🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

قال : بلى. قلت : فلم نعطي هذه الدنية في ديننا إذا؟ قال أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بعروته ، فوالله إنه على الحق. قلت : أوليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به. قال : فأخبرك أنه يأتيه العام؟ قلت : لا. قال : فإنك آتيه وتطوف به. وزاد الثعلبي في تفسيره عند ذكر سورة الفتح وغيره من الرواة أن عمر بن الخطاب قال : ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ (١).

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : أي ضرورة كانت لهؤلاء المسلمين إلى إيراد مثل هذا الحديث وتصحيحه وشهادتهم على عمر انه ما كان يوافق نبيهم ويعارضه في أموره ، ويخالفه في تدبيره ويرى أنه أعرف منه ومن الله بالصواب ، وقد كان النبي " ص " بوصف " وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى " وهذا مما يتعجب منه ذووا الألباب.

ومن طريف ذلك قول عمر : فلم نعطي هذه الدنية في ديننا ، فهلا كانت هذه الشجاعة منه في يوم حنين وخيبر وغيرهما من الغزوات التي هرب فيها وخالف الله ورسوله والوفاء للرسول والحياء من ذم الخيانات به.

ومن طريف ذلك شهادته على نفسه بالردة عن الإسلام والشك في دين الله ، وما كان معه ومع أتباعه من الحجة على إسلامه إلا إظهار الشهادة فإذا اعترف إن ذلك الظاهر قد صار شكا وقدحا في الإسلام فأي طريق يبقى له أو لهم في الظاهر إلى زوال ذلك الشك ، والناس بين قائلين فقائل من المسلمين يقول : إنه ما ارتد منذ أسلم ، وقائل يقول إنه ارتد إسلامه ولم يعد إلى الإسلام ، فالقول بأنه ارتد وعاد إلى الإسلام خلاف إجماع المسلمين ، وقد شهدوا في رواياتهم بأنه ارتد فيلزمهم أنه ما عاد إلى الإسلام من الردة ، وفي ذلك من

__________________

(١) رواه مسلم عن أبي وائل صدر الحديث في صحيحه : ٣ / ١٤١١.

٤٤١

الطرائف ما يتعجب منه أهل المعارف.

ومن طريف ذلك أن عمر بعد ما أخبره نبيهم بالجواب عن سؤاله واعتذر عن دخول مكة ، لا يلتفت عمر إلى جواب نبيهم ولا اعتذاره ويأتي إلى أبي بكر فيعبد عليه تلك المواقفة وشكه في الإسلام ويلتمس من أبي بكر الجواب فأعاد عليه أبو بكر ما سمعه من نبيهم من الاعتذار ولزم الأدب على سائر الأسباب فلو كان عمر قد قنع بجواب نبيهم أو اعتذاره ما أعاد المواقفة عند أبي بكر.

ومن طريف ذلك إقدامه على نبيهم بهذه المواقفة في مثل تلك الحال من الصلح وشدة الحاجة إلى عون المسلمين لنبيهم بالقول والفعل ، أو كان ذلك الموقف موقف تعنيف وتخجيل وفتح لأبواب الشك في النبوة وتقوية حجة سهيل بن عمرو والكفار؟ أما يدل هذا على ضلال هائل وجهل خاذل.

ومن طريف ذلك أنه بعد قول نبيهم لعمر أنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، يقول له عمر : أوليس كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به ، أما هذا تكذيب صريح لنبيهم واستخفاف لنبوته وكسر لحرمته.

ومن طريف ما رووه وصححوه من إنكار عمر على نبيهم ومعارضته له ما ذكره الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرابع والثلاثين من مسند عائشة من المتفق عليه على صحته في حديث عروة عنها قالت : أعتم (١) النبي " ص " بالعشاء حتى ناداه عمر للصلاة فقال : نام الصبيان والنساء ، فخرج.

وفي رواية ابن شهاب أن رسول الله قال : وما كان لكم أن تنزروا (٢) رسول الله " ص " على الصلاة وذاك حين صاح عمر بن الخطاب (٣).

__________________

(١) اعتم أي أخرها حتى اشتدت عتمة الليل وهي ظلمته.

(٢) أن تنزروا أي لا تلحوا عليه.

(٣) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٤١.

٤٤٢

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : قد عرفت ما تضمنه كتابهم في قوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " وقوله " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم " وقوله " لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " ، أفما كان يحسن من عمر أن يمتثل آية من الآيات أو يستحيي أو يكون عنده من الاحترام لله ولرسوله ما يقتضي إقامة عذر نبيهم في تأخره ، أما هذا إقدام لمن يعتقد أن رأيه وعقله وتدبيره أكمل من تدبير الله ورسوله أو شك في نبوة نبيهم ، ويدل على قبح ذلك من عمر إنكار نبيهم عليه وقوله : ما كان لكم أن تنزروا رسول الله ، أتراه ما سمع ما تضمنه كتابهم " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " (١).

ومن طريف ما رووه أيضا في معارضته لنبيهم وإنكاره عليه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين من المتفق عليه على صحته عندهم في مسند عبد الله ابن عمر بن الخطاب في الحديث الخامس والتسعين ، أنه لما توفي عبد الله يعني ابن أبي سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله " ص " ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله : أنما خيرني الله فقال : " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (٢) " وسأزيد على سبعين قال : إنه منافق ، فصلى عليه رسول الله " ص " فأنزل الله عز وجل : ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبرة إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم

__________________

(١) الأحزاب : ٥٧.

(٢) التوبة : ٨٠.

٤٤٣

فاسقون " (١).

(قال عبد المحمود) : في هذا الحديث عدة طرائف :

فمن طرائف هذا الحديث المذكور إقدام عمر على منع نبيهم محمد " ص " ولزومه بثوبه ، وكتابهم يتضمن " فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون " (٢) وما قال قرآنهم فامنعوه وعارضوه.

ومن طرائف الحديث المذكور تهجمه علي المواقفة له بقوله : أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ وكتابهم يتضمن " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه بكرة وأصيلا " (٣) فهذا قرآنهم يتضمن الأمر لهم أن توقروا رسولهم ، وما قال : تواقفوه وتخجلوه وقال " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة " أما هذا من الأذى الفظيع والاعتراض الشنيع ، ألم يتضمن كتابهم " ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " (٤) وقوله " لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ، ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " (٥) أما هذا تقدم بين يدي الله ورسوله؟ أما رفع صوت على صوت نبيهم.

ومن طرائف الحديث المذكور اعتراضه عليه بعد هذا كله وقوله أنه منافق ، أما كان يكتفي بالمعارضة الأولى والمواقفة الثانية حتى يتم ذلك بمعارضة ثالثة ، وكتابهم يتضمن " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " (٦) فكيف جعل عمر لنفسه الخيرة؟ وكيف كره وأنكر

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه كتاب المنافقين : ٤ / ٢١٤١. والآية التوبة : ٨٤.

(٢) الأعراف : ١٥٨.

(٣) الفتح : ٩.

(٤) الحجرات : ١ ـ ٢.

(٥) الحجرات : ١ ـ ٢.

(٦) الأحزاب : ٣٦.

٤٤٤

ما قد قضاه؟ إن هذا مما يستعظمه أهل الأديان ويقدحون به في الإيمان.

ومن طرائف الحديث المذكور دعوى عمر أن الله نهاه عن الصلاة على المنافقين ، وهذا الحديث يتضمن إن الآية بالنهي عن الصلاة إنما أنزلت بعد ذلك ، ثم كيف تقبل عقول أهل البصائر أن يكون قد نهاه الله عن الصلاة فيعلم ذلك عمر ولا يعلمه نبيهم محمد " ص " حتى يذكره ويواقفه؟.

سبب نزول آية الحجاب

ومن طرائف ما نقلوه وصححوه عن خليفتهم عمر ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن والأربعين من المتفق عليه من مسند عائشة قالت : كانت أزواج النبي " ص " يخرجن ليلا إلى قبل المصانع ، فخرجت سودة بنت زمعة فرآها عمر وهو في المجلس ، فقال : عرفتك يا سودة ، وفي رواية : فنزل الحجاب عقيب ذلك (١).

(قال عبد المحمود) : أي ضرورة كانت قد أحوجت إلى إيراد هذا الحديث وشهادتهم أنه صحيح وهو يتضمن أن خليفتهم عمر كشف ستر زوجة نبيهم ، فدل عليها أعين الناظرين وأخجلها ، وما خرجت ليلا إلا قصدا لسترها وصيانة لنفسها ، فأي مصلحة كانت لها أو لنبيهم في تعريف الحاضرين إن هذه المجتازة زوجة نبيهم؟ لا سيما وقد ذكروا إن هذه الواقعة من عمر أوجبت نزول الحجاب ، وذلك يدل على الكراهة لما وقع من التعرض لحرمة نبيهم.

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ١٧٠٩ كتاب السلام ، والبخاري في صحيحه : ٧ / ١٢٩.

٤٤٥

معرفة النبي " ص " باطن عمر

ومن طرائف أحاديثهم الدالة على أن نبيهم كان يعرف من عمر الشك في نبوته ومعرفة عمر ذلك من نبيهم ، ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند جابر بن عبد الله الأنصاري في الحديث الرابع عشر من المتفق عليه على صحته. قال جابر: إن أباه قتل يوم أحد شهيدا ، فاشتد الغرماء في طلب حقوقهم ، فأتيت رسول الله " ص " فكلمته فسألتهم أن يقبلوا ثمن حايطي ويحللوا أبي ، فلم يوافقوا فلم يعطهم رسول الله حايطي ولم يكسر عليهم ، ولكن قال : سأغدو عليكم ، فغدا علينا رسول الله " ص " حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة ، فجذذتها فقضيتهم حقوقهم وبقي لنا من ثمرها بقية ، ثم جئت رسول الله " ص " فأخبرته بذلك ، قال رسول الله لعمر وهو جالس : إسمع يا عمر. فقال عمر : أن لا يكون نكن قد علمنا أنك رسول الله فوالله إنك رسول الله ـ هذا لفظ الحديث.

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : أنظر إلى تقدير نبيهم لعمر وإفهامه أنه يعرف سوء باطنه وتركيب الحجة عليه في ظهور معجزاته الدالة على نبوته بقوله إسمع يا عمر ، وتعجب من معرفة عمر لمراد نبيهم من ذلك وقول عمر له أن لا يكون نكن فوالله قد علمنا إنك لرسول الله ، فوالله إنك رسول الله ثم انظر إلى يمين عمر ليزيل سوء اعتقاد رسولهم فيهم وتفكر في جهل عمر إن رسل الله لا يطعنون في باطن أحد إلا بطريق أن الله أعلمهم بذلك وأن هذا لا يدفع بيمين ، ثم تعجب من إقدام عمر على رسولهم وطعنه في اعتقاده فيه ، وقد كان يجب على عمر إن كان قد تحقق صحة رسالته بعد سوء اعتقاد نبيهم فيه أن يوافق رسولهم على سوء الاعتقاد فيه ثم يتوب ويعود إلى الاعتراف برسالته

٤٤٦

أو يسكت عن مكابرته. فما أطرف أقدام هذا عمر على كسر حرمة رسولهم وأذيته ، وما أعجب احتمال كثير من المسلمين له على سوء صحبته.

إعراض النبي " ص " عن أبي بكر وعمر

ومن طريف رووه في إعراض نبيهم عن أبي بكر وعمر وعدم اهتمامه بحديثهما في حديث حرب بدر ما ذكره الحميدي أيضا في الجمع بين الصحيحين في الحديث السادس والعشرين من أفراد مسلم في مسند أنس بن مالك قال : إن رسول الله " ص " شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان ، قال : فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه ـ الخبر (١).

(قال عبد المحمود) : هذه روايتهم في صحاحهم تشهد بسقوط منزلة هذين الرجلين في هذه غزوة بدر التي كانت أصل الإسلام ، فمن يروي عنهما ويشهد عليها بمثل هذه الشهادة كيف استصلحهما للخلافة بعد نبيهم؟ وقد عرفت أن هذه منزلتهما عنده ، ولا يقال إن أبا سفيان ما حضر بدرا فإن الحديث المذكور يتضمن أن نبيهم بلغه أولا إقبال أبي سفيان فلما بلغ إلى بدر بلغه حال أبي جهل ، وإنما اقتصرت على بعض الحديث لأنه طويل وفيه تكرار.

ومن طريف ما رأيت من المناقضة لهم في ذلك إن بعض جهالهم إذا قيل له ما ترى لأبي بكر وعمر اسما مشكورا في حرب بدر ولا جريحا ولا قتيلا فيقولون إنهما كانا أو أحدهما في عريش مع نبيهم يشاورهما ويستضيئ برأيهما.

وهذه الرواية عن أنس بن مالك في صحيح مسلم يكذب هذه الدعوى ، لأن من أعرض عنهما قبل وقت الحرب ولم يستصلحهما للحديث في ذلك ولا

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٣ / ١٤٠٣.

٤٤٧

لاستماع قولهما ولا يحسن الجواب لهما ، وقد كان يمكن أن يجيبهما بقول لطيف ولا يعرض عنهما ، فكيف يستصلحهما للمشورة في وقت الحرب ، وقد كشف أنهما لا يصلحان لدون ذلك.

ومن طرائف ما ذكروه من سوء ظن نبيهم لعمر مقتضى تصحيحهم للحديث المذكور(١) ، وإلا فإن عترة نبيهم وأهل بيته يكذبون هذا الحديث وينكرونه.

وذلك أن الحميدي ذكر في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند جابر في الحديث الثاني والثلاثين من المتفق عليه على صحته قال : قال رسول الله " ص " رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميضاء زوجة أبي طلحة وسمعت خشفة نعل ، فقلت : من هذا؟ فقيل : هذا بلال ، ورأيت قصرا بفنائه جارية فقلت : لمن هذا؟ فقالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فانظر إليه ، فذكرت غيرتك فوليت مدبرا ، فبكى عمر وقال : عليك أغار يا رسول الله ، وروى حديث القصر المذكور الحميدي أيضا في مسند أبي هريرة في حديث الثاني والثلاثين من المتفق عليه (٢).

(قال عبد المحمود) : أي حاجة كانت لهم إلى إيراد هذا الحديث وتصحيحه أترى عقولهم تصدق أن الرميضاء وبلالا بلغا من الأعمال أن يستحقا دخول الجنة قبل دخول نبيهم إليها ، إن هذا من الطرائف والاعتقاد الزائف.

ومن طريف الحديث المذكور قولهم أن النبي " ص " خاف من غيرة عمر فولى مدبرا ولم يدخل القصر ، أما قرؤا كتابهم " النبي أولى بالمؤمنين من

__________________

(١) أي الآتي.

(٢) روى نحوه مسلم في صحيحه : ٤ / ١٨٦٣ ، ورواه البخاري في صحيحه : ٤ / ١٩٨.

٤٤٨

أنفسهم (١)" أما يوضح هذا الحديث شهادتهم وشهادة نبيهم إنه كان يسئ الظن بعمر وإن عمر ممن يعتقد جواز وقوع الزنا والفواحش من نبيهم في الجنة ، أترى في الجنة تكليفا أو أمورا تقتضي وقوع غيرة عمر من نبيهم؟ إن هذا من عظيم ما قبحوا به ذكر خليفتهم عمر وشهدوا عليه بالضلال وسوء الظن.

تخلف عمر عن جيش أسامة

ومن طرائف ما رأيت من شهادة علماء الأربعة المذاهب عمر أنهم ذكروا أن نبيهم جعله قبل وفاته من جملة جيش أسامة بن زيد ، وأمره بالخروج معه في ذلك الجيش وشهدوا أنه خالف نبيهم وعاد عن صحبة أسامة ولم يمتثل أمر نبيهم.

ومما وقفت عليه في ذلك ما ذكره أبو هاشم شيخ المعتزلة في كتابه الذي سماه بالجامع الصغير قال :

فإن قيل : أيجوز أن يخالف النبي " ص " فيما يأمر به في حال الحياة؟

قيل له : أما ما كان من ذلك من طريق الوحي فليس يجوز مخالفته على وجه من الوجوه ، وأما ما كان من ذلك على طريق الرأي فسبيله سبيل الأئمة في أنه لا يجوز أن يخالف في ذلك في حال حياته ، فأما بعد وفاته فقد يجوز أن يخالف فيه ويدلك على ذلك أنه قد أمر أسامة بن زيد أن يخرج بأصحابه في الوجه الذي بعثه فيه فأقام أسامة عليه وقال : لم أكن لأسأل عنك الركب ، ثم إن أبا بكر استرجع عمر وقد كان في أصحابه ، ولو كان ذلك لوحي لم يكن لأسامة أن يقيم ويقول لم أكن لأسأل عنك الركب ولا كان لأبي بكر استرجاع عمر.

__________________

(١) الأحزاب : ٦.

٤٤٩

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : يا عجبا من هؤلاء القوم تارة يقولون إن نبيهم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وتارة يقولون إنه يقول ويأمر تارة بوحي وتارة بغير وحي ، ثم وكيف يجوز أن يكون تدبير الجيوش بغير الوحي وهو يشتمل على سفك الدماء وتملك الأنفس والأموال وغير ذلك من الأحوال؟

ثم وإن كان فعل أسامة حجة على جواز مخالفة نبيهم فقد حكى في كلامه إن ذلك القول من أسامة كان في حياة نبيهم ، فإنه قال : لم أكن لأسأل عنك الركب فعلى قول أبي هاشم وأتباعه يجوز لهم مخالفة نبيهم في حياته وبعد وفاته ، فإذا صح لهم ذلك فقد عزلوا نبيهم عن نبوته وذهب حكم الإسلام بجملته ، وأين امتثال هؤلاء لما تضمنه كتابهم من الأوامر المطلقة كقوله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " (١) وقوله " واتبعوه " (٢) وقوله " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (٣).

فكيف استجاز أبو هاشم وأتباعه أن يتركوا هذه الأوامر وأمثالها؟ ويجعلوا فعل أسامة وأبي بكر وعمر حجة على جواز مخالفة نبيهم ، وهلا قالوا ما جازت لهم مخالفة نبيهم في حياته ولا بعد وفاته فيما أمرهم به كما يقتضي حق النبوة وأدب العارفين لحرمة الرسل ، فلو كان ملكا من الملوك أو رجلا محترما عند أصحابه ما استحسن أحد منهم إن كانوا من أهل الوفاء أن ينقضوا وصيته بتلك السرعة ويفسدوا إصلاح الأمة ويهدموا ما بناه لهم من تدبيره ، بل كان يجب أن يقتدوا بمشورته ويتبركوا بشريعة نبوته ويغتنموا ذلك الرأي الذي يذكرون أنه صدر عن أعظم النبي المؤيد بالألطاف والوحي والاتصال بالعناية الإلهية والاطلاع

__________________

(١) النساء : ٥٩.

(٢) الأعراف : ١٥٨.

(٣) الحشر : ٧.

٤٥٠

على الأسرار الربانية والمصالح الدينية والدنيوية.

[ومن طريف مناقضاتهم أن محمدا " ص " رسول الله الذي هو أكمل الخلائق يجوز مخالفته في رأيه بعد موته ، ويرى عمر قتل أصحاب الشورى الذين ذكروا أن محمدا " ص " نبيهم شهد لهم بالجنة إن مضت ثلاثة أيام ولم يبايعوا واحدا منهم ، فيقوم الوكيل بقتلهم ومن وافقهم ويهددهم بالقتل وإنه لا بد من العمل برأي عمر بعد موته واستباحة دماء أفضل الصحابة عندهم ، إن هذا إلا اختلاط هائل واختلال ذاهل].

ولله در القائل فيهم :

الناس للعهد ما لاقوا وما قربوا

وللجناية ما غابوا وإن شنعوا

هذا وصايا رسول الله مهملة

وما أظنكم ترضون ما صنعوا

بأي حكم بنوه يتبعونكم

وفخركم إنكم صحب له تبع

وكيف ضاقت عن الأهلين تربته

وللأجانب من جنبيه متسع

وفيم صيرتم الاجماع حجتكم

والناس ما اتفقوا طورا ولا اجتمعوا

أمر علي بعيد عن مشاورة

مستكره فيه والعباس يمتنع

وتدعيه قريش بالقرابة والأنصار

لا رفعوا فيه ولا وضعوا

فأي خلف كخلف كان بنيهم

لولا تلفق أخبار وتصطنع

قول عمر يوم مات رسول الله " ص " ما مات رسول الله

ومن طرائف الخلاف بعد وفاة نبيهم ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في فصل منفرد في أواخر الكتاب المذكور قال : إن عمر قال يوم مات رسول الله " ص " : ما مات رسول الله ولا يموت حتى يكون آخرنا ، حتى قرئت عليه " إنك ميت وإنهم ميتون " فرجع عن ذلك.

٤٥١

وروى الحميدي أيضا في الكتاب المذكور في مسند عائشة في الحديث الحادي والعشرين من أفراد البخاري قالت : إن رسول الله " ص " مات وأبو بكر بالسبخ يعني بالعالية ، فقام عمر فيقول : والله ما مات رسول الله " ص " قالت : وقال عمر : ما كان يقنع في نفسي إلا ذاك وليبعثه الله فليقطعن أيدي قوم وأرجلهم فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله " ص " وعرف أنه قد مات.

وذكر الحميدي أيضا في كتابه المذكور في الحديث الثامن في مسند أبي بكر أن أبا بكر لم يكن حاضرا عند وفاة نبيهم وأنه كان بالسنح (١).

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : أي ضرورة دعت إلى إيراد هذه الأحاديث وتصحيحها وهي تقتضي أن أبا بكر خليفتهم لم يك حاضرا عند وفاة نبيهم وكان مشغولا بغير وفاته وملازمة خدمته ، وما كان مرضيا عند من يعرف ما يجب للأنبياء من حسن الصحبة والوفاء ، وتقتضي الأحاديث المذكورة إن عمر خليفتهم ما كان يعرف هذا الأمر اليسير الذي لا يخفى على من له معرفة من صغير وكبير وإن كل آدمي فإنه يموت ، ولا كان يعرف كتاب ربهم يقول فيه " إنك ميت وإنهم ميتون " (٢) وقوله تعالى " كل نفس ذائقة الموت " (٣) ثم ما كفاه جهله بهذا الحال كيف جهل ما رواه المسلمون كافة من كون نبيهم نعى إليه نفسه في ذلك المرض ، وأوصى بما أمر الله ، وعرفهم أنه يموت فيه وكرر الإشارة إلى ذلك.

ومن عرف كتب الإسلام تحقق أن نبيهم كشف أنه يموت في ذلك المرض

__________________

(١) وهو موضع قرب المدينة.

(٢) الزمر : ٣٠.

(٣) آل عمران : ١٨٥.

٤٥٢

كشفا واضحا ، وكيف لا يفهم خليفتهم عمر ذلك كله ولا حضره ولا أخبره أحد ثم هب أنه اشتبه الأمر في وفاة نبيهم فهلا قال يمكن أن يكون ما مات رسول الله ، فمن أين قطع على أنه ما مات ولا يموت؟ وهب أنه اعتقد ذلك بسوء نظره ، فمن أين حكم أنه يبعث ويقطع أيدي قوم وأرجلهم؟ وكيف استحسن لنفسه هذه الأقوال التي لا يعلمها إلا الله أو من يوحى الله إليه؟ أتراه كان يدعي أنه يوحى إليه؟ أو كان يعلم أنه ما سمع ذلك من نبيهم وتعمد الكذب عليه.

ومن طريف ما رأيت من اعتذار عمر عن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عمر في سادس عشر حديثا من أفراد البخاري من رواية الزهري عن أنس أنه سمع خطبة عمر ابن الخطاب الأخيرة حين جلس على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك في الغد من يوم توفي رسول الله " ص " ، فشهد أبو بكر صامت لا يتكلم ، قال عمر : أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وأنها لم تكن كما قلت ، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلتها لكم في كتاب أنزلها الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله " ص " ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا ويكون آخرنا (١).

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : انظر كيف اعترف عمر أنه تعمد الكذب في أمور يسندها إلى الله ورسوله ، وأقدم على المجاهرة بذلك من غير ضرورة وترك المراقبة لله ولرسوله والحياء من الصحابة والمسلمين ، وكيف يحصل الثقة بعد ذلك بإخباره وأقواله وأفعاله؟ أتراه ما فهم إن هذه الأقوال كذب على الله ورسوله فإنه قال : ما مات ولا يموت وقد قال الله ورسوله خلاف ذلك وقال : ليبعثن وليقطعن أيدي قوم وأرجلهم وما قال الله ورسوله ذلك ، ولقد رأيت في كتبهم الصحاح تعظيم الكذب على الله ورسوله.

__________________

(١) وروى نحوه في العقد الفريد : ٢ / ٢٠٩ ط الأزهرية.

٤٥٣

فمن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند المغيرة ابن شعبة في الحديث الثامن من المتفق عليه قال : سمعت النبي " ص " يقول إن كذبا علي ليس ككذب على أحد ، فمن كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار.

ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه أيضا في مسند طلحة بن عبد الله في الحديث الثالث قال : سمعت رسول الله " ص " يقول من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار.

ورواه أيضا سلمة بن أكوع في الحديث الأول من أفراد البخاري ، وذكر أيضا في مسند علي بن أبي طالب عليه السلام في الحديث الرابع عشر ، ورواه أيضا في مسند أبي سعيد الخدري في الحديث الرابع من أفراد مسلم.

فكيف جمعوا بين تصحيح الدم لخليفتهم عمر وبين مدحه على وجوه متضادة وأمور متناقضة؟ فليتهم حيث عرفوا أنه بتلك الصفات المذمومات وشهدوا عليه بهذه الشهادات لم يستخلفوه ، وإنهم حيث استخلفوه لا يروون عنه ما ينفر عنهم وعنه.

إبداع عمر وقوله نعمت البدعة

ومن طرائف ما رأيت من تغيير عمر خليفتهم لشريعة نبيهم ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي هريرة في الحديث الثامن والثمانين من المتفق عليه قال : كان رسول الله " ص " يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، فتوفي رسول الله " ص " والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ١٠.

٤٥٤

ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر على ذلك (١).

(قال عبد المحمود) : فغير عمر ما كان في عهد نبيهم وعهد أبي بكر وأبدع.

ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في جملة الحديث الثامن والثمانين من مسند أبي هريرة من المتفق عليه عن عبد الرحمن بن القاري قال : خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال عمر : لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. قال : ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم ، فقال عمر : نعمت البدعة هذه ، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون لها يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوله (٢).

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : أما يتعجب العاقل من هؤلاء ، تارة يذكرون أن كتابهم يتضمن " اليوم أكملت لكم دينكم " وأن نبيهم ما مات إلا بعد إكمال دينه ، وتارة يجيزون لعمر أن يبتدع ويعمل في شريعة نبيهم ما لم يكن في زمانه ولا زمان أبي بكر ، وتارة يشهد عمر أنها بدعة ولا يستحي من ذلك ولا يمتنع منه ثم يقول نعمت البدعة.

وقد رووا في الجمع بين الصحيحين للحميدي في مسند جابر بن عبد الله الأنصاري قال النبي " ص " كل بدعة ضلالة.

فيعكس عمر هذا القول على نبيهم ويقول : نعمت البدعة أرأيتم بصيرا متدينا يقول إن هذه نعمت الضلالة ، وكيف صبر المسلمون على الرضا بذلك؟ إنه من طريف الأحوال وعجائب الأعمال.

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٥٢٣ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٢٥١.

(٢) رواه مالك في الموطأ : ١ / ١٠٤ ـ ١٠٥ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٢٥٢.

٤٥٥

ومن طريف ذلك أن عمر تقدم على تغليط ربهم ونبيهم ويستدرك عليهما أترى ما كان الله عالما بالصواب والمصلحة بالاجتماع على قارئ واحد في نوافل شهر رمضان؟ أو إن الله أهمل ذلك مع العلم بأن الاجتماع أفضل وأنه من تمام الشرع فكان عمر أشفق على المسلمين وأعرف بمصلحتهم من ربهم ونبيهم.

أترى أن الله أوحى إلى نبيهم فكتمه عنهم أو أنه لم يكتمه وأداه إليهم فأهملوه ولم يعمل به أبو بكر ولا المسلمون حتى غلطهم عمر واستدرك عليهم وأن لعمر أن يزيد في شريعة نبيهم وينقص منها بحسب ما يراه ، أتراهم نسوا ما تضمنه كتابهم " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " (١) وفي موضع آخر " فأولئك هم الفاسقون " وفي موضع آخر " فأولئك هم الظالمون ".

أما رووا في صحاحهم في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي من مسند عائشة في الحديث الثاني عشر من المتفق عليه قالت : قال رسول الله " ص " : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد ، وفي الحديث المذكور من حديث سعد بن إبراهيم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).

ومن طريف ما رووه في امتناع نبيهم في الاجتماع في نوافل شهر رمضان ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند أنس بن مالك في الحديث التاسع بعد المائة من المتفق عليه قال : كان رسول الله " ص " يصلي في رمضان ، فجئت فقمت إلى جنبه ، وجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا ، فلما أحس النبي أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة ، ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا قال : فقلنا له حين أصبحنا أفطنت لنا الليلة؟ فقال :

__________________

(١) ثا المدة : ٤٤ و ٤٥ و ٤٧.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٣٤٣ و ١٣٤٤.

٤٥٦

نعم ذاك الذي حملني على الذي صنعت (١).

(قال عبد المحمود) : فهذه روايتهم عن نبيهم أنه امتنع من أن يكون إماما في نافلة رمضان ، فكيف أقدموا على تحريم ما أحل الله وأباحه ما منع الله منه؟ إن هذا من طرائف المذكورين ومنكرات المسلمين.

ومن طريف ذلك أن عمر المبتدع لذلك يشهد أنه بدعة ، ومع هذا يستمر عمل أكثر المسلمين على بدعته والاقتداء به فيها ، فيتركون ما كان في شريعة نبيهم وفي خلافة أبي بكر إلى وقتنا هذا.

نهى عمر عن المتعة

ومن طرائف ما شهدوا به على خليفتهم عمر أنه أبدعه وغير فيه شريعة نبيهم ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال : على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله " ص " فلما قام عمر قال : إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وإن القرآن قد نزل منازله ، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله ، وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة.

ورواه الحميدي في كتابه لهذا الحديث بألفاظه من مسند جابر بن عبد الله في الحديث الخامس والعشرين من أفراد مسلم (٢).

(قال عبد المحمود) : ومن طريف ما رأيت من استخفاف ابن الزبير لعبد الله

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٧٧٥.

(٢) رواه مسلم في صحيحه ٢ / ٨٨٥.

٤٥٧

ابن عباس وثبوت ابن عباس على الفتوى بالمتعة والإخبار بها عن نبيهم ، ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضا في حديث سيرة بن معبد الجهني عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير عن عبد الله بن زبير أنه قام بمكة فقال : إن أناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل ، فناداه فقال : إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين ـ يريد رسول الله " ص " ـ فقال ابن الزبير : فجرب نفسك فوالله إن فعلتها لأرجمنك بالحجارة (١).

(قال عبد المحمود) : هو والله عبد الله بن عباس بغير شك ، وقد ذكر الحكاية جماعة من أهل التواريخ وغيرهم.

ومن طريف ما رأيت في سبب منع عمر من المتعة ما ذكره الحميدي أيضا في مسند جابر بن عبد الله من طريق آخر قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله " ص " وأبي بكر حتى نهى عمر عنه في شأن عمرو بن حريث (٢).

وروى جماعة عن عبد الرزاق وهو من أئمة أهل الحديث عن ابن جريح وهو من أئمة فقهائهم ونقله الحديث ، عن عطاء بن أبي رياح وهو من سادات فقهاء التابعين ، عن صفوان بن يعلى عن أبيه إن معاوية استمتع امرأة بالطائف فدخلنا على ابن عباس فذكرنا له ذلك فقال : نعم قال : ثم قدم علينا جابر بن عبد الله معتمرا ، فجئناه فذكرنا له المتعة فقال: استمتعنا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وعهد أبي بكر وعمر حتى إذا كان في خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة ، فسأله عمر من أشهدت فقال : أمي وأمها ـ أو قال

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١٠٢٦.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١٠٢٣.

٤٥٨

أخاها ـ فقال : فهلا غيرها أخشى أن يكون ذلك دغالا ونهى عنها يومئذ.

ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريح أيضا عن عطاء بن أبي رياح قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد " ص " ولولا نهيه عنها ما أحتاج إلى الزنا إلا شقي (١).

ومن ذلك ما رواه أيضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند سلمة بن الأكوع في الحديث السادس من المتفق عليه عن الحسن محمد ابن علي عن سلمة وجابر قالا: كنا في جيش فأتانا رسول الله " ص " وقال : أنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعنا ، يعني متعة النساء (٢).

ورواه الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين أيضا في مسند عمرو ابن دينار.

ورواه أيضا الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله ابن مسعود قال : كنا نغزو مع رسول الله " ص " ليس معنا النساء إلا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم قرء عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " (٣).

ومن ذلك ما رواه أبو نعيم في كتاب الحلية وأحمد بن حنبل في مسنده عن عمران بن الحصين في متعة النساء واللفظ له قال : أنزلت المتعة في كتاب الله وعلمناها وفعلناها مع النبي " ص " ولم ينزل قرآن بتحريمها ولم ينه عنها حتى مات رسول الله " ص ".

__________________

(١) رواه صاحب كتاب السبعة من السلف عنه : ٧١.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١٠٢٢.

(٣) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ١٠٢٢.

٤٥٩

ومن ذلك ما رواه الترمذي في صحيحه عن عمر ابن وقد سأله رجل من أهل الشام عن متعة النساء فقال " هي حلال. فقال : إن أباك قد نهى عنها فقال ابن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله " ص " يترك السنة وتتبع قول أبي.

ومن ما رواه الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال : أعطاني عبد الله بن عباس مصحفا فقال : هذا قراءة أبي ابن كعب ، فرأيت في المصحف " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " ورواه الثعلبي أيضا في تفسيره عن سعيد بن جبير وأبي نصرة.

ومن ذلك ما رواه أبو علي حسين بن علي بن زيد من كبار رجال الأربعة المذاهب في كتابه الأقضية إن ستة من الصحابة وستة من التابعين ذكرهم بأسمائهم كانوا يفتون بإباحة متعة النساء في حياة النبي " ص " وبعد وفاته.

ومن ذلك ما رواه محمد بن حبيب النحوي في كتاب المحبر أيضا إن ستة من الصحابة وستة من التابعين كانوا يفتون بإباحة متعة النساء.

(قال عبد المحمود بن داود) : أنظر ما في هذه الأحاديث الصحاح من الدلالة الواضحة على إباحة نكاح المتعة ، ولو نقلت كلما وقفت عليه في ذلك لأطلت وفي هذا كفاية ودلالة على غيره ، ثم انظر إلى إقدام خليفتهم عمر على تغيير ذلك وتبديل شريعة نبيهم ، ثم انظر في موافقة من أطاعه ووافقه على ذلك ، فهل يجوز في شرائع الأنبياء أو عقل أتباعهم أن ينسخ أصحاب نبي شيئا من شريعته بقول واحد من صحابته أو يختاروا لأنفسهم غير سنته؟ أين هذا مما تضمنه كتابهم " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " " هم الظالمون " " هم الفاسقون ".

وأعجب من ذلك استمرار عمل أكثر المسلمين بما أحدثه عمر في هذ

٤٦٠