🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

يكون دينهم ملكا ورحمة وملكا وجبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم والمتجبر ، وتارة يشهد على قوم من الصحابة يشفق عليهم ويأخذ بحجزهم عن النار ، وينهاهم مرارا بلسان الحال والمقال فيغلبونه ويسقطون فيها ، وتارة يخاف على أمته من أئمة مضلين يولون عليهم ، وتارة يشهد عليهم باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال واختلال الأحوال.

ثم قد أوردوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن أمة موسى افترقت بعده إحدى وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار ، وأمة عيسى افترقت اثنتين وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار ، وأمته تفترق ثلاثا وسبعين فرقة واحدة ناجية واثنتان وسبعون في النار ، وقد تضمن كتابهم وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين " (١) فكيف يجوز لمسلم أن يرد شهادة الله وشهادة رسوله عندهم بضلال كثير من صحابة نبيهم ، وهلاك أكثر أمته واختلاف أمورهم بعد وفاته ، وهل يرد ذلك من المسلمين إلا من هو شاك في قول الله وقول نبيهم ، أو مكابر للعيان ، وكيف يلام أو يذم من صدق الله ورسوله في ذم بعض أصحابه وأكثر أمته أو اعتقاد ضلال بعضهم ، وكيف استحسنوا لأنفسهم أن يرووا مثل هذه الأخبار الصحاح ثم ينكروا على الفرقة المعروفة بالرافضة ما أقروا لهم بأعظم منه ، وكيف يرغب ذو بصيرة في اتباع هؤلاء الأربعة المذاهب ، وقد بلغوا إلى هذه الغايات من المناقضات واضطراب المقالات والروايات.

في أن النبي " ص " لم يترك أمته بغير وصية

ومن طرائف الأمور التي أقدم عليها هؤلاء الأربعة المذاهب وأمثالهم ،

__________________

(١) التوتة : ١٠١.

٣٨١

وكابروا فيها المعقول والمنقول ، وناقضوا بها العادات ، وما قدموه من الروايات التي أجمعوا على صحتها ، وإنهم مع قولهم إن نبيهم محمدا " ص " كان أعقل العقلاء وأفضل الأنبياء ، وأنه كان شفيقا على أمته ورحيما لأهل ملته ، وأنه ما كان يسافر عنهم حتى يجعل لهم من ينوبه فيهم وينظر في مصالحهم ، وأنه كان إذا نفذ سرية أو جيشا يقول إن قتل أميركم فالأمير فلان فإن قتل فلان ففلان الآخر عوضه ، ورووا في ذلك أخبارا في صحاحهم.

فمنها ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والخمسين من أفراد مسلم من مسند عبد الله بن عمر قال : أمر النبي " ص " في غزوة موتة زيد بن حارثة وقال : إن قتل زيد فجعفر ، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.

وكل ذلك فعله نبيهم لئلا يقع بينهم اختلاف ولئلا ينشر أمرهم ، وإن شفقته عليهم بلغت إلى أنه أمرهم ألا يبيت أحد منهم إلا ووصيته تحت رأسه ، وأنه من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية ، ورووا في ذلك أخبارا.

فمنها في بعض ما ذكرناه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والستين بعد المائة من المتفق عليه من مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله " ص " قال : ما حق امرء مسلم له شئ يريد أن يوصي فيه ، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. (١).

وقد تقدم من روايتهم عنه " ص " في صحاحهم أنه أوصى أن الأمر في قريش ، ثم عين على بني هاشم وأهل بيته ، وجعلهم خلفاء بعد وفاته ، وتقدم أيضا رواياتهم عنه في تعيينه علي بن أبي طالب عليه السلام في عدة مقامات بروايات متواترة.

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٢٤٩.

٣٨٢

وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والسبعين من المتفق عليه من مسند عائشة قال : كانت عائشة تحدث إن النبي " ص " قال بعد ما دخل بيتي واشتد وجعه : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحل أوكيتهن لعلي أن أعهد إلى الناس ، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوجة النبي " ص " ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن. قالت : ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم.

(قال عبد المحمود) : ومع هذا كله فإن الأربعة المذاهب كابروا وباهتوا وقالوا إن نبيهم ما أوصى بهم ، وإنه ترك أمته جميعا بغير وصية منه فيهم ، ولا اختار لهم أحدا يقوم مقامه ، ولا قال لهم اختاروا أنتم ، وأنه تركهم حتى اختلفوا بعده ، واختلط أمورهم غاية الاختلال وشهد بعضهم على بعض بالضلال.

(قال عبد المحمود) : لقد ركب القائلون بذلك مركبا عظيما من البهتان لا يجوز أن يستحسنه أحد من أهل العقول والأديان ، فإنه لو لم يصفوه بما وصفوه من الشفقة عليهم والإحسان إليهم ولا رووا ما رووا من وصاياه وكانوا لا يعرفون على الجملة ما جرت الحال عليه ، وجب أن يعتقدوا أنه أوصى وأنه لا يجوز وصفه أنه مات بغير وصية وقبل تعيين من يقوم مقامه سواء كان نبيا أو ملكا من الملوك ، فإننا ما عرفنا وما سمعنا أن نبيا قبله مات بغير وصية ، وما مات نبي إلا بعد أن عين على من يقوم مقامه ، وكذلك الملوك إذا لم يحل بينهم وبين وصيتهم حائل ، فكيف أقدموا على تقبيح ذكر نبيهم؟ ووصفوه بأنه ترك ما شهد بوجوبه كافة الأنبياء وأعقل العقلاء.

لا سيما وقد ذكروا عنه أنه ما مات فجأة وما مات إلا بعد أن ظهر له ولهم أنه يموت في ذلك المرض ، وقد كان يجب عليهم في حكم الوفاء له أنه إذا

٣٨٣

أورد عليهم حديث يتضمن أنه أوصى بهم وعين لهم عالي من يقوم مقامه أن يفرحوا بذلك الحديث لموافقته للعقول السليمة والأديان المستقيمة والعوائد الصحيحة ، ولا يبدئوا قائله وناقله بالبهتان ويقابلوا الحديث بالهجران. فكيف وقد روت عترته الذين أمرهم بالتمسك بهم وصية نبيهم بالإسلام والمسلمين وتعيينه على من يقوم مقامه فيهم إلى يوم الدين ويصدقوا العترة في تلك الروايات بما تقدم ذكره من رواياتهم في صحاحهم.

ومن طريف بهتهم للمعقول والشرائع والعوائد أنهم يقولون لو كان نبيهم قد أوصى إلى أحد أو عين على من يقوم مقامه ما خالفه أحد من الصحابة ، وقد عرفوا وعرف أهل الملل أن أكثر أصحاب نبيهم خالفوه في حياته في حال الشدة وزمان الرخاء.

أما الشدة فإنهم فارقوه في غزوات جماعة وخذلوه واختاروا أنفسهم عليه ، فمنها غزاة حنين واحد وخيبر وغيرهن ، وقد تضمن كتابهم " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم يغن عنكم وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " (١) وكانوا في تلك الحال نحو عشرة آلاف فلم يتخلف معه أحد إلا أقل من عشرة أنفس.

وروى سبعة أنفس فحسب وهم علي بن أبي طالب عليه السلام والعباس والفضل بن العباس وربيعة وأبو سفيان بن حرث بن عبد المطلب وأسامة بن زيد وعبيدة بن أم أيمن ، وروى أيمن بن أم أيمن ، وأسلمة الباقون للقتل وشماتة الأعداء وإبطال كثير من شريعته ، لأن هذه الغزوات كانت قبل إكمال شريعتهم كما يذكرون وآثروا الحياة الفانية على الحياة الباقية وعلى الله وعلى نبيهم وهو يراهم عيانا ولم يستحيوا منه ولا من الله ولا من العار.

__________________

(١) التوبة : ٢٥.

٣٨٤

وأما مخالفة أصحابه له في الرخاء والأمن فقد تضمن كتابهم ذلك فقال " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " (١) فكانوا كما روي إذا سمعوا بوصول تجارة تركوا الصلاة معه والحياء منه وتركوا المراقبة لله الذي يذكرون أنه أمرهم بالصلاة معه ، ولم يلتفتوا إلى حرمة ربهم ولا حرمة نبيهم ولا صلاتهم معه وباعوا ذلك كله بمشاهدة تجارة أو طمع في مكسب منها ، فكيف يستبعد من هؤلاء أن يخالفوه بعد وفاته في طلب الملك والخلافة والجاه والمال ، وقد انقطعت مشاهدته لهم وحياؤهم منه ، إن استبعاد مخالفتهم له من عجائب الأمور وطرائف الدهور.

ومن طرائف ما يدل على أن أكثر الصحابة لا يستبعد منهم مخالفة نبيهم بعد وفاته.

ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الحادي عشر من المتفق عليه قال : إن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء ، فطفق رسول الله " ص " يعطي رجلا من قريش المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسوله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم.

وقال الحميدي في الحديث المذكور في حديث هاشم بن زيد عن أنس أن الأنصار قالت : إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا ، قال ابن شهاب عن أنس : فحدث ذلك رسول الله " ص " فعرفهم.

وفي حديث ذكره : أنه فعل ذلك تالفا لمن أعطاه ، ثم يقول في رواية الزهري عن أنس أن النبي " ص " قال للأنصار : إنكم ستجدون بعدي أثره شديدة ، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض قال أنس : فلم يصبروا

__________________

(١) الجمعة : ١١.

٣٨٥

ومن ذلك ما رواه في صحاحهم باتفاقهم ، وقد ذكر مسلم في صحيحه أيضا في المجلد الثالث من حديث عائشة في قصة الإفك فقال فيه ما هذا لفظه قالت : فقام رسول الله " ص " على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت : فقال رسول الله " ص " وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي ، فوالله ما علمت على أهل بيتي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية. فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله.

فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : لعمر الله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله " ص " قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت ـ الخبر (١).

(قال عبد المحمود) : أنظر رحمك الله نظر منصف في هذه الأحاديث المتفق على صحتها عندهم ، وفكر فيما بلغوا إليه من تقبيح ذكر الأنصار كافة ، وما ذكروه عنهم وشهدوا به عليهم من سوء معاملتهم ومصاحبتهم لنبيهم في حال حياته بمحضره وقلة احترامهم له وترك الموافقة في حالتي غضبه ورضاه ، ووقوفهم مع الحسد بنبيهم أو أغراض جاهلية وأحقاد دنيوية ، فكذلك يكون قد حضروا وحضر من حضر منهم يوم السقيفة بمثل هذه الآراء السقيمة والأغراض الذميمة ، واختلفوا فيمن يولونه منهم أو من غيرهم الإمارة حتى حضر أبو بكر وعمر

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٤ / ٢١٣٣ ـ ٢١٣٤ كتاب التوبة.

٣٨٦

وأبو عبيدة واغتنموا اختلاف الأنصار ومن حضر السقيفة وتوسلوا إلى مبايعة أبي بكر ، وبالله عليك هل ترى يستبعد من هؤلاء الأنصار وأمثالهم أن يتركوا النص على علي بن أبي طالب عليه السلام بالخلافة حسدا له ولبني هاشم ويبايعوا أبا بكر لأغراض دنيوية ، وأنهم كانوا يطمعون من أبي بكر بما لا يرجون من علي ابن أبي طالب عليه السلام من التماس الولايات والأموال منه بغير حقها.

وانظر رحمك الله كيف أحوجوا نبيهم إلى أن قطع الخطبة ومنعوه مما كان قد شرع فيه من التألم من المنافق عبد الله بن أبي سلول ولم يتمكن من الانتصاف من رجل واحد ، حيث كان لهم أغراض فاسدة في منعه من ذلك واختلفوا عليه فاقتصر على الامساك ، فهلا كان حال علي عليه السلام معهم وحالهم معه كما جرت الحال مع نبيهم في اختلافهم واختلالهم.

(ومن طريف ما يدل على أن الصحابة يختارون الدنيا على الله والرسول قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقه " (١) ، وتقدم روايات الأربعة المذاهب بأن هذه الآية لم يعمل بها غير علي ابن أبي طالب عليه السلام ، فانظر مضمون تلك الروايات ومضمون قوله تعالى " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات " (٢) وكيف لا يعلم بيقين من هذه الآيات إن هؤلاء اختاروا طلب المال الحقير الفاني على ما أتاهم ويأتيهم من معرفة دينهم وآخرتهم من المخاطبات معه صلوات الله عليه ، وكان قيمة دينهم وسعادة آخرتهم أقل من قيراط وأقل منه أن يصدقوا ويناجوا مع رسولهم ، فكيف يستبعد من هؤلاء الجماعة أن يخالفوا رسولهم بعد وفاته في طلب الملك العقيم والولايات وبلوغ الشهوات واللذات.

__________________

(١) المجادلة. ١٢.

(٢) المجادلة : ١٣.

٣٨٧

ثم انظر قوله تعالى " وتاب الله عليكم " فهو يكشف لك أنه وقع منهم بالتأخر من المناجاة والبخل بالصدقات ما يقتضي الخيانات ويحتاج إلى أن يتوبوا حتى يتوب الله عليهم ، وهذا واضح من إيثارهم الدنيا على الله والرسول المحسن إليهم ، ثم ذكر الله تعالى إنه تاب عليهم شفقتا بهم لا لأنهم تابوا لأن التوبة له طرفان طرف من الله تعالى أن يفتح باب قبول التوبة وطرف من العبد بأن يتوب ألا ترى قوله تعالى أنه قال في موضع آخر " ثم تاب عليهم ليتوبوا ". وفي آية أخرى قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" (١).

فانظر في قوله تعالى لنبيه أنهم أقسياء القلوب أن لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ، ألا تعلم أن مضمونه يقتضي عقلا أن الباعث لجمعهم واجتماعهم لم يكن إلا لين جناح النبي صلى الله عليه وآله ولطفه معهم ، لا لا طاعة حكم النبوة وإطاعة حكم رسالته وقوله تعالى " لانفضوا من حولك " يوضح لك هذا المعنى أنه لو كان فظا وغليظ القلب لم يصبروا على نبوته " ص " ولم يقيموا على حكم رسالته ، وقوله تعالى " فاعف عنهم " يكشف لك أنهم كانوا على صفات مهلكة وجنايات مفضحة التي تحتاج إلى العفو عنهم ، وقوله تعالى " واستغفر لهم " يؤكد ذلك إلى نهاية الغاية.

وقوله تعالى " وشاورهم في الأمر " يدل على ضعف دينهم وأنهم كانوا مؤلفة يحتاجون إلى تأليف قلوبهم ، وقوله تعالى " فإذا عزمت " حيث جعل المدار على عزمه ولم يقل وإذا قالوا لك أو إذا عزموا كلها يدل بوضوح أن حالهم كان حال المؤلفة ، وكل واحد منها يشهد بضعف إيمانهم وسخافة رأيهم ، فكيف

__________________

(١) آل عمران : ١٥٩.

٣٨٨

يليق بأحد منهم أن يقتدي به أهل الفهم أو يعتمد إلى حديثهم بعد هذا الإيضاح والإعلام وخاصة أنهم يزعمون أن الذين شاورهم محمد " ص " كان أبو بكر وعمر منهم وكانوا في حكم الإسلام.

وقال الزمخشري في كتاب الكشاف في تفسير قوله تعالى " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " قال : لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم (١).

وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى " لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور " (٢) روى عن ابن جريح أنه قال : وقفوا لرسول الله " ص " على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به (٣).

وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى " وهموا بما لم ينالوا " (٤) وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وآله وذلك عند مرجعه من تبوك ، تواثق خمسة عشر منهم على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل ، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا) (٥).

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند أبي هريرة في الحديث الرابع والثمانين بعد المائة من أفراد مسلم أن النبي لما فتح مكة وقتل جماعة من

__________________

(١) الكشاف : ١ / ٤٧٤.

(٢) التوبة : ٤٨.

(٣) الكشاف : ٢ / ١٩٤.

(٤) التوبة : ٧٤.

(٥) الكشاف : ٢ / ٢٠٣.

٣٨٩

أهلها ، فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن. فقالت الأنصار بعضهم لبعض : أما الرجل فأدركته رغبة في قومه ورأفة بعشيرته ، وفي رواية أخرى : أما فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته (١).

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند عائشة الحديث التاسع عشر من المتفق عليه من عدة طرق قالت : إن النبي " ص " قال لها : يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية.

وفي رواية أخرى حديثو عهد بكفر ، وفي رواية حديثو عهد بشرك ، فأخاف أن تنكر قلوبهم ، لأمرت بالبيت فهدم ، فأدخلت فيه ما أخرج منه ، وألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا ، فبلغت به أساس إبراهيم (٢) وقد ذكروا أن كتابهم يتضمن وصف جماعة من صحابة نبيهم قال فيهم " ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ".

(قال عبد المحمود) : فإذا كانت الأنصار كلهم أو أكثرهم وهم من أعيان الصحابة يجاهرون في الشك بنبيهم وسوء الظن به لأجل قسمة غنيمة هوازن ، ويمنعونه من التألم من المنافق عبد الله بن أبي سلول ، ويتهمونه في العفو عن بعض قريش ، وكان نبيهم في تقية من قوم عائشة وهم من أعيان المهاجرين والصحابة ، ويخاف من سوء سرائرهم في هدم الكعبة وإصلاح بنائها ، وإن جماعة من صحابته يسخطهم المنع من الصدقات ويرضيهم وصول شئ منها

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٤٠٦ و ١٤٠٨ كتاب الجهاد.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٩٦٨ ـ ٩٧٣ كتاب الحج.

٣٩٠

إليهم ، وهذا جميعه قد وقع منهم في حياة نبيهم ووقت المراقبة له والخوف منه والرجاء له ، فكيف يستبعد من هؤلاء أن يخالفوه بعد وفاته؟ بل كيف يثق عاقل من هؤلاء أنهم يتركون أغراضهم الدنيوية وأحقادهم وحسدهم لأهل الفضائل وطلبهم الدنيا بعد نبيهم ، ما يستبعد ذلك مع معرفته بهذه الأسباب إلا من لا يعد من ذوي الألباب.

ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص في الحديث الحادي عشر من أفراد مسلم قال : إن النبي " ص " قال : إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف : نكون كما أمرنا الله فقال رسول الله ص " : تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ، وفي رواية ثم تنطلقون إلى مساكن المهاجرين ، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض (١).

(قال عبد المحمود) : انظر رحمك الله إلى ما قد شهدوا به من ذم نبيهم لأصحابه ، فكيف يستبعد من قوم يكونون بهذه الصفات أن يخالفوا نبيهم في الحياة وبعد الوفاة.

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في مسند المسيب بن حزن بن أبي وهب من أفراد البخاري أن سعيد بن المسيب حدث أن جده حزنا قد قدم على النبي " ص " فقال : ما اسمك؟ قال : اسمي حزن ابن أبي وهب. قال بل أنت سهل. قال : لست أغير اسما سمانيه أبي. وفي رواية أخرى من الحديث المذكور لا أغير اسما سمانيه أبي. قال المسيب : فما زالت فينا الحزونة بعد (٢).

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٢٧٤ كتاب الزهد.

(٢) البخاري في صحيحه : ٧ / ١١٧ وفيه " أباه " بدل جده.

٣٩١

(قال عبد المحمود) : انظر كيف شهدوا على هذا الصحابي بالمخالفة لرسولهم فيما لا يدخل عليه به ضرر بل فيه منفعة ، ثم اعتبر بذلك كيف كان الإقدام من الصحابة على مخالفة نبيهم لا يضر فكيف لا يخالفونه في الخلافة والملك العقيم.

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه المذكور في الحديث الرابع بعد المائتين من المتفق عليه من مسند أبي هريرة من حديث مالك عن أبي الزياد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله " ص " قال : والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر أن يجمعوا حطبا ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا ما تأخر أن يشهد معنا العشاء(١).

(قال عبد المحمود) : انظر إلى ما في هذا الحديث من بلوغ ذم نبيهم لجماعة من أصحابه إلى هذه الغاية ، ثم تعجب من مخالفتهم له في هذا الأمر اليسير من الصلاة معه جماعة حتى بلغ الغضب من الله ومنه إلى هذا الحد ، فكيف يستبعد من هؤلاء المخالفة بعد الوفاة.

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في مسند حذيفة بن اليمان في الحديث السادس عشر عن يزيد بن زيد قال : كنا حذيفة فقال رجل : لو أدركت رسول الله " ص " قاتلت معه وأبليت. فقال حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رايتنا مع رسول الله ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله : ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال : ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٥١.

٣٩٢

الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد.

فقال : قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم ، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي إلا أن أقوم. فقال : اذهب فاتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي ، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرمية فذكرت قول رسول الله " ص " ولا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته ، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام ، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت ، قررت فألبسني رسول الله " ص " من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، فلما أصبحت قال : فم يا نومان (١).

(قال عبد المحمود) : فهذه شهادة البخاري ومسلم في صحاحهما وشهادة من صدقهما على الصحابة بالخذلان والإعراض وقلة القبول منه وترك الحياء وترك المراقبة لله ، وإيثارهم الحياة الفانية على الله ورسوله والجهاد في سبيله فكيف يستبعد من هؤلاء المخالفة لنبيهم بعد وفاته وقد جاهروه بالمخالفة في حياته؟ وكيف يستبعد إهمال كثير من المسلمين لوصايا نبيهم وتركهم العمل بأقواله والاقتداء بأفعاله؟ وقد اختلفوا غاية الاختلاف في فرائض كانت مشهورة في زمانه وكان يكررها عليهم كالآذان والوضوء وتفصيل الصلوات ، وغيرها من الفرائض التي كانت تتكرر بينهم أكثر الأوقات ، فأضاعوها وفرطوا فيها حتى صار المعلوم مجهولا والصحيح معلولا.

عدم صلاحية الأمم لاختيار الخليفة

ومن طرائف أمرهم أنهم يقولون أو يعتقدون أن نبيهم ترك الوصية ولم

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٤١٤ كتاب الجهاد.

٣٩٣

يعين على من يقوم مقامه في أمته ، وإن صلحاء الأمة وخيارهم يختارون من يقوم مقام نبيهم بتعيينهم ، وما أدري كيف استحسنوا لأنفسهم ودينهم ذلك مع تضمنه كتابهم وأخبارهم من كون جماعة من الأنبياء الذين ينظرون بنور النبوة وبصيرة الرسالة والمكاشفة الإلهية والمخالطة للملائكة ، ومع هذا كله فإنهم اختاروا رجالا من قومهم بعد الاختبار والتجربة والصحبة ، فظهر ضرر لهم اختيارهم وإن الصواب كان في خلاف اختيارهم.

فمنهم يعقوب عليه السلام اختار أولاده لحفظ ولده يوسف عليه السلام فظهر له ضرر اختياره.

ومن ذلك موسى عليه السلام أختار قومه وهم ألوف سبعين رجلا لميقات ربه فلما حضروا معه قالوا : أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ، وبلغ حالهم إلى أن ظهر له أنهم سفهاء فقال موسى عليه السلام : أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا.

ومن ذلك أن نبيهم اختار خالد بن الوليد ونفذه إلى بني جذيمة ليصلح أمرهم فقتلهم وأسرهم ، وقتل فيهم بأحقاد كانت بينه وبينهم في الجاهلية ، حتى بعث نبيهم علي بن أبي طالب عليه السلام فاستدرك ما فعل خالد وأرضاهم ، وقال نبيهم : اللهم إني أبرئ مما فعل خالد.

وقد روى حديث خالد الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث من أفراد البخاري من مسند ابن عمر قال : بعث رسول الله " ص " خالد ابن الوليد إلى بني جذيمة ، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فجعلوا يقولون صبانا صبانا ، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره ، فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره ، حتى قدمنا على رسول الله " ص " فذكرناه له فرفع يديه فقال : اللهم إني أبرئ إليك مما صنع خالد

٣٩٤

مرتين (١).

(قال عبد المحمود) : فلو كان خالد معذورا فيما اعتذر به من قتلهم لما قال نبيهم : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، ثم انظر إلى أقدام خالد على مخالفة نبيهم في حياته وما ظهر منه ، وكان الصواب ترك ولاية خالد ومحبته عند من يقول بصحة الخبر المذكور.

ومن ذلك ما تقدمت روايتهم في صحاحهم أن نبيهم اختار أبا بكر ونفذه إلى خيبر ، فرجع هاربا أو معتذرا وظهر ضرر اختياره له ، وفي رواية أخرى أنه اختار أيضا عمر بعد انكسار أبي بكر ، فرجع أيضا ولم يفتح له.

ومن ذلك ما تقدمت روايتهم في تأدية أبي بكر سورة البراءة عند من يقول إن إنفاذ نبيهم أبا بكر بالآيات من البراءة كان لحسن ظنه به ، وكيف رد الله اختياره وكشف أن الصواب في ترك إنفاذه.

(قال عبد المحمود) : فإذا كان الأنبياء مع كمالهم وعصمتهم قد ظهر ضرر اختيارهم لكثير من الرجال ، فكيف تحصل الثقة باختيار بعض الصحابة ممن يمكن أن يكونوا وقت اختيارهم في باطن حالهم غير صالحين ولا مأمونين؟ إن تفضيل اختيار قوم غير مقطوع على عصمتهم عندهم من الصحابة على اختيار الأنبياء المعصومين غلط هائل وتدبير آفل.

ومن طريف مناقضتهم في ذلك ما رواه الثعلبي وغيره في تفسير قوله تعالى " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " (١) فقال : إن عامر بن الطفيل جاء إلى النبي " ص " فقال : ما لي إن أسلمت؟ قال : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم فقال : تجعل لي الأمر من بعدك؟ فقال : ليس ذلك إلى إنما ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء.

__________________

(١) البخاري في صحيحه : ٥ / ١٠٧.

(٢) الرعد : ١١.

٣٩٥

(قال عبد المحمود) : فما أرى نبيهم قال لعامر بن الطفيل إن ذلك إلى اختيار الأمة ، فإذا كان الأمر في تعيين من يكون قائما مقام نبيهم إلى الله وحده يجعله حيث يشاء وإن ذلك ليس إلى غير الله ، فكيف انفردوا باختيارهم من يقوم مقامه؟ وجعلوا لأنفسهم ما لم يجعله الله لهم ولا لنبيهم؟ إن ذلك من عجائب المناقضات.

[(قال عبد المحمود) : واعلم أيضا أني اعتبرت كتبهم في الزهد في ذكر ترك العصبية، فرأيتهم موافقين مع الإمامية في أن اختيار الإمام من الله تعالى ، وإن كانوا مخالفين لهم في العلة وهي اعتقادهم أنهم مجبورون.

فمن ذلك ما ذكره الغزالي في كتاب منهاج العابدين عند التفويض قال : وأما التفويض فتأمل فيه في أصلين ، أحدهما أنك تعلم أن الاختيار لا يصلح إلا لمن كان عالما بالأمور بجميع جهاتها ظاهرها وباطنها وحالها وعاقبتها ، وإلا فلا يا من أن يختار الفساد والهلاك على ما فيه الخير والصلاح. ألا ترى أنك لو قلت لبدوي أو قروي أو راعى غنم أنقد لي هذه الدراهم وميز لي بين جيدها ورديها ، فإنه لا يهتدي لذلك بيقين وكذا لو قلت لسوقي غير صراف فربما هو أيضا لم يهتد ، فلا تأمن إلا أن تعرضه على صيرفي خبير بالذهب والفضة وما فيهما من الخواص والأسرار ، والعلم المحيط بجميع الوجوه لا يصلح إلا لله رب العالمين ، فلا يستحق أحد أن يكون له الخيرة والتدبير إلا الله وحده لا شريك له. فلذلك قال الله تعالى " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " (١)هذا لفظ الغزالي.

وهذا مذهب الإمامية كثرهم الله تعالى وبعض حجتهم في أن اختيار الأئمة عليهم السلام راجع إلى الله تعالى ، فكيف يحسن من هؤلاء الأربعة المذاهب

__________________

(١) القصص : ٦٨.

٣٩٦

المناقضة في المقالات؟ والحال أنهم موافقون للإمامية بمثل هذا القول إلى هذا الحد].

في أن من لم يصلح لتدبير حرب ولا ولاية جيش

لا يصلح للخلافة

ومن طرائف الأمور أنهم اختاروا لخلافتهم أبا بكر ، وتقدمت رواياتهم أنه هرب يوم خيبر ويوم حنين وفي كثير من مواقف الحروب وكتابهم يتضمن " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " (١) فمن لم يصلح لتدبير حرب ولا ولاية جيش ولا لتدبير نفر يسير من المسلمين ولا لامتثال أمر الله ورسوله في الوقوف في الحروب التي هرب فيها مع حياة نبيهم وتسديده الأمة وخوفهم من مؤاخذته وحيائهم منه ، كيف صلح للخلافة المشتملة على سائر الحروب وجمع الجيوش وتدبير كافة العباد والبلاد بعد وفاة نبيهم " ص " ، إن ذلك من طرائف ما وقع منهم ونقل عنهم.

ومن طرائف أمرهم أيضا أنهم شهدوا كما تقدم في رواية أحمد بن حنبل وفي الجمع بين الصحاح الستة وفي تفسير الثعلبي وغير ذلك أن أبا بكر لم يصلح لتأدية سورة براءة ، مع أن نبيهم حي موجود من ورائه ، وأعاده من الطريق ونفذ علي بن أبي طالب عليه السلام عوضه ، وقال نبيهم إن الله أمره بإعادة أبي بكر وإنفاذ علي عليه السلام ، فكيف استصلحوا للخلافة جميعها من لم يستصلحه ورسوله للقيام ببعضها؟ وكيف صار أبو بكر بانفراده بعد النبي " ص "

__________________

(١) الأنفال : ١٦.

٣٩٧

أقوم بالأمور كلها مع نقصه في حياته عن القيام ببعضها.

ومن طرائف ذلك أن الله تعالى يكون عالما أن أبا بكر لا يصلح لتأدية سورة براءة ، ثم يتركه يتورط في الطريق ويظهر للناس توجهه ، ثم يأمر نبيه بإعادته وعزله وإظهار أنه لا يصلح ، وقد كان يمكن قبل تسليم الآيات إليه أن يوحي إلى نبيهم فيقال له : أنفذها مع علي أبي طالب عليه السلام ، ولسان الحال يشهد أن في ترك الله لأبي بكر حتى يتوجه وإعادته من الطريق وإظهار أنه لا يصلح دليلا على أن الله أراد كشف حال أبي بكر ونقصه عن المراتب اليسيرة لئلا يستصلحه أحد للولاية الكبيرة وليحتج الله عليهم بذلك يوم الحساب ، فكيف خفى هذا عند ذوي الألباب.

ومن طرائف الأمور أنهم ذكروا أن نبيهم أعقل العقلاء وأفضل الأنبياء ، ومع ذلك ادعوا أنه ما اختار لهم من يقوم مقامه ، ولا قال لهم اختاروا أنتم كما تقدم ذكره عنهم ، والعقول تشهد أنه لو أراد أن يختاروا لأنفسهم لقال لهم ذلك ، ثم ما رأيناهم علموا هذا أيضا لأنا رأينا كتبهم التي يسمونها صحاحا تشهد عليهم أن جماعة من المهاجرين والأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بالمدينة.

وقد ذكر ذلك الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة من جملة الحديث الحادي والعشرين وقالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فحضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومنعوهم من ذلك ، وقال أبو بكر في كلام للأنصار : نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن منذر : لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر : لا ولكنا الأمراء. وأنتم الوزراء. ثم بادر أبو بكر واختار هو وحده عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة الجراح ، وقال : بايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر بل نبايعك ، فبايعه عمر وأبو عبيدة وعقد عمر وحده الخلافة لأبي بكر واختاره.

٣٩٨

فيا لله والعجب أيها المسلمون وأيها العقلاء ، أنظروا إلى هذا الاختلاط والاختلاف ، تارة يقولون إن الاختيار إلى صلحاء الأمة وعلمائها وتارة يقنعون باختيار وحده لأبي بكر ، وتارة يروون أن أبا بكر اختار وحده عمر وأبا عبيدة في ذلك اليوم ، إن ذلك من عظائم الافراط وقبيح الاختلاط.

ومن طريف ذلك أن هذه الرواية التي قد شهدوا بصحتها تشهد أن أبا بكر توصل إلى الخلافة بخديعة للأنصار والمكر بهم والغرور والخيانة بهم ، وأطمعهم أنهم الوزراء ، فلما تمكن مما أراد غدر بهم وقدح في شهادته لهم باستحقاق الوزارة ودفعهم عنها ، ولم يستوزر أحدا منهم.

ومن طريف ذلك أن المعلوم من دين المسلمين أنه لا يجوز أن يكون لهم في وقت واحد إلا إمام واحد ، فتجب أن يكون المجتمعون في السقيفة الذين قالوا منا أمير ومنكم أمير والراضون بقولهم ضالين ، وإذا كانوا ضالين فكيف انعقدت بيعة أبي بكر بقوم ضالين ، وذلك لا يصح عند كافة المسلمين ، فإنهم كانوا بين قائل بذلك وبين تارك للإنكار إلى أن حدث من المكر بهم والمغالبة بهم.

مبادرة أبي بكر وعمر إلى طلب الخلافة قبل تجهيز نبيهم

ومن طرائف المتجدد في تلك الأوقات أن الخليفتين عندهم أبا بكر وعمر يتركان نبيهما ومن كان سببا فيما بلغا إليه من الدنيا ميتا بين بني هاشم ، ولم يصبرا لقضاء بعض حقوقه ولا مواساة بني هاشم ولا مشاركتهم في تجهيزه ، ويبادر الخليفتان المذكوران إلى طلب الدنيا الفانية قبل فراغ بني هاشم من تجهيز نبيهم ، ولا يكون عندهما من المراقبة لله والحياء من أهل بيت نبيهم وحسن الصحبة أن يصبروا عن طلب الخلافة حتى يدفن نبيهم ، إن هذا مما يتعجب منه أهل

٣٩٩

الأديان والعقول وهو من طرائف آرائهم القبيحة المنقولة.

ومن الطرائف في ذلك الوقت ترك أبي بكر وعمر ومن وافقهما لمشاورة بني هاشم في الخلافة ، فهب أن بني هاشم ما كانوا يصلحون عند أبي بكر وعمر للخلافة أما كانوا يصلحون للمشاورة كبعض المسلمين ، وهب أنهم ما كانوا يصلحون جميعهم للمشاورة أما كان فيهم واحد يصلح للمشاورة ، وهب أن بني هاشم ما كانوا يقدرون على الحضور في السقيفة لاشتغالهم بتجهيز نبيهم " ص " أما كان يحسن مراسلتهم وتعريفهم ما قد عزموا عليه من البيعة في السقيفة واستعلام ما عند بني هاشم من الرأي في ذلك.

ليت شعري أي عذر للخليفتين وأتباعهما في عزل بني هاشم عن الخلافة وعن المشاورة والمراسلة في ذلك اليوم ، وقد كان في بني هاشم من قد استصلحه الله باتفاق المسلمين ورسوله للأمور الكبار العظام وشاركوه في أكثر الأحوال مثل علي بن أبي طالب عليه السلام ، ومن قد أجمع المسلمون على تعظيمه وتفضيله مثل العباس وعبد الله بن العباس والفضل بن العباس وعقيل بن أبي طالب وعبيد الله بن العباس.

ولا سيما وقد روى أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة قالت : قال رسول الله " ص " قال : لي جبرئيل عليه السلام : يا محمد قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد إنسانا أفضل من بني هاشم (١).

فهل بقي عدولهم عن بني هاشم إلا من جملة المصائب والعظائم.

ومن طريف الأمور ما ذكروه في رواياتهم من كون أبي بكر احتج يوم السقيفة على الأنصار بأن الأئمة من قريش لأنهم أقرب إلى نبيهم ، وقد روى

__________________

(١) رواه محب الطبري في ذخائر العقبى عنه : ١٤.

٤٠٠