🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

الخوارزمي : ولشهرة الحديث ما أنكره معاوية وما رده بل قال : قتله من جاء به ، فقال ابن عباس : فقد قتل رسول الله " ص " حمزة لأنه جاء به إلى الكفار فقتلوه.

ومن طرائف معاوية ادعاؤه لأخيه زياد ومخالفته في ذلك لشريعة نبيهم ، فإن زيادا كان له مدع فيقال له أبو عبيد عبد بني علاج من سقيف ، فأقدم معاوية على تكذيب ذلك الرجل وقد ولد زياد على فراشه ، ورد على نبيهم في قوله الولد للفراش ، وادعى معاوية أن أبا سفيان زنا بوالدة زياد وهي عند زوجها المذكور وإن زيادا من أبي سفيان ، فاستحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله وخرج عن أحكام الأديان وكفر بجميع الأديان من أحكام الأديان.

ومن طريف ما بلغوا إليه من القدح في ولادة معاوية بن أبي سفيان وكونه ولد زنا ، ما رووه في كتبهم ، ورواه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي في كتاب المثالب فقال : كان معاوية لأربعة نفر لعمار بن الوليد بن المغيرة المخزومي ولمسافر بن أبي عمر ولأبي سفيان ولرجل سماه. قال : وكانت هند أمه من المغيلمات وكانت أحب الرجال إليها السودان ، وكانت إذا ولدت أسود قتلته (١).

وقال في موضع آخر من الكتاب : وأما حمامة فهي من بعض جدات معاوية ، وكان لها راية بذي المجاز ـ يعني من ذوي الرايات في الزنا.

(قال عبد المحمود) : ألا تعجب من قوم رووا مثل هذه الأمور الشنيعة. والأعراق الخبيثة عن معاوية ثم ارتضوه خليفة على الإسلام والمسلمين وقاتلوا معه عليا وأعيان بني هاشم والصحابة والتابعين ، إن هذا مما يوجع الصدر ويقلقل الصبور.

__________________

(١) نقله في تذكرة الخواص : ٢٠٣.

٥٠١

في تسميتهم معاوية كاتب الوحي وخال المؤمنين

ومن طرائف أتباع معاوية أنهم يدعون له فضيلة ويقولون إنه كاتب الوحي لنبيهم ، وقد نقلوا في تواريخهم وكتبهم أن الذين يكتبون الوحي كانوا أربعة عشر نفرا ، وأقدمهم في الكتابة للوحي والتنزيل علب بن أبي طالب عليه السلام بلا خلاف ، وما أراهم سموا كل واحد منهم كاتب الوحي ولا سموا عليا بذلك ولا خصصوا به غير معاوية ، مع أنهم يروون أن معاوية كان إسلامه بعد فتح مكة وقبل وفاة نبيهم بستة أشهر زائدا أو ناقصا ، فكيف يقبل العقول أن يوثق في كتابة الوحي بمعاوية مع قرب عهده بالكفر وقصوره في الإسلام حيث دخل فيه ، وحسبهم في ترك الفضيلة في كتابة الوحي لو كان معاوية كاتبا له ما رووا في كتبهم المعتبرة أن من جملة كتاب الوحي ابن أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام ودفن فلم تقبله الأرض.

وقد ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن مالك في الحديث الثامن والأربعين بعد المائة من المتفق عليه قال : كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران ، وكان يكتب لرسول الله " ص " فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال : فرفعوه. قالوا : هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به ، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه ، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه ، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا (١).

(قال عبد المحمود) : فإذا كان قد صححوا إن كتابة الوحي قد تحصل لمثل هذا المنبوذ فأي فضيلة تبقى لمعاوية؟ وقد أظهر من مخالفة قواعد المسلمين

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ٢١٤٥.

٥٠٢

وقتل الصالحين ما يزيد على أحوال المرتدين.

[وفي كتاب أوائل الاشتباه إن معاوية أول من ركب بين الصفا والمروة ، وأول من أعلن بشرب النبيذ والغناء وأول من أكل الطين واستباحه ، وكان على منبر رسول الله " ص " يأخذ البيعة ليزيد فأخرجت عائشة رأسها من حجرتها وقالت : صه صه هل استدعى الشيوخ بنيهم البيعة؟ فقال معاوية : لا. فقالت : فبمن اقتديت. فخجل معاوية ونزل من المنبر وحفر حفيرة لعائشة واحتال لها وألقاها فيه فماتت.

وفي رواية أخرى أن عائشة ذهبت إلى منزل معاوية وهي راكبة على حمار ، فجاءت بحمارها على بساط معاوية وعلى سريرها ، فبالت الحمار وراثت على بساطها وما راعت حرمة معاوية ، فشكى معاوية إلى مروان وقال له لا طاقة لي إلى تحمل بلاء هذه العجوزة ، فتولى مروان بإذن معاوية أمر عائشة ودبر لها حفر البئر فوقعت فيه في آخر ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ، قال الشاعر :

لقد ذهب الحمار بأم عمرو

فلا رجعت ولا رجع الحمار

قيل لعبد الله بن يحيى : هل تصلي مع معاوية؟ قال : لا والله لا أجد فرقا بين الصلاة خلفه وبين الصلاة خلف امرأة يهودية حائض ، ولذا لو صليت خلفه تقية أعدتها.

وسئل شريك عن فضائل معاوية فقال : إن أباه قاتل النبي " ص " ، وهو قاتل وصي

النبي ، وأمه أكلت كبد حمزة عم النبي وابنه قتل سبط النبي ، وهو ابن زنا فهل تريد منقبة بعد ذلك].

ومن طرائف جماعة من المسلمين أنهم يسمون معاوية خال المؤمنين ويقولون إن ذلك لأجل أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان كانت من أزواج نبيهم ، ومن المعلوم أنه قد كان لنبيهم زوجات جماعة فيجب أن يكون أخوة الزوجات

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٠١٠ كتاب البر والصلة والآداب.

٥٠٣

كلهم أخو إلا للمؤمنين ، وما تراهم سموهم بذلك ، وخاصة محمد بن أبي بكر فقد كان أخا لعائشة وعائشة عندهم من أعظم الزوجات فكيف لا يسمون أخاها بخال المؤمنين وكيف لم يسموا عبد الله بن عمر خال المؤمنين وقد كان هو أخا حفصة.

ولو كان يلزم أن يكون أنساب الزوجات قرابات المؤمنين للزم أن يسموا ذلك في كل قرابة للزوجات ، وكان أيضا يحرم على معاوية وجميع أخوة زوجات نبيهم أن يتزوجوا بأحد من المؤمنات لأنهم أخوال لهن ، وهذا من الهذيان الذي قالوه بالعصبية والبهتان.

(قال عبد المحمود) : وقد رأيت ووجدت طرائف عثمان ومعاوية كثيرة ، وأعيان المسلمين يشهدون بما ظهر عنهما من قبيح السريرة وسوء السر ، فأغنى ذلك عن الاكثار مما لهما من الطرائف والوصف الزائف.

في قول النبي " ص " في معاوية : لا أشبع الله بطنه

وقد خطر لي طريفة أيضا شهدوا بها معاوية مع أن طرائفه المنكرات يحتاج إلى مجلدات ، رووه في صحاحهم وروى مسلم أيضا في صحيحه في المجلد الثالث عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله " ص " فتواريت خلف باب قال : فجاء فحطاني حطاة وقال : اذهب وادع لي معاوية. قال : فجئت فقلت : هو يأكل. فقال : لا أشبع الله بطنه. قال ابن المثنى : قلت لأمية : ما معنى قوله حطاني؟ قال : قفدني قفدة (١).

(قال عبد المحمود) : هذا لفظ الحديث وفيه عدة طرائف :

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٠١٠ كتاب البر والصلة والآداب.

٥٠٤

فمن طرائفه إن كتابهم يتضمن " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم " (١).

فلو كان معاوية عند نبيهم من المؤمنين لكان به رؤوفا رحيما ، فدعاؤه عليه يدل على أنه ما كان عنده من المؤمنين.

ومن طرائفه أنهم رووا في تفسير ما تضمنه كتابهم " وإنك لعلى خلق عظيم " (٢). إن نبيهم كان كلما آذاه الكفار من قومه يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، فلولا أن معاوية كان عنده من المنافقين الذين هم أنزل درجة من الكافرين الذين تضمن كتابهم وصفهم فقال " إن الله جامع الكافرين والمنافقين في جهنم جميعا " (٣) و" إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار " (٤) لم يكن يدعو عليه وكان قد أجراه مجرى من دعى له من الكفار أو كان لا يدعو عليه.

ومن طرائفه أن ابن عباس كان صبيا كما تضمنه الحديث غير معصوم ، فلو لم يكن عند نبيهم علم من جانب الله بفساد باطن معاوية وكفره ونفاقه ما دعا عليه بقول صبي غير بالغ ولا معصوم.

ومن طرائفه أن دعاء الأنبياء لا يصدر إلا عن إذن من الله ، وخاصة لما تضمنه كتابهم " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " ، فلو كان الله عالما أن معاوية يتجدد منه إيمان وحميد عاقبته في دين وصلاح في سريرة الأخيار ما كان قد أذن لنبيه في الدعاء عليه.

ومن طرائفه أنهم رووا أن المؤمن يأكل في أمعاء واحد والكافر يأكل في

__________________

(١) التوبة : ١٢٨.

(٢) القلم : ٤.

(٣) النساء : ١٤٠.

(٤) النساء : ١٤٥.

٥٠٥

سبعة أمعاء ، ورواه الحميدي في مسند ابن عمر في الحديث الثاني والتسعين من المتفق عليه على صحته (١) ، وقد رواه مسلم في صحيحه في المجلد الثالث (٢). وهذا الحديث يتضمن أن نبيهم قد دعا على معاوية بصفات الكفار.

ومن طرائفه أن مفهوم الحديث إن ابن عباس قد كان يدعو معاوية إلى نبيهم وإنه يطلبه فيعتذر بالأكل ، وقد رووا في كتبهم أن نبيهم قال : لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده ، ونحو ذلك فكيف يثبت إيمان لمن لا يؤثر أكلة واحدة ويجعل اعتذاره عن ذلك مراسلة ، أين هذا من شمائل أهل الإيمان والمصدقين بالرسول والقرآن؟.

(قال عبد المحمود) : فهذا عدة طرف مما شهدوا به على أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية قد ذكرته ، فتفكر فيه وتعجب من قوم يشهدون على قوم بهذه المنكرات ثم جعلوهم أئمة لهم وبلغوا بهم عظيم الغايات ، واحذر من أتباع من يكون بهذه الصفات.

ثم انظر فيما رويناه عنهم أولا وآخرا من فضائل أهل بيت نبيهم وتخصيص علي بن أبي طالب عليه السلام من ذلك بما لم يبلغ إليه أحد من الصحابة والقرابة والنصوص الدالة الصريحة في أنه القائم مقام نبيهم في أمته ، واستطرف عدو لهم عنهم وعنه وكيف يبلغ الحسد لأهل الفضائل والعداوة من الجاهل إلى هذا العمى الشديد والضلال البعيد.

ولعمري قد جرى مثل هذا أو نحوه في الأمم السالفة بعد الأنبياء ، وقد تقدمت روايتهم في صحاحهم عن نبيهم أنهم يضلون كما ضلت الأمم الماضية على السواء.

__________________

(٢ ـ ١) رواه البخاري في صحيحه : ٦ / ٢٠١ ومسلم في صحيحه : ٣ / ١٦٣١.

٥٠٦

في وصف علي بن أبي طالب عليه السلام

وعجيب آيات الله فيه

ومن طرائف ما رووه في وصف علي بن أبي طالب عليه السلام ومدحه غير ما قدمناه عنهم ما ذكره صاحب كتاب نهاية الطلب الحنبلي المقدم ذكره بطريق رواية مخالفي أهل البيت بإسناده إلى أبي عبد الله محمد بن أبي نصير ابن عبد الله الحميدي ، قال أخبرنا أبو طالب محمد بن أحمد سهل النحوي المعروف بابن بشران الواسطي بقراءتي عليه ، قال حدثني علي بن منصور الاخباري الحلبي ، قال حدثنا علي بن محمد الشمشاطي ، قال حدثنا محمد بن عثمان أبي شيبة ، قال حدثنا هاشم بن محمد الهلالي ، قال حدثنا أبو عامر الأسدي ، قال حدثنا موسى بن عبد الملك بن عمير ، عن أبيه ، عن ربعي بن حراش قال : سأل معاوية عبد الله بن عباس فقال : ما تقول في علي بن أبي طالب فقال " صلوات الله على أبي الحسن ، كان والله علم الهدى وكهف التقى ومحل الحجى وبحر الندى وطود النهى علما للورى ونورا في الظلم الدجى وداعيا إلى المحجة العظمى ومتمسكا بالعروة الوثقى وساميا إلى الغاية القصوى وعالما بما في الصحف الأولى وعاملا بطاعة الملك الأعلى وعارفا بالتأويل والذكرى ومتعلقا بأسباب الهدى وحائدا عن طرقات الردى وساميا إلى المجد والعلى وقائما بالدين والتقوى وسيد من تقمص وارتدى بعد النبي المصطفى وأفضل من صام وصلى وأفضل من ضحك وبكى وصاحب القبلتين ، فهل يساويه مخلوق يكون أو كان كان والله للأسد قاتلا ولهم في الحرب حائلا على مبغضيه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد.

(قال عبد المحمود) : هذا لفظ الحديث المذكور ، وهذا مدح ابن عباس

٥٠٧

الذي هو من أعيان القرابة والصحابة لعلي بن أبي طالب عليه السلام بعد وفاة نبيهم وبعد وفاة علي وبعد انقطاع الوحي وبعد انقطاع الخوف والرجاء منه في الدنيا بمحضر أعداء له من العباد وعلى رؤوس الأشهاد ، فأين هذا من وصف المتقدمين عليه لولا عمي القلوب وظهور العناد والفساد.

وروى أيضا هذا الحديث أبو بكر بن مردويه وهو من أعيان علمائهم.

وروى أيضا ابن مردويه عن ضرار وعن الأعمش نحو حديث ابن عباس في مدح علي بن أبي طالب عليه السلام أو أبلغ من ذلك.

ومن عجيب آيات الله تعالى في علي بن أبي طالب عليه السلام ما ذكره الرضي الموسوي محمد بن الحسين في خطبة نهج البلاغة فقال ما هذا لفظه : ومن عجائبه " ع " التي انفرد بها وأمن المشاركة فيها إن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر ، إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المتفكر ، وخلع من قلبه إنه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع في كسر بيت أو انقطع إلى سفح جبل ، لا يسمع إلا حسه ولا يرى إلا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه ، فيقط الرقاب ويجدل الأبطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الأبدال ، وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة ، التي جمع بها بين الأضداد وألف بين الأشتات ، وكثيرا ما أذاكر الإخوان بها واستخرج عجبهم منها ، وهي موضع للعبرة بها والفكرة فيها (١).

هذا آخر لفظ الكلام السيد الرضى في المعنى.

(قال عبد المحمود (: ومن عجيب آيات الله جل جلاله في مولانا علي بن

__________________

(١) نهج البلاغة : ٣٥ ط صبحي صالح.

٥٠٨

أبي طالب عليه السلام ومعجزات رسول الله " ص " إن أصحاب التواريخ وجماعة من علماء الإسلام ذكروا أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال على رؤوس الأشهاد بمحضر الأعداء والحساد : سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة إلا أخبرتكم به.

وقد تقدم في قريب من الكراس الثاني من هذا الكتاب حديث أبي بكر بن مردويه المخالف لأهل البيت تصديق ذلك ، وتقدم أيضا من رواية أحمد بن حنبل وصحيح مسلم وغيره.

وذكر أيضا صاحب نهج البلاغة في أواخر الجزء الأول منه في جملة خطبة خطبها علي بن أبي طالب عليه السلام ما هذا لفظه : والله لو شئت أن أخبرت كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ، ولكن أخاف أن تكفروا برسول الله " ص " ألا وإني مفضية إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق إلا بالحق صادقا ، ولقد عهد إلي ذلك كله ويهلك من هلك وينجو من ينجو ، وما آل هذا الأمر وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أقرعه في أذني وأفضى بها إلي. أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة ألا وأسبقكم عليها ، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها. هذا آخر الخطبة المذكورة.

وفي ذلك عدة عجائب :

(منها) أن هذا مقام لا يبلغه ولا ادعاه أحد من القرابة والصحابة قبله ولا بعده ، بل ما تحققنا مثله عن نبي سابق ولا وصي لاحق ، وأقصى ما عرفناه عن أحد من الأنبياء والأولياء في نحو ما علمه علي بن أبي طالب عليه السلام من الأشياء قول عيسى عليه السلام " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " (١).

__________________

(١) آل عمران : ٤٩.

٥٠٩

وما وصل إلينا من عيسى عليه السلام مثل عموم قول علي ، وهذه حجة على أهل المشارق والمغارب ، وهذه منقبة لعلي بن أبي طالب عليه السلام باهرة ومعجزة للرسول قاهرة.

ومن عجائبه في هذا القول المذكور أنه قال ذلك على رؤس الأشهاد وبمحضر الأعداء والحساد ، فكأنه تحدى به من سمعه ومن سيبلغه من العباد وجعله حجة لله ولرسوله إلى يوم المعاد.

ومن عجائب هذا القول إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان مع علمه بتفصيل الأحوال ، يسير في الناس بالمقال والفعال سيرة لا يعتقد من يراه أنه عارف ببواطن تلك الأعمال والأفعال والأقوال ، وقد عرف العقلاء إن كل من عرف واطلع على يتجدد من حركة من حركات نفسه أو حركات من يصحبه أو يطلع على أسرار الناس فإنه يظهر على وجهه وفعله أثر علمه بذلك قبل سماعه من غيره وعلي عليه السلام مع علمه بذلك يكون كمن لا يعلم ، وما هذا إلا من الآيات الباهرات والجمع بين المشكلات.

ومن عجائب علي بن أبي طالب عليه السلام أنه بمقتضى علمه المشار إليه قد علم أيضا ما يتجدد من معاوية وما يجري الحال عليه في حروبه له وبقاء معاوية بعده واستقامة الأمر لمعاوية بعده ، ومع هذا فكان إذا شاهده الناظرون في حروبه مع معاوية وإقدامه وتهجمه وحثه على الجهاد واهتمامه بالإصدار والإيراد لا يشك الناظر إليه إن علي بن أبي طالب عليه السلام يعتقد أنه يغلب معاوية ويأخذ الإمارة وينزع الملك عنه.

وقد عرف أولوا الألباب أنه متى عرف أحدهم أنه إذا خاصم عدوا أو حارب إنسانا غلبه العدو أو كان العاقبة لخصمه أنه يضعف جنانه ويذل لسانه ولا تساعده همته ولا تعاضده شجاعته ، وإن نهض مع ذلك إلى عدوه وخصمه فبقلب مسلم للعطب والذلة وحركات تشهد عليه بالضعف عمن قصد إليه ، وعلي بن أبي طالب

٥١٠

عليه السلام كان على ما يشهد به تواريخ العلماء من سائر أرباب المذاهب إذا كان في حروبه لا يظهر عليه إلا أنه يقهر معاوية ويكون هو في غاية الظافرية والغالبية وهذا جمع منه صلوات الله عليه بين الأضداد وخلاف سجايا من هو دونه من العباد.

ومن عجائب ذلك أنه كان قد صار بحيث لا يتصرف في ذاته ولا في صفاته وحركاته وسكناته لإرادته بل بحسب إرادة ربه ومولاه الذي يعلمه كأنه يراه ، وهذه آية باهرة وسر عظيم لمن عرف معناه.

ومن عجيب تصديق ما قلناه ما رأيت من جوابه عليه السلام لما سئل عن شئ من الأمور المتجددة له ، وهو أن محمد بن علي الرازي ذكر في كتاب الشفاء والجلاء في أوائل النصف الثاني من الكتاب فقال ما هذا لفظه : أخبرنا أحمد بن إدريس ، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، عن علي بن بلال عمن ذكره ، عن عبد الله بن أبي رافع ، عن أبيه قال : لما أحضرني أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه أبا موسى الأشعري فقال له : احكم بكتاب الله ولا تجاوزه ، فلما أدبر قال : كأني به وقد خدع. قلت : يا أمير المؤمنين فلم توجهه وأنت تعلم أنه مخدوع؟ فقال : يا بني لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل هذا آخر الحديث المذكور.

أفلا ترى علمه بالأحوال وكمال جوابه عند السؤال وقوله لو عمل الله في خلقه بعلمه ما احتج عليهم بالرسل ولم يقل لو عملت أنا بعلمي ، يريد إنني أتصرف في نفسي وغيري بالله وفي الله ومن الله ولله ، وأن قد جعل إرادته إرادة الله وكراهيته كراهية الله ، وهو أكمل مقام العبد في الأدب مع الله ، فهل تجد في أمة محمد " ص " أحدا يقاربه أو يقارنه في الكمال.

ومن عجيب شريف آيات الله تعالى في علي بن أبي طالب عليه السلام إنك

٥١١

إذا اعتبرت القرآن والصحيح من الأخبار وجدت الأنبياء بل وجدت أولي العزم من الرسل المتقدمين على نبوة محمد " ص " ، قد عاتب الله جل جلاله بعضهم على مخالفة في مندوب أو قد أهملوا في بعض الآداب ، وبعضهم قد صرح مع الله تعالى بالخطاب وأظهر الخوف من بعض الأسباب أو طلب النصرة من الناس باللسان أو الجنان أو اعتزل عن الكفار ولم يقف في مقام المجاهرة والشدة عليهم في بعض الأوان ، وإن كانوا عليهم السلام منزهين عن خلل ذلك وكدره بكثرة صفوة واصطفاء وزائل عنهم عتابه بكمال مقامهم في الصفاء لله والوفاء ، وكانت الأوامر والخطاب من الله جل جلاله إليهم بغير واسطة أصلا أو بغير واسطة من البشر.

وعلي بن أبي طالب عليه السلام ما ثبت عنه مدة صحبته لمحمد " ص " رسول الله شئ يقارب ما جرى لآدم عليه السلام في الأكل من الشجرة والخروج من الجنة والتوبة والندم ، ولا شئ يقارب ما جرى لنوح عليه السلام لما اعتذر عن طلبه لتخليص ولده من الغرق ، وقال " أني مغلوب فانتصر " (١) ولا اعتزل إلى الكفار بمفارقة محمد " ص " كما اعتزل إبراهيم النبي عليه السلام في قول الله تعالى عنه " واعتزلكم وما تدعون من دون الله " (٢) ولا قال نحو ما قال " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلي ولكن ليطمئن قلبي " (٣) بل قال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

ولا جرى له نحو ما جرى لموسى عليه السلام لما أمره الله تعالى بالتوجه إلى

__________________

(١) القمر : ١٠.

(٢) مريم : ٤٨.

(٣) البقرة : ٢٦٠.

٥١٢

فرعون " قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون " (١) ونحو قوله " فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون " (٢) بل كان علي بن أبي طالب عليه السلام يفدي للنبي محمد " ص " بمهجته كما تقدم شرحه أوائل هذا الكتاب لما بات على فراشه وفي غيره من حروبه ، ولا يتوقف ولا يتعذر عن شئ من أوامره له في واجب أمره ومندوبه ، ولا يتعرض لمكروهه ومحظوره وعتابه وكان يتبعه ومعه في سائر أسبابه.

ولا جرى لعلي بن أبي طالب عليه السلام نحو قول عيسى عليه السلام فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " (٣) فإن عيسى عليه السلام لما أحس منهم الكفر طلب النصرة ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام تيقن الكفر من قريش ومن أعداء محمد " ص " وجاهروه به وبات على فراشه كما تقدم وصفه وفداه بمهجته ورمى نفسه في كتائبهم عند الحروب وبذلها لعلام الغيوب وفرح كلما دخل عليه وباشره من الكروب ، ولم يطلب منه نصرة ولا استعفى ولا استعان بغير الله من سائر بريته مدة حياة محمد " ص " وفي كل وقت يريد منه الانفراد والاجتهاد وقاه بمهجته ، مع أنهم رووا كما قدمناه أن عيسى بن مريم يصلي مؤتما بصلاة المهدي عليه السلام ، ومن المعلوم أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من المهدي عليه السلام الذي هو إمام لعيسى عليه السلام.

وقد تقدمت الأخبار من صحاح الأربعة المذاهب بأوصاف علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأقروا بالعجز عن حصر ما جمع له من المناقب ، ومما بلغ إليه

__________________

(١) القصص : ٣٣.

(٢) الشعراء : ١٤.

(٣) آل عمران : ٥٢.

٥١٣

الخطيب صاحب تاريخ بغداد وهو من أعيان المخالفين لأهل البيت عليهم السلام روايته في التاريخ المشار إليه ما هذا لفظه : عن لؤلؤ بن عبد الله القيصري يرفعه عن النبي " ص " أنه قال : لمبارزة علي بن أبي طالب عليه السلام لعمرو ابن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة.

فهل كان يقتضي عقل عاقل أو فضل فاضل أن يقدم على علي بن أبي طالب عليه السلام من لا يقارنه ولم يقاربه في شئ من تلك المواهب والمراتب والمناصب والمناقب ، وقد أريتك حاله على التحقيق مع أولي العزم من الرسل عدا محمد " ص " وهم القدوة في كمال التوفيق ، فما ظنك بحاله مع من ليس من أولي العزم من الأنبياء ، وما ظنك بحاله مع الأولياء ، ولست أقول إنه أفضل من أولي العزم على التفصيل بل أقول إن فضيلتهم عليه يحتاج إلى تعسف وتأويل.

وقد تقدم بعض الروايات بأن علي بن أبي طالب عليه السلام نفس محمد " ص " وهو أشرف أهل النبوات والرسالات في قوله تعالى " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم " (١).

فاختر لنفسك أيها الخائف على نفسه من الهلاك ، واحذر من يوم لا تقدر فيه على الاستدراك ، وانظر أيما أسلم لك ، واحفظ لنفسك ودينك ويقينك أن تكون مقتديا ومؤتما بعلي بن أبي طالب عليه السلام الذي هو نفس رسول الله أو بمن عرفت حاله ممن تقدم عليه في الخلافة ، أو قد عدل عنه وحصل في المخالفة. وقد كشف الله لك بهذا الكتاب ما قد ذكره عنهم أولياؤهم من المصائب وسقوط المنازل والمراتب ، وهذا من أطراف طرائف الذين رووا أو شهدوا لعلي بن أبي طالب عليه السلام بالمناقب التي فضل بها على سائر الصحابة ثم قدموا عليه غيره.

__________________

(١) آل عمران : ٦١.

٥١٤

وقد ذكر محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب الري وهو من أعظم علماء الأشعرية صاحب التصانيف الكثيرة طرفا منها أيضا ، يقول في الكتاب الذي صنفه وجعله دستورا لولده وسماه كتاب الأربعين في الفصل الخامس من المسألة التاسعة والثلاثين في بيان أفضل الصحابة بعد رسول الله " ص " ويورد عشرين حجة في أن علي بن أبي طالب أفضل الصحابة بعد رسول الله ، يقول في الحجة الثالثة منها ما هذا لفظه : إن عليا كان أعلم الصحابة والأعلم أفضل ، وإنما قلنا إن عليا كان أعلم الصحابة للإجمال والتفصيل.

أما الاجمال فهو أنه لا نزاع أن عليا كان في أصل الخلقة في غاية الذكاء الفطنة والاستعداد للعلم وكان محمد " ص " أفضل العقلاء وأعلم العلماء وكان علي في غاية الحرص في طلب العلم وكان محمد صلوات الله عليه وآله في غاية الحرص في تربية علي وفي إرشاده إلى اكتساب الفضائل ، ثم إن عليا عليه السلام نشأ من أول صغره في حجر محمد " ص " وفي كبره صار ختنا له وكان يدخل عليه في كل الأوقات ، ومن المعلوم أن التلميذ إذا كان في غاية الذكاء والحرص على النقل وكان الأستاذ في غاية الفضل وفي غاية الحرص على التعليم ، ثم اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بخدمة هذا الأستاذ من زمان الصغر وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الأوقات فإنه يبلغ التلميذ في العلم مبلغا عظيما.

وهذا بيان إجمالي أن عليا كان أعلم الصحابة ، وأما أبو بكر فإنه اتصل بخدمته صلى الله عليه وآله وسلم في زمان الكبر ، وأيضا ما كان يصل إلى خدمته في اليوم والليلة إلا زمانا يسيرا ، أما علي فإنه اتصل بخدمته في زمان الصغر وقد قيل : العلم في الصغر كالنقش في الحجر والعلم في الكبر كالنقش في المدر ، فثبت بما ذكرنا أن عليا كان أعلم من أبي بكر.

٥١٥

وأما الفصيل فيدل على ذلك وجوه :

(الأول) قوله عليه السلام " أقضاكم علي " ، والقضاء يحتاج إلى جميع العلوم ، فلما رجحه على الكل في القضاء لزم أنه رجحه عليهم في جميع العلوم ، وأما سائر الصحابة فقد رجح كل واحد منهم على غيره في علم واحد كقوله أفرضكم زيد بن ثابت وأقرأكم أبي.

(الثاني) أن أكثر المفسرين سلموا أن قوله تعالى " وتعيها أذن واعية " نزل في حق علي بن أبي طالب عليه السلام ، وتخصيصه بزيادة الفهم يدل على اختصاصه بمزيد العلم.

(الثالث) روي أن عمر أمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر فنبهه علي عليه السلام بقوله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " مع قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر فقال عمر : لولا علي لهلك عمر ، وروي أن امرأة أقرت بالزناء وكانت حاملا فأمر عمر برجمها فقال : إن كان لك سلطان عليها فما سلطانك على ما في بطنها ، فترك عمر رجمها وقال : لولا علي لهلك عمر.

فإن قيل لعل عمر أمر برجمها من غير تفحص عن حالها فظن أنها ليست بحامل فلما نبهه علي ترك رجمها.

قلنا : هذا يقتضي أن عمر ما كان يحتاط في سفك الدماء وهذا أشر من الأول.

وروي أيضا أن عمر قال يوما على المنبر : ألا تغالوا في مهور النساء فمن غالى في مهر امرأة جعلته في بيت المال ، فقامت عجوز وقالت : يا أمير المؤمنين أتمنع عنا ما جعله الله لنا ، قال الله تعالى " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا " فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت ، فهذه الوقائع وقعت لغير

٥١٦

علي ومثلها لم يتفق لعلي عليه السلام.

(الرابع) نقل عن علي عليه السلام أنه قال : والله لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، والله ما من آية نزلت في بحر ولا بر ولا سهل ولا جبل ولا سماء ولا أرض ولا نهار إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شئ نزلت.

طعن أبو هاشم وقال : التوراة منسوخة فكيف يجوز الحكم بها؟

الجواب عنه من وجوه :

الأول ـ لعل المراد شرح كمال علمه بتلك الأحكام المنسوخة على التفصيل وبالأحكام الناسخة الواردة في القرآن.

والثاني ـ لعل المراد أن قضاة اليهود والنصارى متمكنون من الحكم والقضاء على وفق أديانهم بعد بذل الجزية فكان المراد أنه لو جاز للمسلم ذلك لكان هو قادرا عليه.

والثالث ـ لعل المراد أن يستخرج من التوراة والإنجيل نصوصا دالة على نبوة محمد " ص " وكان ذلك أقوى في التمسك بها على اليهود والنصارى.

(الخامس) أنا نتفحص عن أحوال العلوم وأعظمها علم الأصول وقد جاء في خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر وأحوال المعاد ما لم يأت في كلام سائر الصحابة.

وأيضا فجميع فرق المتكلمين ينتهي آخر نسبهم في هذا العلم إليه ، أما المعتزلة فهم ينسبون أنفسهم إليه ، وأما الأشعرية فكلهم منتسبون إلى الأشعري وهو كان تلميذا لأبي علي الجبائي المعتزلي وهو منتسب إلى أمير المؤمنين ، وأما الشيعة فانتسابهم إليه ظاهر ، وأما الخوارج فهم مع غاية بعدهم منتسبون

٥١٧

إلى أكابرهم وأولئك الأكابر كانوا تلامذة علي بن أبي طالب عليه السلام ، فثبت أن جمهور المتكلمين من فرق الإسلام كلهم تلامذة علي بن أبي طالب وأفضل فرق الأمة الأصوليون وكان هذا منصبا عظيما في الفضل.

ومنها علم التفسير وابن عباس كان رئيس المفسرين وهو كان تلميذ علي بن أبي طالب ، ومنها علم الفقه وكان في الدرجة العالية ولهذا قال عليه السلام : أقضاكم علي وقال علي بن أبي طالب : لو كسرت لي الوسادة لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم على ما نقلناه ، ومنها علم الفصاحة ومعلوم أن واحدا من الفصحاء الذين بعده لم يدركوا درجته ولا القليل من درجته ، ومنها علم النحو ومعلوم أنه إنما ظهر منه وهو الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي إليه ، ومنها علم تصفية الباطن ومعلوم أن نسب جميع الصوفية ينتهي إليه ، ومنها علم الشجاعة وممارسة الأسلحة ومعلوم أن نسبة هذه العلوم ينتهي إليه ، فثبت بما ذكرنا أنه عليه السلام كان أستاذ العالمين بعد محمد " ص " في جميع الخصال المرضية والمقامات الحميدة الشريفة ، وإذا ثبت أنه كان أعلم الخلق بعد رسول الله " ص " وجب أن يكون أفضل الخلق بعده لقوله تعالى " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وقوله تعالى " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ".

ثم ذكر الرازي المقدم ذكره في آخر الفصل المذكور ما هذا لفظه ومعناه : (الحجة العشرون) إعلم أن الفضائل إما نفسانية وإما بدنية وإما خارجية ، أما الفضائل النفسانية : فهي محصورة في نوعين العلمية والعملية ، أما العلمية : فقد دللنا على أن علم علي كان أكثر من علم سائر الصحابة ومما يقوي ذلك ما روي أن عليا عليه السلام قال : علمني رسول الله " ص " ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب.

وأما الفضائل النفسانية فأقسام : منها العفة والزهد وقد كان في الصحابة جمع

٥١٨

من الزهاد كأبي ذر وسلمان وأبي الدرداء وكلهم كانوا فيه تلامذة علي عليه السلام ومنها الشجاعة وقد كان في الصحابة جماعة شجعان كأبي دجانة وخالد بن الوليد وكانت شجاعته أكثر نفعا من شجاعة الكل ، ألا ترى أن النبي " ص " قال يوم الأحزاب : لضربة علي خير من عبادة الثقلين ، وقال علي عليه السلام : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية لكن بقوة إلهية ، ومنها السخاوة وقد كان في الصحابة جمع من الأسخياء وقد بلغ إخلاصه في سخاوته إلى أن أعطى ثلاثة أقراص فأنزل الله تعالى في حقه " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ومنها حسن الخلق وقد كان مع غاية شجاعته وبسالته حسن الخلق جدا وقد بلغ فيه إلى حيث نسبه أعداؤه إلى الدعابة ، ومنها البعد عن الدنيا وظاهر أنه كان مع انفتاح أبواب الدنيا عليه لم يظهر التنعم والتلذذ ، وكان مع غاية شجاعته إذا شرع في صلاة التهجد وشرح في الدعوات والتضرعات إلى الله تعالى بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من الزهاد ، ولما ضربه ابن ملجم قال : فزت ورب الكعبة.

وأما الفضائل البدنية : فمنها القوة والشدة وكان فيهما عظيم الدرجة حتى قيل إنه كان يقطع الهام قطع الأقلام ، ومنها النسب العالي ومعلوم أن أشرف الأنساب هو القرب من رسول الله " ص " وهو كان أقرب الناس في النسب إلى رسول الله " ص " ، وأما العباس فإنه وإن كان عم رسول الله إلا أن العباس كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الأب لا من الأم ، وأما أبو طالب فإنه كان أخا لعبد الله والد رسول الله من الأب والأم ، وأيضا فإن عليا عليه السلام كان هاشميا من الأب والأم لأنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، وأيضا أم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم ، ومنها المصاهرة ولم يكن لأحد من الخلق مصاهرة مثل ما كانت له ، وأما عثمان فهو وإن شاركه في كونه صهر

٥١٩

للرسول " ص " إلا أن أشرف أولاد الرسول هي فاطمة ولذلك قال عليه السلام : سيدة نساء العالمين أربع وعد منهن فاطمة ، ولم يحصل مثل هذا الشرف للبنتين اللتين هما زوجتا عثمان ، ومنها أنه لم يكن لأحد من الصحابة أولاد يشاركون أولاده في الفضيلة كالحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة ولداه ، ثم انظر إلى أولاد الحسن مثل الحسن المثنى والمثلث وعبد الله بن المثنى والنفس الزكية ، وإلى أولاد الحسين مثل زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا فإن هؤلاء لأكابر يقر بفضيلتهم وعلو درجتهم كل مسلم ، ومما يدل على علو شأنهم إن أفضل المشايخ وأعلاهم درجة أبو يزيد البسطامي وكان سقاء في دار جعفر الصادق وأما معروف الكرخي فإنه أسلم على يدي علي بن موسى الرضا وكان بواب داره وبقي على هذه الحالة إلى آخر عمره ، ومعلوم أن أمثال هذه الأولاد لم يتفق لأحد من الصحابة ، ولو أخذنا في الشرح والإطناب لطال الكلام (١).

(قال عبد المحمود) : فهذا آخر كلام الرازي ، وقد روى في هذا الكتاب من الفضائل لعلي بن أبي طالب عليه السلام والمناقب والخصائص الجليلة ما قد تقدم شرح بعضها عنهم من كتبهم ، وإنه أسبقهم إيمانا وأعظمهم جهادا وأفضلهم علما وأرجحهم زهدا وأقربهم إلى رسول الله " ص " نسبا وأكثرهم به امتزاجا وآخرهم به عهدا وأفضلهم في كل فضيلة ، ومع ذلك فإن أكثرهم استحسنوا لأنفسهم ودينهم أن يقدموا عليه الثلاثة الخلفاء الذين قد ذكروا عنهم وشهدوا عليهم إنه وقع منهم ما قد تقدم ذكر بعضه.

والعجب أيضا أن يحصل لمعاوية من المسلمين من يسعده على محاربة علي

__________________

(١) الأربعين : ٤٦٥ ـ ٤٦٨ ومن ٤٧٤ ـ ٤٧٦. قال في آخره : فهذا مجموع دلائل من قال بتفضيل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

٥٢٠