره ، وكان هذا موضع التعجب والاستعظام.

ومن طريف ما رأيت الذي قد ذكره الحنبلي صاحب كتاب الاعتقاد المشار إليه أنه قال ما هذا لفظه : ولا يقال إن الاسم غير المسمى فإن هذا القول من الالحاد.

(قال عبد المحمود) : إن كان هذا اعتقاد للحنابلة كلهم أو أكثرهم أو اعتقاد هذا المصنف وأتباعه وأمثاله فهذا قول من مريض العقل أو مكابر أو مجنون بالكلية ، لأنه ما يشتبه على أحد من أهل العقول الصحيحة أن الاسم غير المسمى فما أقبح هذه الأحوال وأوضح هذا الضلال.

ومن الطرائف ما وقفت عليه من أخبارهم التي نقلوها في كتبهم المعتبرة عندهم ونقلت بعضها كما وجدته.

فمن طريف ذلك ما ذكره الحميدي في مسند جابر بن عبد الله في الحديث

٣٤٧

الثاني والخمسين من أفراد مسلم من كتاب الجمع بين الصحيحين (من صحيح مسلم والبخاري) عن ابن جريح عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال : نجئ نحن يوم القيامة عن كذا وكذا أنظر أي ذلك فوق الناس قال : فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول ، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول : من تنظرون؟ فيقولون : ننظر ربنا. فيقول : أنا ربكم. فيقولون : حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم بضحك. قال : فينطلق بهم ويتبعونه ، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا ، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ، ثم يطفئ نور المنافقين ، ثم ينجو المؤمنين ـ الخبر(١).

(قال عبد المحمود) : كيف حسن من هؤلاء الذين يدعون أنهم مسلمون أن يرووا مثل هذا الحديث والضحك ربهم ، ثم يجعلونه صحيحا؟ وكيف قبلت عقولهم ذلك؟ والعجب أنهم ربما أسقطوا حديث بعض من يقولون أنه حكي عن فلان ما هو كذب ومع هذا فلا يسقط مثل هذا الحديث الذي يشهد العقول إنه كذب فيه على الله تعالى! وظاهر حالهم إنهم كذبوا على جابر ، فإن حاله في الإسلام كانت أفضل وأكمل من هذا النقصان ، وهذا تصريح منهم بأن الله جسم أو على صفات الأجسام.

ومن طريف هذا أنه قال : إنه يعطي المنافقين نورا ، الذي يشهد كتابهم أنهم في الدرك الأسفل من النار.

ومن طرائف روايتهم ما ذكره أيضا الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين من مسند أبي سعيد الخدري في الحديث الثاني والعشرين من المتفق عليه ورواه عن نبيهم يذكر فيه كيفية تساقط الكفار في النار ، ثم ما هذا لفظه : حتى

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ١ / ١٧٧ ـ ١٧٨.

٣٤٨

إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر ، أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال : فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول : أنا ربكم فيقولون : نعوذ بالله منك نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول : هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها؟ فيقولون : نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا إذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد آنفا أو رياءا إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة ، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ، ثم يرفعون رؤسهم قد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول : أنا ربكم فيقولون : أنت ربنا ـ الخبر (١).

(قال عبد المحمود) : إني لأبكي على هذه العقول ثم أضحك منها وهو على مقتضى الحديث المتقدم في الإشارة إلى أن ربهم جسم وأنهم ينكرونه يوم القيامة ويتعوذون منه ، وهذا من العجائب التي يضحك منها أهل الملل كافة ويزهدون بطريقة الإسلام ، معاذ الله من قوم يصدقون ذلك.

ومن طرائف رواياتهم في ذلك ما ذكره محمد عمر الرازي صاحب كتاب نهاية العقول وهو أعظم علماء الأشعرية في كتاب تأسيس التقديس فقال : إنهم يروون أن الله ينزل كل ليلة جمعة لأهل جنة على كثيب من كافور.

ومن طرائف رواياتهم ما ذكره الرازي في الكتاب المذكور وذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع والتسعين من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك يروونه عن نبيهم ويشهد العقل بأنه ما قاله قالوا أنه قال : لا تزال جهنم تقول : هل من مزيد حتى يضع رب العرش ـ وفي رواية رب العزة ـ قدمه فتقول : قط قط وعزتك ، ويزوي بعضها إلى بعض (٢).

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ١٦٨ ـ ١٦٩.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ٧.

٣٤٩

ومن كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في الحديث الثاني والثمانين بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبي هريرة رواه عن نبيهم قال فأما النار تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فيها فتقول : قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ـ الخبر(١).

ومن كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في مسند أبي هريرة عن نبيهم قال: إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه ، وفي رواية فليتجنب الوجه ، فإن الله خلق آدم على صورته (٢).

(قال عبد المحمود) : أما تعجب العاقل من هذه الأحاديث التي قد نقلوها في صحاحهم ، ومن قوم يذكرون أنهم من المسلمين وقد بلغوا هذه الغاية من تقبيح ذكر رب العالمين ومن إساءة سمعة نبيهم ، وهل بلغ أعداؤهم من تقبيح ذكرهم النبي " ص " إلى ما قد بلغ هؤلاء؟ وما أحسن قول بعض العلماء : عدو عاقل خير من صديق جاهل.

والعجب ممن رأى فساد ظاهر هذه الأخبار لو أرجع الضمير في صورته إلى الله سبحانه كما ظاهرها فاعتذر بأن الضمير راجع إلى آدم وفساده ظاهر.

ومن طرائف رواياتهم ما ذكره الرازي عنهم كتاب في كتاب تأسيس التقديس وذكر أنه رواه صاحب شرح السنة ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين فيمن يخرجه الله من النار ، قالوا عن نبيهم أنه قال : فيسمع أصوات أهل الجنة فيقول : أي رب أدخلنيها فيقول : يا بن آدم يرضيك أن أعطيك الدنيا وما فيها فيقول : أي رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين ـ وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي في بعض روايات هذا الحديث أتسخر بي أو تضحك بي

__________________

(١) نفس المصدر.

(٢) رواه مسلم في صحيحه ٤ / ٢٠١٧.

٣٥٠

وأنت الملك ـ فضحك ابن مسعود وقال : ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا : مم تضحك؟ قال : هكذا ضحك رسول الله " ص " فقالوا : مم تضحك يا رسول الله؟ قال : من ضحك رب العالمين حين قال : أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول الله تعالى : أني لا أستهزئ منك وأنا ما أشاء قادر (١).

قال الرازي : وذكر حديثا طويلا عن أبي هريرة إلى أن قال : ثم يقول : أي أدخلني الجنة. فيقول : أو لست قد زعمت ألا تسألني غيرها ، ويلك يا بن آدم ما أغدرك وأمكرك ، فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول إلى الجنة.

(قال عبد المحمود) : ورأيت في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي هريرة في الحديث الستين من المتفق عليه هذا الحديث بلفظ آخر قال : فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فيضحك الله منه ثم يأذن له بدخول الجنة.

وروى الحميدي أيضا في مسند أبي هريرة في الحديث الثالث والتسعين بعد المائتين إن الله يضحك لرجلين ـ الخبر (٢).

(قال عبد المحمود) : أما خاف الله من يذكر أنه من المسلمين في رواية هذه الأحاديث وشهادته بصحتها ، وهل كان يجوز أن تضاف هذه الأمور إلى أدنى عاقل؟ فكيف تضاف إلى الله عز وعلا ويوصف بهذه الصفات الشنيعة ، إن هذا لكما تضمنه كتابهم " تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا " (٣).

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ١٧٥.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٥٠٥.

(٣) مريم : ٩٠.

٣٥١

ومن طرائف روايتهم أيضا ما ذكره الرازي عنهم في كتابه المشار إليه : إن بعضهم قد ذهب إلى أن الله بكى على أهل طوفان نوح.

ومن ذلك ما ذكره أيضا الرازي عنهم في الكتاب المذكور : أنهم زعموا أن نبيهم محمدا " ص " قال : لما قضى الله بين خلقه استلقى قفاه ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى ثم قال : لا ينبغي لأحد أن يجلس بهذه الكيفية.

(قال عبد المحمود) : يا لله ويا للعقول ممن يذكر أن رواة مثل هذا الحديث والمصدقين بها مسلمون أو عقلاء أو مستبصرون ، لقد قبحوا ذكر ربهم ونبيهم بما لم يبلغ إليه أعداؤهم ، فهل يقتدي بهؤلاء عاقل أو يثق بهم فاضل.

ومن ذلك ما ذكره الرازي أيضا عنهم في الكتاب المذكور : أن أعرابيا جاء إلى نبيهم فقال : يا رسول الله هلكت الأنفس وجاعت العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك ، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال : سبحان الله سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجهه أصحابه ، ثم قال : ويحك أتدري ما الله؟ الله شأنه أعظم من ذلك أنه لا يستشفع به على أحد ، إنه لفوق سماواته عرشه وإنه عليه لهكذا وأشار وقب بيده مثل القبة ، قال : الرازي وأشار أبو الأزهر أيضا يئط به أطيط بالراكب.

(قال عبد المحمود) : وروي في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي هريرة في الحديث الثامن بعد الثلاث مائة من المتفق عليه قال أبو هريرة عن نبيهم : إن يد الله ملأ لا يغيضها نفقة سخاء الليل والنهار. وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يده وكان عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع (١).

وروى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه مسند

__________________

(١) رواه البخاري في صحيحه : ٨ / ١٧٣. لا تغيضها : أي لا تنقصها.

٣٥٢

عبد الله بن عمر في الحديث السادس بعد المائة رواه عن نبيهم أنه قال : إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخع حيال وجهه في الصلاة (١).

وروى الحميدي أيضا في كتابه المذكور في الحديث السادس والخمسين من المتفق عليه من مسند أنس بن مالك أنه قال عن نبيهم في حديث الشفاعة قال : فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا الخبر (٢).

وروى ابن مقاتل في كتاب الأسماء في حديث يرفعه وأسنده قال : قيل يا رسول الله "ص" : مم ربنا؟ قال : من ماء روي لا من أرض ولا من سماء ، خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من عرقها.

وذكر سليمان بن مقاتل في كتاب الأسماء أيضا فقال : روت جماعة تكثر عددهم وتوفر جمعهم عن رسول الله "ص" أنه قال : إن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا.

وذكر سليمان بن مقاتل في الكتاب المذكور عن بعضهم أنهم يروون عن نبيهم : إن ربهم رمدت عيناه فعادته الملائكة.

قال سليمان بن مقاتل : ومنهم من يذكر إن البحر من بزاق الله وإن على رأسه شعرا قططا.

(قال عبد المحمود) : أما حديث الخيل والعرق فكيف حسن من هؤلاء الذين يذكرون أنهم مسلمون أن ينقلوا مثل هذا عن نبيهم؟ وقد عرف أعداؤه أن نبيهم ما كان بصفة من يقول ذلك ، وكيف قبلوا هذا المحال عن ربهم؟ وكيف يجوز لعاقل أن يقتدي بهؤلاء؟ أو يثق بروايتهم.

سبحان الله يقولون في أول الحديث إن الله خلق خيلا ، ثم يقولون في

__________________

(١) روى نحوه مسلم في صحيحه : ١ / ٣٨٨.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ١٨١.

٣٥٣

آخرة إنه خلق نفسه من عرقها ، ليت شعري من خلق الخيل التي أجراها ، فإن كان موجودا قبل خلق الخيل فأي شئ خلق عرقها؟ وإن كان غير موجود فكيف يصح في العقول أن يخلق المعدوم خيلا أو شيئا.

وأما الأحاديث الأخر فلا شبهة أنها من جملة الزور والبهتان المخالفة للعقول والأديان ، فكيف ينقلها أو يصدقها من يدعي أنه من أهل الإسلام والإيمان؟

وذكر سليمان بن مقاتل في كتاب الأسماء في حديث أسنده قال : قلت يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال كان في غمام تحته هواء وفوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء.

(قال عبد المحمود) : إذا كان ربهم قد أحاط به الهوى فقد صار متحيزا وفي جهة دون جهة ، فيلزم أن يكون مخلوقا حادثا فإن العقول يشهد أن كل متحيز أو في جهة فإنه محتاج إلى من جعله في ذلك الحيز أو الجهة ، وإذا كان ربهم على قولهم محدثا ، فقد ساووا أصحاب الأصنام ورجعوا إلى ما كانوا قبل الإسلام وفارقوا العقول وكتابهم ورسولهم ، والحمد لله على السلامة من الاقتداء بهم والمنشأ فيهم والولادة بينهم.

وذكر محمد عمر الرازي وهو من أكبر علماء الأشعرية وأعظم علماء الأربعة المذاهب في كتاب تأسيس التقديس ما هذا لفظه : من أثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة فإنه يكون المعتقد لذلك كافرا ، لأن كل من يكون مختصا بجهة وحيز فإنه مخلوق ومحدث وله إله أحدثه ، والقائلون بالجسمية والجهة أنكروا وجود موجود سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها ، فهم منكرون لذات الموجود الذي يعتقدون أنه الإله ، وإذا كانوا منكرين لذاته كانوا كفارا لا محالة.

قال : وهذا بخلاف المعتزلي فإنه يثبت موجودا وراء هذه الأشياء التي

٣٥٤

يشار إليها بالحس إلا أنه يخالفنا في صفات ذلك الموجود ، والمجسمة يخالفون في إثبات ذلك المعبود المعبود ووجوده فكان هذا الخلاف أعظم ، ويلزمهم كونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده والمعتزلة في صفته لا في ذاته ، هذا لفظ الرازي.

فأي عاقل يرضى باتباع المجسمة والاقتداء بهم أو قبول روايتهم والعمل بمذاهبهم معاذ الله من ذلك.

وذكر الخوارزمي محمود في كتاب الفائق وهذا محمود من أعظم علماء المعتزلة وعلماء شيوخ الأربعة المذاهب قال ما هذا لفظه : وأما المشبهة من هذه الأمة المصرحون بأن الله تعالى جسم ذو أبعاد فقد اختلفوا في تكفيرهم فذهب شيوخنا إلى تكفيرهم.

(قال عبد المحمود) : وقد تقدم قول شيخ الأشعرية الشافعية في الحنابلة المشبهة ، وهذا قول شيوخ المعتزلة في تكفيرهم ، فهل يرغب ذو ملة أو بصيرة في مشاركتهم في ذلك الضلال؟ وهل يشتبه ضلالهم على أحد من أهل الكمال؟ وقد اقتصرت على تلك الأحاديث مع أن أحاديثهم في ذلك كثيرة ، وإنما خفت الله من استيفاء ذلك ، ويكفي العاقل بعض ما ذكرته مما ذكروه ففيه تنبيه ما أضمروه.

في جملة من اعتقادات الأربعة المذاهب في الأنبياء وخاصة نبينا

ومن طرائف ما وقفت عليه في شرح حال أحمد بن حنبل الشيباني الذي شهد الخليفة المعتصم من بني العباس وعلماء أيامه بالضلال وضربوه وحبسوه ، وقد تضمنت كتب التواريخ شرح ذلك ، وهو المدفون على شاطئ الجانب الغربي من بغداد عند الحربية ، وشرح حال أصحابه ما شهد عليه والراضي بالله أيضا

٣٥٥

الخليفة من بني العباس المدفون بين يدي الرصافة المعروف ، وقد ذكر ذلك جماعة من أصحاب التواريخ فمنهم ثابت بن سنان ذكره في الجزء السابع من تاريخه الخبر في كثير من ربطهم ومدارسهم فقال ما هذا لفظه : وروي أن يوم السبت لعشر خلون من جمادى الآخرة ركب بدر الحرسي صاحب الشرطة فنادى في جانبي بغداد في أصحاب أبي محمد البربهازي الحنابلة لا يجتمع منهم نفسان في موضع واحد وحبس جماعة واستتر أبو البربهازي.

ووقع الخليفة الراضي بالله إلى الحنابلة توقيعا نسخته :

"بسم الله الرحمن الرحيم. من نافق بإظهار الدين وتوثب على المسلمين وأكل به أموال المعاهدين كان قريبا من سخط رب العالمين وغضب الله عليه وجعله من الضالين وقد تأمل الراضي بالله جماعتكم وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم فوجده كاللعين إبليس يزين لحزبه المحظور ويركب بهم صعاب الأمور ويدنى لهم حبل الغرور ، فمن ذلك تشاغلهم بالكلام في رب العزة تباركت أسماؤه وفي نبيه وفي عرشه وفي كرسيه ، وكطعنكم على خيار الأمة ونسبتكم شيعة أهل بيت نبيكم إلى الضلال وإرصادكم لهم بالمكابرة في الطرقات والمحال واستدعائكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن ولا يقتضيها فرائض الرحمن ، وإنكاركم لزيارة قبور الأئمة عليهم الإسلام وتشنيعكم على زوارها بالبدع وأنكم مع ذلك تتفقون وتجتمعون لقصد رجل من العامة ـ يعني أحمد بن حنبل ـ ليس بذي شرف ولا نسب برسول الله " ص " وتأمرون بزيارته والخشوع لدى تربته والخضوع حضرته ، فلعن الله رأيا حملكم على هذه المنكرات ما أرداه وشيطانا زينها لكم ما أغواه ، والراضي بالله يقسم بالله قسما بتة يلزمه الوفاء به لأن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنكم

٣٥٦

ضربا وتشريدا وقتلا وتبددا وتعذيرا ولتعملن السيوف في عواتقكم والنار في منازلكم ومحالكم فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، ومن أعذر لنفسه لعاتب (لغائب خ ل) وما توفيق الراضي بالله إلا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب".

وأما أصحاب أبي حنيفة وأتباعه ومن تقدم منهم أو تأخر عنهم من المعتزلة فقد ذكر أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في فضايح المعتزلة وكتاب الفرق بين الفرق عنهم أمورا عظيمة ، فإن كانت كما ذكره فهي من أعظم الفضائح في الإسلام وأتم القبائح عند الله وعند الأنام.

وذكر الخطيب في تاريخ بغداد من طعون أبي حنيفة وفضائحه ما هتك مستورات مذهبه.

وذكر أيضا الجويني في كتاب مغيث الخلق في معرفة الأحق طعونا كثيرة على أبي حنيفة المذكور ، من أراد الوقوف عليها فليراجع الكتاب المذكور.

وأما أنا فلا أشهد بها جميعا ، لأنني وقفت على كتبهم ولقيت علماءهم فرأيتهم يذكرون من صفات الله وتوحيده وتنزيهه ما تشهد به العقول الصحيحة ، لكن ذكروا عن الأنبياء وأئمتهم أمورا قبيحة ، مع أني رأيت القائلين منهم بإثبات الجواهر والأعراض في العدم.

قد ذكروا في ذلك اعتقادا يقتضي موافقتهم للفلاسفة في قدم العالم وموافقتهم للمجبرة في بعض الوجوه في أن أفعالنا حركاتنا وسكناتنا ليست منا ، بل زادوا على الفلاسفة والمجبرة في سوء الاعتقاد وقبح القول ، لأن الفلاسفة قالت : إن الهيولي قديمة وأنها أصل العالم وإن الله ليس له في وجود الهيولي قدرة ولا أثر ، لأنهم ذكروا أنها لا أول لوجودها وهي عندهم مشاركة لله في القدم ، وقالوا : إن الله يصور منها الصور ، فليس له إلا التصوير فحسب ،

٣٥٧

وقد بطل قولهم بما ثبت من حدوث العالم وحدوث كل ما سوى الله تعالى ، مع أن كلام الفلاسفة في ذلك ومرادهم مفهوم غير متناقض وإن كان باطلا.

وأما القائلون بثبوت الجواهر والأعراض في العدم فإنهم قالوا أنها ثابتة في العدم ولا أول لثبوتها وليس لله فيها إلا صفة الوجود ، ومن المعلوم أن هذا القول هذيان ومتناقض ، لأن الشئ إما ثابت موجود أو معدوم منفي ، فإن كانت الجواهر والأعراض معدومة فأي معنى لقولهم إنها ثابتة في العدم وإنها قديمة وإن كان معنى قولهم إنها ثابتة في العدم وقديمة أي أنها موجودة في القدم ومتحققة ومتعينة ولا أول لوجودها ، فأي شئ أوجدها الله إذا كان الثبوت هو الوجود قديما مع الله ومستغنيا عنه ، فقد ناقض قول هؤلاء في اللفظ والمعنى وصاروا أقبح قولا واعتقادا من الفلاسفة.

وأما كونهم أقبح قولا واعتقادا من المجبرة فلان المجبرة ادعت أن العالم وسائر حركاتنا وسكناتنا فإنها ليست منا وقالوا : إن ذلك جميعه من الله ، فأبطلنا قولهم بما تقدم ذكره وبغيره من الأدلة الأخر.

وأما الذين أثبتوا الجواهر والأعراض في العدم وأنها لا أول لثبوتها ، فإن كان الحركات والسكنات التي تقع منا تسمى شيئا فهي عندهم ثابتة في العدم قديمة فليست على قولهم من الله ولا منا ، ومن المعلوم أن أفعالنا وحركاتنا وسكناتنا تسمى شيئا فإن الإنسان وكل عاقل يقول : مثلا ما فعلت شيئا أو يقول : فعلت شيئا جيدا أو رديا ، وإن كانت أفعالنا ليست بشئ عندهم فما فعلنا على قولهم شيئا أبدا ، فقد صارت أفعالنا لا منا ولا من الله ، فكان قولهم أقبح من قول المجبرة وأخس من سوء اعتقادهم.

(قال عبد المحمود بن داود) مؤلف هذا الكتاب : لما وقفت على هذه الأحوال وعرفت اعتقادات الأربعة المذاهب مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة

٣٥٨

ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل ، ورأيت ظهور ضلالتهم ومناقضاتهم واختلافهم واختلالهم تعوذت بالله من اتباعهم على تلك العقائد المذمومة وضرعت إلى الله سبحانه في دوام السلامة مما أوقعوا أنفسهم فيه من فضيحة الدنيا وهلاك يوم القيامة.

ثم رأيت هؤلاء الأربعة المذاهب قد اتفقوا وأجمعوا على أن الأنبياء عليهم السلام يصح أن يقع منهم الذنوب وأن يكون لهم عيوب ، وخالفوا عترة نبيهم الذين أمروا بالتمسك بهم فإن العترة وأتباعها مجمعون على تنزيه الأنبياء وعصمة رسل إله والسماء.

بل رأيت أولئك الأربعة المذاهب قد رووا في كتبهم المعتبرة إن قد وقعت من الأنبياء ذنوب عظيمة وعيوب ذميمة ، فزادني ذلك نفورا من اتباع هؤلاء الأربعة المذاهب ، واستعظمت تقبيحهم لذكر أنبياء الله ورسله وخاصته ، وقد تقدم من الكلام ما يدل على أن الأنبياء لو كانوا كذلك ما كانت تحصل الثقة بهم والتصديق لهم والطمأنينة إلى ما يقولون من الشرايع ويخبرون به من الله من مصالح الخلائق ، وكان يقع النفور عنهم والشك فيما يقع منهم ، وكيف يجوز في العقول أن يكون نواب الله المترجمون عنه على صفات توجب الشك فيما يقولون أنه منه.

ولقد قال هشام بن عبد الملك لغيلان : أنت الذي تزعم أن الله لم يولني ولم يرض ما أنا فيه؟ فقال له غيلان : وهل رأيت أمينا يولي الخائنين أمانته ، أم رأيت مصلحا يولي المفسدين إصلاحه ، أم رأيت كريما يدعو إلى أمر ثم يصد عنه أم رأيت حكيما يقضي بما يعيب أم يعيب بما يقضي ، أم رأيت حكيما يكلف فوق الطاقة؟ فصريح العقول يشهد أن رسل الله والمترجمين عنه يجب أن يكونوا معصومين منزهين عن الخطأ والسهو والغلط وكل منفر عنهم وحايل

٣٥٩

بين الخلائق وبين القبول منهم

(قال عبد المحمود) : من جملة ما وقفت عليه من تقبيح هؤلاء الأربعة المذاهب لذكر رسل الله وأنبيائه أنهم ينسبون آدم وحوا إلى الشرك ، ورووا في ذلك أخبارا ذكروها في كتبهم وتواريخهم ونقلوا منها طرفا في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي هريرة وغيره ، وذكروا في الجمع بين الصحيحين أخبارا في تقبيح ذكر الأنبياء عليهم السلام والرسل جملة وتفصيلا تنكرها عترة نبيهم ، بل تنكرها أعداء الإسلام من أهل الملل ويشهدون بتنزيههم عنها.

فمن ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي هريرة في الحديث التاسع والثمانين بعد المائة من المتفق عليه إن ملك الموت لما جاء لقبض روح موسى لطمه موسى فقلع عينه. وأسنده البخاري ومسلم في صحيحيهما إلى نبيهم (١).

(قال عبد المحمود) : أفيجوز لذوي الألباب أن يعتقدوا في أنبياء الله ونوابه وخاصته وصفوته مثل هذا الاعتقاد ، ويصححون الأخبار بذلك؟ وهل يجوز أن يقال عن موسى عليه السلام مثل هذا؟ هكذا أدب الأنبياء مع رسل إله والسماء ، والله لو كان الرسول الذي جاء لموسى عليه السلام من بعض ملوك الدنيا أو من بعض رعيته ويعلم أن فيه مصلحته ، كما يعلم أن ملك الموت ما جاء إلا لمصلحته ما كان موسى عليه السلام يتلقى الرسول بقلع عينه وسوء الأدب معه ومع من أرسله إن عقول الذين يعتقدون بهذه الرواية سقيمة وأديانهم ذميمة. (وما يليق بالعقل هو ما روي عن موسى عليه السلام وذكره وهب بن منبه في كتاب المبتدأ فقال : لما فقد بنو إسرائيل موسى عليه السلام ، وتجسسوا عنه تجسسا شديدا واختلطوا واجتمعوا ، وما يدري من خلق الله أحد أين ذهب

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ١٨٤٢.

٣٦٠