🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

بعينها فيكم ، مع خلال كثيرة لم أكن أظن أن إبليس اهتدى إليها ولا أمر بالعمل عليها ، وقد أخبر الله في كتابه العزيز عن قوم صالح إنه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون فأيكم ليس معه تسعة وتسعون من المفسدين في الأرض قد اتخذتموهم شعارا ودثارا استخفافا بالمعاد وقلة يقين بالحساب ، وأيكم له رأى يتبع أو روية تنفع فشاهت الوجوه وعفرت الخدود.

وأما ما ذكرتم من العثرة كانت في أبي الحسن عليه السلام نور الله وجهه فلعمري إنها عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط ، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر ، ولا أظن عملت عملا هو عندي أفضل من ذلك إلا أن أعود بمثلها إلى مثله ، وأين لي بذلك وأنى لكم بتلك السعادة. وأما قولكم إني سفهت آراء آبائكم وأحلام أسلافكم ، فكذلك قال مشركوا قريش " إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " (١) ويلكم إن الدين لا يؤخذ إلا من الأنبياء ، فافقهوا وما أراكم تعقلون.

وأما تعييركم إياي بسياسة المجوس إياكم فما أذهبكم الآنفة من ذلك ولو ساستكم القردة والخنازير ما أردتم إلا أمير المؤمنين ، ولعمري لقد كانوا مجوسا فأسلموا كآبائنا وأمهاتنا في القديم ، فهم المجوس أسلموا وأنتم المسلمون الذين ارتدوا ، فمجوسي أسلم خير مسلم ارتد ، فهم يتناهون عن المنكر ويأمرون بالمعروف ، ويتقربون من الخير ويتباعدون من الشر ، ويذبون عن حرم المسلمين ، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر ، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير ، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ، وليس منكم إلا لاعب بنفسه مافون (٢) في عقله وتدبيره ، إما مغن أو ضارب دف أو زامر.

__________________

(١) الزخرف : ٢٣.

(٢) قال العلامة المجلسي : والافن بالتحريك ضعف الرأي.

٢٨١

والله لو أن بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا فقيل لهم لا تأنفوا في معائب تنالونهم بها ، لما زادوا على ما صيرتموه لكم شعارا ودثارا وصناعة وأخلاقا. ليس فيكم إلا من إذا مسه الشر جزع وإذا مسه الخير منع ، ولا تأنفون ولا ترجعون إلا خشية.

وكيف يأنف من يبيت مركوبا ويصبح بإثمه معجبا كأنه قد اكتسب حمدا غايته بطنه وفرجه ، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي مرسل أو ملك مقرب أحب الناس إليه من زين له معصية أو أعانه في فاحشة تنظفه المخمورة وتربده المطمورة ، فشتت الأحوال فإن ارتدعتم مما أنتم فيه من السيئات والفضائح ، وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم ، وإلا فدونكم تعلموا بالحديد ولا قوه إلا بالله وعليه توكلي وهو حسبي (١).

في عدم الاختلاف بين العباس وعلي عليه السلام

وسائر بني هاشم

ومن طرائف ما رواه مصنف زهد علي بن أبي طالب إنه كان قبل وفاته بأيام يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن عباس (٢).

وروى ذلك أيضا المسمى عندهم صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ، وأين موضع الاختلاف بينهم.

ولعل رجال الأربعة المذاهب وعلمائهم أرادوا أو أراد غيرهم من أعداء

__________________

(١) رواه العلامة المجلسي في البحار : ٤٩ / ٢٠٨ ـ ٢١٤. وقال من بعده أقول: كان هذا الخبر في بعض نسخ الطرائف ولم يكن في أكثرها وكانت النسخ سقيمة.

(٢) الخوارزمي في المناقب : ٢٨٣.

٢٨٢

أهل البيت أن يجعلوا اختلافا بين العباس وعلي عليه السلام ليعتذروا لأبي بكر وعمر في مخالفة بني هاشم لهما ، ولو قدرنا إن قد كان بين بني هاشم خلاف في الظاهر في أمر يخص أحوالهم أما لشبهة أو لغير شبهة.

أليس قد كانوا مع ذلك كله مجمعين على أن أبا بكر وعمر ظالمان لهم كما تقدمت روايتهم واتفقوا عليه في صحاحهم ، وإجماع بني هاشم حجة لا يدفع لأن المسلمين كافة الذين يعتبر بهم رووا أن محمدا " ص " نبيهم جعل التمسك بأهل بيته حجة وأمانا من الضلال.

ومن طريف ما يشتبه على رجال الأربعة المذاهب إنهم يتوهمون أو يعتقدون إن العباس حضر مع فاطمة وعلي عليهما السلام عند طلب الميراث ويطلب ميراثا لنفسه ، وهذا غلط من قبل الأربعة المذاهب وإنما حضر العباس مع فاطمة عليها السلام إما ليصل جناحها فإنه كان كالوالد أو ليزيل حجة أبي بكر فيما يقوله إن العم يرث مع البنت ، وكذلك يكون حضوره مع علي عليه السلام يمكن أن يكون لهذا الحال والدليل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

٣٧٠ ـ وقد ذكره الحميدي في مسند عمر في الحديث الثامن عشر من المتفق عليه في الصحيحين وإنه لما سلم عمر إلى العباس وعلي صدقات نبيهم الذي بالمدينة خاصة ، وكان علي والعباس قد طلباها من عمر بطريق الميراث من نبيهم. ولعل أبا بكر وأتباعه هم سموها صدقات ، فدفعها العباس إلى علي عليه السلام خاصة ، وكانت في يده ثم لما توفي علي عليه السلام كانت يد ولده الحسن ، ثم لما توفي الحسن كانت في يد أخيه الحسين ، ثم في يد علي بن الحسين ، قم كانت في يد الحسن بن الحسن ، ثم في يد زيد بن الحسن ، ثم بيد عبد الله بن الحسن بن الحسن

فهل يخفى على عاقل عارف مع هذا أن العباس إنما كان يطلب ميراث نبيهم

٢٨٣

وصدقاته مساعدة لعلي بن أبي طالب عليه السلام وقطعا لحجة أبي بكر. وربما ترى بعضهم يقول : إن عليا غلب العباس على صدقات نبيهم الذي سلمها عمر إليهما (١).

وهذا لا يخفى إنه غير صحيح لاستمرار يد علي عليه السلام وولده على صدقات نبيهم وترك منازعة بني العباس لهم ، مع أن العباس ما كان ضعيفا عن منازعة علي عليه السلام ولا كان أولاد العباس ضعفاء عن المنازعة لأولاد علي عليه السلام في الصدقات المذكورة.

ومما يقتضي أن منازعة العباس لعلي عليه السلام في الميراث كانت مساعدة لعلي عليه الإسلام ، ما رواه محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وهو من أعيان المخالفين في مسند علي عليه السلام فيما رواه قثم بن عباس ما هذا لفظه رفع الحديث قال : قيل لقثم بن عباس كيف ورث علي عليه السلام رسول الله " ص " دون الناس؟ قال : لأنه أقدمنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا.

وروى الحضرمي المذكور رفع الحديث أنه قيل لعبد الله بن عباس ما شأن علي عليه السلام ورث رسول الله " ص " دون أبيك وهو عمه قال : لأنه كان أقدمنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا.

(قال عبد المحمود) : فهذا تصريح من قثم وعبد الله ابني العباس وهما أعرف بباطن حال ميراث نبيهم " ص " إن عليا عليه السلام ورثه دونهم ، وهذان الحديثان حجة على من منع عليا عليه السلام من ميراث نبيهم وحجة على من زعم أن العباس كان ينازع عليا في باطن الحال.

ومن طريف ما ذكره بعض الشيعة أن جارية قد وصفت للرشيد بأنها عالمة زكية ، وأحضر لها النظام وقال له الرشيد أقطعها ، فعجز النظام عن قطعها

__________________

(١) راجع صحيح مسلم ٣ / ١٣٨٢.

٢٨٤

فأراد تنفير الرشيد عنها فقال لها ما تقولين أيما أفضل العباس أو علي فقالت الروح واحدة وإن اختلف الجسد فإن فضيلة هذا لهذا وفضيلة هذا لهذا فقال لها النظام كما يرويه أعداء أهل البيت فما تقولين في حكومتهما عند أبي بكر وعمر أيهما كان على الحق وأيهما كان على الباطل فقالت كانا كالملكين اللذين نزلا على داود يتحاكمان في الغنم وإنما أراد الملكان تعريف داود وجه الحكم فكذلك أراد العباس وعلي يعرفان أبا بكر وعمر أنهما ظالمان لهما بمنع ميراث نبيهما فهذا جواب امرأة لم يكن عندها عداوة لأهل البيت عرفت الحق واعتذرت عذرا جميلا فاستحسن الرشيد ذلك منها واشتراها بألوف كثيرة

في عدم مساعدتهم لفاطمة عليها السلام ومساعدتهم لعائشة

ومن طريف الأمور أن سيدتهم فاطمة ع المشهود لها بالطهارة والعصمة والفضائل التي لم يخلف نبيهم من ظهره ولدا في الدنيا سواها وكانت بقيته في المسلمين وتذكرته بين الصحابة والعارفين يجري عليها ما تقدم ذكر بعضه ثم إن الحال تحوجها إلى أن تخرج بنفسها والعباس معها كما تقدم في إحدى روايتي الحميدي وعلي بن أبي طالب ع كما تقدم في رسالة المأمون وأم أيمن وأسماء بنت عميس وتخاطب أبا بكر فلا يسعدها من جلساء أبي بكر وأتباعه من كان حاضرا منهم حين مخاطبتها ومن حضر بعد ذلك مسعد ولا ينطق بكلمة ولا ينقل أن أحدا منهم قال في مجلسه وقد كان مجلسا عاما كلمة تعضدها ولا مشورة تطيب قلبها ولا وساطة بخير أين نساء المهاجرين والأنصار وهلا كن جميعا في خدمتها وصحبتها ومعونتها وأين بقايا المهاجرين والأنصار وما بالهم لم يسعدوا بنت نبيهم ويرغبوا في الوفاء لخاتم الأنبياء وهلا استحيوا من حقوقه عليهم وإحسانه إليهم وهلا وصلوا جناحها أو عضدوا خطابتها فقد كان بين أبيها وبين مجلس أبي بكر خطوات يسيرة وهب أنهم

٢٨٥

شكوا فيها أما كان في شهودها المشار إليهم حجة وعذر توجب عليهم المساعدة لها بقول أو فعل؟.

ومن طريف ذلك أن عائشة بنت أبي بكر تخرج من مكة إلى البصرة لقتال علي بن أبي طالب عليه السلام وقتل بني هاشم وسفك دماء جماعة من الصحابة والتابعين والصالحين، فيخرج لنصرتها وصحبتها وصلة جناحها ومساعدتها على الظلم والعدوان الخلق الكثير والجم الغفير ، مع ما تقدم ذكره من سوء أحوالها ومع ما كانوا يعلمون أن عائشة هتكت حجاب الله تعالى وحجاب رسوله في قوله تعالى " وقرن في بيوتكن وتبرجن " (١) فلم تقر في البيت وتبرجت ، ويعلم كل عاقل وكل أهل ملة أن الجهاد وإقامة الخلفاء لا يجوز الاقتداء فيه بالنساء.

٣٧١ ـ ومع روايتهم في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند أبي بكر أنه عرف ضلالة عائشة ومن اتبعها إلى البصرة بما رواه عن نبيهم أنه قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.

٣٧٢ ـ ومع ما رواه في الجمع بين الصحيحين للحميدي أيضا في مسند عبد الله بن عباس أنه سأل عمر بن الخطاب فقال : من المرأتان من أزواج النبي " ص " اللتان قال الله عز وجل " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما (٢) فقال عمر : هما عائشة وحفصة (٣).

إن هذا الاتباع لعائشة والخذلان لفاطمة عليه السلام مما يتعجب منه ذووا الألباب ، ويدل على أن القوم العادلين عن بني هاشم كانوا على غاية من الضلال والارتياب.

__________________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) التحريم : ٤.

(٣) رواه البخاري في صحيحه : ٦ / ٧٠ ـ ٧١.

٢٨٦

ومن طريف تصديقهم لعائشة وعداوتهم لفاطمة.

٣٧٣ ـ إنه روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره أن نبيهم لما هاجر إلى المدينة أقام ببعض دور أهلها واستقرض مريدا (١) للثمن وكان لسهل وسهيل كانا يتيمين في حجر سعد بن زرارة ليشتريه فوهبها له ، وروى أنه اشتراه وبنى فيه مسجده وبنى فيه بيوتا ومساكن لنفسه ليسكن عياله وأزواجه فيها ، فرغت انتقل إليها.

٣٧٤ ـ وروى الحميدي في الحديث الرابع والثلاثين بعد المائة في المتفق عليه من مسند أنس بن مالك في موضع المسجد خاصة وفي رواية أخرى قال : إن النبي " ص " أراد أن يشتري موضع المسجد من قوم بني النجار ، فوهبوه وكان فيه نخل وقبور المشركين ، فقلع النخل وخربت القبور (٢)

وقد تضمن كتابهم إن البيوت لنبيهم في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (٣).

ومن المعلوم أن زوجته عائشة لم يكن لها دار بالمدينة ولا بيت ولا لأبيها ولا لقومها ، لأنهم كانوا مقيمين بمكة ولا روى أحد أنها بنت لنفسها دارا في المدينة ولا بنى لها أحد من قومها منزلا بها ، ومع كله فإنها ادعت حجرة نبيهم بعد وفاته التي دفن فيها ، فسلمها أبوها أبو بكر إليها بمجرد سكناها أو دعواها ، ويمنع فاطمة عليها السلام عن فدك والعوالي مع طهارتها وجلالتها وطهارة شهودها وشهادتهم بأن أباها وهبها ذلك في حياته ويمنع أيضا فاطمة عليها السلام من ميراثها مع عموم آيات قرآنهم وكتابهم في المواريث ، فإن كانت

__________________

(١) الظاهر كذا واستقرض لثمن مكان نخل كان الخ.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣٧٣.

(٣) الأحزاب : ٥٣.

٢٨٧

عائشة ملكت الحجرة بالسكنى فقد مات نبيهم عن تسع زوجات في تسع بيوت فهلا ملك جميع نسائه جميع بيوته التي كانوا فيها ، وإن كان بالميراث فلأي حال ترث عائشة نبيهم " ص " ولا ترثه فاطمة عليها السلام؟ ثم كيف تفردت عائشة بالحجرة ولها تسع الثمن من ميراثه ومن قسم لها وخصصها بها؟ إن هذا من عجائب الأمور.

ومن طريف ذلك تهجم جماعة من المسلمين على حجرة نبيهم وترك الامتثال بقرآنهم في قوله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " ودفنوا أمواتهم فيها ، فليت شعري من أذن للأموات وفاته في دخول حجرته وضرب المعاول عنده ونبش التراب حوله وأن يجعلوا داره مقبرة وإن كانت داره ميراثا كما تضمن كتابهم؟ فهلا استأذنوا جميع الورثة؟ فكيف يكون ميراثا عندهم وقد ادعوا أنه لا يورث؟ وإن كانت أمواله وتركته للمسلمين فهل استأذنوا جميع المسلمين من بعد منهم أو قرب؟ وإن كان ذلك تهيا فيه إذن جميع المسلمين فهل استأذنوا جميع المسلمين في تسليم فدك والعوالي إلى ابنته فاطمة عليها السلام فقد كان يجب لأبيها على المسلمين من الحقوق أعظم من ذلك.

ومن طريف ذلك أن أبو بكر قد سلم حجرة نبيهم إلى ابنته عائشة دون ورثته ودون المسلمين وكان يتمكن كثير من المسلمين من الانكار عليها وعليه فيداهنون ويتغافلون ، إنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن طريف ذلك أن بعض جهالهم معتقدا وقائلا إن البيت لعائشة ، لما لعله يجده من لفظ مجمل أو محتمل في تسمية بيوت نبيهم باسم نسائه ، فيتوهم أن ذلك يدل على أن البيوت ملك لنساء نبيهم ، ومن المعلوم للعقلاء أن لو كان البيوت ملكا لنسائه لكان نزيلا على نسائه بالمدينة وفي سكناهن. ولا خلاف بين المسلمين في تكذيب ذلك وإن نبيهم استأنف بيوته وعمرها بعد قدومه بالمدينة.

٢٨٨

وقد تقدم ما يدل على أن عائشة لم يكن بيت تملكه بالمدينة ، وإذا كن الزوجات ساكنات في بيوت الأزواج فيقال للنساء على سبيل الاستعارة والمجاز أنها بيوتهن لأجل سكناهن بها كما يقال بيت النملة وبيت الدواب ونحو ذلك وإن كانت النملة ونحوها لا تملك بيتا ولا شيئا ، وقد تضمن كتابهم تصديق ذلك فقال : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " (١) ومعلوم أن البيوت كانت للأزواج ، فلو كانت البيوت للمطلقات ما جاز إخراجهن منها سواء أتين بفاحشة أو لم يأتين ، فبطل أن يكون البيوت لنساء نبيهم على كل حال ، وإن دعوى عائشة لذلك كان ظلما لا يحل بحبلة محتال.

٣٧٥ ـ وذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري عن النبي " ص " أنه قال : ما بين بيتي ومنبري روضة رياض الجنة (٢).

وما قال نبيهم : ما بين بيت عائشة ومنبري.

وروى الحميدي أيضا هذا الحديث بألفاظه عن نبيهم في مسند أبي هريرة في المتفق عليه في الحديث السابع عشر بعد المائة (٣).

(قال عبد المحمود) : ورأيت هذا الحديث في صحيح مسلم من نبيهم " ص " في المجلد الثاني بلفظ آخر وهو : ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة. وفي جميع ذلك يقول : بيتي ولم يقل بيت عائشة ، أفتراهم لا يصدقونه في قوله إنه بيته أو يجعلون دعوى عائشة في البيت أصدق من قول نبيهم وأصدق من تزكية الله تعالى له.

__________________

(١) الطلاق : ١.

(٢ و ٣) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١٠١٠ في كتاب الحج ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٥٧.

٢٨٩

وقد ذكر صاحب كتاب الطبقات محمد بن سعد عن ابن عباس قال : لما فرغ من جهاز رسول الله " ص " وضع على سرير في بيته.

أقول فهذه شهادة ابن عباس بعد وفاته ولم يقل بيت عائشة.

وذكر الطبري في تاريخه أن النبي " ص " قال : إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري ـ الخبر (١).

وما قال في بيت عائشة وهذا آخر عهده بالدنيا.

سوء أدب عائشة مع النبي " ص " وشدة حسدها وبخلها

ومن طرائف ما رأيت من تعصبهم لعائشة بالمحال حتى يختاروا نقص نبيهم ليشهدوا لها بالكمال.

٣٧٦ ـ ما رواه الغزالي في كتاب الإحياء في كتاب النكاح في الباب الثالث في ذكر حسن صحبة نبيهم لعائشة فقال : روى أنه " ص " كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما ، وسبقها في بعض الأيام ، فقال عليه السلام هذه بتلك (٢).

(قال عبد المحمود) : كيف يحسن من هذا الشيخ وغيره نقل هذا الحديث على وجه التصديق به ، وقد عرف أهل الملل والألباب والتجارب أن وقار النبوة وحرمة الرسالة والسكينة الإلهية على تضمنه كتابهم يمنع محمدا " ص " نبيهم أن يعدو مع عائشة برجله مثل الأطفال والجهال ، وأن العقل يشهد أن هذه الحكاية من جملة المحال ، لأن نبيهم إذا كان كما وصفوه من الجلال والنبوة والكمال فما يقع هذا منه ، ولا كان يجوز لهم تصديق عائشة ولا غيرها في نقل

__________________

(١) الطبري في تاريخه : ٣ / ١٩٣.

(٢) الغزالي في إحياء علوم الدين : ٢ / ٤٤ ، وأخرجه في ذيله عن أبي داود والنسائي وابن ماجة بسند صحيح.

٢٩٠

ذلك عنه وإن كان غير نبي ، فما كان ينبغي حسن التدبير وحفظ منزلته أن تسقط حرمته بذلك العدو عند زوجته وصحابته ، ولو فعل ذلك من هو دونه من العقلاء سقطت منزلته بين الفضلاء ، فكيف استجاز هؤلاء القوم تصديق مثل هذا البهتان وتسهيل اللعب والباطل على الجهال بإيراد هذا الخبر لا يخفى أنه من الهذيان؟.

ومن طريف تعصبهم لعائشة بالكذب تعظيمهم لها بلسان الحال والمقال على خديجة زوجة نبيهم وسائر أزواجه ، ومن المعلوم المسلمين أن خديجة أول من آمن بنبيهم من النساء ، وأول من صلى منهن معه ، وأنها عاونته بمالها ونصرته حين خذله أكثر الناس وآنسته حين أوحشوه وصدقته حين كذبوه ، وجعل الله ذريته منها وشهد لها في حياتها وبعد وفاتها بالجنة ، وكان يكثر من مدحها ويثني عليها حتى حسدتها عائشة وعاتبته على ذلك فاعتذر إليها بإحسان خديجة إليه وحسن صحبتها له ، وجميع ذلك قد رووه في صحاحهم.

٣٧٧ ـ فمن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثمانين في المتفق عليه من مسند عائشة قالت : ما غرت أحد من نساء النبي " ص " ما غرت على خديجة ، وما رأيتها قط ، ولكن كان يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأنه لم تكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول " ص " : إنها كانت ، وكانت لي منها ولد ، وقالت عائشة : ولقد أمره ربه عز وجل أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة (١).

وأجمع المسلمون على أن خديجة من أهل الجنة وأن الشك في بشارة النبي

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ١٨٨٨ في فضائل خديجة ، ورواه البخاري في صحيحه : ٤ / ٢٣١.

٢٩١

" ص " لها بذلك كفر ، واختلف المسلمون في عائشة اختلافا عظيما فذهب كثير من المسلمين إلى تكفيرها بخروجها على بني هاشم وحربها لهم وطعنها في إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام بعد صحة إمامته عند كافة المسلمين وثبوت مبايعته ، وقتلها بسبب ذلك الخروج نحو ستة عشر ألفا ما بين صحابي إلى مسلم ومؤمن ، ومع ما رووا أنها من جملة من أفشى سر رسول الله " ص " وآذاه وقد تضمن كتابهم في قوله تعالى " فإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " (١).

وقد تقدم في رواية الحميدي في الجمع بين الصحيحين أن عمر بن الخطاب خليفة أبيها قد شهد عليها بذلك.

وإذا كانت قد آذت نبيهم بإفشاء سره والتظاهر عليه فكيف يكون حالها مع ما تضمنه كتابهم " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " (٢)

وذكر الغزالي في كتاب النكاح من سوء صحبتها أشياء : منها أنه جرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخلا بينهما أبا بكر حكما واستشهده ، لها رسول الله " ص " : تكلمين أو أتكلم. فقالت : بل تكلم ولا تقل إلا حقا ـ الخبر (٣).

(قال عبد المحمود) : فهل يجوز أن يشك عاقل قد قرء الأخبار وعرف الأحوال في سقوط منزلة عائشة عن درجة خديجة بل عن درجات سائر نسائه؟ بل كيف يثبت قدم في مدحها بالإسلام. وأما رواية الغزالي فكيف يجوز أن تجيب نبيهم بهذا الجواب؟ وهل يقول نبيهم غير الحق؟ أما سمعوا في كتابهم

__________________

(١) التحريم : ٤.

(٢) الأحزاب : ٥٧.

(٣) الغزالي في إحياء علوم الدين : ٢ / ٤٣ ، وأخرجه في ذيله عن الطبراني في الأوسط والخطيب في التاريخ بسند ضعيف.

٢٩٢

" لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " (١) أما سمعوا كتابهم يتضمن " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " أما تضمن كتابهم " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (٢) أما وجدت عائشة في نفسها حرجا؟ وأين تسليمها؟ وكيف يبقى لها إيمان مع مخالفتها؟ أما نهاها كتابها أن تتبرج؟ كما تقدم في قوله تعالى " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن " أما تبرجت وخرجت لحرب البصرة وقتل المسلمين وسفك دماء الصحابة والتابعين؟ أما قاتلت من قد أجمعوا على خلافته؟ أما ما أدخلت الشبهة على المستضعفين؟ وكانت سبب هلاكهم إلى يوم الدين؟

ولقد أعجبني حديث وقفت عليه في المعنى ، وهو أن امرأة من الكوفيات دخلت على عائشة فقالت : يا أم المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ولدها عمدا وهو مؤمن؟ فقالت : تكون كافرة لأن الله يقول " " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه وأعد له عذابا عظيما " (٣). فقالت لها الكوفية : فما تقولين في أم قتلت ستة عشر ألفا من أولادها المؤمنين؟ ففهمت عائشة أنها واقفتها على قتل من قتل بطريقها وحربها في البصرة من الأخيار والصالحين فقالت : أخرجوا عدوة الله عني.

ومما رووه في اعتراف عائشة ببعض ما فعلت :

ومما رواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس في جملة الحديث السادس من أفراد البخاري إن ابن الزبير دخل على

__________________

(١) الحجرات : ٢.

(٢) النساء : ٦٥.

(٣) النساء : ٩٣.

٢٩٣

عائشة في مرضها فقالت له : إن فلانا ـ وسمت له القائل ـ دخل علي فأثنى علي وقال : ولوددت أني كنت نسيا منسيا.

فهل يجوز لعاقل عارف من المسلمين أن يساوي عائشة بخديجة أو بأدون نساء نبيهم؟ أو أن يجعل عائشة قريبة من منزلة خديجة؟ وهل يشك في سقوط منزلتها وسوء طريقتها إلا جاهل بالحق وجاحد للصدق؟.

وقد أنكر الجاحظ في كتاب الإنصاف غاية الانكار على من يساوي عائشة بخديجة أو يفضلها عليها.

ومن طرائف روايتهم الشاهدة بذم عائشة أيضا :

٣٧٩ ـ ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني بعد المائة من مسند عائشة في المتفق عليه قالت : إن النبي " ص " كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا ، قالت : فتواطيت أنا وحفصة ، إن أيتنا ما دخل عليها النبي فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير ، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت ذلك له ، فقال : بل شربت عسلا زينب بنت جحش ولن أعود له ، فنزل : لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله إن تتوبا إلى الله لعائشة وحفصة فقد صغت قلوبكما ، وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا

لقوله بل شربت عسلا (١).

قال البخاري في صحيحه : وقال إبراهيم بن موسى عن هشام : ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا (٢).

(قال عبد المحمود) : أما يعجب العاقل من تصحيحهم لهذا الحديث في حق عائشة ثم يدعون تعظيمها؟ ما أقبح التعصب بالمحال وكيف ذلك بأهل

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١١٠٠ في كتاب الطلاق.

(٢) البخاري في صحيحه : ٦ / ٦٨.

٢٩٤

الكمال؟ ومما رووه في سقوط منزلتها.

٣٨٠ ـ ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع من أفراد البخاري في مسند مسور مخرمة إن عائشة حدثتنا أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة : والله لتنهين عائشة أو لأحجرن عليها ـ الخبر.

أما هذه شهادة من عبد الله بن الزبير واتفاق من الصحابة الذين سمعوا منه ولم ينكروا عليه إن عائشة قد وقع منها ما يبيح الحجر عليها كالسفيه والمجنون إن في روايتهم لذلك عدة عجائب وفنون.

ومن ذلك ما رووه في الدلالة على سوء صحبتها لابن عباس الذي هو من أعيان عترة نبيهم الذين أوصى بهم ومعرفة عبد الله بن عباس باستحقاقها للهجران وهجرانه لها.

٣٨١ ـ ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس عشر من المتفق عليه من مسند عائشة أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى بنحر الهدي وقد بعثت بهديي. فاكتبي إلي بأمرك. قالت عمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله " ص " بيدي ، ثم قلدها رسول الله بيده ، ثم بعث بها مع أبي ، فلم يحرم على رسول الله شئ أحله الله له حتى نحر الهدي (١).

(قال عبد المحمود) : ألا تعجب من جرأتها ابن عباس؟ ولعل زيادا أكذب عليه أو لم يفهم ما قال أو لعل ابن عباس قال ذلك عما يقوله المسلمون من أن من مرض وهو محرم أو حبس عن الحج ومحرم فلا يحل

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٢ / ٩٥٩.

٢٩٥

له ما يحرم عليه حتى ينحر هديه ، فكيف أقدمت على تكذيب عبد الله بن عباس والرد عليه؟ دو هو أحق بالعلم ومن قومها ، وهلا اعتذرت له ، ومتى وصل أبوها مكة بعد الهجرة وقبلها أو إلى منى ولم يكن نبيها حاضرا حتى تقول إنه كان يبعث بها مع أبي ، ويؤمنها أن يكون الأمر كما قال زياد عن ابن عباس ويكون الأفضل إن من بعث هديا وهو غير محرم أنه يمتنع ما يمتنع منه المحرم أدبا ويكون لفظ يحرم بمعنى يكره كما يتداولون أمثال ذلك ، وهلا كانت رواية ابن عباس عن نبيهم إذا كان قد صححوها حجة في تكذيب عائشة.

٣٨٢ ـ ومن ذلك في هجران ابن عباس لها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في جملة حديث السادس والأربعين من أفراد مسلم من مسند عائشة في أواخر الحديث المذكور المتضمن لصلاة رسول الله " ص " في وتره قال : فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال : صدقت ، لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به ، قال قلت : لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها (١).

(قال عبد المحمود) : في هذا الحديث عدة طرائف : أحدها ما يدل على سوء حالها بما يثبت عند مثل هذا العالم المجمع عليه ـ أعني عبد الله بن العباس ـ من استحقاقها الهجران وهجره لها.

ومن طرائف الحديث المذكور قول الراوي عن ابن عباس أنه كان يحضر عند عائشة لتشافهه بذلك.

٣٨٣ ـ وقد ذكر الحميدي في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثالث والأربعين من المتفق عليه أن عبد الله بن عباس بات عند نبيهم وشاهد صلاته في وتره. ورواها الناس عنه.

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ١ / ٥١٤.

٢٩٦

أفكان عبد الله بن العباس شاهد صلاة الوتر مع نبيهم ويخبرها الناس ثم تحتاج إلى أن تشافهه عائشة بذلك ، إن هذا من البهتان والكذب على ابن عباس الذي لا يليق روايته وتصحيحه عند عقلاء الناس.

ومن طرائف الحديث المذكور تصديقهم لهذا الراوي وهو يقول لعبد الله ابن عباس : لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها ، وذلك يدل على تعلقه وميله مع عائشة على ابن عباس ولو كان موافقا عاقلا لقال : لو علمت أنك لا تدخل عليها ما قبلت حديثها ولا دخلت إليها.

٣٨٤ ـ ومن ذلك فيما رووه مما يحتمل تحذير الناس منها ومن أبيها في الحديث الثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر من كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي عن نافع عن ابن عمر قال : قام النبي " ص " خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة وقال : هاهنا الفتنة (ثلاثا) من حيث يطلع قرن الشيطان (١).

في إيمان أبي طالب رضي الله عنه

ومن طرائف ما بلغت إليه عداوة جماعة من المسلمين لأهل بيت نبيهم أنهم يوالون قوما قد حاربوهم واستحلوا دماءهم مثل هذه عائشة ، فإنها قد وقع في حق نبيهم منها ما قد تقدم بعضه وقالت عنه بعده ما لا يحل لأحد أن يقبله عمن هو دونه ، وقد تقدمت أيضا رواية بعضه ، وتظاهرت بحرب أهل بيته في حرب البصرة وسفكت دماء جماعة من الصحابة والتابعين وقد تضمن كتابهم " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٢٢٩ في كتاب الفتنة.

٢٩٧

عذابا عظيما " (١).

ورووا في حقها مثل هذه الأخبار المتقدم ذكرها التي يحتمل الشهادة عليها بالذم.

(قال عبد المحمود) : إنني لأعجب ممن يدعي أن عائشة تائبة فيما جرى على يديها من سفك دماء من قتل في حرب البصرة ، وهذا المدعي يعلم يقينا أنها ما طافت على أولياء المقتولين والمظلومين بطريق المصانعة ، ولا أرسلت إليهم ولا التفتت إلى إبراء ذمتها مما جرت الحال عليه من تلف النفوس والأموال وخراب ما خرب من الأموال والمزارع.

أفهكذا تكون التوبة من الدماء والأنفس والأموال والحقوق الربانية وحقوق المسلمين؟ إن دعوى توبتها من الفضائح المظهرة للمعصية التي لا تليق بالعقل والدين ، وإنهم لم يلتفتوا إلى ذلك كله وشهدوا لها بالإيمان ومدحوها.

ثم تظاهروا بالشهادة على أبي طالب عليه السلام عم نبيهم وكفيله بأنه مات كافرا ، وكذبوا الأخبار الصحيحة المتضمنة لإيمانه ، وردوا شهادة عترة نبيهم صلوات الله عليهم الذين رووا أنهم لا يفارقون كتاب ربهم ، وإنني وجدت علماء هذه العترة مجمعين على إيمان أبي طالب عليه السلام ، وما رأيت هؤلاء الأربعة المذاهب كابروا فيمن قيل عنه أنه مسلم مثل هذه المكابرة ، وما زال الناس يشهدون بالإيمان لمن يخبر عنه مخبر بذلك ، أو يرى عليه صفة تقتضي الإيمان وسوف أورد لك بعض ما أوردوا في كتبهم برواية رجالهم من الأخبار الدالة لفظا أو معنى تصريحا أو تلويحا بإيمان أبي طالب عليه السلام ، ويظهر لك أن شهادتهم عليه بالكفر ليست إلا عداوة لولده علي بن أبي طالب عليه السلام أو لبني هاشم.

__________________

(١) النساء : ٩٣.

٢٩٨

٣٨٥ ـ فمن ذلك ما ذكروه ورووه في كتاب أخبار أبي عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد الطبري اللغوي ، عن أبي العباس أحمد بن يحيى بن تغلب عن ابن الأعرابي ما هذا لفظه : وأخبرنا تغلب عن ابن الأعرابي قال : العور : الردئ من كل شئ ، والوعر : الموضع المخيف الوحش ، قال ابن الأعرابي : ومن العور خبر ابن عباس قال : لما نزلت " وأنذر عشيرتك الأقربين " قال علي عليه السلام (وقال ابن عباس : كان النبي يربيه وعبق من سمته وكرمه وخلائقه ما أطاق) فقال " ص " لي : يا علي قد أمرت أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فاصنع لي طعاما واطبخ لي لحما ، قال علي عليه السلام : فعددتهم (بني هاشم بحتا) فكانوا أربعين ، قال : فصنعت الطعام طعاما يكفي لاثنين أو ثلاثة ، قال : فقال لي المصطفى " ص " هاته ، قال : فأخذ شظية من اللحم فشظاها بأسنانه وجعلها في الجفنة ، قال : وأعددت لهم عسا من لبن.

قال : ومضيت إلى القوم فأعلمتهم أنه قد دعاهم لطعام وشراب ، قال : فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا ، قال ولعهدي بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده ، قال : ثم أتيت باللبن ، قال : فشربوا حتى تضلعوا ، قال : ولعهدي بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن ، قال : وما بلغوا نصف العس ، قال : ثم قام فلما أراد أن يتكلم اعترض عليه أبو لهب لعنة الله ، فقال : ألهذا دعوتنا؟ ثم أتبع كلامه بكلمة ثم قال: قوموا ، فقاموا وتفرقوا كلهم.

قال : فلما كان من الغد قال لي : يا علي اصنع لي مثل ذلك الطعام والشراب ، قال: فصنعته ومضيت إليهم برسالته ، قال : فأقبلوا إليه فلما أكلوا وشربوا قام رسول الله " ص " ليتكلم فاعترضه أبو لهب لعنه الله ، قال : فقال له أبو طالب رضي الله عنه : اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ قال : ثم قال أبو طالب رضي الله

٢٩٩

عنه : لا يقومن أحد ، قال : فجلسوا ، ثم قال للنبي " ص " : قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق.

قال : فقال " ص " لهم : أرأيتم لو قلت لكم : إن وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقوني؟ قال : فقالوا كلهم : نعم إنك لأنت الأمين الصادق. قال : فقال لهم : فوحدوا الله الجبار واعبدوه وحده بالإخلاص واخلعوا هذه الأنداد الأنجاس وأقروا وأشهدوا بأني رسول الله إليكم وإلى الخلق فإني قد جئتكم بعز الدنيا والآخرة قال : فقاموا وانصرفوا كلهم وكان الموعظة قد عملت فيهم. هذا آخر لفظ حديث أبي عمرو الزاهد (١).

(قال عبد المحمود) : ولو لم يكن لأبي طالب رضي الله عنه إلا هذا الحديث وأنه سبب في تمكين النبي " ص " من تأدية رسالته وتصريحه بقوله : وبلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق ، لكفاه شاهدا بإيمانه وعظيم حقه على أهل الإسلام وجلالة أمره في الدنيا وفي دار المقام ، وما كان لنا حاجة إلى إيراد حديث سواه ، وإنما نورد الأحاديث استظهارا في الحجة لما ذكرناه.

٣٨٦ ـ فمن ذلك أيضا ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر في الحديث الثاني عشر من أفراد البخاري تعليقا قال : وقال عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه قال : ربما ذكرت قول الشاعر :

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه

ربيع اليتامى عصمة للأرامل

وهو قول أبي طالب رضي الله عنه ، وقد أخرجه بالإسناد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب حيث قال : ـ وذكر البيت ـ وهي قصيدة مشهورة بين الرواة لأبي طالب رضي الله عنه وهي هذه :

__________________

(١) نقله في البحار : ٣٥ / ١٤٤ ـ ١٤٥.

٣٠٠