🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد

وأحببته حب الحبيب المواصل

وجدت بنفسي دونه فحميته

ودافعت عنه بالذرى والكواهل

فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها

وشينا لمن عادى وزين المحافل

حليما رشيدا حازما غير طايش

يوالي إله الخلق ليس بما حل

فأيده رب العباد بنصره

وأظهر دينا حقة غير باطل

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب

لدينا ولا نرضى بدين الأباطل

وابيض يستسقي الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

كذبتم والبيت نبرى محمدا

ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل (١)

 ـ ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره قال في تفسير قوله تعالى " وهم ينهون عنه وينؤن عنه وأن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون " (٢).

عن عبد الله بن عباس قال : اجتمعت قريش إلى أبي طالب رضي الله عنه وقالوا له : يا أبا طالب سلم إلينا محمدا فإنه قد أفسد أدياننا وسب آلهتنا ، وهذه أبناؤنا بين يديك تبن بأيهم شئت ، ثم دعوا بعمارة بن الوليد وكان مستحسنا فقال لهم : هل رأيتم ناقة حنت إلى غير فصيلها ، لا كان ذلك أبدا ، ثم نهض عنهم فدخل على النبي " ص " فرآه كئيبا وقد علم بمقالة قريش ، فقال رضي الله عنه : يا محمد لا تحزن ثم قال :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة

وأبشر وقر بذاك منك عيونا

__________________

(١) نقل بعضه الشهرستاني في الملل والنحل : ٢ / ٢٤٠.

(٢) الأنعام : ٢٦.

٣٠١

ودعوتني وذكرت أنك ناصحي

ولقد نصحت وكنت قبل أمينا

وذكرت دينا قد علمت بأنه

من خير أديان البرية دينا

وروى الثعلبي أنه قد اتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب مقاتل وعبد الله بن عباس والقسم بن محيصرة وعطاء بن دينار (١).

٣٨٨ ـ ومن ذلك ما رواه بإسناده في كتاب اسمه " نهاية الطلب وغاية السؤل في مناقب آل الرسول " رجل من فقهائهم وعلمائهم حنبلي المذهب اسمه : إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري يرفعه إلى الحسن بن علي بن أبي عبد الله الأزدي الفقيه ، قال : حدثنا محمد بن صالح قال : حدثني أبي عن عبد الكريم الجزري ، وقال الحسن بن علي المذكور : وحدثنا أيضا عبد الله بن عمر البرقي عن عبد الكريم الجزري عن طاووس عن ابن عباس والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة يقول فيه ـ أن النبي قال للعباس إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس : يا بن أخي تعلم أن قريشا أشد حسدا لولد أبيك ، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظماء ورمينا عن فوس واحدة وانتسفونا نسفا صلتا ، ولكن اقترب بنا إلى عمك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك ، فإن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك.

فأتياه فلما رآهما أبو طالب قال : إن لكما لظنة وخبرا ، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي " ص " وما أجابه به العباس ، فنظر إليه أبو طالب رضي الله عنه وقال له : أخرج يا بن أخي فإنك المنيع كعبا والمنيع حزبا والأعلى أبا ، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد واجتذبته سيوف حداد ، والله لتذللن لك العرب ذل البهم لحاضنها ، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب

__________________

(١) رواه الأميني عنه وعن غيره في الغدير : ٧ / ٣٣٤ ، والبحار : ٣٥ / ١٤٦.

٣٠٢

جميعا ، ولقد قال : إن من صلبي لنبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به ، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به.

ثم ذكر صفة إظهار نبيهم للرسالة عقيب كلام أبي طالب له وصورة شهادته وقد صلى وحده وجاءت خديجة فصلت معه ، ثم جاء علي فصلى معه (١).

وزاد الزمخشري في كتاب الاكتاب بيتا آخر رواه عن أبي طالب :

وعرضت دينا لا محالة أنه

من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سبة

لوجدتني سمحا بذاك مبينا (٢)

٣٨٩ ـ ومن ذلك ما ذكره الحنبلي صاحب الكتاب المذكور بإسناده إلى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن مغيرة بن معقب قال : فقد أبو طالب رضي الله عنه رسول الله "ص" فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله ، فبعث إلى بني هاشم فقال : يا بني هاشم أظن بعض قريش اغتال محمدا فقتله ، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم من عظماء قريش ، فإذا قلت : أبغى محمدا فليقتل كل واحد منكم الرجل الذي إلى جانبه.

وبلغ رسول الله "ص" جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا ، فأتى أبا طالب وهو في المسجد ، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال : يا معشر قريش فقدت محمدا فظننت أن بعضكم اغتاله ، فأمرت كل فتى من بني هاشم أن يأخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم فإذا قلت : أبغى محمدا قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه فاكشفوا لي عما في أيديكم يا بني هاشم فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك ، فعندها هابت قريش رسول الله " ص " ثم أنشا أبو طالب يقول :

__________________

(١) رواه الأميني عنه في الغدير : ٧ / ٣٤٨ ، والبحار : ٣٥ / ١٤٧.

(٢) راجع الغدير : ٧ / ٣٣٤ ، والبحار : ٣٥ / ١٤٨.

٣٠٣

أَلَا أَبْلِغْ قُرَيْشاً حَيْثُ حَلَّتْ

وَكُلُّ سَرَائِرٍ مِنْهَا غُرُورٌ

فَإِنِّي وَالضَّوَابِحِ غَادِيَاتٍ

وَمَا تَتْلُو السَّفَافِرَةُ الشُّهُورُ

لآِلِ مُحَمَّدٍ رَاعٍ حَفِيظٌ

وَوَدَّ الصَّدْرُ مِنِّي وَالضَّمِيرُ

فَلَسْتُ بِقَاطِعٍ رَحِمِي وَوُلْدِي

وَلَوْ جَرَّتْ مَظَالِمَهَا الْجَزُورُ

أَيَأْمُرُ جَمْعُهُمْ أَبْنَاءَ فِهْرٍ

بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ وَالْأَمْرُ زُورٌ

فَلَا وَأَبِيكَ لَا ظَفِرَتْ قُرَيْشٌ

وَلَا لَقِيَتْ رَشَاداً إِذْ تُشِيرُ

بنِيَّ أَخِي وَنُوطَ الْقَلْبُ مِنِّي

وَأَبْيَضُ مَائِهِ غَدَقٌ كَثِيرٌ

وَيَشْرَبُ بَعْدَهُ الْوِلْدَانُ رَيّاً

وَأَحْمَدُ قَدْ تَضَمَّنَهُ الْقُبُورُ

أَيَا ابْنَ الْأَنْفِ أَنْفِ بَنِي قُصَيٍ

كَأَنَّ جَبِينَكَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ (١)

٣٩٠ ـ ومن ذلك ما رواه الحنبلي صاحب كتاب نهاية الطلب وغاية السؤال بإسناده قال : سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول : حدثني محمد ابن أخي ـ وكان والله صدوقا ـ قال : قلت له : بم بعثت يا محمد؟ قال : بصلة الأرحام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة (٢).

٣٩١ ـ ومن ذلك ما رواه صاحب كتاب نهاية الطلب وغاية السؤل بإسناده إلى عروة بن عمر الثقفي قال : سمعت أبا طالب رضي الله عنه قال : سمعت ابن أخي الأمين يقول : اشكر ترزق ، ولا تكفر فتعذب (٣).

٣٩٢ ـ ومن ذلك ما رواه صاحب الكتاب المزبور بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أبا طالب مرض فعاده النبي " ص ".

__________________

(١) رواه الأميني عنه في الغدير : ٧ / ٣٤٩ ، والبحار : ٣٥ / ١٤٩.

(٢) راجع البحار : ٣٥ / ١٥١.

(٣) نفس المصدر.

(٤) نفس المصدر.

٣٠٤

٣٩٣ ـ ومن ذلك ما رواه أيضا الحنبلي في الكتاب المشار إليه بإسناده إلى عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس قال : عارض النبي " ص " جنازة أبي طالب قال : وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا (١).

٣٩٤ ـ ومن ذلك ما رواه بإسناده إلى ثابت البناني عن إسحاق بن عبد الله ابن الحارث عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله ما ترجو لأبي طالب؟ قال : كل خير أرجوه من ربي (٢).

٣٩٥ ـ ومن ذلك ما رواه أيضا صاحب الكتاب المذكور بإسناده إلى عائشة تذكر صفة سقيا نبيهم للأعرابي وزوال الغيث فقال فيه : وقال رسول الله " ص " : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانسحب السحاب عن المدينة كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ، ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه ، من ينشدنا قوله؟ فقام علي عليه السلام فقال : يا رسول الله لعلك أردت :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ربيع اليتامى عصمة للأرامل

وأنشد الأبيات إلى آخرها (٣).

٣٩٦ ـ ومن ذلك ما ذكره أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل قال : أول صلاة صلاها رسول الله " ص " جماعة قال : مر أبو طالب ومعه جعفر ، على نبي الله وهو يصلي وعلي على يمينه ، فقال لجعفر : صل لجناح ابن عمك ، فتأخر علي وقام معه جعفر وتقدمهما رسول الله " ص " فأنشأ أبو طالب شعرا يقول :

إن عليا وجعفرا ثقتي

عند اخترام الزمان والكرب

__________________

(١) راجع البحار : ٣٥ / ١٥١.

(٢) نفس المصدر.

(٣) راجع نهاية ابن الأثير : ١ / ٤٦٤.

٣٠٥

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما

أخي لأمي من بينهم وأبي

والله لا أخذل النبي ولا

يخذله من بني ذو حسب (١)

ومن عجيب ما بلغت إليه العصبية على أبي طالب من أعداء أهل البيت عليهم السلام أنهم زعموا أن المراد بقوله تعالى لنبيه "ص" "إنك لا تهدي من أحببت" (٢) أنها في أبي طالب رضي الله عنه.

وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنفه كتاب أسباب نزول القرآن ما هذا لفظه : قال : قال الحسن بن مفضل في قوله عز وجل " إنك لا تهدي من أحببت " كيف يقال إنها نزلت في أبي طالب رضي الله عنه وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة وأبو طالب مات في عنفوان الإسلام والنبي " ص " بمكة وإنما هذه الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف وكان النبي يحب إسلامه ، فقال يوما للنبي : إنا نعلم أنك على الحق وأن الذي جئت به حق ولكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تتخطفنا من أرضنا لكثرتهم وقلتنا ولا طاقة لنا بهم ، فنزلت الآية ، وكان النبي يؤثر إسلامه لميله إليه.

(قال عبد المحمود) : فكيف استجاز أحد من المسلمين العارفين مع هذه الروايات ومضمون الأبيات أن ينكروا إيمان أبي طالب ، وقد تقدمت روايتهم لوصية أبي طالب أيضا لولده علي عليه السلام بملازمة محمد " ص " وقوله : إنه لا يدعو إلا إلى خير ، وقول نبيهم جزاك الله خيرا ، وقوله " ص " : لو كان حيا قرت عيناه. ولو لم يعلم نبيهم أن أبا طالب مات مؤمنا ما دعا له ، ولا كان يقر نبيهم عينه ولو لم يكن إلا شهادة عترة نبيهم له بالإيمان لوجب تصديقهم لما شهد نبيهم إنهم لا يفارقون كتاب الله ، ولا ريب أن العترة أعرف بباطن أبي طالب

__________________

(١) راجع الغدير : ٧ / ٣٥٦ ، والبحار : ٣٥ / ٦٨.

(٢) القصص : ٥٦.

٣٠٦

من الأجانب ، وشيعة أهل البيت عليهم السلام مجمعون على ذلك ولهم فيه مصنفات ، وما رأينا ولا سمعنا أن مسلما أحوجوا فيه إلى مثل ما أحوجوا في إيمان أبي طالب ، والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون إيمان الكافر بأدنى سبب وبأدنى خبر واحد وبالتلويح ، فقد بلغت عداوتهم لبني هاشم إلى إنكار إيمان أبي طالب مع ثبوت ذلك عليه بالحجج الثواقب ، إن هذا من جملة العجائب.

ومن طريف ما رووه في عناية أبي طالب نبيهم محمدا وإحسانه وثنائه عليه.

٣٩٧ ـ ما ذكره الفقيه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب قال : لما زوج أبو طالب النبي " ص " بخديجة خطب فقال : الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ، وزرع إسماعيل وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوبا ، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي ممن لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به برا وفضلا وكرما وعقلا ونبلا ، وإن كان في المال قلة فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ، ولها فيه مثل ذلك ، وما أحببتم من الصداق فهو علي (١).

تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) المناقب : ٣٣٣.

٣٠٧

بسم الرحمن الرحيم

بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها

(قال عبد المحمود) : لما اعتبرت مقالة الفرقة الشيعة رأيت عقائدهم وقواعدهم موافقة للعقول المرضية والشرائع السالفة الإلهية ، وشرعت أنظر في ظواهر عقائد المذاهب الأربعة ، فرأيتها كما قالت الشيعة على صفات عجيبة ، أما أصحاب مالك وأصحاب الشافعي وأصحاب أحمد بن حنبل ومن وافقهم على اعتقاد المجبرة ، فإنهم اتفقوا جميعا على أن جميع ما في العالم من حركات

٣٠٨

وسكنات ومكروهات ومحبوبات ومستحسنات ومستقبحات فإنها من فعل الله في العباد ، وقوم منهم ذكروا أن الله سبحانه قهرهم ومنعهم من الاختيار في كل مكروه أو مراد ، ويلحق بهؤلاء من كان منهم يقول : إن الله يخلق الأعمال والعبد يكتسبها منه الكسب عندهم لا يوجبها ولا يوجدها وإنما يوجبها ويوجدها على قولهم الله تعالى وهي صادرة عنه.

ويقال لهم : هل يقدر العبد على ترك الكسب؟ فإن قالوا : نعم فقد قالوا بالاختيار وحصل الوفاق ، وإن قالوا : لا يقدر على ترك الكسب ، فقد ساووا المجبرة في تصريحهم بأن العباد مجبورون ومقهورون.

ثم يقال لمن قال منهم إن العباد مجبرون : ما معنى قولكم إنهم مجبرون؟ فإن العقلاء ما يعرفون حقيقة الجبر للعبد إلا إذا كان العبد مختارا فجبره غيره ومنعه من اختياره ، وأنتم تزعمون أن العبد ما كان مختارا قط ولا كان له فعل على الحقيقة ، فما معنى قولكم إن العباد مجبرون؟ أفلا يتفكرون فيما يقولون؟ فما نراه إلا خلاف اصطلاح العقلاء وضد تحقيق الفضلاء.

وزاد عليهم من كان يذهب من اتباع أحمد بن حنبل إلى أن الله جسم مستقر على عرشه بجوارح بشرية ، وقال قوم منهم : إن الله تعالى ينزل إلى الأرض في صورة شاب ، ورووا في ذلك أخبارا يكذبها العقول الصحيحة.

فأما ذهبوا إلى أن الله جبر العباد وقهرهم على معصيته ومنعهم عن طاعته! وإن كلما ظهر أو وقع منهم فإنه منه وإنه لا فاعل سواه ، فما أدري كيف التبس عليهم أنهم فاعلون بالاختيار؟ وكل عاقل يعلم من نفسه بل من غيره أيضا ضرورة بديهية إنه فاعل بالإيثار ، وإذا جهل الإنسان هذا من نفسه وهو أوضح من جميع البديهيات فكيف يبقى له طريق إلى شئ من العلوم والدلالات. ويدل على أن الجاحدين لما قلناه مكابرون إن الإنسان إذا رماه إنسان بحجر

٣٠٩

فإنه يذم الرامي متى علم منه القصد لاذاه ويذمه من علم ذلك منه من العقلاء ، ولو كان يعلم أحد العقلاء أو يجوز إن الله قد أكره الرامي على الرمي كما أن الحجر مكره على الرمي لكان الحجر والرامي سواء ، والمعلوم عند جميع العقلاء خلاف ذلك ، ويغلب الظن أن إبليس ما كان يطمع أن يبلغ هذه الغاية من إضلالهم والتلبيس عليهم ، ولا أعلم من أي طريق دخل عليهم ولأي ذنب أعمى أبصارهم وأفسد عقولهم حتى قالوا هذا واحتملوا ما لا يرضى أحد بقوله ويستبعد ممن يعتقد ذلك أو يلزم به قولا أن ينفعه دلالة أو هداية ، وإذا كان عقول هؤلاء قد بلغت من النقصان أو المرض إلى أنهم يعرفون من أنفسهم إن أفعالهم منهم أو يستحسنون المكابرة والجحود لذلك مع العلم به.

فبأي سبيل يفهمون أو يقبلون ما يقال لهم ، أو بأي دين يرجعون إلى الحق إذا ورد عليهم شبهة.

ومما يستدل به على اختلاف عقولهم أو مكابرتهم للحق ، أنه لو كان الأمر كما ذكروه من أنه لا فاعل في العالم سوى الله كان يلزمهم أن يكون الله قد أرسل الرسل إلى نفسه وأنزل الكتب على نفسه وكان كل وعد ووعيد وتهديد صدر على لسان الملائكة والأنبياء والرسل والأوصياء وفي كتبه فإنه يكون على قول المجبرة قد وعد بذلك نفسه وتوعد لنفسه وتهدد نفسه ، وهذا قول ما صرح به أحد من العقلاء وذوي الألباب.

وهذا الالزام يلزم المجبرة أكثر من سائر الالزامات لأنه إذا ما كان في العالم فاعل سوى الله تعالى ، فإلى من أرسل الرسل ، وعلى من أنزل الكتب ، ولمن تهدد ولمن وعد وتوعد ، ولمن يأمر وينهى ، فقد بان لك أن كل من قال بقول المجبرة واعتقده على غاية من الضلال واختلال الأحوال.

ثم إذا كان عندهم يجوز يضل العباد ويجبرهم على الفساد ويلبس عليهم

٣١٠

بالمحال ويصدق بالمعجزات الكذابين ويظهر الدلالات الباهرات على يد المبطلين فكيف يبقى لهم طريق إلى إثبات نبوة نبيهم وغيره من الأنبياء؟ ومن أين يعرفون صحة شريعته؟

(ولو أن العبد ليس له فعل فما معنى قوله تعالى " لم تكفرون بآيات الله " (١) " كيف تكفرون بالله " (٢) " لم تصدون عن سبيل الله " (٣) " لم تلبسون الحق بالباطل" (٤).

وعلى هذا فكفر الكافر موافق لرضا الله ومبرز لفعله ، والرضا بقضاء الله وقدره واجب ، ويلزم تعطيل الحدود والقصاص ، وإن المعاصي لا نهى عنها لا الزنا ولا اللواط ولا الشرب ولا القذف ولا السرقة ولا سفك الدماء ولا الطنبور والنرد وغيرها وكلها برضا الله وقدره.

وحكي أن سارقا من المجبرة أرادوا قطع يده فقال : أعوذ بالله من قضائه ، فقال العدلي : أخرجوه فإن قوله هذا أقبح من سرقته.

وكان ينبغي أن لا ينهى عن المنكر على مذهب الجبري ، وكان قول إبليس " رب بما أغويتني " صحيحا على مذهب الجبري).

ولقد رأيت بعضهم يعتذر عن هذا الطعن ويدعي أنهم يعلمون بالضرورة والبديهة أن معجزات نبيهم كانت حقا لتصديقه ، فقلت له : أيها الشيخ هذا من جملة البهت والمكابرة التي أقدمتم عليها ، وقلتم إنكم ما تعلمون أن أفعالكم منكم وإلا إذا كان الله تعالى يجوز أن يضل ويلبس ، بل تذكرون عنه إنه قد أضل ولبس ومنع من الإسلام والطاعات وقهر العباد على الضلال والمعاصي ،

__________________

(١) آل عمران : ٧٠ و ٩٨.

(٢) البقرة : ٢٨.

(٣) آل عمران : ٩٩.

(٤) البقرة : ٤٢ وآل عمران : ٧١.

٣١١

فكيف يصح على قولكم أن يوثق منه إنه فعل المعجزات للتصديق؟ أو كيف يبقى لأحد منكم طريق إلى أن الله تعالى فعل شيئا من أفعاله سبحانه لغرض من الأغراض ، فما أقبح هذه المكابرة منكم.

ثم ولو قدرنا أنه يترجح في نفوسكم إن المعجزات للتصديق فمن أين لكم إن ذلك الترجح علم ضروري؟

أليس في مقدور الله تعالى أن يكون قد ركب في طبائعكم وعقولكم على ما قد وصفتموه به من الاضلال للعباد والتلبيس عليهم؟ وإذا كان عندكم أن التلبيس يقع منه فلا تأمنوا أن يجعل اعتقادكم الباطل كأنه علم ويكون قد أضلكم بذلك ، أولستم تجدون النائم يرى في منامه كان جسده في بلاد بعيدة وكأنه في مهمات ومسار وأكدار ويكون في حال نومه معتقدا لذلك حتى كأنه عالم علما ضروريا ، ثم لما استيقظ عرف أن ذلك ما كان علما ضروريا ولا ظنا صحيحا ولا ممكنا ، فلعلكم في الحياة نيام وكلما تعتقدونه يكون محالا وتلبيسا أو أضلكم الله به كما ذكرتم عنه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وهذا ما يلزم إلا من قال بقولكم واعتقد اعتقادكم ، وأما غيركم من المسلمين الذين يعتقدون أن الله على أكمل غاية من العدل والحكمة فإنهم يعلمون أن عدله وحكمته يقتضي عدم التلبيس على عباده ويمنعه سبحانه أن يظلمهم.

وأما أنتم أيها المجبرة وكل من وصف الله تعالى بذلك واعتقد فيه أنه يضل العباد ويلبس عليهم وعلم أنه سبحانه قادر على كل مقدور فإنه يلزم لهذا القائل المجبر ألا يثق بشئ من عقائده ولا أحواله وظنونه ولا شكوكه ، فقد ظهر لكل عاقل أن المجبرة لا طريق لهم إلى شئ من العلوم البديهية ولا المكتسبة ولا إلى معرفة الثواب ولا الشرائع ما داموا على اعتقادهم ، وأنهم إما ناقصوا

٣١٢

العقول أو مكابرون وأنهم لا دين لهم وإن الذي يظهرونه من الأديان إما تقية أو على غير قاعدة مرضية.

قال الخوارزمي : ـ وهو من أعيان علماء الإسلام ـ في كتابه الفائق : فأما المجبرة فإن شيوخنا كفروهم ، وإن قاضي القضاة حكى عن الشيخ أبي علي أنه قال : المجبر كافر ، ومن شك في كفرهم فهو كافر. ثم شرح تصديق القول وتحقيقه.

ومن طرائف ما تعتقده المجبرة إنهم يعتقدون إنه يجوز من الله في عقولهم مع عدله وحكمته أن يجمع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وعباده الصالحين فيخلدهم في الجحيم والعذاب الأليم أبد الأبدين ، ويجمع الكفار والملحدين والزنادقة والمنافقين والأباليس والشياطين ويخلدهم في الجنة والنعيم أبد الأبدين ، وزعموا أن ذلك يكون إنصافا منه وعدلا وركبوا في ذلك مكابرة وجهلا ، ولعل قد كان للمجبرة سلف في عقولهم نقص أوجب مثل هذا الاعتقاد وجاء الخلف مقلدا للسلف ومحبا للمنشأ وسنة الآباء ، فإن كان ذلك كذلك فأي عذر للمتأخرين من الأحباء والأبناء في اتباع السلف والآباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء.

وإن كانت المجبرة قصدت بقولها إن أفعالهم من فعل الله تعالى فيهم وأنهم بريئون منها بحيث لا يلومهم العقلاء على يقع منهم من القبائح والفضائح والظلم والعدوان وحتى يعذرهم الأنبياء في ترك القبول منهم ، فقد كان للمجبرة في غير الله متسع أن يعبدوا كل من أرادوه ، ما أحسن ما يقرؤنه في كتابهم " ما قدروا الله حق قدره " (١) ولا كان هذا قدر جلالته وعظمته ولا جزاء لإحسانه ونعمته.

__________________

(١) الأنعام : ٩١.

٣١٣

ومن طرائف ما رأيت في كتبهم وسمعته عنهم إن المجبرة قالوا : متى اعتقدوا إن أفعالهم منهم صار العباد شركاء الله تعالى فاقتضى التعظيم لله أن يكون الأفعال كلها من بني آدم وغيرهم من الله.

فأقول : أيها القوم سود الله وجوهكم كما سودتم وجه ما وهبكم الله من البصائر أي شركة يكون لعبد لم يكن شيئا مذكورا فأوجده الله بعد العدم ، وأي تعظيم لله في أن ينتسب خسائس العبيد ورذائلهم إليه ، ومتى كانت العقول تشهد أن الملك يتكمل بأن يكون همته كهمة عبده وتدبيره مثل تدبير عبده ، وأي نسبة بين جلالة الله وحقارة عبده حتى يتكمل سبحانه بنسبة أفعالهم القاصرة وتدبيراتهم الناقصة إليه.

ومن عجيب ما يفهمونه ويتفوهون به أن يقال لهم : عرفونا مرادكم بقولكم إن العبد يصير شريكا لله ، فإن أردتم ما ادعيتموه من الكسب فأنتم قد أثبتم الشركة على قولكم بين العبد وبين الله عند من ذهب منكم إلى ذلك ، فلأي حال عدلتم عن الانكار على أنفسكم وعدتم إلى قول من يقول أن العبد مستقل بالفعل ولم يجعل الفعل مشتركا بينه وبين الله تعالى ، وأما من ذهب منكم إلى أنه لا فاعل سوى الله تعالى فقد تقدم وسيأتي من الجواب له ما لا يقدر على دفعه بحجة أبدا.

وإن قصدتم بالرد على أهل العدل التمويه منكم بأنه إذا انفرد الله تعالى بأفعال نفسه وانفرد العباد بأفعالهم إن ذلك يكون شركة ، فما عرفنا أن العقل يقتضي أن مع الانفراد في الأحوال والأعمال يكون شركة في تلك الأفعال في حال انفراد كل فاعل بفعله ، ولولا سوء توفيقكم وفساد طريقكم ما كان هذا مما ينسبه عاقل إلى نفسه.

وإن كان مرادكم بطريق إن العبد يقع منه فعل الرب ، فلو فكرتم عرفتم أن

٣١٤

هذا لا يقع أبدا ، وكيف يكون فعل فاعل لذاته وهو الله سبحانه كفعل فاعل لغيره وهر العبد؟ ولو قدرنا وهو تقدير لا يقع أن العبد يقع منه فعل مثل فعل الله تعالى ما اقتضى كونه يفعل مثل فعل الله أن يكون شريكا لله تعالى ، فإن العقلاء المتفرقين والمنفردين والمتقاطعين نجد في أفعالهم مثل أفعال من فارقوه وقاطعوه وما اقتضى التماثل في الأفعال الشركة بينهم بحال من الأحوال ، عافاكم الله من هذا الاختلال.

ومن طرائف ما رأيت للمجبرة أنهم يذكرون أنه متى اعتقدوا إن العباد يقدرون أن يفعلوا شيئا باختيار هم كان ذلك دليلا على عجز الله حيث يقع منهم ما لا يريد المعاصي ، فأقول :

ما أحوجكم إلى طبيب يداوي ما أمرضتموه من عقولكم ، وإلى متى لا ينجلي هذه الظلمة عن بصائركم ، أي عجز يلحق بالمالك إذا كان عبده مختارا سواء فعل العبد ما يكره المولى أو ما يحب ، ومن المعلوم أنه لو أراد المولى قهر عبده قهره أو موته أماته فأي عجز هاهنا للمولى وأي مقاهرة أو مغالبة للعبد.

ومما يدل على غلطهم في ذلك أيضا إن كل عاقل يعلم أن سلطان الإسلام يؤثر أن يكون اليهودي الوحيد الضعيف مظهرا للإسلام ومع هذا فإن اليهودي على خلاف ما يريد السلطان ، ولا يدل ذلك على عجز سلطان الإسلام عن قهر اليهودي عن إظهار الإسلام ولا يعتقد عاقل أن السلطان عاجز لأجل بقاء ذلك اليهودي على إظهار كفره.

ومما يدل على غلطهم أيضا إن كل عاقل يعلم أن السلطان إذا أقطع مملوكا له أقطاعا وقال له : قد مكنتك في هذه الاقطاع والرعية مدة معلومة عندي فإن أحسنت إليهم جازيتك بالإحسان وإن أسأت إليهم عاقبتك ، فمضى المملوك إلى أقطاعه فظلم الرعية وسار فيهم بخلاف ما يريد السلطان أفيكون ذلك

٣١٥

دليلا على عجز السلطان عن عزل المملوك ومؤاخذته.

أو يشك عاقل أن صبر السلطان على ذلك حتى يأتي وقت المدة التي عينها للمجازاة على الاحسان أو المؤاخذة على العصيان مما يدل على قوة قدرة السلطان واتساع الامكان حيث أنه يقدر على تعجيل المؤاخذة والنقمة ويصبر مع القدرة ، فكيف جعلوا ما يدل على القوة وسعة القدرة دليلا لهم على العجز؟ أعاذنا الله وكل عاقل من مثل جهلهم السخيف النازل.

ومن طرائف أمر المجبرة أنهم يدعون الاعتراف بصدق نبيهم وثبوت كتابهم ، وقد اعتبرت القرآن فما رأيت إلا متضمنا لاعتذار الكفار والظالمين إلى الله يوم القيامة بأنهم أضلهم غير الله ، وما وجدت أحدا منهم اعتذر إلى الله تعالى وقال له : يا رب أنت قضيت علينا معصيتك وأنت منعتنا عن طاعتك ، فإنه في يوم القيامة ينكشف الأمور كشفا واضحا لا يبقى فيها شبهة ، وما نراهم إلا أنهم تارة أقروا أن المعاصي منهم فقالوا : " ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " (١) وما قالوا : ربنا فارجعنا تعمل غير الذي كنت تعمل ، وقالوا وهم في النار " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون " (٢) وما قالوا فإن عدت وقال بعضهم " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " (٣) وما قال لعلك تعمل صالحا فيما تركت أنت ، وقال " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين " (٤) وما قال ما فرطت في جنبي وإذا كان العباد ما فعلوا شيئا.

__________________

(١) الفاطر : ٣٧.

(٢) المؤمنون : ١٠٧.

(٣) المؤمنون : ١٠٠.

(٤) الزمر : ٥٦.

٣١٦

فممن هذا التحسر والتفريط والتقصير وعلى ماذا يندم النادمون ويبكي الباكون ، ومثل هذا في كتابهم كثير ، ومن العجب أن الشيطان يعترف لهم أنه أضلهم وغرهم ويشهد الله لهم عليه بذلك وينزهون الشيطان من اعترافه ولا يقبلون شهادة الله تعالى عليه.

أما اعتراف الشيطان فهو في مواضع كثيرة منها قوله " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " (١) وأما شهادة الله لهم عليه بذلك فهو في مواضع منها قوله تعالى " الشيطان سول وأملى لهم " (٢) فردوا على الله شهادته ونزهوا الشيطان عن اعترافه بضلالهم وغرورهم وقالوا : ما أضلهم إلا الله.

ومن طرائف أعذارهم يوم القيامة بما يدل على تنزيه الله من أفعال عباده قولهم " ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا " (٣) فلو كان هؤلاء قد وجدوا يوم القيامة إن الذين أضلهم في الدنيا هو الله وحده ما كانوا اعترفوا به على أنفسهم ولا ادعوه على ساداتهم وكبرائهم ، ثم لو كانوا قد علموا أن الله تعالى هو المضل لهم فعلى من يدعون ومن يلعنون.

ومن طرائف أعذارهم الدالة تنزيه الله تعالى قولهم " ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " (٤) فإن

__________________

(١) إبراهيم : ٢٢.

(٢) محمد : ٢٥.

(٣) الأحزاب : ٦٧ و ٦٨.

(٤) فصلت : ٢٩.

٣١٧

كانوا قد علموا أن الله أضلهم فمن يجعلون تحت أقدامهم ، وعلى من هذا التظلم وممن هذا التألم.

ومن طرائف أعذارهم الدالة أيضا على تنزيه الله سبحانه عن أفعال عبيده قولهم " وما أضلنا إلا المجرمون " (١) فإذا كانت هذه أعذارهم وأقوالهم يوم يكشف الأسرار وتحقق الأخبار فهلا اعتذرت المجبرة في الدنيا بذلك وقالوا الآن من الأعذار ما يريدون أن يقولوه يوم القيامة ، ولو كانت أعمالهم من الله جل جلاله كانوا قد اعتذروا إليه سبحانه تعالى بذلك أو كان يعتذر به بعضهم ويقولون يا ربنا أنت منعتنا من الإيمان وخلقت فينا الظلم والعدوان ، فأي ذنب لنا ، فإن كتابكم يشهد أن بعض الخلائق يكابرون الله ويجحدونه حتى يقولوا " والله ربنا ما كنا مشركين " فقال " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " (٢) وقال في كتابهم " يحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ " (٣) فمن أقدم على هذه المكابرة لله بالكذب؟ لو كان يعلم أن الله تعالى فعل ذلك ، ما كان يحتاج إلى هذه المكابرة ، وكان يقدر أن يقول له يا رب أنت فعلت ونحن ما فعلنا شيئا.

ومن طرائف ذلك قوله تعالى " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم " يدل على تعجبه منهم كيف أنكروا أنهم أشركوا ، فلو كان هو الذي فعل فيهم الشرك وقضاه عليهم فممن كان يتعجب ، وإن كان هو الذي قهرهم يوم القيامة على هذا الجحود والإنكار فهل كان يقع من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين أنه يتعجب منهم؟ وهو الذي فعله؟ وهل يكون التعجب على قولهم إلا من نفسه

__________________

(١) الشعراء : ٩٩

(٢) الأنعام : ٢٣ و ٢٤.

(٣) المجادلة : ١٨.

٣١٨

تعالى الله عما سلكته المجبرة من سوء المسالك وعظيم المهالك.

ومن طرائف ما يدل على بطلان قول المجبرة ما تضمنه كتابهم في قوله " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ) فإن كان هو الذي قتل المؤمن وقضاه وقهر عليه فعلى من يغضب ولمن يتهدد ويلعن ، وكذا قوله " فلما آسفونا انتقمنا منهم " (٢) يعني أغضبونا ، فلو كان هو الذي فعل أفعالهم لكان هو الذي أغضب نفسه وإلا فمن أغضبه وآسفه ، فما أقبح قول المجبرة وما أسخفه.

(قال عبد المحمود) : والله أيها المجبرة إني أستقبح لكم أن تجحدوا حقوق الله عليكم وإحسانه إليكم وتتركوا ما يلزمكم من التعظيم لإلهيته وما يجب من العبودية في خدمته ، وتنزهون أنفسكم والشيطان وساداتكم وكبراءكم ومن أضلكم من الجن والإنس والمجرمين وتبرئونهم من الكفر والمعاصي والرذائل وتنسبوها إلى الله جل جلاله ، لا تفعلوا واستحيوا من ربكم وتأدبوا معه وتوبوا إليه من هذا الاعتقاد قبل يوم المعاد فإنه يقبل التوبة عن عباده ويحب

التوابين ، فإنكم على خطر عظيم في الدنيا والدين.

وقد شمت بكم أهل الذمة وسائر من عرف حالكم من أهل الملل الشاهدة لله بالعدل وصرتم مضحكة لهم وزهدتم أعدائكم في الإسلام ، وصاروا يعتذرون إليكم بما ذكرتموه عن الله من كونه يضل عباده ويقولون لكم ما يخلينا ربكم نتبع ما تريدون ونقبل ما تشيرون ، وإذا خلا أهل الذمة وجماعة من أهل العدل في مجالسهم فكثيرا بكم يستهزؤن وعليكم يضحكون. ولله در ابن الحجاج حيث يقول :

__________________

(١) النساء : ٩٣.

(٢) الزخرف : ٥٥.

٣١٩

المجبرون يجادلون بباطل

وخلاف ما يجدونه في القرآن

كل مقالتها الإله أضلني

وأرادني ما كان عنه نهاني

أيقول ربك للخلائق آمنوا

جهرا ويجبرهم على العصيان

إن صح ذا فتعوذوا من ربكم

وذروا تعوذكم من الشيطان

ومن طرائف ما تكثر المجبرة الاحتجاج به لأنفسها قوله تعالى " لا يسئل عما يفعل وهم يسألون " ) وما أرى لهم في ذلك عذرا ولا حجة لأنه لا يسأل عما يفعل وكذلك يقول أهل العدل لأنهم يقولون إن الأفعال التي يفعلها سبحانه فإنه لا يسأل عنها ، فمن أين ثبت أن أفعال العباد المنكرة التي يقع منهم عيانا ومشاهدة أنها في ى باطن الحال واقعة من الله؟ وأن عباده منزهون عنها؟ حتى يحتجون لكفرهم وظلمهم وقبائحهم بقوله لا يسئل عما يفعل ثم وإلى من أشار بقوله وهم يسألون وعند المجبرة لا فاعل سواه ، فمن هم الذين يسألون؟

وهذا الكلام المحكم يشهد تصريحا وتحقيقا أن ما يختص به من الأفعال لا يسأل عنها ، وما تختص به عباده من الأفعال فإنهم يسألون عن ذلك ، ولو كان هو فاعلا لأفعال عباده كأفعال نفسه لكانت متساوية في أنها لا يسأل عما يفعل عن جميعها ، وهذا واضح لمن كان له أدنى عقل وسلم من ظلمة الجهل.

ومن طرائف أخبار المجبرة الشائع بينهم الذي يعتمد كثير منهم عليه ، وقد رووه وسبروه وسطروه عن نبيهم ويشهد العقل والاعتبار أن نبيهم ما قاله ولا سمعه منه أحد ، ولأن كان قاله ليكون له تأويل غير ما يذكرونه ، وهو أنهم ذكروا أن الله قبض من ظهر آدم ذريته وقال : هؤلاء إلى النار ولا أبالي ، وقبض قبضة أخرى وقال : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي.

وقد ذكر الغزالي الحديث في كتاب إحياء علوم الدين في عدة مواضع ،

__________________

(١) الأنبياء : ٢٣.

٣٢٠