🚘

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]

الطّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

المؤلف:

السيّد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني الحلّي [ السيّد بن طاووس ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
المطبعة: مطبعة الخيام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٦٣
🚘 نسخة غير مصححة

ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أم سلمة بنت ملحان أم أنس بن مالك في الحديث الثاني من أفراد مسلم قالت : وكان النبي صلى الله عليه وآله يصلي على خمرة.

وروى نحو ذلك في مسند عائشة وفي مسند أبي سعيد الخدري (١).

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : قد أجمع أهل اللغة على أن الخمرة سجادة تعمل من النخل ، وقد ذكر ذلك أيضا الجوهري في كتاب الصحاح في اللغة في الجزء الثالث في الفصل الخامس باب الراء (٢). فهل يبقى الانكار لذلك إلا العناد واتباع الفساد.

ومن طرائف ما سمعت إنكار جماعة من المسلمين على جماعة منهم الفضيلة في أن يكبر الإنسان ويحمد الله ويسبحه عقيب الصلاة تكبيرا وتحميدا وتسبيحا معلوما.

وقد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند كعب بن عجرة عن رسول الله " ص " قال : معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة (٣).

وروى البخاري في صحيحه قال : جاء الفقراء إلى النبي " ص " فقالوا : إن الأغنياء شاركونا في أعمالنا ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون ، قال : ألا أحدثكم بما إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم ، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله ، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ـ الخبر (٤).

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ١ / ٤٥٨.

(٢) الصحاح : ٢ / ٦٤٩.

(٣) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤١٨.

(٤) البخاري في صحيحه : ١ / ٢٠٥.

٥٤١

وذكر الحميدي أيضا في كتابه في مسند أبي هريرة في الحديث السادس عشر بعد المائتين ما يدل على تعيين هذا التكبير والتحميد والتسبيح وفضله.

وروى الحميدي في كتابه في مسند علي بن أبي طالب عليه السلام في الحديث الخامس عشر أن فاطمة أتت النبي " ص " تسأله خادما وأنه قال : ألا أخبرك بما هو خير لك منه ، تسبحين ثلاثا وثلاثين وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبرين الله أربعا وثلاثين (١).

قال الحميدي في كتابه : وفي رواية أن عليا عليه السلام قال : فجاءنا النبي " ص " وقد أخذنا مضاجعنا ، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري فقال : ألا أعلمكما خيرا مما سألتماني ، إذا أخذتما مضاجعكما أن تكبرا أربعا وثلاثين. فذكره وقال : هذا خير لكما من خادم.

ورواه أيضا في مسند أبي هريرة في الحديث التاسع والأربعين من أفراد مسلم.

ورواه البخاري في الجزء الرابع من صحيحه.

وروى نحو بعض هذه الأحاديث صاحب كتاب حلية الأولياء (٢).

ومن طرائف ما سمعت من جماعة من الأربعة المذاهب أيضا أنهم ينكرون على من يسجد على سبيل الشكر لله ، وقد رووا إنكار ذلك عن مالك في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة والرواية الأخرى أنه غير مشروع.

وقد ذكر أبو داود السجستاني في صحيحه من كتاب السنن عن أبي بكرة عن النبي " ص " أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خر ساجدا شاكرا لله (٣).

__________________

(١) روى مسلم عن أبي هريرة نحوه في صحيحه : ٤ / ٢٠٩٢.

(٢) البخاري في صحيحه : ٧ / ١٤٩.

(٣) السنن للسجستاني : ٣ / ٨٩ كتاب الجهاد.

٥٤٢

وروى ابن ماجة في كتاب السنن بإسناده قال : إن النبي " ص " قال : ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط بها عنه سيئة أو قال خطيئة.

وروى الحميدي ذلك في كتابه في مسند ثوبان. ورواه الحميدي أيضا في المسند المذكور عن أبي الدرداء وعبد الرحمن بن عوف قال : إن النبي " ص " سجد لله شكرا.

وروى ذلك عن أبي بكر لما بلغة قتل مسيلمة الكذاب. وروى مثله عن علي عليه السلام لما ظفر بذي الثدية.

ومن طرائف أمور جماعة من الأربعة المذاهب أنهم ينكرون على من يعفر وجهه في سجوده ، وقد رووا في صحاحهم عن نبيهم خلاف ما أنكروه وضد ما كذبوه.

وروى أيضا مسلم في صحيحه في المجلد الثالث بإسناده عن أبي هريرة قال في الحديث ما هذا لفظه : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قال فقيل : نعم. فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل لأطان على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب. ثم قال في الحديث ما هذا معناه : أنه رآه ذلك فأراد أبو جهل أن يفعل به ما عزم عليه فحالت الملائكة بينه وبينه (١).

(قال عبد المحمود) : فهل ترى التعفير بدعة كما يزعمون؟ وهل تراه إلا من سنن نبيهم التي لم يمنعه منها التهديد والوعيد؟ وهل ترى إنكار التعفير إلا بدعة من أبي جهل؟ فكيف صارت سنة نبيهم بدعة وبدعة عدوه الكافر سنة؟ إن هذا من العجائب التي لا يليق اعتقادها بذوي الرأي الصائب.

ومن طرائف ما سمعت أيضا إنكار جماعة منهم على من يجمع بين الفريضتين في وقت واحد من صلواتهم الخمس من غير خوف ولا مطر ولا سفر ، وقد

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٤ / ٢١٥٤.

٥٤٣

رووا جواز ذلك في صحاحهم.

فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه في الجمع بين الصحيحين من عدة طرق في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثامن والمائتين من المتفق عليه قال : صلى رسول الله " ص " الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا من غير خوف ولا سفر. وفي رواية زهير بالمدينة. وفي رواية أبي الزبير فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟ فقال سألت ابن عباس كما سألتني فقال : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته (١).

وروى مسلم في صحيحه في حديث حبيب بن أبي ثابت نحو حديث زهير عن أبي الزبير قال : من غير خوف ولا مطر. وفي رواية جابر بن يزيد في مسند ابن عباس قال : إن رسول الله " ص " صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء (٢).

ومن طرائف ما رأيت في كتبهم التي يشهدون بصحتها إن صلاة الضحى ما كان في زمن نبيهم ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر ، ثم رأيتها الآن من جملة شريعتهم ووكيد سنتهم وما بعث نبي بعد نبيهم.

فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب من رواية مرزوق العجلي قال : قلت لابن عمر : تصلي الضحى؟ قال : لا : قلت : فعمر قال : لا قلت فأبو بكر قال : لا قلت : فالنبي " ص " قال : لا أخاله.

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في مسند عائشة قالت : إن النبي " ص " ما صلى صلاة الضحى (٣).

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٩٠ ـ ٤٩١.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٤٩٠ ـ ٤٩١.

(٣) راجع صحيح مسلم ١ / ٤٩٦.

٥٤٤

ومن ذلك ما رواه أيضا الحميدي في مسند عائشة عن عبد الله بن عمر أنه قال لما سئل عن صلاة الضحى : إنها بدعة.

ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده أن أبا بشير الأنصاري وأبا سعيد بن نافع رأيا رجلا يصلي صلاة الضحى فعابا ذلك عليه ونهياه عنها.

ومن طريف ما سمعت عن جماعة منهم إنكار الفضيلة في قراءة السورة التي يسمونها سورة الجمعة والسورة التي يسمونها المنافقين في صلاة يوم الجمعة وقد روى تفضيل ذلك وتخصيص هاتين السورتين بيوم الجمعة الشافعي في المسند وأبو نعيم الحافظ النعار في مسند أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في مسنده ، رووا جميعا وقالوا : إن النبي " ص " كان يقرء في الجمعة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون.

ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الحادي والعشرين من أفراد مسلم قال : إن النبي " ص " كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين (١).

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه في مسند أبي هريرة في الحديث الثامن والثلاثين من أفراد مسلم قال : استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى مكة فصلى لنا أبو هريرة الجمعة ، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة إذا جاءك المنافقون ، قال : فأدركت أبا هريرة حين انصرف فقلت له : إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة ، فقال أبو هريرة : إني سمعت رسول الله " ص " يقرأ بهما يوم الجمعة (٢).

__________________

(١) مسلم في صحيحه : ٢ / ٥٩٩.

(٢) مسلم في صحيحه : ٢ / ٥٩٧.

٥٤٥

مقالاتهم في أحكام الأموات

ومن طرائف ما عرفت عن جماعة من الأربعة المذاهب أنهم لا يجعلون في بعض أغسالهم شيئا من الكافور وينكرون على من يفعل ذلك ، وقد رووا في صحاحهم من عدة طرق أن نبيهم أمر به وكتابهم يتضمن " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " (١) ويتضمن " واتبعوا النور الذي أنزل معه " (٢).

فمما روي في ذلك ما رواه مسلم صحيحه في الجزء الأول في كتاب الجنائز من عدة طرق ، فمنها عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت : دخل علينا النبي " ص " ونحن نغسل ابنته فقال : أغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور : هذا المراد من الحديث قد نقلناه بلفظه (٣).

(قال عبد المحمود) : أما ترى حديثهم عن نبيهم في أخبارهم التي أقروا بصحتها يتضمن الكافور في غسل الأموات. وقد خالفوا على كل حال ما صححوا من الروايات.

ومن طرائف أمور جماعة من الأربعة المذاهب إنكارهم أن يكون في جملة ما يلبس به الميت برد حبرة ، وقد روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند أبي بكر أنه دخل على النبي " ص " بعد وفاته وهو محبي ببرد حبرة.

ومن ذلك ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أنس بن

__________________

(١) الأحزاب : ٢١.

(٢) الأعراف : ١٥٧.

(٣) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٦٤٦ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٧٤.

٥٤٦

مالك في الحديث الخامس والتسعين من المتفق عليه قال : كان أحب الثياب إلى رسول الله " ص " الحبرة (١).

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه في مسند عائشة أنها قالت : إن رسول الله " ص " كان يلبس الحبرة (٢).

ومن ذلك ما رواه الحميدي في كتابه أيضا في مسند عبد الرحمن بن عوف في الحديث الثالث من المتفق عليه قال : أتى عبد الرحمن بطعام وكان صائما فقال : قتل مصعب بن عمير وهو خير مني ، كفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه وإن غطى رجلاه بدا رأسه (٣).

ومن ذلك ما رواه الحميدي أيضا في كتابه في مسند سهل بن سعد في الحديث الثامن من أفراد البخاري في حديث أخذنا منه موضع الحاجة إليه ، قال : إن النبي " ص " أهدت له امرأة بردا ، فاستحسنها رجل فأعطاه إياها فلامه الناس فقال : إنما سألته ليكون كفني قال سهل بن سعد : فكانت كفنه (٤).

ومن طرائف ما رأيت من جماعة منهم أنهم ينكرون على من يجعل مع الميت أو عنده عسيب رطب وقالوا إنه بدعة.

وقد روى الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله بن عباس في الحديث الثاني والعشرين من المتفق عليه قال : مر رسول الله " ص " على قبرين فقال : أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وفي حدث وكيع عن الأعمش ثم قال : أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٦٤٨.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٦٥١.

(٣) رواه البخاري في صحيحه : ٢ / ٧٧.

(٤) البخاري في صحيحه : ٢ / ٧٨.

٥٤٧

قال فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين ، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال : لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا. وفي حديث معلى عن الأعمش : أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول (١).

وروى الحميدي نحو ذلك أيضا في كتابه في مسند كعب بن عمرو السلمي وجابر بن عبد الله الأنصاري قال : إن النبي " ص " أمر جابرا أن يقطع غصنين من شجرتين يجعل كل واحد منهما على موضع عينه إليه ففعل ذلك قال : وجاء إلى النبي " ص " فأخبره ، فقال : قال رسول الله " ص " : إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين (٢).

ومن ذلك ما ذكره البخاري قال : إن بريدة الأسلمي أوصى أن يجعل في قبره جريدتان.

ومن ذلك ما ذكره أبو القاسم الأصفهاني في كتاب الترهيب والترغيب وقال قد أخرجه مسلم والبخاري عن يعلى بن سبابه أنه رأى النبي " ص " أتى إلى قبر يعرف صاحبه فقال : إن صاحب هذا القبر كان يأكل لحوم الناس ، ثم دعا بجريدة فوضعها على قبره وقال : لعله أن يخفف عنه ما دامت رطبة.

وفي حديث سفيان الثوري قال إن النبي " ص " قال للأنصار : خضروا صاحبكم فما أقل المخضرين يوم القيامة. قالوا : وما التخضير؟ قال : جريدة خضراء توضع من أصل اليدين إلى أصل الترقوة.

ومن طرائف ما رأيت من جماعة كثيرة من المسلمين أنهم يمشون بين يدي الجنازة ، ويتركون المشي ورائها وعن يمينها وشمالها ويرون أنهم يشيعونها وأرى الاعتبار والأخبار الواردة في صحاحهم يقتضي أن يكون الجنائز متبوعة

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ١ / ٢٤٠ ، والبخاري في صحيحه : ١ / ٦١.

(٢) رواه مسلم في صحيحه : ٤ / ٢٣٠٧ كتاب الزهد.

٥٤٨

صورة ومعنى.

أما الاعتبار فلأنهم يذكرون أنهم يشيعونها وإن اسم ذلك عندهم تشييع الجنازة ، ومعلوم أن المشيع يتبع من يشيعه ولا يكون أمامه في التحقيق ، وكل قوم كانوا شيعة لنبي أو غيره فإنهم يتبعونه. وأما الأخبار في صحاحهم وغيرها فكثيرة.

فمن ذلك ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند البراء ابن عازب في الحديث الخامس من المتفق عليه قال : أمرنا رسول الله " ص " بسبع ونهانا عن سبع ، أمرنا بعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وتشميت العاطس ، وأبرار القسم ، أو المقسم ، ونصر المظلوم ، وإجابة الداعي ، وإفشاء السلام ، ونهانا عن خواتيم ، أو عن التختم بالذهب ، وعن شرب بالفضة ، وعن المياثر ، وعن القسي ، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج (١).

ومن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أبي هريرة في الحديث الحادي والعشرين من المتفق عليه قال : حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنازة ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس.

ومن ذلك ما ذكره الحميدي في كتابه المشار إليه في مسند أبي هريرة أيضا في الحديث الستين بعد المأتين من المتفق عليه فضيلة اتباع الجنائز في عدة مواضع وألفاظه عن نبيهم(٢).

(قال عبد المحمود) : ورأيت في مسند عبد الله بن مسعود الذي اتفقوا على

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٣ / ١٦٣٥.

(٢) رواها مسلم في صحيحه : ٤ / ١٧٠٤ ، والبخاري في صحيحه : ٢ / ٧٠.

٥٤٩

زهده وصدقه في تأليف أحمد بن حنبل في الجزء الأول منه قال : سألت رسول الله " ص " أيسر بالجنازة؟ فقال : الجنازة متبوعة وليست بتابعة. ورواه بنحو هذه الألفاظ في الجزء الخامس أيضا.

أقول : هذا تصريح بأن الجنازة متبوعة وينكرون على من يسير وراءها.

ومن طريف ما رووه أن من يسير بين يدي الجنازة لم يكن تابعها ما ذكره الخطيب في تاريخه في حديث سهل بن مغيرة إن ثابت بن قيس أتى النبي " ص " فقال له إن أمي ماتت وهي نصرانية وأحب أن أشهدها ، فقال النبي : أركب وتقدمها فإنك إذا تقدمتها لم تكن معها.

(قال عبد المحمود) : ولقد رأيت في الجزء الخامس من مسند علي ابن أبي طالب عليه السلام تأليف أبي عبد الله بن سليمان الحضرمي بإسناده إن أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمام الجنازة وإن عليا كان يمشي خلفها ، فقيل لعلي : يسيران أمامها فقال : قد علمنا أن المشي خلفها أفضل ولكنهما يسيران يمتازان بين أعلى الناس.

(قال عبد المحمود) : فهذه روايتهم أن عليا عليه السلام قال في حياة أبي بكر وعمر أن السير وراء الجنازة أفضل وأنه عمل بذلك ، واليوم (١) يواقفهما واعتذر لهما.

وفي رواية أن عليا عليه السلام روى عن النبي " ص " إن فضل المشي خلف الجنازة على من يسير أمامها كفضل الفريضة على النافلة.

ومن طرائف ما رأيت من جماعة منهم أنهم ينكرون الصلاة على الجنائز بخمس تكبيرات ، وإن ذلك عندهم من البدع والمنكرات وأخبارهم الصحاح عندهم يتضمن ضد ما أنكروه وتحقيق ما جهلوه.

__________________

(١) ليست هذه الجملة في المخطوط ولا الترجمة بل في المطبوع فقط.

٥٥٠

فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع الصحيحين في مسند زيد بن أرقم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كان زيد يكبر على جنائزنا أربعا وإنه كبر على جنازة خمسا ، فسألته فقال : كان رسول الله " ص " يكبرها (١).

ومن ذلك ما ذكره جماعة من أصحاب التواريخ بإسنادهم إن علي بن أبي طالب عليه السلام صلى على سهل بن حنيف وكبر خمسا.

ومن ذلك ما رواه الخطيب أيضا في تاريخه وابن شيرويه الديلمي إن النبي " ص " كان يصلي على الميت بخمس تكبيرات.

ومن ذلك ما رواه ابن بطة قال : إن النبي " ص " كبر على حمزة خمس تكبيرات.

ومن ذلك ما ذكره الروحي الفقيه في تاريخه قال : إن عيسى بن موسى الهاشمي صلى على جنازة السفاح أول خلفاء بني هاشم فكبر عليها خمس تكبيرات.

ومن ذلك ما ذكره جماعة من أصحاب التواريخ إن الخلفاء من بني هاشم إلى زمن الخليفة القائم بالله كانت الصلاة على جنائزهم خمس تكبيرات وممن حكى هذا الحديث وصححه صاحب التاريخ المسمى بالمنتظم.

ومما يصدق ذلك ما ذكره أيضا محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمداني في كتاب غرر المعارف ويسمى عنوان السير فقال عند ذكر الخليفة الطايع لله ما هذا لفظه : ومات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وصلى عليه القادر بالله وكبر عليه خمسا ، وقال : هكذا يصلي الخلفاء.

وروى الخطيب في تاريخه في ترجمة عبد الكريم حديث تكبير القادر بالله

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٦٥٩.

٥٥١

على الطائع لله خمس تكبيرات.

وأيضا مما يشهد أن الصلاة على الجنائز بأربع تكبيرات حدث بعد النبي " ص " وبعد زمان أبي بكر وأنها من البدع التي يخالف شريعة محمد " ص " رسولهم ، ما ذكره أبو هلال العسكري صاحب كتاب الأوائل فقال فيه : إن أول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات عمر ابن الخطاب.

ومن طرائف ما رأيت من جماعة كثيرة من المسلمين أيضا أنهم ينكرون على من يسوي القبور ويسطحها ، وصارت السنة عند هؤلاء في تسنيم القبوروهو مذهب أبي حنيفة وجماعة غيره ، وقد تضمنت كتبهم المعتبرة تسطيح القبور وتسويتها.

فمن ذلك ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في حديث فضالة بن عبيد الله الأنصاري قال : كنا مع فضالة بن عبيد الله بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ، ثم قال : سمعت رسول الله " ص " يأمر بتسويتها (١).

ومن ذلك ما ذكره الحميدي أيضا في كتابه في مسند أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام في الحديث الرابع عشر من أفراد مسلم عن أبي الهياج حيان بن حصين الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله " ص " أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٢).

ومن ذلك ما ذكره الطبري في تاريخه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب

__________________

(١) رواه مسلم في صحيحه : ٢ / ٦٦٦.

(٢) مسلم في صحيحه : ٢ / ٦٦٦.

٥٥٢

قال جعل قبر أبي بكر مثل قبر النبي " ص " مسطحا ورش عليه الماء (١).

ومن ذلك ما ذكروه في صفة قبر إبراهيم بن نبيهم وأنه كان مسطحا ، وإن ذلك فعلوه بأمر نبيهم وهو مذهب الشافعي وأصحابه ، قالوا هو المذهب إلا أن أبا هريرة قال التسنيم أحب إلي وكذلك ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال : لأنه صار شعار أهل البدع.

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب : فانظر رحمك الله تعالى إلى قوة أخبارهم وفتوى شافعيهم وأصحابه بتسوية القبور وتسطيحها ، ثم ناظر إلى قبورهم ومخالفتهم لسنة رسولهم وتسنيمها ، فانظر في عذر من اعتذر منهم بأنه ترك سنة رسولهم وعمل بخلافها من البدعة حيث قد صار شعار قوم من أهل البدع وما عنده وعند من اتبعه من البصيرة وما يفهمون أنهم قد عابوا ما دخلوا فيه ، لأنهم أيضا قد أبدعوا بتسنيمها فلهم أسوة بمن أبدع ، ولأنه لو جاز ترك كل ما وقع فيه خلاف من شريعتهم وخالف فيه قوم بغير الحق لوجب أن يتركوا جميع الشريعة ، ففي الجميع خلاف يعرفه أهل البصائر والإنصاف.

__________________

(١) الطبري في تاريخه : ٤ / ٤٩.

٥٥٣

خاتمة الكتاب

(قال عبد المحمود) مؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى : هذا آخر ما أردت ذكره في هذا الباب ، لأنني رأيت أن استيفاء طرائف هؤلاء الأربعة المذاهب ومخالفتهم للمعقول والمنقول يكثر ويطول ، وفي القليل دلالة على الكثير ، وفي معرفة ظواهرهم إشارة إلى ما في الضمير.

وقد ضمنت هذا الكتاب طرفا من الاحتجاج الحق الذي لا شبهة فيه ليعذرني من يقف على معانيه في ترك الاقتداء بهؤلاء الأربعة المذاهب وبكل من يذهب ما يشهد المعقول والمنقول بخلافه وبطلانه وفساده ويأبى كل بصير أن يلقى الله بتصديق قول قائلهم وسوء اعتقادهم.

وما رأيت في فرق الإسلام أقرب إلى لزوم الأدب مع الله تعالى وأنبيائه عليهم السلام وخاصته والتعظيم لنبيهم وأهل بيته عليهم السلام وخواص أصحابه من الفرقة الشيعة ، فإنها تنكر الأحاديث الكاذبة الباطلة والأقوال الأفكة وتنفر منها وتنزه نبيهم وأهل بيته عليهم السلام وصحابته عنها ، فسلمت عن هذه المناقضات والمعارضات عند من ينظر بعين الإنصاف إلى تحقيق أمور أهل الديانات ولله در القائل :

وإن كنت أرضى ملة غير ملتي

فما أنا إلا مسلم أتشيع

٥٥٤

وفي رواية أخرى

علي أمير المؤمنين زعيمه

وما لسواه في الخلافة مطمع

له النسب الأعلى وإسلامه الذي

تقدم فيه والفضائل أجمع

ولو كنت أهوى ملة غير ملتي

لما كنت إلا مسلما أتشيع

* * *

قال في آخر النسخة المخطوطة : قد فرغت من مشقة مشق هذا الكتاب يوم السبت خمس والعشرون شهر رجب المرجب سنة أربع وسبعون بعد الألف من الهجرة النبوية.

* * *

وقال في آخر النسخة المطبوعة : ووافق الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء خامس عشر من ذي الحجة الحرام سنة إحدى وسبعمائة.

" تم بحمد الله تصحيحه والتعليق عليه في ثاني عشر من الجمادى الأولى سنة ١٣٩٩".

٥٥٥

ملاحظة :

إن المؤلف " ره " نقل جملة من أخبار هذا الكتاب عن الجمع بين الصحيحين للحميدي ، ولكنه لم يكن بأيدينا لنستخرج الأخبار منه ، وقد أخرجناها من صحيح مسلم

وصحيح البخاري ، وربما لم يكن الخبر الموجود فيهما بعين الألفاظ المنقولة وكان فيه زيادة أو نقيصة.

٥٥٦

فهرس الموضوعات

مقدمة المؤلف.................................................................... ٣

قوله (ص) كنت أنا وعلى نورا بين يدي الله........................................ ١٥

كيفية ولادة علي عليه السلام وانه عليه السلام لم يزل من حين ولادته مع رسول الله (ص) حتى بعث نبيا     ١٦

إن عليا عليه السلام أول من أسلم وصلى.......................................... ١٨

حديث يوم الدار............................................................... ٢٠

ظهور التسمية لعلي عليه السلام بأنه وصى........................................ ٢٢

مبيت علي عليه السلام في فراش رسول الله (ص)................................... ٣٣

نزول قوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) في علي (ع).......... ٣٥

نزول قوله تعالى (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) في علي (ع)............ ٣٦

رد أبي بكر عن ابلاغ سورة التوبة................................................. ٣٨

نزول آية النجوى في علي (ع)................................................... ٤٠

٥٥٧

آية المباهلة..................................................................... ٤٢

نزول آية (إنما وليكم الله) في شأن علي عليه السلام................................. ٤٧

نزول قوله تعالى (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)......................... ٥٠

قول النبي (ص) أنت مني بمنزلة هارون من موسى................................... ٥١

ما ظهر من فضله صلوات الله عليه في غزوة خيبر.................................... ٥٥

إن النبي (ص) أمر بسد الأبواب إلا باب علي (ع)................................. ٦٠

ما ظهر من فضله صلوات الله عليه يوم الخندق..................................... ٦٠

إن عليا أخو النبي (ص)......................................................... ٦٣

قوله (ص) علي مني وأنا منه..................................................... ٦٥

اختصاص علي (ع) بمناقب جليلة................................................ ٦٨

حديث الطائر وأنه (ع) أحب الخلق إلى الله تعالى................................... ٧١

علم علي (ع) بالفتن وقوله سلوني قبل أن تفقدوني................................. ٧٣

ما جاء في فضائله (ع).......................................................... ٧٤

قوله (ص) من آذى عليا فقد آذاني............................................... ٧٥

تزويج علي (ع) بفاطمة عليها السلام وقول الرسول كل نسب منقطع ما خلا نسبي وعدة مناقب لعلي (عليه السلام)  ٧٦

آيات في شأن علي عليه السلام.................................................. ٧٨

صعوده على منكب النبي (ص).................................................. ٨٠

لا يجوز على الصراط أحدا لا بولاية علي (عليه السلام)............................. ٨٢

حديث البساط والتسليم على أصحاب الكهف.................................... ٨٣

في رجوع الشمس له (عليه السلام)............................................... ٨٤

نزول الماء لغسله (عليه السلام) من السماء......................................... ٨٥

علي (عليه السلام) خير البرية وخير البشر وخير الفتى............................... ٨٧

٥٥٨

ما نزل من الآيات في شأن علي (ع).............................................. ٩٣

في أنه (ع) مع الحق والحق معه.................................................. ١٠١

فيما أخبره رسول الله (ص) من قتاله وقتله........................................ ١٠٤

انه (ع) امام المتقين وقائد غر المحجلين........................................... ١٠٦

نزول سورة هل أتى في شأنه عليه السلام......................................... ١٠٧

مناقب أصحاب الكساء وفضلهم (ع).......................................... ١١٠

حديث الثقلين............................................................... ١١٣

نزول آية التطهير في آل محمد................................................... ١٢٢

آية المودة واهدنا الصراط المستقيم............................................... ١٣١

الأئمة أمان لأهل الأرض...................................................... ١٣١

قوله (ص) مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح......................................... ١٣٢

قوله (ص) إن عليا وصيي ووزيري............................................... ١٣٣

قوله تعالى (كمشكاة فيها مصباح).............................................. ١٣٥

اعترافات في فضائل علي (ع).................................................. ١٣٦

حديث الغدير................................................................ ١٣٩

في أنه (ع) كان أقرب الناس برسول الله.......................................... ١٥٣

إن حب علي (ع) نجاة من النار................................................ ١٥٦

إن حب علي (ع) نجاة من النار................................................ ١٥٦

في أنه (ع) كان أخص الناس برسول الله......................................... ١٥٧

فيما أمر النبي من محبة أهل بيته................................................. ١٥٩

في كيفية الصلاة عليهم عليهم السلام........................................... ١٦٠

في زيارة قبور أهل البيت عليهم السلام........................................... ١٦٣

تنصيص الرسول (ص) على أن الخلفاء بعده اثنا عشر كلهم من قريش............... ١٦٨

٥٥٩

في تنصيص الرسول على أسماء الأئمة الاثني عشر................................. ١٧٢

بشارة الرسول (ص) بالمهدي (ص).............................................. ١٧٥

في مستطرفات وقعت من المخالفين.............................................. ١٨٩

العلة التي من أجلها صالح الحسن (ع) معاوية..................................... ١٩٦

فيما جاء في الحسين عليه السلام وأنه قتل مظلوما................................. ٢٠١

وجه تسميتهم بأهل السنة والجماعة............................................. ٢٠٥

في قبولهم رواية أعداء أهل البيت (ع)........................................... ٢٠٦

ما شهد به العامة على أنهم خالفوا وصايا نبيهم................................... ٢٣٧

فيما جرى على فاطمة عليها السلام من الأذى والظلم ومنعها من فدك............... ٢٤٧

ما قاله المأمون العباسي من فضائل علي (ع)..................................... ٢٧٥

في عدم الاختلاف بين العباس وعلي (ع) وسائر بني هاشم......................... ٢٨٢

في عدم مساعدتهم لفاطمة عليها السلام ومساعدتهم لعائشة........................ ٢٨٥

سوء أدب عائشة مع النبي (ص) وشدة حسدها وبخلها............................. ٢٩٠

في ايمان أبي طالب رضي الله عنه................................................ ٢٩٧

المجلد الثاني

بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها.................................................. ٣٠٨

حكايات من المجبرة واحتجاجات عليهم.......................................... ٣٢٦

في عقائد المجسمة وردها........................................................ ٣٤٥

في جملة من اعتقادات الأربعة المذاهب في الأنبياء وخاصة نبينا....................... ٣٥٥

اخبار النبي (ص) عن ارتداد بعض أصحابه بعد وفاته.............................. ٣٧٣

في أن النبي (ص) لم يترك أمته بغير وصية........................................ ٣٨١

عدم صلاحية الأمم لاختيار الخليفة............................................. ٣٩٣

٥٦٠