ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المؤلف:

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين


المحقق: د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٩٩
  نسخة غير مصححة

ولا حضر إلّا عرفت متى نزلت ، وفيمن نزلت ، وعرفت ناسخها ، ومنسوخها ، ومحكمها ، ومتشابهها ، ومفصّلها ، ومجملها (١). فأين هذا من أبي بكر الذي قال في نفسه على المنبر : أقيلوني فإني ولّيتكم ولست بخيركم (٢).

وقال أيضا : أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تظلّني إذا قلت في القرآن برأيي؟ (٣) ومعلوم أن المجتهد عند تعارض الآيات والسّنن ودلالة الشرع يجب أن يكون له في القرآن رأي.

ومن الظاهر الجلي عند الحشوية أنهم يدّعون أنّ أبا بكر كان أعلم من عمر ، ويروون إنكار عمر لموت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو كما قالوه ؛ فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا مات قام عمر بن الخطاب فقال : إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات ، وإنّ رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه. والله (٤) ليرجعنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات. وأقبل أبو بكر فنظر إلى وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم أكبّ عليه وقبّله ثم قال : بأبي أنت وأمي أمّا الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ، ثمّ ردّ الثوب على وجهه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم خرج ـ وعمر يكلم الناس ـ فقال : على رسلك يا عمر فأنصت ؛ فأبى إلّا يتكلّم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلمّا سمع الناس كلامه ، أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

__________________

(١) القرطبي ١ / ٢٧.

(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣١٨.

(٣) ينظر الطبراني مج ١ ج ١ ص ٥٥.

(٤) في (ب) ، (ج) : وو الله.

٣٨١

أيها (١) الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ثم تلى قول الله تعالى : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ..) [آل عمران : ١٤٤] إلى آخر الآية.

قال الراوي : فو الله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ ، وأخذها الناس عن أبي بكر وإنما هي في أفواههم. قال عمر : فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعثرت حتى وقعت الأرض ما تحلمني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد مات.

روى ذلك الطبري في تاريخه (٢) ، وهو كالمائل عن أهل البيت (ع). فكيف يقاس علم عمر بعلم أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن ولّيتم عليّا تجدوه هاديا مهديّا» (٣) ؛ فكونه هاديا منقبة في العلم ليست إلّا له ، وكونه مهديّا معلّما معرّفا للحقّ منقبة أخرى. وفي أمير المؤمنين عليه‌السلام قال الفقيه محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة : لو لا عليّ لما عرفنا حكم أهل البغي (٤).

__________________

(١) في (ب) ، (ج) : يا أيها.

(٢) في (ب) ، (ج) : روى جميع ذلك الطبري في تاريخه. ٣ / ٢٠١.

(٣) أخرجه أحمد في المسند ١ / ٢٣٢ رقم ٨٥٩. والإصابة ٢ / ٣٥٠٣. والاستيعاب ٣ / ٢١٢. وأمالي المرشد بالله ١ / ١٤٣.

(٤) قال السيد محمد بن إبراهيم الوزير في «إيثار الحق على الخلق ص ٤٥٨» : وكذلك أجمعت الأمة على الاحتجاج بسيرة علي (ع) في قتالهم (البغاة).

٣٨٢

قال أبو القاسم البستي رحمه‌الله : ولمحمد بن الحسن (١) كتاب يشتمل على ثلاثة آلاف مسئلة في قتال أهل البغي بناها على فعل أمير المؤمنين عليه‌السلام.

ثم مما يدل على أنه أعلم ـ إجماع العترة (ع) ؛ فإنهم أجمعوا على أنّ عليّا عليه‌السلام أعلم الأمة ، وإجماعهم حجّة كما تقدم بيانه.

وقصة الجاثليق ظاهرة في قدومه على عمر وسؤاله عمّا عجز عن جوابه ؛ فلما لم يعرف الجواب تقدم به عمر إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام وأمر الجاثليق بسؤاله ، فسأله الجاثليق عن جميع مسائله ؛ فأجابه بأحسن جواب ، فلما فرغ قال الجاثليق : إنما أنت خليفة رسول الله لا عمر. فأسلم وحسن إسلامه.

وروى أن عمر بن الخطاب حكم بحكم فغلط فيه فرده معاذ بن جبل فرجع ، وقال : لو لا معاذ لهلك عمر (٢). وروي أنه حكم بحكم آخر فغلط فيه أيضا فردّت عليه امرأة من نساء المسلمين حكمه فرجع عن خطئه حتى قال

__________________

(١) هو محمد بن الحسن بن فرقد من موالي بني شيبان ولد سنة ١٣١ ه‍. ومات سنة ١٨٩ ه‍ إمام بالفقه والأصول. قال الشافعي : لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغته لقلت ؛ لفصاحته. وكان يقول أنا على مذهب زيد إن آمنت على نفسي وإن لم فأنا على مذهب أبي حنيفة. تولى القضاء بالرقة ثم عزل. وله الموقف الذي قام لله عزوجل بين يدي هارون الرشيد لما أراد الغدر بالإمام يحيى بن عبد الله (ع) ، وأراه كتاب الأمان الذي كان أنفذه إلى الديلم فرأوا الكتاب وعرفوا صحته ولم يتجاسر أحد بالكلام ، فقال محمد بن الحسن : هذا أمان لا يجوز نقضه ، ومن نقضه فعليه لعنة الله. فغضب هارون وضربه بالدواة فشجه شجة خفيفة. ولمحمد بن الحسن أصحاب ، ومن أصحابه وكتبه انتشر علم أبي حنيفة ومنهم زفر. توفي سنة ١٩٢ ه‍. وله كتب كثيرة في الفقه والأصول منها الجامع الصغير ، والكبير ، والزيادات ، والآثار ، والسير ، والموطأ ، والأمالي ، والمخارج في الحيل ، والأصل ، والحجة على أهل المدينة ، وكلا من هذه قد طبع. والزيادات ، والمبسوط. ينظر : الشافي ١ / ١٤٩. والأعلام ٦ / ٨٠. والفلك الدوار ص ٥٥. وتراجم رجال شرح الأزهار ص ٣٣ ، وتاريخ بغداد ٢ / ١٧٢.

(٢) سنن البيهقي ٧ / ٤٤٣.

٣٨٣

للناس : كلّكم أفقه من عمر ، حتى المخدّرات في البيوت (١). أين عمر ممن قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب» ؛ فحظر على كل سائل في أمر دينه أن يسأل غيره.

وقال الله سبحانه : (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) [البقرة : ١٨٩] ؛ فكان سؤال غير علي عليه‌السلام مخالفة لله تعالى ولرسوله.

وروينا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه لمّا نزل (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء : ٢١٤] ؛ جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا ، والقصة معروفة. ونحن نقصد الغرض منها وهو أنه دعاهم فقال : «إنّ الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين ، وأنتم عشيرتي الأقربون ، وإن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا جعل له من أهله أخا ووزيرا ووصيا ووارثا ، فأيّكم يقوم فيبايعني على أنّه أخي ، ووزيري ، ووارثي دون أهلي ، ووصيي ، وخليفتي في أهلي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي» ؛ فسكت القوم فقال : ليقومنّ قائمكم أو ليكوننّ في غيركم ؛ فقام علي عليه‌السلام وهم ينظرون إليه كلّهم فبايعه وأجابه إلى ما دعاه إليه ، فقال : ادن منّي وافتح فاك ، فدنا منه وفتح فاه فمجّ فيه من ريقه ، وتفل بين كتفيه وبين يديه. فقال أبو لهب : بئس ما حبوت به ابن

__________________

(١) أخرجه الزمخشري في الكشاف ١ / ٤٩١ بلفظ : أنه قام خطيبا فقال : أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء ... فقامت إليه امرأة فقالت له : يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقنا جعله الله لنا والله يقول : (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) فقال : كل أحد أعلم من عمر ، ثم قال لأصحابه : تسمعوني أقول مثل هذا القول قد تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم الناس. والقرطبي ٥ / ٦٦. والخازن ٢ / ٣٨ فيهما أيضا : أصابت امرأة وأخطأ عمر. ذكر الرازي في الأربعين ص ٤٦٧ كما في الغدير ٦ / ٩٨. وفي غيره : حتى ربات الحجال.

٣٨٤

عمك أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقا (١) ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بل ملأته حلما [وعلما] (٢) وحكما وفهما (٣).

وروينا أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لفاطمة (رض) : «زوّجتك أعظمهم حلما ، وأقدمهم سلما ، وأكثرهم علما» (٤). وروينا عن أبي ذر رحمه‌الله الذي قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» (٥) ـ أنّه قال سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعلي عليه‌السلام : «أنت الصّدّيق الأكبر ، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الكافرين» (٦).

__________________

(١) في (ب) : بزقا.

(٢) ما بي القوسين محذوفة من (ب) ، و (ج).

(٣) شواهد التنزيل ١ / ٤٢٠ رقم ٥٨٠. والطبري في تفسيره مج ١١ ج ١٩ ص ١٤٩. والنسائي بما يوافق ذلك في الخصائص ص ٧٦ رقم ٦٣. وابن عساكر في ترجمته ١ / ٩٧ ، ٩٨ وأحمد بن حنبل ١ / ٢٣٦ برقم ٨٨٣. والبداية النهاية ج ٣ ص ٥٣. والسيوطي في الدر المنثور ٥ / ١٨١. دلائل النبوة للبيهقي ٢ / ١٧٨. وقد ورد لنا في كتب التأريخ وغيرها بهذا اللفظ : «فأيكم يؤازرني على هذا الأمر ، ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم» ، فأحجم القوم عنها جميعا ، وأنا أحدثهم سنا فقلت : يا رسول الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ثم قال : «هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا» إلى نهاية القصة. الطبري ج ٢ ص ٣٢١. وجامع البيان للطبري مج ١١ ج ١٩ ص ١٤٩. وتفسير الخازن ٦ / ٥٠٧. والشافي ١ / ٥٦.

(٤) أخرجه الإمام عبد الله بن حمزة في الشافي ١ / ١٩٥. وابن أبي شيبة ٦ / ٣٧٤ برقم ٣٢١٣١. وأحمد بن حنبل ٧ / ٢٨٨ رقم ٢٠٣٢٩. وكنز العمال ١١ / ٦٠٥ رقم ٣٢٩٢٤ ـ ٣٢٩٢٧. ومجمع الزوائد ٩ / ص ١١٤.

(٥) الترمذي ٥ / ٦٢٨ برقم ٣٨٠١ ، ورقم ٣٨٠٢. وابن ماجة ١ / ٥٥ برقم ١٥٦. وأحمد بن حنبل ٢ / ٥٦٠ رقم ٦٥٢٩.

(٦) رواه المرشد بالله في أماليه ١ / ١٤٤. وفرائد السمطين ١ / ١٣٩. وتاريخ دمشق ١ / ٨٧. والحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٧. والخطيب في تاريخه ١١ / ١١٢. ومجمع الزوائد ٩ / ١٠٢.

٣٨٥

وفي خبر آخر عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال لعلي عليه‌السلام : اليعسوب أمير النّحل ، وأنت أمير المؤمنين ؛ فهذا كله تصريح بتصحيح ما قلناه : من أنه عليه‌السلام هو الفاروق تسمية ومعنى لا عمر بن الخطاب.

شبهة ثالثة : في إمامة أبي بكر

ربّما يحتجون بقول الله تعالى : (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) [التوبة : ٤٠] ، وهذا يفيد الإمامة ؛ لأنه إشارة إليها.

والجواب : عن ذلك أنّا نقول : لا علاقة بذلك في باب الإمامة على نحو ما تقدم بيانه في لفظة الصّدّيق ؛ فإن تعلّقوا بذلك في فضله فصّلنا القول فيه بعون الله ، فقلنا : أمّا قوله : (ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) فما من اثنين إلا ويجوز أن يضاف أحدهما إلى الآخر. تصديقه ، قوله تعالى : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) [المجادلة : ٧] ؛ فإنه يدخل فيه المسلم والكافر والبرّ (١) والفاجر ؛ فلم يدل ذلك على الفضل ، مع كون الله تعالى رابع الثلاثة ، وسادس الخمسة ، إلى غير ذلك ؛ لقوله : (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) ؛ فكذلك لا يدل كون النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثانيا لأبي بكر ـ على فضل أبي بكر.

وأما قوله تعالى : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ) ؛ فإن لفظ (٢) الصاحب لا يدل على الفضل أصلا ؛ بل يدخل فيه المؤمن والكافر. تصديقه قول الله سبحانه : (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ

__________________

(١) في (ب) : البار.

(٢) في (ب) : لفظة.

٣٨٦

ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) [الكهف : ٣٧] ؛ فأطلق عليه سبحانه لفظ (١) الصاحب وهو كافر بالله تعالى ولم يدل ذلك على فضله ، بل لم يدل على كونه مسلما. وقد كان من جملة الصحابة عبد الله بن أبي وهو منافق ولم يدل ذلك على فضله.

وأما قوله : (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) فما نهاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا عن مكروه ، إلا أن يقول المخالفون : إن أبا بكر نهى رسول الله عن الحزن فغير مسلّم وغير صحيح بإجماع علماء التفسير ، ثم لو سلّمنا ذلك تسليم جدل لما كان لأبي بكر أن يقول مثل ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وبعد فإن الله اختص نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرحمة والتأييد دون أبي بكر كما في سياق الآية. قال الله تعالى : (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها) [التوبة : ٤٠] ، يريد بذلك محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا خلاف ، فهلّا أشرك أبا بكر في السكينة كما أشرك أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن وقف معه يوم حنين في السكينة ، في قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها) [التوبة : ٢٦] ؛ فدلّت هذه الآية على نقيض ما ادّعوه من الفضل لأبي بكر.

شبهة رابعة في إمامة أبي بكر خاصة :

احتجوا بأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمره أن يصلي بالناس فكان ذلك تنبيها على إمامته. والجواب : عن ذلك أنّ روايتهم في ذلك مأخوذة عن عائشة ؛ لأنها قالت لبلال : امر (٢) أبا بكر فليصلّ بالناس حكاية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فانظر أيها المسترشد كيف انتهت دلالتهم إلى امرأة ، وهي بنصف شاهد ، ثم لو صح

__________________

(١) في (ب) : لفظة.

(٢) في (ب) : مر.

٣٨٧

ذلك ففي تمام الخبر ما يهدم ما ادّعوه من الفضل ؛ فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتاه جبريل عليه‌السلام وأمره بالخروج ليصلي بهم فتمسّح وتوضّأ ، وخرج يتهادى بين عليّ والفضل بن العباس وقدماه تخطّان في الأرض حتى دخل المسجد (١).

وروي أنه لمّا سمع قراءة أبي بكر ، وعرف أنّ ذلك من عائشة أنكر عليها ، وقال : «إنّكنّ صويحبات يوسف». ثم لمّا وصل المسجد نحّى أبا بكر عن القبلة وصلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالناس وأزاح أبا بكر عن المحراب. فلو سلمنا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر عائشة بتقديمه في الصلاة ؛ فقد روينا وروى المخالفون لنا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخّر أبا بكر عن المحراب ؛ فيجب أن يكون ذلك نقصا لأبي بكر وليس بفضل ، ولئن كان التقديم تولية ؛ فالتأخير له أعظم عزل. فأما ما ادّعاه بعضهم من أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان متقدما على أبي بكر ، وأبو بكر صفّ وحده متقدم (٢) على الناس ، فلو صح فهو غير دليل على الإمامة إنّما مثله مثل الصفّ الأول في الصلاة ، وحكمه حكمهم ، وهذا مما لا يختص به أبو بكر دون سائر صفوف المؤمنين المتقدمة في الصلاة.

وأمّا قولهم : إنه كان يرفع صوته بالتكبير في الصلاة ليسمع الناس فليس بدليل على الفضل أيضا ؛ لأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حال ضعفه وعلته أقوى من قويّهم في حال شدته وصحته ، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى رفع أبي بكر صوته بالتكبير.

وبعد فقد نهى الله عن رفع الاصوات فوق صوت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد أتى أبو بكر بالمنهيّ عنه وذلك نقص فيه وليس بفضل. وتصديق ذلك ما رواه الإمام

__________________

(١) ما يقارب ذلك في طبقات ابن سعد ٢ / ٢١٨. والبخاري من رقم ٦٣٣ إلى ٦٥١.

(٢) في (ب) ، (ج) : صفّا وحده متقدما ؛ والنصب على أنه خبر كان ، وأبو بكر اسمها ، وحذفت لدلالة الأولى عليها ، والله أعلم ، المحقق.

٣٨٨

الناصر عليه‌السلام في كتاب البساط ؛ فإنه روى أنّ أبا بكر وعمر لما استشارهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيمن يرأّس على بني تميم من وفدهم ـ اختلفا واختصما حتى علت أصواتهما فحظر الله رفع الصوت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى كان عمر بعد ذلك إذا حدّثه بشيء كان كالسرار من خفض صوته (١). فإن قيل : ومتى نهى الله عن رفع الصوت فوق صوت النبي؟ قلنا : قال الله سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) [الحجرات : ٢]. وبعد فلو سلّمنا لهم تسليم جدل أن أبا بكر صلّى برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالمسلمين ـ لما كان ذلك دليلا على الإمامة ؛ لأن إمامة الصلاة ليست من الإمامة العامّة في شيء ، ولا صلاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلف أبي بكر تدل على الإمامة العامّة أيضا ؛ لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى في صحّته خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة من الصبح ، وصلّى خلف عتّاب بن أسيد وهو أميره على مكة والمتولي للقضاء من جهته فيها. ولم يكن في ذلك حجة على إمامتهما ، مع أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يعزلهما عن الصلاة ، وقد عزل أبا بكر عن الصلاة. وبعد فقد ولى على الصلاة من لا تصحّ إمامته عندنا وعندهم ، فإنّه استعمل في غزوة أحد ابن أمّ مكتوم على المدينة ليصلي بالناس وهو أعمى (٢).

وهكذا أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمرا بن العاص على المسلمين في غزاة (٣) ذات

__________________

(١) في (ب) : الصوت. أخرجه في البساط ص ٥٦. والبخاري ٤ / ١٨٣٣ رقم ٤٥٦٤.

(٢) سنن أبي داود ١ / ٣٩٨ رقم ٥٩٥.

(٣) في (ب) ، (ج) : غزوة.

٣٨٩

السلاسل ، وفيهم أبو بكر مأمورا (١) غير أمير ، وكان عمرو بن العاص يؤمّ بهم في الصلاة ويأتمّ به أبو بكر ، فصلّى بهم ذات يوم وهو جنب لم يغتسل ، فهلا دلّ ذلك على فضل عمرو وإمامته ، ولم يقدّم عليه أبو بكر ، وادّعي كونه إماما. وإنما حملهم على ذلك الميل عن واضحات الأدلة واتّباع الشبه (٢) المضلة.

شبهة يحتجون بها على فضل الشيخين :

وربّما يحتج بها جهّالهم على الإمامة ، وهي قولهم : إن أبا بكر وعمر ضجيعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قبره.

والجواب : أن هذا ليس من الإمامة في شيء. فأمّا ما يتعلقون به من إثبات الفضل فغير مسلّم وغير صحيح ؛ لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبر في بيته بالإجماع ، ولا خلاف أنه لم يقبر في بيت أبي بكر ولا في بيت عمر ، وإذا ثبت ذلك فقد قال الله تعالى : (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) [الأحزاب : ٥٣]. وهما لم يستأذنا في ذلك رسول الله ، ولا ادّعاه لهما مدّع ، ولا روي ذلك في خبر ولا أثر ، لا من أتباعهما ، ولا من مخالفيهما ؛ فيكف يكون الفضل بفعل ما نهى الله عنه! لا يكون أبدا. وإنّما تسنّم المخالفون سنام العناد ، وتنكبوا طريق الرشاد ؛ فحملهم ذلك على الاعتماد على ما لا دلالة فيه.

شبهة أخرى لهم في مثل ذلك

واحتجوا أيضا بكون الشيخين من السابقين الأولين وقد رضي الله عنهم.

__________________

(١) في (ب) : مأمور. والرفع على أنه مبتدأ ، «وفيهم» متعلق بالخبر ، والنصب على الحال. والله أعلم. المحقق.

(٢) في (ب) : الشبهة. ذكر ذلك ابن كثير في سيرته ٣ / ٥١٨. وأبو داود في سننه ١ / ٢٣٨ برقم ٣٣٤ ، ٣٣٥. والواقدي في سيرته ٢ / ٧٧٣. والطبري ٣ / ٣٢ ، ولم يذكر أنه جنب. وكذلك ابن الأثير في الكامل ٢ / ١٥٦.

٣٩٠

فأمّا تعلقهم به في الإمامة فغير صحيح ؛ فإنّه لا يدل على ذلك كما لم يدل على إمامة غيرهم من السابقين. وأما تعلّقهم بلفظ الرّضى وأن ذلك يدل على الاستمرار على الرضى عنهم فغير مسلّم ، بل هو إخبار عن الحال ، ولا يمتنع تغييره بفعل معصية في وقت آخر.

كما ورد مثل ذلك في آية أخرى وهي قوله (١) تعالى : (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح : ١٨] ؛ فإن الرضى في الآيتين جميعا قد عمّ جميع المبايعين وسمّاهم الله بالمؤمنين ، ثم قال في آخر الآية الثانية : (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) [الفتح : ١٠] ؛ فبان بذلك أنه لا يقطع على استمرار الرضى من الله تعالى.

شبهة أخرى

احتجوا بها على أن العشرة من أهل الجنة على سبيل القطع وذلك ما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «عشرة في الجنة : أبو بكر في الجنة ، عمر في الجنة ، عثمان في الجنة ، عليّ في الجنة ، طلحة في الجنة ، الزبير في الجنة ، سعد بن مالك في الجنة ، عبد الرحمن بن عوف في الجنة ، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة» (٢) ، قالوا : فيجب القطع على أنهم من أهل الجنة.

والجواب عن ذلك : أن هذا الخبر يدل على فضلهم فقط ، وهو إخبار عن الحال لا عن المآل ، ولن يتمّ الفضل ودخول الجنة إلا بالخواتم الحسنة. والكلام

__________________

(١) في (ب) : وهي قول الله.

(٢) أبي داود ٥ / ٣٩ رقم ٤٦٤٩. والترمذي ٥ / ٦٠٦ رقم ٣٧٤٨. والحاكم في المستدرك ٣ / ٣١٦. وقد جمعهم الشاعر :

عليّ والثلاثة وابن عوف

وسعد منهم وكذا سعيد

كذاك أبو عبيدة فهو منهم

وطلحة والزّبير ولا مزيد

٣٩١

في هذا الخبر كالكلام في الآية الأولى. وبعد فإنّ من جملة العشرة عمر وعثمان وقد انهزما يوم أحد وتركا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونكثا بيعة الرضوان (١) ، وفي ذلك اليوم ثبت علي عليه‌السلام ثباتا عظيما ، وقتل يوم أحد سبعة من أصحاب رايات الكفار من بيت واحد. وفي ذلك (٢) اليوم ورود ذي الفقار (٣) ، وفيه نادى جبريل عليه‌السلام : لا فتى إلّا عليّ ، ولا سيف إلّا ذو الفقار.

وفيه قال جبريل (ع) للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هذا هو المواساة ، فقال : «من أولى بها منه ، وهو منّي وأنا منه كهارون من موسى» (٤). ولا خلاف بين الرواة في هرب عمر وعثمان ، وفي أبي بكر خلاف : هل هرب أو لا؟ ولا خلاف أنه (٥) لم يقاتل بنفسه ولم يخدش في ذلك اليوم كافرا. وكذلك فإنّ من العشرة الزبير وطلحة

__________________

(١) بيعة الرضوان وقعت بعد أحد ، ولعل الانهزام وقع أيضا في معركة حنين.

(٢) في (ب) : في ذلك ، بحذف الواو.

(٣) كأن العبارة : وفي ذلك اليوم ورد في ذي الفقار قول جبريل (ع) : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. وذو الفقار من السيوف المشهورة ، كان للعاصي ابن منبّه فلما قتل مع المشركين يوم بدر صار إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم أعطاه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي لكن ساعد علي وبسالته وشجاعته النادرة شهرت السيف وصار مضرب الأمثال.

(٤) أخرج ابن المغازلي في المناقب ص ١٤٠ رقم ٢٣٤. والطبري في تاريخه ٢ / ٥١٤ ، قال : لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي : احمل عليهم ، ففرّق جماعتهم ، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر ابن لؤي فقال جبريل : يا رسول الله إن هذه للمواساة ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنه مني وأنا منه. فقال جبريل : وأنا منكما قال : فسمعوا صوتا :

لا سيف إلا ذو الفقار

ولا فتى إلّا علي

والمحب الطبري في ذخائره ص ٧٤ قال : عن أبي جعفر محمد بن علي قال : نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له رضوان أن : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. ينظر ابن أبي الحديد في الشرح عن الواقدي وكذلك غيرهم.

(٥) في (ب) : في أنه.

٣٩٢

وقد فسقا بخروجهما يوم الجمل (١) علي أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ونكثهما بيعته ، سواء قيل : إنهما تابا أم لا (٢). فثبت ما ذكرناه أنّ الخبر إن صح فإنه إخبار عن الحال فقط لا عن المآل (٣). ولنقتصر على هذا القدر من احتجاجاتهم الواهية ،

__________________

(١) معركة الجمل وقعت بسبب أن طلحة والزبير نكثا بيعة علي ، وذهبا إلى مكة فأخذا عائشة وفلول بني أمية والمنحرفين عن علي وتوجهوا إلى العراق ونزلوا بالبصرة ، وأحدثوا أحداثا ؛ فتوجّه علي واستنفر أهل الكوفة ، وطلب مقابلة الزبير وذكّره حديثا مفاده أنّ عليا دخل المسجد والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس ومعه الزبير فقام الزبير فاعتنقه فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتحبه يا زبير؟ فقال : كيف لا وهو ابن خالي؟ فقال : أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم. فقال الزبير : ذكرتني ما أنسانيه الدهر. فرجع نادما. فقتله ابن جرموز غدرا بوادي السباع. وجاء برأسه إلى علي (ع) فهز علي سيف الزبير وعيناه تدمعان وقال : سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول الله فقال ابن جرموز : الجائزة. فقال علي : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : بشر قاتل ابن صفية بالنار. فقتل ابن جرموز نفسه ، وقيل : قتل مع الخوارج. وكانت عائشة على جمل اتخذه جيشها بمثابة الراية واستمر الموت حوله. وسمي بيوم الجمل ، وقتل أكثر من ثلاثين ألف ، وانتصر عليهم الإمام علي فعاملهم معاملة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للطلقاء يوم فتح مكة.

(٢) في (ب) ، (ج) : أولا. والأصح ما في الأصل. أرجو أن يكون طلحة والزبير وعائشة قد تابوا.

(٣) إن صح الحديث فهو إخبار عن الحال ؛ لأن بعض المبشرين بالجنة في الحديث صدر منهم أمور تحير العقلاء ؛ فعثمان أنكر عليه الصحابة أشياء تسببت في قتله ، والذي لم يشترك في قتله منهم لم ينصره. وطلحة والزبير نكثا بيعة الإمام علي (ع) بدون مبرر وتسببا مع عائشة في قتل ثلاثين ألف أو أكثر في معركة الجمل ، وهذا الفعل من عظائم الأمور. ثم إن الحديث أحادي ظني ، رواه الترمذي رقم ٣٧٤٧ رغم ما أثير حوله من خلاف ، كما أن الترتيب فيه بين الصحابة يوحي بالصنعة ، وهو ما حمل كثيرا من علماء الزيدية وأئمة أهل البيت على رده ؛ لأن الله سبحانه ـ وهو الحكيم ـ لا يخبر أحدا أنه من أهل الجنة إلا إذا علم أنه لا يفعل كبيرة ، وإلا كان إغراء له على القبيح. وقد أجمعت الأمة على تفسيق من قاتل إمام حق ونكث بيعته وشق عصى المسلمين ، فكيف بالخلاف على من حكمه حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا في النبوة؟ ومن حبه إيمان وبغضه نفاق؟ وهذا دليل قاطع بعدم صحة الحديث. وهذا بخلاف العمومات الدالة على رضي الله عن أهل بيعة الرضوان وغيرهم التي تقبل التقييد في قوله تعالى : (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) ؛ فالعموم يتناول من استمر على صلاحه إلى الموت ، والتقييد يخرج من انقلب. نسأل الله التوبة وحسن الخاتمة آمين.

٣٩٣

ولم نوردها طلبا لنقص (١) الشيخين أبي بكر وعمر ، ولا للوضع من حقهما ، ولا للتتبع لعثراتهما (٢) ، معاذ الله أن نقصد شيئا من ذلك فهما صاحبا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وقد جاهدا معه ، وقاما بنصرته ، وأبليا في الإسلام بلاء حسنا ، إلّا أنّا نعرف أنّ عليا أفضل منهما وأولى بالإمامة. وأردنا أن نبيّن أنّ ما احتج به هؤلاء القوم على إمامتهما وكونهما أفضل من علي عليه‌السلام غير صحيح ، وأن ما اعتمدوا عليه ليس بدليل ، بل هو قول باطل ، وعن الصراط السوي عادل.

فصل :

وقد غلا قوم في خالد بن الوليد وقالوا : هو سيف الله ، وهذا اسم لأمير المؤمنين عليه‌السلام فسلبوه اسمه وسمّوا به خالدا. ولا شبهة في أنّ عليا سيف الله سلّه على المشركين والمنافقين ، استأصل به صناديد قريش ؛ فسبق بالجهاد جميع الصحابة (رض). كما روي أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخرج من بيته ـ وأحداث العرب يرمونه بالحجارة حتى أورموا كعبيه وعرقوبيه ـ فخرج عليهم عليّ كالأسد فطردهم. قال الراوي : سألت من هذا وهؤلاء وهذا الفتى؟ قالوا : محمد (٣) يدّعي النبوة ، وهؤلاء أحداث قريش يؤذونه ، وهذا علي بن أبي طالب ابن عمه يحامي عنه ؛ فنزل فيه وفيهم : (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) [المدثر : ٥٠ ـ ٥١] شبّهه بالأسد ، وشبّههم بحمر (٤) الوحش (٥).

__________________

(١) في (ب) : للنّقص من.

(٢) في (ب) : لعثرتهما.

(٣) في (ب) ، (ج) : هذا محمد.

(٤) في (ب) : حمير ، وما في الأصل أشهر.

(٥) لم نجد هذه الرواية في أي مصدر لا في كتب أهل البيت ولا في كتب غيرهم فيما تيسر لنا. والله أعلم.

٣٩٤

ومن مقاماته المشهورة :

قتل أسد بن غويلم فاتك العرب ؛ فإنه خرج وسأل البراز ؛ فأحجم الناس ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا عليّ اخرج ولك الإمامة بعدي» ؛ فخرج فضربه على مفرق رأسه ، فذهب السيف في بدنه حتى خرّ بنصفين ؛ فخرج علي عليه‌السلام وهو يقول :

ضربته بالسيف وسط الهامة

أنا عليّ صاحب الصمصامة

أخو نبي الله ذي العلامة

قد قال إذ عمّمني العمامة

أنت الذي بعدي له الامامة (١)

[أنت أخي ومعدن الكرامة] (٢)

ذكره أهل التفسير (على هذا الوجه) (٣). وكفى له بليلة الغار ؛ فإنه أمسى على فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باذلا لمهجته واقيا له بنفسه تحت ظلال أربعمائة سيف (٤) قد تبايعوا على قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أربعمائة قبيلة ليصير دمه هدرا. فكانوا يرمونه بالحجارة وهو يصبر لا يقوم ، فقال قائل : هو محمد ، وقال قائل : ليس بمحمد ؛ فإنه يتضوّر ـ ومحمد لا يتضوّر يعني يتحرك بنفسه ويجمع أطرافه لألم الحجارة ، وبات جبريل وميكائيل (ع) أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه ، وهما يقولان : بخ بخ يا علي من مثلك ـ والله يباهي بك الملائكة (٥). روينا ذلك مسندا ؛ فأنزل الله فيه : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ

__________________

(١) في (ب) : لك.

(٢) الشافي ٣ / ٢٠٠ ، عن الناصر للحق. ولم نجدها في مصادر أخرى متيسرة لنا.

(٣) ما بين المعقوفتين في (ب).

(٤) المعروف أنهم أربعون شابا ، وليسوا أربعمائة ، ولم تكن قبائل قريش قد بلغت أربعمائة قبيلة ، وفي السيرة الحلبية ١ / ٣٠٦ تفاوت العدد ولم نجدها في مصادر أخرى متيسرة لنا وما بين المعقوفتين زيادة من الشافي.

(٥) روي في قصة المبيت زيادة مدسوسة جاءت في ابن هشام ٢٢ / ٩٦ وسيرة ابن كثير ٢ / ٢٢٩ ، وهي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعلي عليه‌السلام : نم على الفراش فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه». والغرض من هذه الرواية سرقة هذه الفضيلة. وهكذا يفعل الحسد لأولي الفضل فقاتل الله الحسد والحاسدين.

٣٩٥

ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) [البقرة : ٢٠٧] (١).

قال ابن عباس نزلت هذه الآية في علي حين بات على فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وقتل أمير المؤمنين عليه‌السلام سبعين رجلا من صناديد قريش.

وذكر الشيخ أبو القاسم البستي رحمه‌الله في كتاب المراتب في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام أنه قتل يوم بدر سبعة وستّين رجلا بحضرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢) في ذلك اليوم ، قال الشيخ : وليس في العادة أن يقوى بنو جنسنا على هذه العدة من القتل ، قال : فهو كالمعجز. وروى علماء

__________________

(١) انظر شواهد التنزيل ١ / ٩٦. وأسد الغابة ٤ / ٩٨ نقلا عن الثعلبي. وتفسير الألوسي ٢ / ١٤٦. ومجمع البيان للطبرسي ج ٢ ص ٥٦. وتفسير القرطبي مج ٢ ج ٣ / ١٦. والأعقم ٤٥. وتفسير الرازي ٣ / ٢٢٢ ..

(٢) المشهور أنه عليه‌السلام قتل ثلاثة وعشرين رجلا ، وشارك في آخرين ، وقتلى المشركين كلهم سبعون. وقد علق الوالد : مجد الدين المؤيدي حفظه الله في هامش نسخته التي رمزنا إليها بالحرف (ب) قائلا : لم يكن القتلى يوم بدر كلهم إلا نحو هذا العدد ، فما الذي بقي لحمزة بن عبد المطلب ولعبيدة بن الحارث ولسائر الأبطال من المهاجرين والأنصار ، ويا ليت الأمير الحسين نزه كتابه هذا العظيم عن أمثال هذه الروايات السخيفة التي هي من روايات القصاص الذين لا يبالون ما يروون ، وفي فضائل أمير المؤمنين (ع) المعلومة الصحة ما يغني ويكفي ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومثل هذا قصة البساط ، والمنجنيق وقتل عامر ابن الطفيل وغير ذلك مما لا أصل له ولا صحة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ، ولأن مكن الله من نسخ هذا الكتاب المفيد الفريد وطبعه لأزيلن منه ما لا أصل له من أمثال هذه الروايات التي لا أصل لها والله ولي التوفيق. انتهى كلامه بلفظه.

أقول : ولم يمنعنا من حذف مثل هذا إلا أمانة النقل ، ولا يخلو كتاب من هفوات ونحن في المدرسة الزيدية العظيمة تستند في الحكم على صحة الروايات على كتاب الله وعلى العقل ثم ما تواتر وصح ورواه الأئمة العدول ، علما بأن أحاديث الفضائل غالبا ما تسرد على وجه التسامح ، وقد اجتهدنا في إسناد كل شاردة وواردة خدمة للقرآن العظيم وإبرازا لالتزام علماء الزيدية خاصة بالإنصاف والتقيد بالحق لا تأخذهم في الله لومة لائم ، والله من وراء القصد.

٣٩٦

التفسير في مقاماته يوم بدر ، قالوا : وهي أول حرب شهدها أحصي له فيها خمس وأربعون من الجراح والقتل ، وقيل : بل سبعون. فسأل عنه (١) أبو جهل عبد الله بن مسعود ، فقال : هو علي بن أبي طالب ، فقال أبو جهل : هو الذي فعل الأفاعيل.

ومن مقاماته : أن المسلمين جعلوه في المنجنيق ورموا به إلى حصن ذات السلاسل ونزل على حائط الحصن ، وكان الحصن قد شدّ على حيطانه سلاسل ، فيها غرائر من تبن وقطن حتى لا يعمل فيه المنجنيق إذا رمي إليها الحجر فمرّ علي عليه‌السلام في الهواء والتّرس تحت قدمه ، ونزل على الحائط ، وضرب السلاسل ضربة واحدة فقطعها وسقطت الغرائر وفتح الحصن. وقد قال في ذلك علماء شيعتنا إنّ عليا عليه‌السلام شارك إبراهيم الخليل صلّى الله عليه (٢) في الرمي من المنجنيق إلا أنّ إبراهيم عليه‌السلام رمي به مشدودا مكرها إلى النار ، ورمي بعلي ـ عليه‌السلام ـ وهو مختار إلى السيوف ، وسلما جميعا صلوات الله عليهما. إلى غير ذلك من مقاماته نحو قتله لعامر بن الطفيل ، أحد الشياطين فأدرك منه ثأر المسلمين ، ونحو قتله الثقفي داهية العرب وشجاعها ، وسبيه لامرأته وأخذه لماله ، وقصته ظاهره (٣). وإحصاء مقاماته مما يكثر وهو مذكور في الكتب المبسوطة في هذا الشأن.

__________________

(١) في (ب) : منه.

(٢) في (ب) : صلوات الله عليهما.

(٣) كثيرا ما تنسج الخيالات والأساطير حول الأبطال ، ويطلق القصّاص أقلامهم حول سيرتهم ، والإمام علي من عجائب الزمان ولعل قصة رميه بالمنجنيق وقتله لعامر بن الطفيل والثقفي من هذا الباب ؛ لأنه لم يرم به ولا قتل عامرا ولا الثقفي ، مع أن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة روى في الشافي ٣ / ١٩٩ أن عليّا عليه‌السلام قتل أسد بن عويلم يوم الصوح. لكني لم أجد فيما تيسر من المراجع هذا الاسم ولا هذا اليوم والعلم لله وحده.

٣٩٧

[موقفه يوم الأحزاب]

وله يوم الأحزاب مع شدته كما حكى الله تعالى في قوله : (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا* هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً) [الأحزاب : ١٠ ـ ١١]. وكفى الله المؤمنين القتال بقتل أمير المؤمنين عليه‌السلام لعمرو بن عبد ودّ.

وروينا أنّ عمرا خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف وخيله قال : من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب ، فقال له : يا عمرو إنك قد كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين (١) إلا أخذتها منه ، قال له : أجل. فقال له علي عليه‌السلام : إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، قال : لا حاجة لي بذلك ، قال : فإني أدعوك إلى البراز ، فقال له : لم يا ابن أخي؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك ، قال له علي : ولكني والله أحبّ أن أقتلك ، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على علي فتنازلا (٢) وتجاولا فقتله علي ، وخرجت خيل عمرو منهزمة هاربة ، فقال علي عليه‌السلام :

نصر الحجارة من سفاهة رأيه

ونصرت ربّ محمد بصواب

فصددت حين تركته متجدّلا

كالجذع بين دكادك وروابي

__________________

(١) ينظر المستدرك ٣ / ٣٢ ويروى أنها ثلاث خلال والمعنى أن عمرا ألزم نفسه بإجابة من دعاه ثلاث مرات ، فحاول علي رضي الله عنه أن يستفيد من عمرو كسبا للإسلام فدعاه إلى الإسلام لكنه رفض ثم دعاه إلى الرجوع بمن معه لعل الله يهديهم مستقبلا فرفض فلم يجد بدا من الثالثة وهو دعوته للمبارزة وهذا يدل على شجاعة وثبات وعقل وفهم للإسلام وتواضع من جانب علي (ع) فلله مدرسة تخرّج منها ومعه كرام المهاجرين والأنصار!.

(٢) في (ب) : فتبارزا.

٣٩٨

وعففت عن أثوابه ولو أنّني

كنت المقطّر بزّني أثوابي

لا تحسبنّ الله خاذل دينه

ونبيّه يا معشر الأحزاب (١)

وروي أنّ عمرا لما ضربه عليّ سبّه فولى عنه حتى برد غيظه ثم قتله فنزل جبريل عليه‌السلام إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره بذلك وقال : لو وزن بها إيمان العالمين لرجح ، يعني ثواب علي عليه‌السلام على ذلك. وقد روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : لقتال عليّ مع عمرو بن عبد ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة». رواه أهل التفسير.

موقفه يوم خيبر

وله في يوم خيبر ما هو ظاهر من قتل مرّة وعنتر ومرحب قدّه من قرنه إلى أضراسه. وقدّ الحجر والبيضة ، وقيل : قدّه إلى قربوس سرجه بضربة واحدة (٢).

ومن مقاماته

قتله لسبعة من بيت واحد وهم أصحاب الرايات وهم بنو طلحة

__________________

(١) ينظر في سيرة ابن هشام ٣ / ٢٤٨. والحاكم ولم يذكر هذه الأبيات ، وإنما ذكر أبياتا أخرى وهي جواب علي على رجز عمرو الذي جاء فيه :

ولقد بححت من الندا

ء بجمعكم هل من مبارز

إلى آخرها. فأجابه علي عليه‌السلام بأبيات منها :

لا تعجلنّ فقد أتا

ك مجيب صوتك غير عاجز

إلى آخرها ... وابن كثير في البداية ٣ / ٢٠٣. والواقدي ٢ / ٤٧٠ ولم يذكر الأبيات. وقال الرازي في تفسيره مج ٣ ج ٦ ص ٢١٣ ، كما روي أنه قال بعد محاربة على لعمرو : كيف وجدت نفسك يا علي؟ قال : وجدتها لو كان أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم. فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك. والحديث مشهور.

(٢) من أجمل فضائل الإمام علي عليه‌السلام أن الزحف الإسلامي تعثر بقيادة أكابر الصحابة ؛ فاستدعى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّا بعد أن قال : «لأعطين الراية .. إلخ» ، فأخذها علي وافتتح الحصون قبل أن يتكامل الجيش معه ، وهذه هي الفضائل.

٣٩٩

يوم أحد (١) ذكره البستي رحمه‌الله ، قال : وقد رواه الناصر الكبير عليه‌السلام.

وقد اختلف في سيفه ذي الفقار فقال قوم : هو من السماء أنزل في يوم أحد ؛ فأعطاه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا عليه‌السلام. وتأولوا عليه قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) [الحديد : ٢٥] ، وقال قوم : كان سعفة نخل فأعطاه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا عليه‌السلام ونفث فيه ، فأخذه عليّ وهزّه فصار سيفا فكان ذلك معجزة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله (٢). وله في يوم أحد شهادة جبريل عليه‌السلام حيث قال : «هذا (٣) هو المواساة» (٤) ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أولى بها منه! وهو مني وأنا منه ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ، اللهم اشدد به أزري».

[قلعه باب خيبر]

وهزّ حصن خيبر حتى قالت صفية زوج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «كنت قد أجلست على طاق كما تجلس العروس فوقعت على وجهي فظننت الزّلزلة فقيل لي (٥) : هذا عليّ هزّ الحصن يريد أن يقلع الباب ، ثم قلع الباب الحديد بطوله وثقله ثم أمسكه على يده حتى عبر عليه عسكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. قال البستي : لم يقو على حمل الباب ثمانون رجلا.

__________________

(١) ينظر سيرة ابن هشام ج ٣ / ١٤٢.

(٢) يروى أنه سيف منبه بن الحجاج ، والسيف الخشبي أعطاه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي دجانة. والعبرة بالساعد الذي حمل السيف.

(٣) في (ب) : هذه المواساة.

(٤) أخرجه الطبري في تأريخه ٢ / ٥١٤ بلفظ : إن هذه للمواساة فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنه مني وأنا منه» فقال جبريل : «وأنا منكما».

(٥) في (ب) : فقيل لي : لا.

٤٠٠