ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المؤلف:

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين


المحقق: د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٩٩
  نسخة غير مصححة

قلنا : ولا يكون في الحكم كأنّه من جهة غير فاعل الضرر سواء كان هو المضرور أو غيره ؛ لأنه متى كان ذلك (١) لم يكن ظلما ؛ ولهذا فإن من بطش بغيره بغير حق ولم يندفع ضرره إلّا بقتله جاز قتله دفعا للضّرر الحادث منه. ولا يكون قتله ظلما لمّا كان في الحكم كأنّه من جهة غير فاعل الضرر ، بل من جهة المضرور ، كذلك فإنّ من رمى بصبي في النار فاحترق فإنّ الاحتراق من الله تعالى ، وليس بظلم لمّا كان في الحكم كأنّه من جهة غيره بل من جهة الطّارح للصبي في النار. والذي يدلّ على صحة هذا الحد أنه يكشف عن معنى المحدود على جهة المطابقة ؛ ولذلك يطّرد المعنى فيه وينعكس ، وذلك من دلائل صحّة الحد ؛ فثبت أنّ العقاب لمن لا يستحقه يكون ظلما. وإنما قلنا بأن الظلم قبيح لما تقدم بيانه في أوّل مسائل العدل. وأما أنّ المجازاة بالثواب لمن لا يستحقه تكون قبيحة ؛ فلأنها تتضمن التعظيم لمن لا يستحقه. وتعظيم من لا يستحقّ التعظيم قبيح. وإنما قلنا : بأنها تتضمن التعظيم لمن لا يستحقه ؛ لأنّ الثواب هو المنافع العظيمة الخالصة الدائمة المفعولة على جهة الإجلال والتعظيم على ما يأتي بيانه في الوعد والوعيد إن شاء الله تعالى. وإنما قلنا : بأنّ تعظيم من لا يستحق التعظيم قبيح ؛ لأنه يقبح السجود للجمادات. وقبح ذلك معلوم بفطرة العقل ، وإنّما قبح ذلك لكونه تعظيما لمن لا يستحق التعظيم بدليل أن الحكم الذي هو القبح يثبت بثبوت ذلك ، نحو السجود للأصنام ، وينتفي بانتفائه ، نحو السجود لله تعالى. وليس هناك ما تعليق الحكم به أولى. وقد شاركه المجازاة بالثواب لمن لا يستحقه في كونها تعظيما لمن لا يستحق التعظيم فيحب

__________________

(١) في الأصل : كذلك ، تعليقة كأنه من باب الظن.

٢٠١

أن يشاركه في القبح ؛ لان الاشتراك في العلة توجب (١) الاشتراك في الحكم وإلا عاد على أصل التعليل بالنقض والإبطال. فثبت أنّ المجازاة بالعقاب والثواب لمن لا يستحق ذلك تكون قبيحة. وإنما قلنا : بان الله تعالى لا يفعل القبيح لما قد حقّقناه وأوضحناه بحمد الله تعالى ، وبذلك يثبت الموضع الثالث.

وأما الموضع الرابع : وهو فيما يؤكد صحة مذهبنا ، ويوضح فساد

مذاهب (٢) المخالفين من أدلة الشرع.

فالذي يدل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب : فكتاب الله تعالى ناطق بذلك نحو قوله تعالى : (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ) [العنكبوت : ٤٠].

وقوله تعالى : (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) [النجم : ٣٨ ـ ٤١] ، وقوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر : ٣٨] ، وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [يونس : ٤٤] ، ولا ظلم أعظم من تعذيب من لا جرم له ، وقوله تعالى : (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل : ٩٠] ، وقوله تعالى : (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ) [النمل : ٩٠] ، فأوجب تعالى أنهم لا يحملون من خطايا الغير شيئا ، وقوله تعالى : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) [الأنعام : ١٦٤] وقوله تعالى : (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي) [سبأ : ٥٠] ، وقوله : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) [الجاثية : ١٥] وقوله تعالى : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة : ٢٨٦] وأشباه

__________________

(١) في (ج) : يوجب.

(٢) في (ب) : مذهب.

٢٠٢

ذلك مما صرّح فيه بأنه لا يؤاخذ أحدا بجرم غيره ، وأنه لا يثيبه إلا بعمله ، وأنه يعاقبه على عمله ، إلى غير ذلك من الآيات.

وأما السنة : فكثير نحو ما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «أتدرون من اللّاهون من أمّتي؟» قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : «نعم أولاد المشركين لم يذنبوا فيعذّبوا ، ولم يعملوا حسنة فيثابوا ، فهم خدم أهل الجنة» (١). ونحو ما روي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عن أطفال المشركين؟ فقال : «لم تكن (٢) لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك الجنة ، ولم يكن لهم ذنوب فيعاقبوا بها فيكونوا من أهل النار ، فهم خدم أهل الجنة (٣)». ونحو ما روي عن الأسود بن يزيد أنه قال : بعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سرية فأسرعوا (٤) في القتل حتى أصابوا الولدان ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ألم أنهكم عن قتل الولدان؟» قالوا : إنّما هم من أولاد المشركين يا رسول الله! قال : «أو ليس خياركم أولاد المشركين»؟ ثمّ أمر مناديه فنادى ألا إنّ كلّ مولود يولد على الفطرة. وفي بعض الأخبار : «حتى يعرب عنها لسانها إما شاكرا وإمّا كفورا» (٥).

وروي عن ابن عباس أنه قال : أطفال المشركين في الجنة ؛ فمن زعم أنهم في النار فقد كذب (٦) ؛ لقول الله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ

__________________

(١) روي أنهم خدم أهل الجنة. الطبراني في الأوسط ٥ / ٢٩٤ رقم ٥٣٥٥. وكشف الخفاء ١ / ١٣٦ رقم ٣٩٣.

(٢) في (ب) : لم يكن.

(٣) ذكره القرطبي في تفسيره ج ١٤ / ص ٢١ وعزاه الى يحيى بن سلام.

(٤) في هامش الأصل : فأسرفوا ، ورمز ب ظ ، أي إنه ظن.

(٥) رواه مسلم ٤ / ٢٠٤٨. باختلاف يسير.

(٦) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٦ / ص ٥٢٦. بزيادة بل هم في الجنة.

٢٠٣

قُتِلَتْ) [التكوير : ٧ ـ ٨] ، ومعنى قوله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ) الموءودة كانت : إذا ولدت للجاهلية أنثى دفنوها حية مخافة العار والحاجة. وسؤالها توبيخ لقاتلها ؛ لأنها تقول : قتلت بغير ذنب. وأما الإجماع : فذلك لا خلاف فيه (١) بين المسلمين ثبت الموضع الرابع.

وأما الموضع الخامس : وهو في إيراد طرف مما يتعلق به المخالفون

من الآيات والأخبار المتشابهة ، وبيان ما يجوز فيها من المعاني الصحيحة ، فتعلقوا في ذلك بما رووه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ خديجة رضي الله عنها سألته عن أطفال كانوا لها في الجاهلية ، فقال : لو شئت لأسمعتك ضغاءهم في النار (٢).

والجواب : أنّ هذا الخبر من أخبار الآحاد فلا يصحّ التعلق به في هذه المسألة على ما تقدم بيانه. على أنّه إن صح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمكن حمله على موافقة اللغة ، وذلك أنّ المراد بالاطفال البالغون فسمتهم أطفالا لقرب عهدهم بالطفوليّة قال الشاعر :

عرضت لعامر والخيل تردي

بأطفال (٣) الحروب مشمّرات (٤)

__________________

(١) فيه ساقطة في (ب) ، وفي هامشها فثبت ظ ، وهو الأصوب ..

(٢) في النهاية في غريب الحديث ٣ / ٩٢. والطبراني في الأوسط ٢ / ٣٠٢ برقم ٢٠٤٥ ؛ أنه قال لعائشة عن أولاد المشركين : إن شئت دعوت الله تعالى أن يسمعك تضاغيهم في النار» أي صياحهم. القاموس ص ١٦٨٣.

(٣) كأن الباء زائدة لإصلاح الوزن ، والأصل : تردي أطفال ؛ لأن الفعل يتعدى بنفسه.

(٤) في هامش الأصل : أو وجه أقرب من هذا ، وهو أنهم قد كانوا بلغوا الإدراك وكملت لهم علوم العقل ـ وإن لم يحصل البلوغ ؛ فإن البلوغ جعل مناطا للأحكام الشرعية من صحة المعاملة ونحوها ، وارتفاع الولاية عليه. على أن الإمام القاسم بن محمد رحمه‌الله صحّح ممّن كمل تمييزه كلّما يصح من البالغ ، واحتج بقوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ) ؛ فأما الأمور العقلية فإنه يخاطب بها إذا كمل تمييزه اتفاقا. ويروى أن رجلا

٢٠٤

وتعلّقوا بقول الله تعالى : (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) [النساء : ٥٦]. قالوا : فبيّن أنه يعذّب الجلود المبدّلة التي لم تكن حالة المعصية. والجواب : عن ذلك أنّ الظاهر لا تعلّق لهم به (١) لأنه تعالى لم يذكر أنه يعذّب الجلد وهو موضع تعلّق الخصم. وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنه يعيد جلودهم المعيّنة. ومعنى تجدّدها هو أن يزيل ما فيها من الاحتراق ، ويعيدها إلى ما كانت عليه. وقد يقال لما هذه حاله بأنه غيّر وبأنه بدّل. وقوله تعالى : (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) ، أي ليجدوا ألم العذاب. وإنما سمّاه ذوقا ؛ لأن أجسامهم تتجدّد (٢) في كل وقت كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس. وهو المروي عن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه‌السلام فإنّ في التفسير المضاف إليه أنّ معنى قول تعالى : (بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها). أي رددناها كما كانت أوّلا عند مماتها ودخولها في أجداثها. فكانت من قبل قد تمزقت وبليت وفنيت ، ثمّ ردّت ، على هيئتها وصورتها فأحرقت وعذّبت ثم أعيدت بعينها على هيئتها وصورتها الأولى فعذّبت أيضا ، فهي المعذّبة على الحقيقة ، والمعادة للعذاب على الدوام بعينها لا سواها. ولا يصحّ أن يقال إنّ المعاقب هو جلود غيرها لم تعص الله تعالى بذنب ؛ لأنّ الله تعالى يقول : (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)

__________________

قال للمنصور الدوانيقي : إنّ الطفل إذا حصل له بعض الإدراك رفع حوائجه إلى أمه ظنّا منه أنها منتهى النفع والضرر ؛ فإذا زاد إدراكه رفعها إلى أبيه ، فإن كبر يسيرا رفعها إلى والي بلده ، ثم إلى إمامه ، ثم إلى الله تعالى ، وإني قد رفعت حاجتي إلى والي بلدي فلم يصنع شيئا ، وها أنا قد رفعتها إليك فإن لم تنصفني فإني رافعها إلى المرتبة الثالثة [بعد والي البلد] فأشكاه المنصور. والمراد بيان ترقي الإدراك ، والله أعلم. تمّت.

(١) في (ب) ، (ج) : فيه.

(٢) في الأصل تعليقة : تجد

٢٠٥

[النجم : ٣٨] وإنّما الجلود التي تبدّل هي الجلود التي عصت ، وفي النار أوّلا حرّقت. فهذا هو تفسيره عليه‌السلام. وفي ذلك قول آخر وهو أنّ الله تعالى يجدّد لهم جلودا غير جلودهم الأولى ، وهو الذي يقتضيه ظاهر التّلاوة. قال الحسن : ينضجهم في اليوم سبعين ألف مرة (١). وقال معاذ رحمه‌الله وقد سمع رجلا يقرأ هذه الآية بحضرة عمر تبدّل في ساعة (٢) مائة مرة : فقال عمر : هكذا سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣).

وذهب أهل هذين القولين جميعا سوى الهادى إلى الحق عليه‌السلام فلم يذكره بنفي ولا إثبات إلى أنّ الجلد لا يلحقه العذاب لوجهين : أحدهما أنه ليس في ظاهر الآية أن الله تعالى يعذب الجلد ؛ لأنه لم يذكر أنه يعذّب الجلد. والثاني ـ أن الجلد لا حياة فيه ولا يتألم بانفراده ، بل المتألّم الجملة التي يكون بها الإنسان هو ما هو ، دون الفضلات والسّمن والجلد والشّعر (٤). وإنما قلنا ذلك ؛ لأن الإنسان يلحقه حكم أفعاله في حال سمنه وهزاله ، وقبل نبات شعره وبعد زواله ؛ فالذم والمدح والأمر والنهي وغير ذلك يتعلق بالجملة دون الفضلات ؛ فدلّ ذلك على أن الإنسان هو غير هذه الفضلات ، وهو الجملة التي يكون بها الإنسان هو ما هو ، وهو الذي يعصي ويطيع ، وإليه يتوجه الثواب والعقاب دون الفضلات ، فهو المتألم بما يقع من الألم دون الفضلات ، ولهذا لو قطعت منه قطعة من جلده أو لحمه فأزيلت عنه لم يتألّم إلّا هو دونها ، فدلّ ذلك على أنه لا حياة فيها ، وإلا وجب أن تتألم (٥) عند الانفصال. ومعلوم أنه

__________________

(١) الدرّ المنثور ٢ / ٣١١.

(٢) في هامش الأصل : الساعة ، ظ.

(٣) الدر المنثور ٢ / ٣١١ ، والطبراني في الأوسط ٥ / ٧ برقم ٤٥١٧.

(٤) ينظر الماوردي ١ / ٤٩٧. بمعنى مقارب.

(٥) في (ب) : يتألم.

٢٠٦

يتألم قبل انفصالها عنه وبعده فيشتبه (١) الحال عند اتصالها. والمتألم على الحقيقة هو الإنسان دونها.

وإذا ثبت ذلك لم يلحق العذاب الجلود ، بل يلحق الجملة التي يكون بها الإنسان هو ما هو ، وهو الذي يتعلق به الإعادة دون الفضلات ، وإذا كان كذلك سقط تعلّقهم بالآية. وسيأتي في ذلك مزيد إيضاح إن شاء الله تعالى في باب الوعد والوعيد.

ومن ذلك قوله تعالى : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) [المائدة : ٢٩]. قالوا : فبيّن أنه يؤاخذ بجرم الغير. والجواب : أن المعنى أنه أراد أن تبوء بإثمي يعنى بإثمك في قتلي ، وأضاف الإثم إلى نفسه ليميّز بين الإثمين. وقد ثبت عند أهل اللغة جواز إضافة الفعل إلى المفعول به ، كقولهم : ظلم زيد ، يعنى ظلمك لزيد ، وكقولهم : قتل زيد يعني قتلك لزيد ، فلما كان لهذا القاتل وهو قابيل إثم ؛ لأجله لم يقبل قربانه ، وإثم في قتله لأخيه هابيل ـ ميّز بينهما بأن أضاف أحدهما إلى قابيل وهو إثمه المانع من قبول قربانه ، وأضاف الإثم الأخر إلى نفسه ، أعني نفس هابيل ، ويدلّ على ذلك أنه جعل امتناعه عن قتله سببا ليبوأ بالإثمين ؛ لأنه لمّا امتنع من مقاتلته استحق القاتل وهو قابيل العقوبة على قتله لهابيل ، مع استحقاقه للإثم الأوّل الذي هو سبب ترك قبول قربانه. وهذا واضح بحمد الله (٢).

ومن ذلك قوله تعالى : (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) [النحل : ٢٥]. قالوا : فأخبر تعالى أنه يحمّلهم أوزار غيرهم ، وأنّه يعذبهم لأجل فعل سواهم.

__________________

(١) في (ب) : فيشبه.

(٢) ينظر في معناه الكشاف ١ / ٦٢٤.

٢٠٧

والجواب : أن ما ذكروه فاسد لدلالة العقل والكتاب والإجماع :

أما العقل : فقد دللنا على أنه سبحانه لا يجوز أن يفعل ما هو ظلم. والأخذ بجرم الغير ظلم ؛ فهو غير فاعل له.

وأما الكتاب ـ فقوله تعالى : (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ) [العنكبوت : ١٢] ؛ فبيّن أنهم لا يحملون من خطايا الغير شيئا.

وقوله : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الأنعام : ١٦٤] إلى غير ذلك مما تقدم ذكره.

وأما الإجماع : فهو أن المتعارف أنّ من حمل من ثقل غيره فإن ذلك يكون تخفيفا عنه ، وكذلك من حمل عين (١) وزره سقط عنه. والإجماع منعقد بين الأمة على خلاف ذلك ؛ وإذ قد دللنا على فساد تأويلهم فلنبيّن معنى الآية فنقول : إنّ معناها أنهم يحملون مثل أوزار أتباعهم ؛ لإغوائهم إيّاهم وإضلالهم لهم ، وذلك لأنّهم فعلوا فعلين : أحدهما ضلالهم في أنفسهم ، والآخر إغواؤهم لأتباعهم ؛ فاستحقّوا قسطين من العذاب ، وتحمّلوا حملين من الوزر. وأما إضافة ذلك إلى الأتباع بقوله : (وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [النحل : ٢٥] فإنّما فعل ذلك ؛ للتمييز بين ما يحملونه من الوزر في أنفسهم ، وبين ما يحملون لإضلالهم إيّاهم ، ولو أضاف إليهم لم يكن بين الأمرين فرق. وذلك شبيه بقوله تعالى : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) [المائدة : ٢٩] ، على ما تقدم تفسيره. ومثل ذلك قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من سنّ سنّة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من وزرهم شيء (٢)». وروي : «ومثل وزر من عمل

__________________

(١) في (ب) : غيره ، وبناء عليه فتضبط من حمّل غيره وزره. وهو واضح.

(٢) أخرجه أحمد بن حنبل ٧ / ٥٦ برقم ١٩١٧٧ عن جرير عن أبيه ، ومجمع الزوائد ١ / ١٦٧ ، وابن ماجة ١ / ٧٤ رقم ٢٠٤ ، ٧٥ ، ٢٠٧. بلفظ : من أوزارهم.

٢٠٨

بها» (١) ، ولهذا قال علماؤنا : تعظم المعصية لأجل ما يقارنها من التّأسّي في المستقبل وغير ذلك ، وكذلك الطاعة. والشيء قد يسمّى باسم الشيء إذا كان مثله عند أهل اللّغة ، كقول القائل : صغ هذا الخاتم صياغة فلان ، أي مثل صياغته. وقال الشاعر :

فلست مسلّما ما دمت حيّا

على زيد بتسليم الأمير

أي مثل تسليم الأمير ، ومثل ذلك قول الله تعالى : (فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) [الواقعة : ٥٥] يعني مثل شربها. والهيم الإبل العطاش. فسقط قولهم.

ومن ذلك قول الله تعالى : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ) [العنكبوت : ١٣] وهذا يدل على أنه يحمّلهم أثقال غيرهم ؛ ويدلّ على أنه يؤاخذهم بجريرة غيرهم. والجواب عن ذلك أنّ تفسيرهم هذا فاسد ؛ لدلالة العقل والقرآن والإجماع ، على ما تقدم تحقيقه ، ولوجه آخر وهو أنّ ظاهر الآية لا تعلّق لهم فيه ، وذلك لأنه تعالى ابتدأ فقال : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ) [العنكبوت : ١٢]. ثم قال : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ) فقد صرح تعالى بأنهم يحملون أثقالهم ، وقوله : (وَأَثْقالاً) كلام مبهم ليس فيه أنه من أثقال غيرهم ؛ إذ لو كان كذلك لكان مناقضا لقوله في أوّل الآية (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ).

وعلى الجملة فالحمل هو التّحمّل لشيء له ثقل. والوزر في أصل اللغة أصله الثّقل (٢) فمتى جعلوا الحمل والوزر على غير ذلك كان تركا للظاهر

__________________

(١) أخرجه ابن ماجه ١ / ٧٤ رقم ٢٠٣ ، ورقم ٢٠٥ ، ٢٠٦.

(٢) مختار الصحاح ٧١٩.

٢٠٩

بإجماع ؛ ولأنّ من حمل من ثقل غيره فقد خفّف عنه من ذلك. والإجماع منعقد على أنّه لا يخفّف عن المحمول عنهم من أوزارهم ؛ لأنّهم يقولون : إنّ هؤلاء يحملون من أوزارهم من غير أن يخفّف عنهم ، وهذا خلاف الظاهر ، وإذا كان كذلك سقط تعلّقهم بالآية.

وأما معنى الآية فقوله تعالى : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ) يعني فيما اكتسبوه (١) من الكفر والعصيان ، وقوله : (وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ). الأولى وهي على ما أضافوه إليها ثانيا من استغوائهم للمؤمنين ، ودعائهم إياهم إلى الكفر ، وضمانهم عنهم حمل أوزارهم وعلى هذا التفسير لا يتناقض أول الآية وآخرها. وهو أيضا موافق لدلالة العقل والقرآن والإجماع ؛ فبطل قولهم من كل وجه ، وصحّ مذهبنا بحمد الله تعالى. وعلى هذا النسق يجرى الكلام فيما يتعلقون به.

مسألة في الاستطاعة : والكلام منها (٢) يقع في موضعين :

أحدهما في حكاية المذهب وذكر الخلاف. والثاني في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه المخالفون.

أما الموضع الأول ـ وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف :

فاعلم أنّا نعتقد أن الله تعالى كلّف عباده ما يطيقون ، وأنه تعالى قد أقدرهم على ما كلّفهم ، وأنّ قدر العباد متقدّمة على مقدوراتهم ، وغير موجبة لها ، بل هي تمكين لهم : فإن شاءوا فعلوها ، وإن شاءوا تركوها ، وليسوا بمضطرّين إلى فعلها ، بل هم مختارون في الفعل والترك. وهذا قول جميع العدلية. وذهبت المجبرة القدرية إلى النقيض مما تقدم.

__________________

(١) في (ب) : اكتسبوا.

(٢) في (د) : فيها ، وهو الأظهر.

٢١٠

وأما الموضع الثاني ـ وهو في الدليل على صحة ما ذهبنا إليه ، وفساد ما ذهب إليه المخالفون. فإذا أردنا ذلك تكلّمنا في ستة مواضع : أحدها في أنّ العباد قادرون. والثاني أنّ كونهم قادرين إنّما يثبت لهم لمعان تحلّ فيهم وهي القدر.

والثالث في أنّ القدر من الأعراض الباقيات ، وأنّها متعلقة بالضّدّين ؛ فالقدرة على الحركة قدرة على السكون. والقدرة على السكون قدرة على الحركة ، وكذلك سائر الأفعال المتضادّة كالعلم والجهل ، والإرادة ، والكراهة ونحوها ، بمعنى أنّه يمكن إيجاد كلّ واحد من الضّدّين بدلا عن صاحبه. والرابع أنّها متقدمة على المقدورات ، وغير موجبة لها. والخامس في بيان طرف ممّا يؤكد ذلك من أدلة الشرع. والسادس فيما يتعلقون به من الآيات المتشابهة وبيان معانيها.

أما الموضع الأول ـ وهو (١) أنّ العباد قادرون. فالذي يدلّ على ذلك أنّا قد بيّنّا أنّ العباد هم المحدثون لأفعالهم وتصرفاتهم ، بمعنى أنه كان يمكنهم قبل إحداثها أن يحدثوها وأن لا يحدثوها ، وأن العلم بذلك على سبيل الجملة ضروري ، وهو أحد علوم العقل. وبيّنّا في بيان الصفات أن كل من صحّ منه الفعل يجب أن يفارق من تعذّر عليه ذلك بمفارقة لو لا ها لما صحّ منه ما تعذّر على الآخر ، وأنّ تلك المفارقة هي التي عبّر عنها أهل اللغة بكونه قادرا.

وأما الموضع الثاني ـ وهو أنّ كونهم قادرين إنما يثبت لمعان تحلّ فيهم وهي القدر والذي يدلّ على ذلك أنه قد ثبت كون الواحد منّا قادرا ، فلا يخلو أن يكون قادرا لذاته كما يقول النّظّام ومن تابعه ، أو لا لذاته. باطل أن

__________________

(١) في (ب) : وهو في.

٢١١

يكون قادرا لذاته ، ولا لما هو عليه في ذاته ؛ لأنّه لو كان كذلك لما صحّ خروجه عنها ما دامت ذاته ، وما دام موجودا. ومعلوم خلاف ذلك. وإذا كان قادرا لغيره فلا يخلو أن يكون قادرا بالفاعل أو لعلّة. باطل أن يكون قادرا بالفاعل ؛ لأنه كان يجب أن يصحّ الفعل بكل جزء من أجزاء الفاعل ؛ لأن الصفة بالفاعل ترجع إلى الأجزاء دون الجمل ، ولو كان كذلك لكان يجب أن يكون الواحد منا بمنزلة قادرين ؛ لرجوع هذه الصفة إلى كل جزء من أجزائه.

ومعلوم خلاف ذلك فلم يبق إلا أن يكون قادرا لعلة ثم لا تخلو (١) أن تكون موجودة أو معدومة ، والموجودة لا تخلو أن تكون قديمة أو محدثة. باطل أن يكون قادرا بقدرة معدومة أو قديمة ؛ لأنه يكون في تصحيحها إبطالها ، وكل ما كان في تصحيحه إبطاله فهو باطل على ما تقدم بيان ذلك كلّه ، فلم يبق إلا كون العباد قادرين لمعان تحلّ في أبعاضهم وهي القدر.

وأما الموضع الثالث ـ وهو أن القدر من الأعراض الباقيات وأنها متعلقة بالضدين على الوجه الذي ذكرناه. أمّا إنها من قبل الباقيات فلأنّ من طولب برد الوديعة التي عنده ثم مضى من الوقت مقدار ما يقطع به تلك المسافة ولم يردّها ـ فإن العقلاء يذمّونه على ذلك ، ويعلمون بضرورة العقل حسن ذمّه على الإخلال بردها بعد ذلك ، فلو لا أنّ قدرته حالة المطالبة بردها باقية إلى مضيّ الوقت الذي يمكنه قطع المسافة لما صحّ أن يذمّه العقلاء على الإخلال بردها ؛ لأنه يكون ذمّا للغير على ما لا يقدر عليه ، وذلك قبيح بلا خلاف. وسائر ما يدلّ به على أنها متعلقة بالضدين يدلّ على أنها باقية ، والذي يدل على أنها متعلقة بالضدين أن القول بأنها غير متعلقة بالضدين يؤدي إلى المحال ، وما أدى

__________________

(١) في (ب) : يخلو.

٢١٢

إلى المحال فهو محال. وإنّما قلنا : بأنّ القول بأنها غير متعلقة بالضدين يؤدّي إلى المحال ؛ لأنه كان يجوز أن يكون بعض الناس قادرا على نقل عشرين ألف رطل من حديد إلى جهة يمنة ، ولا يكون قادرا على نقل ريشة إلى جهة يسرة ، وأن يكون بعض الناس قادرا على مشي مائتي فرسخ في جهة يمنة ، ولا يقدر على مشي خطوة واحدة في جهة يسرة ، بأن تحصل فيه القدرة على أحد الضدين ولا تحصل القدرة للآخر ، ومعلوم ضرورة استحالة ذلك وبطلانه ، فثبت أنه يؤدّي إلى المحال. وإنّما قلنا : بأنّ ما أدى إلى المحال فهو محال فلأنّ في صحته صحة المحال وفي ثبوته ثبوت المحال ، فثبت أنّ القدرة متعلقة بالضدين.

وأما الموضع الرابع ـ وهو أن القدرة متقدمة على المقدورات ، وغير موجبة لمقدوراتها فالذي يدل على ذلك أنها لو كانت موجبة لمقدورها وغير متقدمة عليه لما كلّف الله الكافر الإيمان. ومعلوم أنّه قد كلّفه الإيمان فثبت أنها متقدمة على المقدور ، وغير موجبة له. وإنّما قلنا : إنها لو كانت موجبة لمقدورها وغير متقدمة عليه لما كلّف الله الكافر الإيمان. فالذي يدل على ذلك أنّ تكليف ذلك ـ والحال هذه ـ تكليف ما لا يطاق وهو قبيح. وإنّما قلنا : إنه يكون تكليفا لما لا يطاق ؛ لأنه متى لم يمكنه الانفكاك عن الكفر لمكان (١) القدرة الموجبة له أو لغيرها من المعاني كما يذهب إليه المتأخرون من الجبرية ، ولم تخلق فيه قدرة الإيمان في حال كفره على قولهم ـ كان تكليفه بالإيمان والانفكاك من الكفر ـ والحال هذه ـ تكليفا لما لا يطاق لا محالة ؛ لأنّا لا نعني بتكليف ما لا يطاق إلا تكليف ما لا يمكن ولا قدرة عليه ، إذ الطاقة هي القدرة والاستطاعة. وإنّما قلنا : بأنّ تكليف ما لا يطاق قبيح ، ونريد بذلك أنّ

__________________

(١) في (ب) : لما كانت.

٢١٣

البعث بالأمر والنهي على ما لا يمكن قبيح جريا على قول المجبرة : إن التكليف هو الأمر والنهي ، ومخالفة لمن أجاز منهم تكليف ما لا يطاق بهذا المعنى الذي ذكرناه (١).

والذي يدل على قبح تكليف ما لا يطاق بهذا المعنى أنّه يعلم باضطرار قبح تكليف الأعمى بنقط المصاحف ، ومن لا جناح له بالطيران ونحو ذلك ؛ ولهذا يشترك العقلاء في العلم بقبح ذلك ، ويعدّون من طلب ذلك من الغير أو أمر به (٢) ضعيف العقل ويذمّونه على ذلك ، وليس ذلك إلّا لعلمهم بقبح ما ذكرناه ، وإنما قبح ذلك لكونه تكليفا لما لا يطاق ، بدليل أنّ الحكم الذي هو القبح يثبت بثبوت ما ذكرناه ، وينتفي بانتفائه وليس هناك (٣) ما تعليق الحكم به أولى. وقد شاركه تكليف الكافر الإيمان ـ والحال هذه ـ في كونه تكليفا لما لا يطاق كما تقدم ، فيجب أن يشاركه في كونه قبيحا ؛ لأنّ الاشتراك في العلّة يوجب الاشتراك في الحكم. وقد بيّنّا في ما تقدم أنه لا يجوز ثبوت وجه القبح مع انتفاء القبح ، وبيّنّا أنّ القبيح يقبح (٤) من أي فاعل وقع منه. وقد ثبت أنه تعالى لا يفعل القبيح ، فثبت أنّ القدرة لو كانت موجبة لمقدورها وغير متقدّمة عليه لما كلّف الله تعالى الكافر الإيمان.

__________________

(١) في (ب) : ذكرنا.

(٢) في (ب) : وأمر به.

(٣) في (ب) هنالك.

(٤) في (ب) : أن القبح يقبح.

٢١٤

وأما الأصل الثاني : وهو أنّ الله تعالى كلّف الكافر الإيمان فذلك ظاهر ؛

فإنا نعلم من دين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرورة أنّ الكفار مكلفون بالإيمان ؛ ولذلك نسب من لم يؤمن إلى الجحود والكفر والتكذيب ، وألحق بهم الوعيد الشديد ، فلا يكون هذا إلّا مع التكليف.

وأما الموضع الخامس :

وهو في إيراد طرف مما يؤكّد ذلك من أدلة الشرع

فيدل عليه قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) [البقرة : ٢٨٦] ، والوسع دون الطاقة. قال الشاعر :

كلفتها الوسع في سيري لها أصلا

والوسع منها دوين الجهد والوخد (١)

وقوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) [الطلاق : ٧] ، وقوله : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن : ١٦] ، وقوله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران : ٩٧] ، وقوله تعالى : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة : ١٨٥] ، وقوله : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج : ٧٨] ، والحرج هو الضيق.

وقد أخبر الله تعالى أنّ المنافقين أخبروا عن أنفسهم بنفي استطاعتهم للخروج مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحلفهم بأنهم لو استطاعوا ، لخرجوا وكذّبهم (٢) تبارك وتعالى في ذلك. فقال عز قائلا : (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) [التوبة : ٤٢] فلو كانت القدرة موجبة لمقدورها لكانوا صادقين في قولهم : (لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا

__________________

(١) يتحدث عن الناقة ، والوخد نوع من السير. وفي (ب) : دون ، وهو يزحف البيت.

(٢) في (ب) : وأكذبهم.

٢١٥

مَعَكُمْ) ؛ لأنّ المستطيع للشيء فاعل له لا محالة على هذا القول. فلمّا أكذبهم الله تعالى في ذلك دلّ على أنهم كانوا مستطيعين للخروج ، وقد يستطيعون الخروج ـ وإن لم يخرجوا ـ وذلك يقضي بتقدم القدرة على مقدورها ، وأنها غير موجبة له ، وأنها قد توجد بدونه ، إلى غير ذلك من الآيات.

وأما السنة : فكثير ، نحو ما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : سأل موسى ربّه أيّ عبادك أعزّ؟ قال : الذي إذا قدر غفر (١). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال حاكيا عن ربه عزوجل : يا ابن آدم أنا أولى بإحسانك منك ، وأنت أولى بذنبك منّي ، لم أدع تحذيرك ، ولم آخذك على غرّتك ، ولم أكلّفك فوق طاقتك (٢). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «عليكم من الأعمال بما تطيقون» (٣) ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٤) إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم» (٥). وعن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أيعجز أحدكم أن يعمل كلّ يوم مثل أحد؟ قالوا : ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟ قال : «كلّكم يستطيعه. قالوا : ما ذا يا رسول الله؟ قال : «سبحان الله أعظم من أحد. لا إله إلا الله أعظم من أحد. الحمد لله أعظم من أحد. والله أكبر أعظم من أحد» (٦). وروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنه قال في خطبته الغرّاء في

__________________

(١) أخرجه الحر العاملي في الجواهر السنية ص ٦٤ عن الباقر (ع) قال : مكتوب في التوراة فيما ناجى الله موسى (ع) : يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكفّ عنك غضبي. قال موسى : يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال : الذي إذا قدر عفا.

(٢) الجواهر السنية في الأحاديث القدسية ص ٢٧٩.

(٣) مسلم ١ / ٥٤٢ برقم ٧٨٥ ، وأحمد بن حنبل ١٠ / ٣١ برقم ٢٥٨٣٠.

(٤) في (ب) : بزيادة «أنه قال».

(٥) الدار قطني مج ١ ج ٢ ٢٨١. وفتح الباري ١٣ / ٢٦١ باختلاف يسير.

(٦) أخرجه الطبراني ١٨ / ١٧٤ رقم ٣٨٩. والبزار ٢ / ٤٠٠ رقم ٢٠٩٣ و ٢٠٩٤.

٢١٦

موضع العدل منها بعد ذكر الخلق وبيان التوحيد : ثمّ أمر بتربيته إلى كمال تقويته ، وأسبغ عليه النّعم ، ووضع عليه القلم عند حال البلوغ ، فلم يكلّفه ما لا يطيق ، أنظره بالأمر ، ومدّ له في العمر ، ثمّ كلّفه دون الجهد ، ووضع عنه ما دون العمد. وقد أطلقه للفكر ، وحثّه على النّظر ، بعد وصفه له للأدلّة ، وإزاحته له كلّ علة. إلى غير ذلك من السنة.

وأما الإجماع : فذلك ممّا لا خلاف فيه بين الصحابة والتابعين وهو قول أهل البيت المطهرين (ع).

وأما الموضع السادس :

وهو فيما يتعلقون به من الآيات المتشابهة ، وبيان معانيها

فمن ذلك قوله تعالى : (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) [هود : ٢١] وقوله تعالى : (لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) [الكهف : ١٠١] ، قالوا : فأخبر أنهم لم يكونوا يستطيعون السمع وكانوا مع ذلك مكلفين (١).

والجواب أنّ الظاهر لا تعلّق لهم فيه ؛ لأنّ الظاهر يقتضي نفي استطاعتهم السمع. والسّمع ليس بفعل للعبد في الحقيقة ، ولا يصح أن تكون (٢) له قدرة

__________________

ولفظه : أما يستطيع أحدكم أن يعمل كل يوم مثل أحد عملا؟» قالوا : يا رسول الله ومن يستطيع أن يعمل كل يوم مثل أحد عملا؟ قال : «كلكم يستطيعه» ، قالوا : يا رسول الله ما ذا؟ قال : «سبحان الله أعظم من أحد ، ولا إله إلا الله أعظم من أحد ، والحمد لله أعظم من أحد». قال في مجمع الزوائد ١٠ / ٩٠ بعد ما عزاه إليهما : ورجالها رجال صحيح.

(١) يتظر الرازي مج ١١ ج ٢١ ص ١٧٤.

(٢) في (ب) ، (ج) : يكون.

٢١٧

عليه ، فلو ذمّهم الله تعالى على ذلك لكان قبيحا جاريا مجرى ذمّ الأعمى على كونه أعمى. وإذا كان كذلك وجب صرف ذلك إلى ما هو من فعلهم ، وهو استثقالهم الاستماع ، وإعراضهم عنه ، وتركهم للتّفكّر فيه ، وأخبر تعالى عن ذلك بنفي الاستطاعة مبالغة في الوصف. ومن ذلك قوله تعالى : (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) [الإسراء : ٤٨].

والجواب : أن معنى ذلك أنّ حيل المشركين ضلّت ، فلم يقدروا أن يحتالوا له حيلة إلّا قولهم إنه ساحر مجنون.

مسألة : ونعتقد أنّه تعالى مريد وكاره وفيها ثلاثة فصول :

أحدها في الدلالة على أنه تعالى مريد وكاره. والثاني في الدلالة على أنه تعالى لا يريد الظّلم ولا يرضى الكفر ولا يحبّ الفساد. والثالث في إيراد ما يتعلّق به المخالف وإبطاله ممّا حمل عليه الآيات المتشابهة :

أما الفصل الأول ـ وهو في الدلالة على أنه تعالى مريد وكاره

فالذي يدل على ذلك أنه آمر وناه ومتهدّد ، وكل من كان كذلك فإنه يجب كونه مريدا وكارها ، وإنما قلنا : بأنه آمر وناه ومتهدد ؛ لأنّ ذلك ممّا أجمع عليه المسلمون ، وعلم من ضرورة الدّين ، ونطق به القرآن المبين. وإنّما قلنا : بأنه لا يكون كذلك إلا وهو مريد وكاره ؛ لأنّ كونه مريدا وكارها داخل في حقائق هذه الأمور ، وإذا كان داخلا في حقائقها وجب أن يكون مريدا وكارها.

وإنّما قلنا : بأن كونه مريدا وكارها داخل في حقائق هذه الأمور بدليل أنّ الأمر هو قول القائل (١) لغيره افعل أو ليفعل ، أو ما يجري مجراهما على جهة

__________________

(١) في (ب) : أن الآمر هو القائل.

٢١٨

الاستعلاء دون الخضوع ، مع كون المورد للصيغة مريدا لما تناولته. قلنا : هو قول القائل لغيره ؛ لأنه لا يكون آمرا لنفسه. قلنا : افعل ؛ لينفصل عن النهي ، ويكون أمرا للحاضر. قلنا : أو ليفعل ؛ لئلّا يخرج عنه أمر الغائب.

قلنا : أو ما يجري مجراهما نريد بذلك الأمر بصيغة تصلح للاثنين والجماعة والمؤنث والمذكّر غير الواحد. قلنا : على جهة الاستعلاء دون الخضوع احترازا (١) من السؤال والدعاء ؛ فإنه وإن كان بهذه الصيغة ؛ فإنه ليس على جهة الاستعلاء فلا يكون أمرا. قلنا : مع كونه مريدا لما تناولته الصيغة لينفصل بذلك عن التهديد بصيغة الأمر فإن التهديد بصيغة الأمر قول القائل لغيره : افعل أو ليفعل أو ما يجري مجراهما على جهة الاستعلاء دون الخضوع ، مع كونه كارها لما تناولته الصيغة ، نحو قول المعلّم للصبيان : العبوا ، وهو لا يريد اللّعب لهم ، بل يكرهه منهم.

وأما النهي : فهو قول القائل لغيره : لا تفعل أو لا يفعل أو ما يجري مجراهما على جهة الاستعلاء دون الخضوع ، مع كونه كارها لما تناولته الصيغة. والاحترازات فيه على نحو ما تقدم. إلّا أنّ قولنا : لا تفعل أو لا يفعل فصل له عن الأمر وعن التهديد بصيغة الأمر. وقلنا : مع كونه كارها لما تناولته الصيغة فصلا له عن التهديد بصيغة النهي ؛ فإنّ التهديد بصيغة النهي هو قول القائل لغيره : لا تفعل أو لا يفعل أو ما يجري مجراهما على جهة الاستعلاء دون الخضوع ، مع كونه مريدا لما تناولته الصيغة نحو قول المعلم للصبيان : لا تقرءوا. وهو يريد القراءة. وقد دخلت حقيقة التهديد في الأمر والنهي لمّا كان منقسما قسمين : تهديد بصيغة الأمر ، وتهديد بصيغة النهي. فثبت أنّ كونه

__________________

(١) في (ب) : احتراز. على تقدير مبتدأ. أي هذا احتراز. والنصب مفعول لأجله ، وهو أولى.

٢١٩

مريدا وكارها داخل في حقيقة كونه آمرا وناهيا ومتهددا.

وإنّما قلنا : بأنه متى كان كذلك لم يجز أن يكون آمرا وناهيا ومتهددا إلّا وهو مريد وكاره ؛ لأنّه لو لم يكن كذلك لعاد على ما علم من حقيقة الأمر والنهي والتهديد بالنقض والإبطال ، وذلك محال. يبيّن ذلك ويوضّحه أنّ قوله تعالى : (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) [فصلت : ٤٠] تهديد بلا خلاف ، وقوله : (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً) [سبأ : ١٣] أمر بلا خلاف ، وهما على سواء في كونهما صيغتي أمر. فلو لا أنّه مريد لما تناولته إحداهما ، وكاره لما تناولته الأخرى لما كان بينهما فرق. ولكانا أمرين معا أو تهديدين معا ، وذلك محال. فثبت أنه تعالى مريد وكاره. وإذا ثبت ذلك فإنه تعالى يريد جميع أفعاله سوى الإرادة والكراهة عند القائلين بأنه تعالى مريد بإرادة هي غير المراد من فعله تعالى.

فأما عند النّافين للفصل بين الإرادة والمراد فعندهم أنه تعالى مريد لجميع أفعاله ، فحصل من ذلك إجماع المسلمين على أنه تعالى مريد لأفعاله على التفصيل الذي فصّلناه. وقد ذهبت المطرّفية إلى أنه تعالى لا يريد أكثر أفعاله ، ولا يقصدها ، بل وقع كثير منها من غير أن يريده ولا يقصده. وقولهم خارج عمّا عليه أهل الإسلام فلا عبرة به.

وأما أفعال غير الله تعالى فإنه يريد منها الطاعات دون ما عداها من المعاصي وسواها ؛ لأنّه أمر بالطاعات ولا يكون آمرا إلا مع كونه مريدا كما تقدم بيانه. ولا يجوز أن يريد المعاصي ؛ لأن في كونه مريدا لها إدخال النقص عليه كما تقدم بيانه ، حيث بيّنّا أنّه تعالى لا يريد القبائح والحمد لله تعالى.

٢٢٠