🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

عائشة أن تناقض بين حديثها الثامن والثمانين من المتفق عليه من مسندها وبين حديثها السادس؟

ولم يدع أحد من المسلمين إن اللعب كانت مباحة نسخ تحليلها ، وأي فائدة أو مصلحة كانت لهم أو لنبيهم أو للإسلام في نقل ذلك والشهادة بصحته وكان يجب لو نقل هذا الخلق الكثير أن يكذبونهم ويسقطون رواياتهم ويقولون إن نبينا أجل من أن يقع ذلك عنده وفي بيته الذي قد أسس للعبادات وبني على إنكار المنكرات وهو محل نزول جبرئيل عليه السلام وغيره من الملائكة ، أو كان نبيهم يؤثر منع جبرئيل والملائكة من دخول بيته لما رووا عنه أنهم لا يدخلون بيتا فيه تماثيل أو تصاوير ويطلب بذلك كله رضا قلب عائشة.

٣٢١ ـ ومن العجب في ذلك أنهم رووا في الحديث التاسع عشر من أفراد البخاري من الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله أن النبي " ص " لما رأى الصور في الكعبة لم يدخل حتى أمر بمحيها فمحيت (١).

(قال عبد المحمود) : هذا يروونه عن نبيهم في امتناعه من دخول الكعبة حتى محيت منها التصاوير ولم يدخل لأنه بيت ربه ، ويحتمل ذلك لأجل عائشة مثلا ، فكيف يقال عن مثل هذا إنه كان يختار أن تلعب زوجته عائشة في بيته باللعبة ويجمع لها النساء يلعبن معها ، بئس الأمة أمة تقول نبيها مثل هذا.

٣٣٢ ـ ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس والعشرين من المتفق عليه من مسند عائشة قالت : رأيت النبي " ص " يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر فقال النبي : آمنا يا بني أرفده ، يعني من الأمن.

ومن الحديث المذكور عن عروة عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها

__________________

(١) البخاري في صحيحه : ٧ / ٦٦.

٢٢١

جاريتان في أيام منى تدفان وتضربان والنبي " ص " يتغشى بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي وجهه دعهما فقال : يا أبا بكر فإنها أيام عيد وتلك الأيام أيام منى.

ومن الحديث المذكور عن عروة عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله " ص " وعندي جاريتان تغنيان بغناء ، فاضطجع رسول الله على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمار الشيطان عند النبي ، فأقبل عليه رسول الله فقال : دعهما فلما غفل غمزتهما فخرجتا (١).

(قال عبد المحمود) : مؤلف هذا الكتاب : كيف حسن من هؤلاء المسلمين نقل مثل هذه الأحوال نبيهم وتصحيحهم وهم قد ذكروا عنه أنه أعقل العقلاء وأكمل الأنبياء ، وتالله إننا نحن نعلم أن نبيهم ما كان على صفة يرضى بمثل ما قد ذكرته عائشة عنه ، فإن كل عاقل يعلم أن مثل هذا اللعب واللهو والاشتغال عن الله لا يليق بمن يدعي صحبة نبي من الأنبياء. فكيف يروونه عمن يعتقد أنه أفضل الأنبياء.

ومن أعجب ما تضمنه بعض هذه الأحاديث أنه كان يفرج زوجته على الذين يلعبون ويطرق لنسائه وحرمه الانبساط في مثل هذه الروايات التي تقدح في الأماثل والأفاضل ، ولا سيما وقد ذكر أنه كان أعظم الناس غيرة ، ورووا في غيرته أخبارا تضمنها صحاحهم.

٣٢٤ ـ فمن ذلك في كتاب الحميدي في الحديث الثالث والستين من أفراد مسلم من مسند أبي هريرة قال : قال سعد بن عبادة : يا رسول الله " ص " لو وجدت مع أهلي رجلا ، لم أمسه حتى آتى بأربعة شهداء؟ قال رسول الله : نعم. قال : كلا ، والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله :

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٦٠٨ ـ ٦٠٩ ، والبخاري في صحيحه : ٣ / ٢٢٨.

٢٢٢

اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور ، وأنا أغير منه والله أغير مني (١).

٣٢٥ ـ ومن ذلك ما ذكره الحميدي أيضا في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الخامس من المتفق عليه من مسند المغيرة بن شعبة ، أنه قال عن نبيهم : أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه ، والله أغير مني ، من أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ـ الخبر (١). وروى المسلمون في ذلك " شعرا " :

إن سعدا لغيور والنبي أغير منه

وإله العرش أوفى غيرة بالنقل عنه

فإذا ما بانت الغيرة من رأس فبنه

مستحل العانة تحصي العفو خوفا إن تخنه

خلق السيف لرأس خلت النخوة منه

فكيف هذه المناقضات في رواياتهم ومقالاتهم؟.

ومن طرائف ذلك أنهم ذكروا أن الحبشة كانوا يلعبون في المسجد ، وقد رووا أن نبيهم صان مسجده عن غير العبادات ، حتى أن رجلا ضلت له ضالة فنادى عليها في المسجد فأنكر عليه ذلك.

٣٢٦ ـ فمن ذلك ما ذكره الحميدي في الحديث السادس من أفراد مسلم من مسند بريدة بن الحصين أن رجلا نشد في المسجد فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر : فقال النبي " ص " : لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له (٢).

٣٢٧ ـ ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في الحديث التاسع والستين بعد المائة من مسند أبي هريرة من أفراد البخاري قال رسول الله " ص " : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه ٢ / ١١٣٥.

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١١٣٦.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٤٩٧.

٢٢٣

تبن لهذا (١).

٣٢٨ ـ ومن ذلك ما ذكره الحميدي أيضا في بعض الحديث الخامس والأربعين من مسند ابن مالك عن النبي " ص " قال : إن هذه المساجد إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن.

فمن أنكر إنشاد الضالة في مسجده والحديث في غير ذكر الله ، كيف ينسب إليه الرضا باللعب في المسجد وتفريج زوجته على ذلك.

ومن طرائف هذه الأحاديث أن أبا بكر وعمر ينكران عليه وعلى المغنيات ، وينكر عمر على الحبشة (٢) ، ويستقبحان له ذلك ، فيمنعهما عن الانكار ويستحسن هو لنفسه ولدينه ولزوجته مثل ذلك ، ثم إن كتابهم يتضمن " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار " (٣) فكيف يكون بيوت جعلها الله تعالى للارتفاع وذكر اسمه ، موضعا للمغنيات واللعب واللهو؟ ثم كيف يكون رجال قد وصفهم الله إن التجارة والبيع المباحين لا تلهيهم عن ذكره فكيف يقال عن نبيهم الذي هو سيد هؤلاء الرجال أنه يتلهى عن ذكر الله بسماع المغنيات وتفريج زوجته.

ومن طرائف ذلك أنه يكون أبو بكر وعمر يعتقدان نقص نبيهم محمد " ص " وأنهما أعرف منه بالآداب الدينية والدنيوية حيث أنكرا على المغنيات والحبشة ، وهلا اقتديا به وكان لهما فيه أسوة حسنة؟ فكانا يسكتان كما سكت وحيث لم يسكتا فهلا قالا يا رسول الله ما سبب سكوتك عن الانكار؟ وإن كانا لا يعرفان محل الأنبياء ولا ما يجب من التأدب معهم ، وكانا مثلا يعتقدانه ملكا من الملوك ، فأين الأدب مع الملوك؟ والتلطف في حسن صحبتهم؟

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣٩٧.

(٢) راجع صحيح مسلم : ٢ / ٦١٠ حديث : ٨٩٣.

(٣) النور : ٣٦ ـ ٣٧.

٢٢٤

وإن كان المقصود من إنكارهما المشورة عليه بترك المغنيات وترك الرضا بذلك ، فكان يليق أن يقولا كما جرت عادة المشير علي من هو أعظم منه ، ولا يبدءا بالإنكار قبل المشورة ، ثم وأين هذا الانكار مما تضمن كتابهم " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " (١) أما هذا تقدم بين يدي الله ورسوله وتهجم عليهما واعتقاد لنقص تدبيرهما. والله لقد فضح هؤلاء المسلمون أنفسهم بهذه الروايات وقبحوا ذكر ما بلغوا في وصفه الغايات.

ومن طرائف رواياتهم أيضا عن عائشة ما يخالف فيه أهل بيت نبيهم.

٣٢٩ ـ ما ذكره الحميدي في الحديث الرابع بعد المائة من المتفق عليه من مسند عائشة من حديثها قالت : سحر رسول الله حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشئ وما فعله ، وفي الحديث المذكور من حديث ابن عيينة قال : ومن طبه يعني سحره؟ قال : لبيد بن الأعصم رجل من زريق حليف اليهود وكان منافقا.

قال الحميدي : عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي " ص " سحر حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشئ ولم يصنعه ، وفي رواية أبي أسامة عن هشام عن عروة عن عائشة مثل هذا أيضا (٢).

(قال عبد المحمود) : كيف استجازوا رواية مثل هذا الحديث؟ وكيف قبلوا شهادة عائشة على نبيهم بمثل ذلك؟ ثم وكيف صححوه وقد رووا في كتبهم أن نبيهم كان مصونا بالألطاف الربانية والعناية الإلهية عن تأثير السحر فيه ، وأيضا فقد رووا عنه " ص " أنه كان يعلم الناس كيف يحرسون أنفسهم من السحر ، فكيف يترك نفسه ويعلم غيره؟ وكيف يقال عنه أنه يقول ما لا يفعل؟ وكيف يمكن الله من سحر أنبيائه الذين يبلغون عنه؟ وما يؤمن أن يقع وهم مسحورون ما ينفر الناس عنهم ويوجب ترك القبول منهم ، وأن يزيدوا في شريعته أو ينقصوا

__________________

(١) الحجرات : ١.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ١٧١٩ ـ ١٧٢١ ، والبخاري في صحيحه : ٧ / ٨٨.

٢٢٥

منها شيئا وهم لا يعلمون.

ثم لو وقع ذلك كيف جاز تقبيح ذكر نبيهم وإساءة سمعة الإسلام بنقل مثل هذا وتصحيحه؟ ثم وكيف تقبل شهادة عائشة وهي امرأة ، وقد تقدم بعض أحوالها المنكرة ، في مثل هذا الأمر العظيم الذي يجرح به النبوة والإسلام ويقدح به في عناية الله بنبيهم وحراسته له؟ ثم وكيف يعارضون بهذا الحديث السخيف ما قد تضمنه كتابهم من أن الله كفاه شر من لم يؤمن به في قوله " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (١) ".

والله ما جاز أن يقولوا ذلك عن نبيهم ولا أن يجعلوا بذلك طريقا لأهل الذمة وأعداء الإسلام. ولله در القائل حيث يقول :

ما يبلغ الأعداء من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

ومن طرائف روايات عائشة :

٣٣٠ ـ ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني والسبعين من المتفق عليه من مسند عائشة من حديث الزهري عن عبد الله بن مسعود عن عائشة زوج النبي " ص " قالت : لما ثقل النبي " ص " واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ، فأذن له ، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض ، بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر. وفي رواية بين الفضل بن عباس ورجل آخر. قال عبيد الله في الروايتين : فأخبرت عبد الله بن عباس بالذي قالت عائشة ، فقال أتدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال : قلت : لا ، قال ابن عباس : هو علي (٢).

__________________

(١) البقرة : ١٣٧.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣١٣ و ٤١٣ حديث : ٩١ و ٩٢ ، والبخاري في صحيحه : ٧ / ١٨.

٢٢٦

٣٣١ ـ ثم روى الحميدي في مسند عائشة أيضا في الحديث الثالث والسبعين من المتفق عليه في رواية أبي أسامة ومحمد بن حرب عن عائشة قالت : كان رسول الله " ص " ليتفقد في مرضه يقول : أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطأ ليوم عائشة ، قالت : فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري (١).

(قال عبد المحمود) : أرى الحديث الأول يدل على أن انتقاله إلى بيتها ما كان في يومها وإن أزواجه آثروه بأيامهن ، وأرى الحديث الثاني يدل على انتقاله إلى بيتها كان في يومها ، وجميعه انتقال واحد ، فأي الحديثين كذب وأيهما صحيح فأراهما معا في الصحاح.

ومن طرائف رواياتها في الحديث الثاني والسبعين المقدم ذكره من مسند عائشة فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ما ادعته من صلاة أبيها أبي بكر بالناس في مرض نبيهم ، وفي هذا الحديث عدة طرائف تدل على أنه مجعول أو زائف.

٣٣٢ ـ فروى مسلم والبخاري من حديث موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال : دخلت على عائشة فقلت لها : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله " ص " قالت : بلي ، ثقل النبي فقال : أصلي الناس؟ قلنا : لا ، وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، ففعلنا ، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : أصلي الناس؟ قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. فقال : ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا ، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : أصلي الناس؟ قلنا: لا ، وهم ينتظرونك رسول الله. فقال : ضعوا لي ماء في المخضب ، ففعلنا ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : أصلي الناس : فقلنا : لا ، وهم ينتظرونك يا رسول الله. قالت : والناس عكوف

__________________

(١) رواه في صحيحه : ٤ / ١٨٩٣.

٢٢٧

في المسجد ينتظرون رسول الله لصلاة العشاء الآخرة. قالت : فأرسل رسول الله " ص " إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر وكان رجلا : رقيقا : يا عمر صل بالناس قال. فقال عمر : أنت أحق بذلك. قالت : فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام.

ثم إن رسول الله " ص " وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين ، أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا يتأخر وقال لهما : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي والنبي قاعد. هذا لفظ حديثيهما في صحيحيهما على ما ذكره الحميدي (١).

(قال عبد المحمود) : في هذا الحديث عدة طرائف ، فمن طرائف هذا الحديث أنه يدل على أن نبيهم محمدا صلى الله عليه وآله كان يكره أن يصلي بالناس غيره لما تضمنه من معالجته لمرضه ثلاث مرات ليخرج إليهم.

ومن طرائف هذا الحديث المذكور أن نبيهم محمدا صلى الله عليه وآله كان يسئ الظن بأصحابه ومعتقدا لإقدامهم على ترك مراقبته ، لأنه في كل مرة في معالجته يقول : أصلى الناس؟ فلو كان حسن ظنه بهم وأنهم ما يصلون إلا بإذنه ولا يقدمون إماما إلا برأيه ، ما قال كل مرة أصلى الناس؟ فيقال : لا.

ومن طرائف الحديث المذكور أن الحميدي ذكر في الحديث الثاني والسبعين المقدم ذكره من طريق آخر غير ما قدمناه ، وهي أن البخاري ومسلما أخرجا حديث الصلاة من حديث الأسود بن يزيد بن قيس النخعي عن عائشة : فذكرت أن نبيهم محمدا " ص " لما أذن بالصلاة قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فخرج أبو بكر يصلي فوجد النبي من نفسه خفة فخرج يتهادى بين رجلين

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣١١ ـ ٣١٢.

٢٢٨

الخبر ولم يذكر معالجته للخروج ولا توقفا عن الأمر لأبيها بالصلاة.

ومن طرائف الحديث المذكور أنها ذكرت في الحديث المقدم أن أباها صلى بالناس أياما وفي حديث الأسود بن يزيد أن نبيهم محمدا ص خرج عقيب أمره لأبي بكر بالصلاة بما ذكرتها من فاء التعقيب ومضمون الحديث يقتضي أن أباها لم يكن دخل في الصلاة.

ومن طرائف الحديث المذكور أنها ذكرت في الحديث الأول أن النبي ص لما أمر لأبيها بالصلاة كان الناس عكوفا في المسجد وذكرت في الحديث الأسود بن يزيد أن النبي ص لما أمر لأبي بكر بالصلاة خرج يصلي فمفهوم ذلك أن أباها كان في المسجد ومفهوم هذا أن أباها كان عند النبي أو في داره.

ثم فهذا الرسول الذي كان بين نبيهم وبين أبي بكر يأمره بالصلاة من هو ومن أي القبائل فما نرى له اسما قط في شيء من هذه الروايات مع كونه عندهم من المهمات.

ومن طرائف الحديث المذكور أن أباها أتاه الرسول عن نبيهم ص بالصلاة فأشار إلى عمر أن يصلي بالناس وهذا يدل على أن أباها عرف أن الرسالة ما كانت عن النبي أو أنه علم أن التقدم في الصلاة لا فضيلة فيه وأن الناس في التقدم سواء أو أنه عرف فضيلة ذلك وكان يعتقد جواز مخالفة النبي فيما يأمر به أو كان يعتقد عدم جواز مخالفته وخالف معاندة فأي فائدة لأبيها في ذلك مع سوء هذه المسالك.

ومن طرائف الحديث المذكور أن عائشة هب أنها تحدث بما حضرته من قول نبيهم ومرضه وأمره بالصلاة فهذا الحديث الآخر الذي تجدد في المسجد بعد خروج النبي ص للصلاة عمن روته ولم تحضره فما هذا الاختلاط والإفراط.

٢٢٩

ومن طرائف الحديث المذكور أنه لم يتضمن أن أحدا راجع النبي " ص " لما أمر أن يصلي أبوها بالناس.

٣٣٤ ـ وقد ذكر الحميدي في جملة الحديث الثاني والسبعين في رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها أنها راجعت النبي " ص " وقالت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء (١).

٣٣٥ ـ وذكر الحميدي في جملة الحديث المذكور من رواية ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن عائشة قالت : وما حملني على كثره مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا (٢).

٣٣٦ ـ وذكر الحميدي في الحديث المذكور من رواية الزهري عن أبي حمزه بن عبد الله بن عمر ، عن عائشة أنها قالت : ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله " ص " (٣).

(قال عبد المحمود) : هذا عدة أعذار ومقالات تحتاج إلى عدة مقامات ، ولا خلاف بين أهل الصدق منهم أن مقام الأمر بالصلاة كان مقاما واحدا ، ففي أي ذلك صدقت عائشة ، فأرى الجميع قد صححوه.

ومن طرائف الحديث المذكور أن عائشة تعتقد أن رأيها لأبيها أصلح من رأي النبي " ص " له ، وتتهم النبي في الأمر له بالصلاة.

ومن طرائف الحديث المذكور الذي يضحك الناس أن يكون نبيهم لما خرج على تلك الضرورة يتهادى بين رجلين ليمنع أبا بكر أن يصلي بالناس ويصلي هو بهم ، فلما صلى نبيهم محمد " ص " كان أبو بكر وحده يصلي بصلاته

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣١٣ حديث : ٩٣.

(٢) رواه البخاري في صحيحه : ٥ / ١٤٠.

(٣) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣١٣ حديث : ٩٤.

٢٣٠

والناس كلهم يصلون بصلاة أبي بكر فإن العقل ما يقتضي أن مسلما عارفا يكون بين يديه النبي وأبو بكر فيقتدي بأبي بكر ويترك الاقتداء بالنبي ومن فعل ذلك من المسلمين فهو معدود من السفهاء الغافلين الذين لا يعتقد عاقل بايتمامهم وانفرادهم.

ومن طرائف ذلك شهادة عائشة ومن تابعها بأن المسلمين كانوا يقتدون في هذه الصلاة بأبي بكر وهذا الاقتداء راجع إلى نيات القلوب فمن أين عرفت عائشة وأتباعها بواطن المصلين ممن اقتدوا لما خرج نبيهم محمد ص للصلاة ثم إن تحكيم عائشة واتباعها في ذلك ودعواها للاطلاع على بواطن المصلين من أعظم طرائف هؤلاء المسلمين وإن المصدقين لها على صفات من الغفلات.

ومن طرائف الحديث المذكور أن كلما ذكره الحميدي في هذا الحديث من رواياتها يتضمن كتمانها لاسم علي بن طالب ع حيث خرج نبيهم محمد ص يتوكأ عليه وهذا تعصب عظيم عليه فما سبب الحقد منها على علي بن أبي طالب عليه السلام إن ذلك مما يقدح في روايتها عند ذوي البصائر والتجارب.

ومن طرائف الحديث المذكور أنها ذكرت أن نبيهم لما وجد في نفسه خفة خرج ليصلي بالناس وهذا من العجائب فإنه كيف جاز أن يقول عن نبيهم أو يصدقها أحد بأنه كان قد دخل وقت الصلاة وصلى أبو بكر والمسلمون ونبيهم لم يصل هو ولا العباس ولا الرجل الذي أخبر عبد الله بن العباس وغيره أنه علي بن أبي طالب أفترى أن عائشة وأتباعها يقولون إن نبيهم محمدا ص علم هو والذين كانوا معه قد دخل وقت الصلاة وصلى الناس ولم يصل بحسب حاله في مرضه ولا صلى العباس وعلي أو يقولون إن المسلمين لم يعرفوه

٢٣١

بوقت دخول الصلاة ولم يستأذنوه في صلاتهم وفي ذلك مناقضة لما تقدم من رواياتهم.

ومن طرائف الحديث المذكور قولهم إن النبي ص خرج ليصلي بالناس ثم قولهم إن الناس كانوا بعد خروجه يقتدون في صلاتهم بأبي بكر تراهم ما استصوبوا رأي نبيهم في الصلاة بهم أو اعتقدوا أن الصلاة خلف أبي بكر بعد خروج نبيهم أفضل من الصلاة خلف نبيهم أو عرفوا أن الواجب أو الأفضل الصلاة خلف نبيهم فتركوا ذلك عمدا واستخفافا بالإسلام إن هذا مما يستطرفه ذوي البصائر والأفهام وقد تقدم بعض معناه.

ومن طرائف الحديث المذكور أن تقبل شهادة عائشة برواية هذا الحديث وأمثاله وأعظم منه في إقامة حرمة أبيها وتعظيم شأنه وهي تجر الجاه وغيره بذلك إلى نفسها ويطعنون على شهادة علي بن أبي طالب والحسن والحسين لفاطمة ع بفدك والعوالي وقد شهدت رواياتهم بطهارتهم وعصمتهم ويكون أولئك ممن يجر النفع إلى نفسه ويتهم في روايته وشهادته وعائشة لا تتهم في روايتها ولا يطعن في شهادتها إن هذا من أعظم طرائف هؤلاء الطوائف.

ومن طرائف الحديث المذكور أنهم جعلوه من الأسباب الموجبة لتعظيم أبي بكر على الصحابة مع ما تضمنه من الاضطراب والمناقضة في الأسباب وربما جعلوه سببا لخلافته مع ما

يروون أن نبيهم محمدا ص قال صلوا خلف كل بر وفاجر ومع ما يذهبون إليه من كون شريعتهم يقضي الإذن العام من الله ورسوله لكل مسلم في التقدم للصلاة بالناس.

ومما يدل على أن الأمر بالصلاة خلف كل أحد من الصحابة لا يقتضي خلافة ولا إمارة ولا نحو ذلك أن النبي ص كان يخرج في الغزوات والأسفار ورووا

٢٣٢

أنه ما خرج أبدا إلا وأمر من يصلي بالناس.

من ذلك ما رووا أن رسول الله ص خرج وعين للصلاة أبا لبابة المكنى بأبي منذر وكان يصلي بالناس حتى رجع رسول الله من غزاة بدر واستخلف عام الفتح ابن أم مكتوم الأعمى فلم يزل يصلي بالناس حتى رجع النبي واستخلف في غزاة أحد أبا ذر الغفاري واستخلف في غزاة الحديبية ساع بن عرقطة واستخلف في غزاة تبوك علي بن أبي طالب ع وأمر ابن أم مكتوم أن يصلي بهم واستخلف في غزاة وردان سعد بن عبادة واستخلف في غزاة نواط سعد بن معاذ وفي طلب كرب بن جابر الفهري زيد بن حارثة وفي غزاة الفترة أبا سلمة بن الأسد المخزومي وفي غزاة قينقاع أبا لبابة وفي غزاة المبلك ابن أم مكتوم وفي غزاة رادم عثمان بن عفان وفي غزاة البدر الموعد عبد الله بن رواحة فهل اقتضى ذلك خلافة أو إمارة ولو كان ذلك يقتضي خلافة أو إمارة لكان المسلمون يحكمون بالخلافات والإمارات لكل من أمره أن يكون إماما في الصلاة ولكانوا ما يرجعون عن ذلك إلا أن يقول لهم النبي ص ما قصدت بذلك ولو كان ذلك تقتضي خلافة أو إمارة لذكره أبو بكر يوم السقيفة أو ذكره أحد غيره فأي فضيلة تبقى في هذا الحديث لو صح وسلم من الخلل والفساد وكيف خفي عن أهل النظر والانتقاد.

ومن طرائف ما يدل على أن أولئك المسلمين ما كانوا يراعون إذن نبيهم ص في القيام مقامه في الصلاة بالناس أو أنهم كانوا يعتقدون ذلك ويقدمون على ترك إذنه ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في المتفق عليه من مسند المغيرة بن شعبة في الحديث الأول قال المغيرة برز رسول الله ص قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله توضأ للصلاة ووصف المغيرة الوضوء ثم قال المغيرة فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا

٢٣٣

عبد الرحمن بن عوف يصلي بهم ، فأدرك رسول الله إحدى الركعتين ، فصلى ، مع الناس الركعة الآخرة ، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله " ص " فتمم صلاته ، فافزع ذلك المسلمين ، فأكثروا التسبيح ـ الخبر (١).

٣٣٨ ـ وفي رواية أخرى من الحديث المذكور عن عروة بن المغيرة عن أبيه يذكر فيه انفراد رسول الله " ص " للتأهب للصلاة والوضوء ، إلى أن قال : ثم ركب وركبت معه فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة ـ الخبر.

وذكر الحميدي في هذا الحديث أيضا رواية الزهري إن هذه الحال تجددت بين المسلمين في غزاة تبوك (٢).

(قال عبد المحمود) : في هذا الحديث عدة طرائف :

فمن طرائف ما فيه أنه يشهد بتصديق الشيعة في كون أبي بكر ما كانت صلاته بالناس في مرض نبيهم بإذنه ، إذا صحت الرواية بذلك لأن من أقدموا على التقديم على النبي والقيام مقامة في محرابه وهو صحيح من المرض يخاف ويرجى ولم يترقبوه حتى يتوضأ للصلاة ، فلا يستبعد منهم بل هو الذي يليق عنهم أنهم وقت مرضه وعند اليأس منه يتقدمون في محرابه بغير إذنه. لا سيما وصورة الحال في خروجه على تلك الصفة من المرض تدل على أنه ما كان إذن في الصلاة بهم قبل خروجه.

ومن طرائف ما فيه عزل أولئك المسلمين لنبيهم عن مقام الصلاة وقلة الاحترام له وعدم التأدب معه.

ومن طرائف ما فيه أنه قد كان يمكن أن يكون تأخيره لما يقتضي نسخ تلك

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٣١٧ ـ ٣١٨.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٢٣٠ ، ومالك في الموطأ : ١ / ٤٥.

٢٣٤

الصلاة بالكلية أو تأخيرها أو تغيير بعض أوصافها فإن مثله لا يتهم أنه يتأخر عن الصلاة في محرابه ومقامه بعد دخول وقتها إلا لعذر واضح فهلا صبروا حتى يعلموا عذره واستكشفوا عن سبب تأخره.

ومن طرائف ما فيه أنه يشهد أنهم قد كانوا يعلمون أن ذلك لا يجوز وأقدموا عليه بدليل قولهم في الحديث فأفزع ذلك المسلمين.

ومن طرائف ما فيه أن يكون عبد الرحمن صلى بالنبي ص وبالمسلمين ولا يكون ذلك دالا على استحقاق الفضيلة على أبي بكر وعمر وغيره ولا سببا لخلافته بعد النبي ويكون شهادة عائشة لأبيها بالإذن في صلاة صلى أبوها بعضها وعزل عن بعض وكان الدعوى للإذن في الصلاة مظنونا وعزل نبيهم عن مقام الصلاة معلوما ثم يدل ذلك عندهم على فضيلة أبي بكر أو خلافته إن ذلك مما يتعجب العقلاء منه وينفرون عنه.

ومن طرائف ما فيه أنهم كانوا لا يفترقون بين فضيلة الايتمام بنبيهم وبين الايتمام بأبي بكر أو كانوا يفرقون ويتعمدون ترك ذلك وكلاهما قدح في صحابة نبيهم.

ومن طرائف ما فيه أنه يدل على ما تقدم من أنه لا يستبعد من أكثر الصحابة مخالفة نبيهم بعد وفاته في أوامره وتقدماته حيث أقدموا على إهماله في حياته.

ومن طرائف ما فيه أنه يشهد للشيعة أن ذلك لما وقع ما كان علي بن أبي طالب في جملة أولئك المسلمين لأنه لا خلاف بينهم أن نبيهم محمدا ص استخلفه في تلك الغزاة أعني غزاة تبوك وكان علي مقيما بالمدينة (١)

ومن طرائف ما يدل على أن أبا بكر خاصة ما كان يراعي أيضا إذن نبيهم

__________________

(١) وقد ذكر العلامة المجلسي " ره " وجوها أخر ، من أراد الوقوف عليها فليراجع البحار : ٢٨ / ١٣٠ إلى ١٧٤.

٢٣٥

محمد " ص " في القيام مقامه في الصلاة ، ولا يجد في نفسة توقفا عن عزل نبيهم عن المقام الذي جعله الله لنبيهم ، ولا استحيى من الله ولا من نبيهم ولا من المسلمين ، ويقتضي أيضا أن إقدامه على ذلك يدل على أنه لا يستبعد منه التقدم في الصلاة في مرض نبيهم بغير إذن منه كما تقدم في حال عافيته بغير إذنه.

٣٣٩ ـ ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما يرفعانه إلى محمد بن عبد الله إلى أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ، إن رسول الله ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال : أتصلي بالناس فأقيم؟ قال : نعم. قال : فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم ورجع أبو بكر القهقرى (١).

(قال عبد المحمود) : أما تفكر عاقل منصف في هذا الإقدام من أبي بكر على عزل رسولهم عن مقام صلاته ، وعن منزل نبوته ورسالته ، أما يعرف العقلاء أن منازل الأنبياء ومقاماتها لا ينزلها أحد ، ولا يقام فيها إلا بإذن الله ورسوله ، أما قرأوا في كتابهم " لا تقدموا بين يدي ورسوله "؟ فهل ترى في هذا الحديث الصحيح عندهم أن أبا بكر توقف عن التقدم؟ أو اعتذر وشاور المسلمين؟ أيستبعد منه بعد وفاة النبي أن يقدم على طلب الرياسة والملك العقيم بغير إذن من الله ورسوله وبغير استحقاق لذلك؟ أو يستبعد منه أن يقوم مقامه في الصلاة في مرضه بغير إذن من الله ورسوله وبغير استحقاق لذلك ، وقد تقدم في الطريفة التي قبل هذا من التعجب والاعتراض ما فيه تمام الأغراض وشفاء للعقول من الأمراض.

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ١ / ٣١٧.

٢٣٦

ما شهد به العامة على أنهم خالفوا وصايا نبيهم

ومن طرائف أكثر المسلمين وما شهدوا به على أنفسهم من مخالفتهم لوصايا نبيهم " ص " بعترته وإقرارهم بما فعلوا من كسر حرمتهم وحرمته :

٣٤٠ ـ ما ذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين في ثامن حديث من مسند عمر بن الخطاب يذكر فيه ما تجدد نبيهم محمد صلى الله عليه وآله في الخلافة ، يقول فيه عمر ما هذا لفظه : ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول : لو مات عمر بايعت فلانا ، فلا يغترن امرء أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى المسلمين شرها إن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ، ثم قال : بعد كلام لا حاجة إلى ذكره ، فقلت : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، وذكر إتيانهم إليه.

وحكى في الحديث عمر عن أبي بكر أنه قال : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم ، قال عمر : فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا. ثم قال بعد كلام : فقال قائل من الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف ، فقلت أبسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ، ثم قال عمر بعد كلام له : ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت : قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر : إنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فأما بايعناهم على ما لا ترضى وأما نخالفهم فيكون فسادا ، فمن بايع رجلا

٢٣٧

على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن قتلا (١).

(قال عبد المحمود) : حكى عمر بن شيبة في كتاب السقيفة عن أبي عبيدة أن قول عمر تغرة يقتلا ، يعني أرى في بيعتهما تغريرا لأنفسهما بالقتل.

٣٤١ ـ وروى الحميدي في سادس حديث من المتفق عليه من مسند أبي بكر قال : ومكثت فاطمة بعد رسول الله " ص " ستة أشهر ثم توفيت ، قالت عائشة : وكان لعلي وجهة بين الناس في حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام. وفي حديث عروة فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر ، فقال : لا والله ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. قال : فأرسل إلى أبي بكر : أأتنا ولا تأتنا معك أحد فكره أن يأتيه عمر لأنه علم من شدة عمر فقال عمر : لا تأتهم وحدك.

٣٤٢ ـ وذكر الطبري في تاريخه قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه (٣).

٣٤٣ ـ وذكر الواقدي : إن عمر جاء إلى علي في عصابة منهم أسيد بن

__________________

(١) رواه البخاري في صحيحه : كتاب المحاربين أهل الكفر والردة باب رجم الحبلى في الزنا ٨ / ٢٥ ـ ٢٨ ، والطبري في تاريخه : ٣ / ٢٠٠ ، وابن أبي الحديد في الشرح : ٢ / ٢٤ ، والشهرستاني في الملل والنحل : ١ / ٢٤ ، وابن الأثير في النهاية : ٣ / ٤٦٧.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٣٨٠ ، والبخاري في صحيحه : ٥ / ١٣٩ ، وإحقاق الحق عنه : ٢ / ٣٦٩.

(٣) الطبري في تاريخه : ٣ / ١٩٨.

٢٣٨

الحصين وسلمة بن سلامة الأشهلي فقال : أخرجوا أو لنحرقنها عليكم (١).

٣٤٤ ـ وذكر ابن جيرانة في غرره قال زيد بن أسلم : كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي وأصحابه عن البيعة أن يبايعوا ، فقال عمر لفاطمة : أخرجي من في البيت وإلا أحرقته ومن فيه ، قال : وفي البيت علي والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي ، فقالت فاطمة : أفتحرق على ولدي؟ فقال : إي والله أو ليخرجن وليبايعن (٢).

٣٤٥ ـ وروى ابن عبد ربه وهو رجل معتزلي من أعيان المخالفين وممن لا يتهم في روايته عن أبي بكر وعمر قال في الجزء الرابع في كتاب العقد الفريد عند ذكر أسماء جماعة تخلفوا عن بيعة أبي بكر فقال ما هذا لفظه : وأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال : له إن أبوا فقاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة فقالت : يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال : نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة (٣).

وروى مثل ذلك صاحب كتاب أنفاس المحامل ونفائس الجواهر عن ابن سهلوه وقد ذكر عمر بن شيبة وهو من أعيان علمائهم في كتابه الذي سماه كتاب السقيفة طرفا من القبائح العظام التي جرت على بني هاشم وعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام في ذلك المقام.

(قال عبد المحمود) : في هذه الأحاديث عدة طرائف :

فمن طرائف الأحاديث المذكورة شهادتهم بصحة ما شهد به عمر من كون

__________________

(١) رواه الشهيد التستري في إحقاق الحق عنه : ٢ / ٣٧٠.

(٢) رواه الشهيد التستري في إحقاق الحق : ٢ / ٣٧٣.

(٣) العقد الفريد : ٣ / ٦٣ ط مصر ، وروى هذا الحديث ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ١ / ١٩.

٢٣٩

بيعة أبي بكر كانت فلتة بغير مشورة في المتفق عليه من صحيح مسلم والبخاري وإذا كانت قد وقعت فلتة بغير مشورة من المسلمين ولا اتفاق كما شهد عمر وكما تضمنه الأحاديث المذكورة ، فكيف صحت في مذهب القائلين بالاختيار؟ لولا عمى القلوب وفساد الاعتبار.

ومن طرائف الأحاديث المذكورة ذم عمر لبيعة أبي بكر ووصفها بأنها كانت ذات شر ولكن الله وقى شرها ، وعمر هو الذي عقدها ، وتقدم رواياتهم لذلك.

ومن طرائف الأحاديث المذكورة أن يكون بايع تلك البيعة يستحق القتل (١) والإنكار عليه ، ويكون عمر مصيبا مشكورا في مبايعته لأبي بكر.

ومن طرائف ذلك أن هذا كله لا يكون طعنا على أبي بكر ولا عمر ولا ذكر الصحابة بسوء ، ولو كان قد وقع هذا الكلام في حق أبي بكر من العباس أو علي عليه السلام أو بعض بني هاشم أو أتباعهم ، لحكموا بضلال من وقع ذلك منه وعداوته لأبي بكر وخروجه عن حكم الإسلام " ولله در القائل " :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تبدي المساويا

ومن طرائف الأحاديث المذكورة شهادتهم أن الأنصار خالفوه بأسرهم وعلي ع ومن معه ثم بايع عمر وحده لأبي بكر وتقدم على ذلك قبل حضور علي والزبير ومن معهما وقبل اتفاق الأنصار فكيف يكون ذلك صحيحا عند عاقل ليت شعري من جعل لعمر هذا الحكم والتقدم على المسلمين من غاب ومن حضر وأي بلاء جرى على الإسلام بهذه العجلة وأي ضرر وإن دعواهم بصحة بيعته من أعظم البهت الهائل عند كل عاقل.

ومن طرائف الأحاديث المذكورة شهادتهم وتصديقهم أن الصحابة ضلوا بعد نبيهم محمد ص على ثلاث فرق أو ضل منهم فرقتان فليت شعري أيها

__________________

(١) إشارة إلى قوله حيث قال " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ".

٢٤٠