ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المؤلف:

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين


المحقق: د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٩٩
  نسخة غير مصححة

وأما الفصل الثاني وهو أنه تعالى لا يريد الظلم ، ولا يرضى الكفر ، ولا يحب الفساد

فهذه عقيدتنا أهل البيت ، وهي عقيدة العدليّة جميعا. والخلاف في ذلك مع المجبرة القدرية ؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الله تعالى مريد لكل ما يحدث في العالم من أفعال المخلوقين ، سواء كان حسنا أو قبيحا ، وأنّه ما أراد ما لم يحدث سواء كان إيمانا أو غيره. وصرّح الحسن بن أبي بشر الأشعري بأنه تعالى رضي الكفر وأحبّه ، وهو مذهب أتباعه (١). والذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه يتّضح بأن نتكلّم في أربعة مواضع : أحدها : أنّ الرضى والمحبّة والإرادة ألفاظ مترادفة على معنى واحد. والثاني : أنّ إرادة القبيح قبيحة. والثالث : أنّه تعالى لا يريد القبيح. والرابع : في إيراد ما يتعلق به المخالفون وإبطاله ، ويدخل في ذلك طرف مما يذكرونه من الآيات المتشابهة.

أما الموضع الأول :

وهو في أنّ الرضى والمحبة والإرادة ألفاظ مترادفة (٢) على معنى واحد.

فالذي يدلّ على ذلك أنه لا يجوز أن يثبت بأحد اللفظين وينفى باللفظ

__________________

(١) الإبانة ص ١٨٢. والإرشاد للجويني ص ٢١١ حيث قال : ومن أئمتنا من يطلق ذلك عاما ولا يطلقه تفصيلا ، وإذا سئل عن كون الكفر مرادا لله تعالى ، لم يخصص في الجواب ذكر تعلق الإرادة به ، وإن كان يعتقده ، ولكنه يجتنب إطلاقه لما فيه من إيهام الزلل ؛ إذ قد يتوهم كثير من الناس أن ما يريده الله تعالى يأمر به ، ويحرض عليه تعالى الله عن ذلك. قلت : ولله القائل :

وكيف نهانا عنه وهو يريده

مقالة أفاك يقول ولا يدري

(٢) في دعوى ترادف المحبة والإرادة نظر ؛ فإنه يجوز أن يخلق الله تعالى فينا إرادة لما لا داعي إليه كدخول النار فإنها تسمى إرادة ولا تسمى محبة. تمت السيد عبد الرحمن شائم.

٢٢١

الآخر ، فلا يجوز أن تقول : أحبّ أن تأكل طعامي ولا أريد ذلك ولا أرضاه ، ولا أن تقول أريد ذلك ولا أحبّه ولا أرضاه ؛ بل يعدّ من قال ذلك مناقضا لكلامه ، جاريا مجرى من قال : أريد ذلك ولا أريده ، [وأرضاه] (١) ولا أرضاه ، وأحبه ولا أحبه. فصحّ أنّ معنى هذه الالفاظ واحد.

وأما الموضع الثاني : وهو أنّ إرادة القبيح قبيحة

فالذي يدل على ذلك أنه لو كان مريدا للقبائح لكان حاصلا على صفة من صفات النقص ؛ وذلك لا يجوز. وإنّما قلنا : بأنه لو كان مريدا للقبائح ؛ لكان حاصلا على صفة من صفات النقص. فالذي يدل على ذلك أنا متى اعتقدنا في شخص من الأشخاص أنه من أهل الفضل والدين ، وكنا نركن إليه في أمورنا ، ونعتمد عليه في أحوالنا ، ثم حكى لنا من نفسه أنه يريد القبائح نحو ما يجري في الأرض من الظلم والجور والفساد ، فإن منزلته تسقط عندنا ، كما تسقط لو فعل ذلك ، وليس ذلك إلا لأنه أتى قبيحا ، وهي (٢) إرادته للقبائح ، وهذه قضية ظاهرة ؛ فإنّ العقلاء يعلمون ذلك بعقولهم ، فإذا كان الله تعالى مريدا للقبائح على قولهم كان حاصلا على صفة من صفات النقص. وهذا أمر لا خفى به. وإنّما قلنا : بأن ذلك لا يجوز على الله تعالى لما تقدم ذكره في فصل الرؤية من أنّ النقائص لا تجوز عليه تعالى.

وأما الموضع الثالث : وهو في الدلالة على أنه تعالى لا يريد القبائح.

فيدل على ذلك وجوه : منها قول الله سبحانه : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ

__________________

(١) ما بين القوسين محذوفة في (ب).

(٢) في (ب) ، (ج) : وهو.

٢٢٢

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) [الأنعام : ١٤٨] ، وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد المعاصي من وجوه خمسة : أحدها أن الله تعالى حكى صريح مذهب المجبرة عن المشركين ، وردّ عليهم ، وكذّبهم بقوله : (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). الثاني قوله تعالى : (حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا) والبأس هو العذاب ، والعذاب لا يستحقّ إلا على الباطل. والثالث قوله : (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا) ، وهذا مما لا يقال إلا للمبطل ؛ لأنّ المبطل يقول ما لا يعلمه. والرابع قوله تعالى : (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ) ، ولا شك أنّ هذا ذم لهم على اتّباع الظن الذي لا يغني من (١) الحق شيئا. والخامس قوله تعالى : (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) [الأنعام : ١٤٨] ـ أي تكذبون. يدل عليه قوله تعالى : (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) [الذاريات : ١٠] ـ أي لعن الكذابون (٢). فكان ذلك دليلا على عظم خطإ من يقول بهذه المقالة.

ومنها قوله تعالى : (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر : ٧] ، وقوله : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) [البقرة : ٢٠٥] ، فنفى إرادة الكفر والفساد عن نفسه ؛ لأنّ الرضى والمحبة راجعان إلى الإرادة كما تقدم بيانه حيث بيّنّا أنّها ألفاظ مترادفة على معنى واحد. ومنها : قوله تعالى : (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ) [غافر : ٣١]. ومنها : قوله تعالى : (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ) [آل عمران : ١٠٨] ، فالله تعالى نفى عن نفسه إرادة كلّ ظلم على العموم ، وإثبات ما نفاه الله تعالى عن نفسه لا يجوز ؛ لأنه يكون تكذيبا للصادق وذلك لا يجوز ، ولأنّ إثبات ما نفاه الله تعالى عن نفسه يكون نقصا

__________________

(١) في (ب) : عن.

(٢) في (ب) : الكاذبون.

٢٢٣

على ما تقدم بيانه. والنقائص لا تجوز عليه تعالى بإجماع المسلمين.

ومنها : قوله تعالى : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً* وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً* كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً) [الإسراء : ٣٦ ـ ٣٨]. ولن تكون مكروهة له تعالى إلّا وهو كاره لها. وقال تعالى : (وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) [التوبة : ٤٦] ، وإذا كان تعالى كارها للمعاصي لم يكن مريدا لها. ولا خلاف بين العدلية في أنّ إرادته تعالى محدّثة ، وكذلك كراهته ، بل هم مجمعون على أنّ إرادته محدثه ، وكذلك كراهته ، وأنّ الإرادة والكراهة فعل من أفعاله وإن اختلفوا (١) ؛ فمنهم من جعل الإرادة غير المراد ، والكراهة غير المكروه ، ومنهم من قال : إنّ إرادته لفعله هي مراده ، فمعنى وصفه لله تعالى بأنّه مريد أنّه فعل ما فعله وهو عالم به ، وغير ساه عنه ، ولا مغلوب عليه ، فلم يمتنع أن يكون مريدا لأفعاله كلّها على هذا المعنى ؛ فليس هذا مما يجب معرفة تفصيله على كلّ أحد ، فبطل بذلك قول المجبرة القدرية.

وأما الموضع الرابع : وهو في إيراد ما يتعلّق به المخالف وإبطاله

ويدخل في ذلك طرف مما يتعلّق به المخالف من الآيات المتشابهة. فاحتجّ المخالف لقوله بأن قال : لو وقع في ملك الله ما لا يريده لكان ضعيفا عاجزا. والجواب ـ أنّ ما ذكره المخالف لا يصحّ ؛ لأنّا نقول له : إنما يدلّ على عجزه وضعفه لو وقع على سبيل المغالبة. ولا شك أنّ الله تعالى قادر على منع العصاة من القبيح ؛ لكن لو منعهم بالقهر لبطل التكليف ؛ ولأن الله تعالى قد

__________________

(١) يظهر من الأمير الحسين (ع) ـ المؤلف ـ الميل إلى التوقف في معنى الإرادة كما هو المروي عن أخيه الإمام الحسن بن بدر الدين والإمام المنصور محمد بن المطهر (ع).

٢٢٤

أمر بالطاعة ، ونهى عن المعصية ، فوجد في ملكه ما نهى عنه ، ولم يوجد ما أمر به ، فكما أنّ ذلك لا يدل على ضعفه وعجزه فكذلك في مسألتنا.

وتعلّقوا بقول الله تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) [الأنعام : ١١٢] ، وبقوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) ، وبقوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس : ٩٩] ، وبقوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) [البقرة : ٢٥٣] ، إلى قوله تعالى : (وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) [البقرة : ٢٥٣]. قالوا : فأعلمنا أنه لو شاء أن لا تكون هذه المعاصي لما كانت ، فدلّ على أنه قد شاء كونها وفعلها (١).

والجواب : أنه لا تعلّق لهم بالظاهر لأنه ليس فيه أكثر من أنّه تعالى لو شاء ألّا يفعلوا ذلك لما فعلوه. وهذا مما لا خلاف فيه ، ولكن من أين أنّه يدل على أنه قد شاء ما فعلوه ، وليس في الآية منه ذكر ، وهو موضع (٢) الخلاف. وإنما الآية تفيد نفي العجز عن الله تعالى ، وأنّه لو شاء لقهر العباد فلم يفعلوا ما يكره ؛ لكن لو منعهم عن ذلك لبطل التكليف ؛ لأنّ من شرائط حسن التكليف زوال الإلجاء والمنع على ما يأتي بيانه. وهذا المعنى ثابت في اللغة. فإنّ قائل أهل اللغة لو قال لغيره : لو شئت لمنعتك مما فعلت ، ولو أردت لم تفعل كذا وكذا. فهذه الألفاظ لا تفيد إرادة القائل لما يفعله ذلك الغير ، ولا تستعمل في ذلك حقيقة ولا مجازا ، وإنما تفيد نفي العجز عن قائله في منعه منه وهذا ظاهر.

__________________

(١) ينظر الفخر الرازي مج ٧ ج ١٣ ص ١٦٤ ، وقال : وأصحابنا يحتجون به على أن الكفر والإيمان بإرادة الله تعالى ، والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء. والطبري مج ٧ ج ١١ ص ٢٢٤.

(٢) في (ب) و (ج) : ذكر موضع.

٢٢٥

وتعلّقوا بقوله تعالى : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (١) [الإنسان : ٣٠] قالوا : فبيّن تعالى أنّ ما شاء العبد من طاعة أو معصية فإنّ الله تعالى يشاؤها (٢).

والجواب : أنّ قولهم باطل ؛ لأنّ ذلك مذكور في كتاب الله تعالى في مواضع محصورة : منها قوله تعالى في المدثر ٥٦ : (وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ). ومنها : قوله في هل أتى [٢٩ ـ ٣٠] : (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً* وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ). ومنها : قوله تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ* وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [في سورة التكوير : ١٢٨ ـ ٢٩] ، وهذا كلّه قاض بخلاف قولهم ؛ لأنه تعالى بيّن أنّهم لا يشاءون الذّكر ، ولا اتخاذ السبيل ، ولا الاستقامة ، إلّا أن يشاء الله ، وقد شاء الله ذلك ، وأذن به ، فقال : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف : ٢٩] ، فجعل المشيّة في ذلك متعلقة بالمكلفين ، وفوّض الأمر إليهم ، وتوعّدهم على فعل المعاصي ، ونهاهم عن فعلها. وإذا ثبت ذلك فمشيئتهم متعلقة بهذه الأمور ، وجميع ذلك في الطاعات. ولا خلاف أنّ الطاعات كلّها بمشيئة الله تعالى ، وأنّ العبد لا يشاء شيئا من ذلك ما لم يشإ الله ذلك ؛ لأنه ما لم يؤته الاستطاعة لذلك ، ولم يمكّنه منه ، ولم يشأه منه ، ولم يهده إليه ، ولم يرده منه ، ولم يأمره به لم يمكنه أن يأتي بذلك ، ولا يكون ذلك طاعة إلّا بأمره ومشيئته وترغيبه ، فالآية حجة لنا عليهم والحمد لله تعالى.

وهكذا يكون الجواب في كل ما يوردونه من ذلك. ويدل على مذهبنا من

__________________

(١) تتمة الآية : (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) [البقرة : ١٥٣].

(٢) ينظر الفخر الرازي مج ١٦ ج ٣١ ص ٧٦.

٢٢٦

جهة السنة ما روي عن جابر (١) أن رجلا قال : يا رسول الله! أيّ الإسلام أفضل؟ قال : «أن تهجر ما كره ربّك» (٢). وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «إنّ الله كره لكم العبث في الصلاة ، والرّفث في الصّيام ، والضّحك بين المقابر» (٣). فإذا كان الله تعالى يكره هذه الأفعال لم يجز أن ينسب إلى الله تعالى إرادة قتل الأنبياء ، وسائر الفواحش ، فبطل قول القدرية.

مسألة في التكليف

والكلام منها يقع في خمسة مواضع : أحدها في حدّ التكليف والمكلّف والمكلّف. والثاني في الدلالة على حسن التكليف على العموم. والثالث في الدلالة على حسن تكليف من المعلوم من حاله أنّه يرد النار. والرابع في إيراد طرف من شبههم التي يتعلقون بها في قبح تكليف من علم الله تعالى من حاله أنه يرد النار. والخامس في شروط حسن التكليف.

أما الموضع الأول ـ فالتكليف له معنيان : لغويّ واصطلاحي.

أما اللّغوي فهو البعث على ما يشقّ من فعل أو ترك ؛ لأنّ التكليف مأخوذ من الكلفة. وأما الاصطلاحىّ فهو في اصطلاح المتكلمين : إعلام الغير بوجوب بعض الأفعال عليه وقبح بعضها منه ، وأنّ الأولى به أن يفعل بعضها ، وأنّ الأولى به أن لا يفعل البعض ، مع مشقة تلحقه في ذلك ، أو في سببه ، أو ما

__________________

(١) في (ب) : جابر بن عبد الله.

(٢) البيهقي في السنن ١٠ / ٢٤٣. بلفظ : أيّ الهجرة أفضل. الحديث.

(٣) الجامع الكبير للسيوطي ٢ / ٢٨٤ رقم ٥٤١٦ بلفظ : «إن الله تعالى كره لكم ستّا : العبث في الصلاة ، والمن في الصدقة ، والرفث في الصيام ، والضحك عند القبور ، ودخول المساجد وأنتم جنب ، وإدخال العيون البيوت [النظر إلى الداخل] بغير إذن».

٢٢٧

يتصل به ، ما لم يبلغ ذلك حدّ الإلجاء. قلنا : إعلام الغير ، والإعلام على ضربين : خلق العلوم الضرورية بقبح بعض الأفعال ، ووجوب بعضها ، وكون بعضها مندوبا إلى فعله ، وكون الآخر مندوبا إلى أن لا يفعل. والثاني نصب الأدلة التي بالنظر فيها يتوصّل (١) إلى العلم بما ذكرناه أيضا. وقلنا : مع مشقة احترازا مما لا مشقة فيه ؛ فإنه لا يكون تكليفا ؛ لأن التكليف مأخوذ من الكلفة وهي المشقة ؛ فلأنّ الغرض بالتكليف إنما هو التّعريض للثواب ، وذلك لا يتم إلا مع المشقة على ما يأتي بيانه. فلو لم نذكر ذلك في حدّ التكليف لانتقض بالإعلام بوجوب بعض الأفعال عليه ، وقبح بعضها منه مع الإغناء (٢) بالحسن عن القبيح ؛ فإنّه لا يكون تكليفا. وقلنا في ذلك : نريد به أن تكون الأفعال التي يتناولها المكلف (٣) شاقة. وقلنا : أو في سببه احترازا مما لا يشقّ فعله مما يتناوله التكليف ـ وإن كان سببه شاقّا نحو العلم بالله تعالى وبصفاته ـ فإنّه وإن لم يكن شاقّا في نفسه ، بكونه مما يستروح إليه ، فإنه لا يحصل إلّا بعد المشقّة في فعل سببه وهو النظر.

وقلنا : أو ما يتصل به احترزنا به مما يفعله المنتبه من رقدته من المعرفة بالله تعالى فإنّه وإن لم يكن شاقّا في نفسه ، ولا في سببه فإنه يلزم توطين النّفس على دفع ما يرد عليه من الشّبه (٤) في ذلك وفي هذا المشقّة الظاهرة.

وقلنا : ما لم يكن ملجأ إلى شيء من ذلك ، احترازا عما يكون معه إلجاء

__________________

(١) في (ب) : يتوصل بها.

(٢) في (ب) : الاغتناء.

(٣) في (ب) : التكليف.

(٤) في (ب) و (ج) : الشبهة.

٢٢٨

فإنّه لا يكون تكليفا ؛ لأنّ التكليف تعريض للثواب ، والملجأ غير معرّض للثواب ؛ لأنه لا يستحق الثواب إلا بأن يفعل الواجب لوجوبه ، والحسن لحسنه ، ويترك القبيح لقبحه ، والملجأ إنّما يكون منه ذلك لمكان الإلجاء فقط ، فهذا هو حد التكليف.

وأمّا المكلّف فهو فاعل التكليف. والمكلّف هو من أعلم بوجوب بعض الأفعال عليه ، وقبح بعضها منه ، وأنّ الأولى به أن يفعل بعضها ، وأنّ الأولى به أن لا يفعل بعضها ، مع مشقة تلحقه في ذلك ، أو في سببه ، أو ما يتصل به ، ما لم يكن ملجأ إلى شيء من ذلك. والذي يدل على صحة هذه الحدود أنه لا يسبق إلى الأفهام من قولنا : تكليف ومكلّف ومكلّف سوى ذلك ؛ ولذلك يطّرد المعنى فيه وينعكس ، وذلك أمارة صحة الحدّ. فثبت بذلك الموضع الأول ، وهو في حقيقة التكليف والمكلّف والمكلّف.

وأما الموضع الثاني

وهو في الدلالة على حسن التكليف على العموم ؛

فالذي يدل على ذلك أن التكليف تعريض لنفع عظيم لا ينال إلا به مع تعرّيه عن سائر وجوه القبح. وكلّ تعريض لنفع عظيم لا ينال إلا به مع تعريه عن سائر وجوه القبح فهو حسن.

وإنّما قلنا : إنّه تعريض لنفع عظيم لا ينال إلّا به مع تعرّيه عن سائر وجوه القبح. فالذي يدل على ذلك أنه تعالى إذا خلقنا ، وأحيانا ، وأكمل عقولنا ، وخلق فينا شهوة القبيح ، ونفرة الحسن ؛ فلا بدّ أن يكون له في ذلك غرض ؛ لأن تعرّيه عن الغرض يكشف عن كونه عبثا. والحكيم لا يفعل العبث كما تقدم.

٢٢٩

والغرض في ذلك لا يجوز أن يرجع إليه تعالى ؛ لأنه لا يجوز أن يفعل فعلا لغرض يرجع إليه تعالى ؛ لاستحالة المنافع والمضارّ عليه ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك الغرض راجعا إلينا ، ولا يجوز أن يكون غرضه سبحانه بذلك استدراجنا إلى الهلاك أو إغراءنا (١) بالقبيح ؛ لأنّ ذلك قبيح.

وقد بيّنّا أنه تعالى لا يجوز أن يفعل القبيح فلم يبق إلا أن يكون غرضه بذلك تعريضنا بالتكليف إلى منزلة لا تنال إلا بالتكليف ، وهي المنزلة التي لا شيء أعلى منها في المنافع ، وهي التي نقول : إنها منزلة الثواب ، وهي المنافع الدائمة الخالصة المفعولة على وجه الإجلال والتعظيم ، ولو لا التكليف لما صحّ من المكلّف أن ينال ذلك ، ولا حسن من القديم تعالى أن يرقّيه إلى هذه الرتبة ؛ لأن الابتداء بمثل ذلك لا يحسن ؛ لأن من حقه أن يفعل على وجهه الإجلال والتعظيم ، وهما لا يحسنان إلّا مع الاستحقاق كما تقدم بيانه.

ومعلوم أنّه لو لم يطع المكلّف لم يستحق المدح والتعظيم اللذين يستحقّهما المثاب ؛ فإذن لا يستحقّ هذا المدح والتعظيم إلا مع الطاعة ، ولا تكون الطاعة طاعة إلّا وقد بعث الله تعالى عليها لنفعل (٢). وهذا هو التكليف ؛ فإذن لا سبيل إلى استحقاق الثواب إلا بالتكليف.

ومعنى كون التكليف تعريضا للثواب هو أنه تعالى أعلمنا بوجوب الواجبات وسائر ما ذكرناه في حد التكليف ؛ لنفعل ما يشقّ فعله من ذلك ، ونترك ما يشقّ تركه ؛ لنستحقّ بذلك الثواب ، ومكننا من جميع ذلك مع علمه

__________________

(١) في (ب) : وإغراءنا.

(٢) في (ج) : ليفعل.

٢٣٠

تعالى بأنا متى أطعناه في ذلك فإنّه سبحانه يوصلنا إلى الثواب لا محالة ؛ فثبت أن التكليف تعريض لمنافع لا تتم إلا به.

وقلنا : مع تعرّيه عن سائر وجوه القبح ؛ لأنه لو كان فيه وجه من وجوه القبح لما فعله الله تعالى لما ثبت من عدله وحكمته ؛ ولأنّ وجوه القبح محصورة ولا شيء منها في التكليف. أمّا كونه ظلما فلا يتصور في التكليف ؛ لأنه ليس بمضرّة (١). فأما اقتران المشقّة ففي مقابلتها منافع الثواب العلية. وأمّا كونه عبثا فقد بيّنّا أن فيه فائدة عظمى ، وهي كونه تعريضا للثواب. وأمّا كونه تكليفا لما لا يطاق فليس يتصور ذلك إلّا في تكليف الكافر على ما تذهب إليه المجبرة عليهم لعنة الله (٢). وقد بيّنّا في مسألة الاستطاعة أن الكافر قادر على ما كلّفه من الإيمان في حال كفره. وأما كونه كذبا فلا يتصور ذلك فيه ؛ لأن حقيقة التكليف مباينة لحقيقة الكذب. وأمّا كونه مفسدة فليس يتصور ذلك إلا في تكليفين : يكون أحدهما داعيا للمكلّف إلى ترك ما تناوله التّكليف الآخر ، أو يكون تكليف أحد الشخصين مفسدة في تكليف الشخص الثاني ، ولو كان كذلك لما فعله القديم تعالى ؛ لأن المفسدة قبيحة ، وقد ثبت أنه تعالى لا يفعل القبيح.

وإنّما قلنا : بأن كان ما كان تعريضا لنفع عظيم لا ينال إلا به مع تعريه عن سائر وجوه القبح فإنه حسن. فالذي يدل على ذلك ما نعلمه في الشاهد من أنّ كل من عرّض غيره لمنافع عظيمة فقد أحسن إليه ؛ ولذلك يحسن من

__________________

(١) في هامش (ب) : أي مضرة عارية عن جلب نفع كما هي حقيقة الظلم.

(٢) ينظر : الإرشاد ٢٠٤. المجبرة مثل إبليس لعنه الله قال : رب بما أغويتني؟ وهم قالوا : إن الله أجبرهم على فعل المعاصي ، فهم مستحقون للعنة.

٢٣١

الواحد منا تعريض أولاده ، ومن يدبّر أمره للمنازل الرفيعة ، والمنافع العظيمة بالتعلم والتأدب ، وإن كان ذلك شاقّا على الطّباع لمّا كان تعريضا لنفع لا يتم إلا به. وإذا كانت هذه العلة حاصلة في حال التكليف وجب القضاء بأنه حسن. بل هذه العلة في التكليف أقوى من تعريض الواحد (١) لولده ؛ لأن تعريض القديم تعالى لنا بالتكليف تعريض نفعه خالص لنا ؛ لاستحالة المنافع والمضار عليه (٢) ولأن المنافع الأخروية وهي منافع الثواب متيقّنة الحصول ، بخلاف المنافع الدنيوية في تعريض الواحد منا لولده فإنها مظنونة فقط ؛ ولأن المنافع الأخروية دائمة البقاء بخلاف المنافع الدنيوية فإنها زائلة لا محالة بعد الحصول ؛ ولأنّ المنافع الأخروية يقترن بها التعظيم والإجلال بخلاف الدنيوية. فإذا كانت (٣) علّة الحسن في التكليف (٤) أقوى وجب القضاء بكونه حسنا.

وأما الموضع الثالث :

وهو في الدلالة على حسن تكليف من المعلوم من حاله أنه يرد النار فعندنا أنه حسن ، وهو قول العدلية جميعا. وذهبت المجبرة إلى أنه قبيح. والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ، وفساد ما ذهب إليه المخالفون ـ أنّ التكليف داخل في زمرة أفعاله تعالى ، وأفعاله كلها حسنة ، يبيّن ذلك ويوضحه أنّ العلم بأنه تعالى عدل حكيم لا يفعل القبيح غير واقف على العلم بهذا التكليف ولا بحالته ، وإنما يقف على العلم بكونه تعالى عالما وغنيّا ؛ فمتى علمنا ذلك ، وتوصلنا

__________________

(١) في (ه) : الواحد منا لولده.

(٢) في (ب) : المنافع عليه والمضار.

(٣) في (ب) : كان.

(٤) في (ب) ، (ج) : علة الحسن والتكليف.

٢٣٢

إلى العلم بعدله وحكمته تعالى ، وصحّ (١) لنا أنّ أفعاله كلها حسنة ، ثمّ علمنا أن هذا التكليف من فعله ـ علمنا يقينا أنّه حسن ، وإن لم نعلم (٢) وجه الحكمة فيه. ولو ورد علينا الالتباس عند الاستكشاف عن وجه حسنه لوجب أن لا يزيلنا ذلك عن العلم بحسنه مع ثبوت الأصلين الأوّلين : وهما أنه من فعل الله تعالى ، وأفعاله كلّها حسنه. كما أنه قد يرد علينا الالتباس في المشاهدات (٣) ، وإن لم يكن مزيلا عن العلم بالمشاهدات رأسا. كذلك في مسألتنا.

دليل ثان ـ وهو أن الوجه الذي حسن لأجله تكليف من المعلوم أنّه يؤمن ثابت في من المعلوم أنّه يكفر ، وذلك لأنّ الأوّل إنّما حسن لكونه تعريضا للمكلّف للثواب على ما تقدم ، وهذا بعينه قائم في تكليف من المعلوم أنه يكفر. وإنّما يفترقان من حيث أن المؤمن أحسن الاختيار لنفسه ، وأجاب داعي عقله فآمن. ولم يحسن الكافر الاختيار لنفسه ، ولا أجاب داعي عقله ، بل أجاب داعي شهوته فلم يؤمن ؛ وذلك لا يخرج القديم من أن يكون متفضلا عليهما على سواء ، وصارت الحال في ذلك كالحال فيمن قدّم الطعام إلى جائعين قد أشرفا على الهلاك لمكان الجوع ؛ فتناول أحدهما من ذلك الطعام فلم يمت ، ولم يتناول الأخر فمات وهلك. فكما أنّ المقدّم للطعام يكون منعما عليهما جميعا ، ولا يقال : إنه منعم على الذي قبل دون من لم يقبل. كذلك الحال في مسألتنا.

__________________

(١) في (ب) : وضح ، بناء على أنها جواب متى لأن جواب متى : علمنا. والأصح ما في الأصل.

(٢) في (ب) : وإن لم نعقل.

(٣) يعني ما في الأرض والسموات من مخلوقات لا نعلم الحكمة منها كالحشرات والحيات والسباع كريهة المنظر وغيرها.

٢٣٣

وعلى هذه الطريقة تجري الحال فيمن أدلى حبله إلى غريقين ليتشبّثا به فينجوا من الغرق فتشبّث به أحدهما فنجا. ولم يتشبث به الآخر فهلك ؛ فإنه منعم عليهما جميعا (١) ، فكذلك ما نحن فيه ، فيجب أن يكون التكليفان جميعا حسنين وإحسانين إلى المكلّفين ، وإن قبل أحدهما فآمن ولم يقبل الآخر فكفر.

وأما الموضع الرابع :

وهو في إيراد طرف من شبههم التي يتعلقون بها في قبح تكليف من علم الله أنه لا يؤمن. وذكر الجواب عما يذكرونه من ذلك. فمنها قولهم : إنه إنّما قبح تكليف الكافر ؛ لأنّه تعالى قد علم من حاله أنه يكفر ، أو لأنّه تعالى لم يعلم من حاله أنه يؤمن. بخلاف المؤمن فإنه قد علم من حاله أنه يؤمن فيصل إلى الثواب (٢).

والجواب عن ذلك : أنّ العلم لا يؤثّر في المعلوم ، وإنما يتعلّق به على ما هو به. وأنّ القدرة على خلاف المعلوم صحيحة غير مستحيلة كما تقدم ، فلا يجوز أن يؤثّر في القبح ولا في الحسن ؛ ولأنه لو صح ما ذكروه لقبح من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يدعو الكفار إلى الدّين الذي (٣) قد أعلمه الله تعالى بأنهم لا يؤمنون كأبي

__________________

(١) هذان التشبيهان غير واضحين لعدم مساوات ما نحن فيه. وإنما التشبيه الصحيح أن يقال : كمن أعطى غيره شاة وسكينا ليذبحها فقتل بها نفسه ، فالتكليف بمنزلة إعطاء السكين ، وما يراد به ويقصد من الثواب والمنافع كالشاة. هذا هو المثال المناسب كما هو المقرر في مواضعه فينظر. تمت من هامش النسخة ه.

(٢) ينظر الإرشاد ص ٢٠٣. والرازي مج ٤ ج ٧ ص ١٥٢.

(٣) الأولى : الّذين لأنه صفة للكفار وهم جمع.

٢٣٤

جهل بن هشام وغيره ، ومعلوم خلاف ذلك. وقد اعترضوا بوجهين (١) : أحدهما ـ أن قالوا : إن هذا التكليف عبث فيجب أن يكون قبيحا. والجواب أنّا قد قدمنا أنه فعل لغرض ، وأنّ فيه فائدة عظمى فبطل قولهم : إنه عبث.

الوجه الثاني أن قالوا : إنّ الكافر لا يقدر على الإيمان ، فتكليفه الإيمان في حال كفره يكون تكليفا بما لا يطاق. والجواب أنّا قد بينا في مسألة الاستطاعة أنّ الكافر قادر على الإيمان في حال كفره. فبطل قولهم : إنه يكون تكليف ما لا يطاق. وعلى هذا النّسق يكون الجواب لهم عما يعترضون به.

واما الموضع الخامس : وهو في شروط حسن التكليف

فله شروط : منها ما يرجع إلى التكليف في نفسه وهو شرطان : أحدهما أن لا يكون مفسدة ؛ لأن المفسدة قبيحة. وهو تعالى لا يفعل القبيح. والثاني أن يتقدم التكليف على وقت الفعل بأوقات يتمكّن المكلّف فيها من الإتيان بالفعل ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان التكليف به تكليفا لما لا يمكن وهو قبيح. وهو تعالى لا يفعله كما تقدم. ومنها شرطان يرجعان إلى ما يتناوله التكليف : أحدهما لا يكون مستحيلا في نفسه ؛ لأن التكليف بما هذه حاله قبيح من حيث إنه تكليف لما لا يمكن ، وهو تعالى لا يفعل القبيح كما تقدم. والثاني ما يتناوله التكليف على صفة الوجوب أو الندب (٢) إن كان فعلا. وإن كان تركا وجب أن يكون الفعل قبيحا. أو الأولى (٣) أن لا يفعل لما بيّنّاه من الدلالة على حسن التّكليف على العموم. ومنها ما يرجع إلى المكلّف

__________________

(١) في (ب) ، (ج) : بوجهين آخرين.

(٢) في هامش (ب) : بعد لفظ الندب ، وهو أن يكون حسنا ، ورمز بظن. والظاهر أنه مناسب لمقابلة قبيحا الآتية.

(٣) في (ب) و (ج) : والأولى.

٢٣٥

وذلك أمور : منها ما يجب تقدمه (١) على الفعل ، وهو أن يكون المكلّف متمكنا من الفعل بالقدرة والآلة التي تكون موصلة إلى الفعل (٢) ، وليست محلّا له ولا جارية مجرى المحل ؛ كالقوس في الإصابة فإنها ليست محلّا للإصابة ، ولا جارية مجرى المحل.

والذي يدل على ذلك أنه لو لم يكن قادرا على الفعل ، ولا متمكنا منه بالآلة لم يصح منه إيجاده ؛ ومتى لم يصح منه إيجاده لم يصح تكليفه بذلك الفعل ؛ لأن تكليفه بذلك فرع على كونه مقدورا له ؛ لأن ما ليس بمقدور يستحيل أن يوصف بالوجوب أو القبح (٣). فمتى لم يكن مقدورا له لم تثبت هذه الأحكام ، فلا يصح إعلام المكلّف بها ؛ لأن العلم تابع للمعلوم.

وإذا لم يصح المعلوم ثبت ما قلناه : من أن التمكين شرط في حسن التكليف ؛ بل في صحته في نفسه. وقد بينا أن القدرة متقدمة على مقدورها ، ولا شكّ أنّ حكم الآلات التي ذكرنا ـ حكمها ؛ فإنه لا يصح الفعل إلا بها ، فيجب تقديمها كالقدرة.

ومنها ما يجب مقارنته للفعل وهو أمور : منها أن لا يكون ممنوعا مما

__________________

(١) في (ب) و (ج) : تقديمه.

(٢) قال السيد مانكديم في شرح الأصول الخمسة ٤٠٩ : إن الآلات تنقسم : فمنها ما يجب تقدمها ولا يجب مقارنتها وذلك كلما يكون وصلة إلى الفعل ، نحو القوس وما يجري مجراها ، فإنها لا بد أن تكون متقدمة على الإصابة حتى يصح استعمالها فيها ، ولهذا يصح أن تنكسر ولمّا وقعت الإصابة بعد. ومنها ما يجب تقدمها ومقارنتها جميعا ، وذلك كلما يكون محلا للفعل وما يجري مجراها ، نحو اللسان ، فإنه يجب تقدمه حتى يكون معينا على الكلام ، ويجب مقارنته حتى يكون محلا. وأما ما يجري مجراه فكالسكين فإنه يجب تقدمه حتى يحصل به الذبح ، ويجب مقارنته لأن الذبح إنما يحصل بأن يتخلل السكين في المحل المفري. ومنها ما يجب مقارنتها ولا يجوز فيها التقدم ، وذلك كصلابة الأرض في التصرف فإنها ينبغي أن تكون ثابتة في الحال ولا يجب تقدمها.

(٣) في (ب) ، (ج) : أو القبيح.

٢٣٦

كلّف ؛ لما بيناه من وجوب (١) اعتبار التمكين. ومنها أن يكون له شهوة في القبيح وفيما الأولى أن لا يفعل ، وما يجري مجرى الشهوة. وأن يكون له نفار عن الواجب ، أو ما الأولى أن يفعله ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما شق عليه الإقدام والإحجام. ومن حقّ التكليف حصول المشقة. وقد تقوم الشبهة مقام الشهوة في ذلك ، فإن عبادة النصارى للصليب وإن لم يتعلق به شهوة ، فقد تعلقت به شبهة وهي مترتبة على الشهوة ، فإن النصراني لو لم يتصور في العاقبة وصوله إلى ما يشتهيه لم تصح (٢) أن تدعوه الشبهة إلى هذه العبادة.

ومنها أن يكون المكلف ذا أبعاض وجوارح يلحقها اختلال ، ووهى (٣) بالأفعال التي يكلّف فعلها لتناله المشقة بسبب ذلك. ومنها ما يجب تقدّمه ومقارنته وهو أمور : منها أن يكون المكلف عاقلا ؛ لأنه لو لم يكن عاقلا لم يكن عالما بأحكام الأفعال ، ومتى لم يكن عالما لم يكن مكلفا ؛ إذ التكليف بما لا يعلم قبيح ، وهو تعالى لا يفعله. ومنها أن يكون عالما بصفة ما كلّف (٤) وبكيفية إيقاعه على الوجه الذي كلّف إيقاعه عليه ؛ لأنا قد بينا أن التكليف هو الإعلام بما ذكرناه ، فمتى لم يكن عالما بصفة ما كلّف (٥) وبكيفية إيقاعه على الوجه الذي كلّف لم يصح منه إيقاعه كذلك. ولو لم يصح منه إيقاعه على ما كلّف لم يتعلق به الثواب ؛ فينتقض الغرض بالتكليف. ومنها اشتراط الآلات التي تكون وصلة إلى الفعل ومحلّا له : نحو اللسان في الكلام والرّجل

__________________

(١) في (ب) ، (ج) : وجوه.

(٢) في (ب) : لم يصح أن يدعوه. وفي (ج) : لم يصح أن تدعوه.

(٣) في (ب). و (ج) : اختلال وهي.

(٤) في (ب) كلف به. ظ.

(٥) في (ب) كلف به.

٢٣٧

في المشي ، أو تكون جارية مجرى المحل ، مع كونها وصلة إلى الفعل ، نحو السكين في القطع ؛ فإنه لا بد من مداخلتها لأجزاء المقطوع وإن لم تكن محلّا لذلك الفعل. والذي يدل على اشتراطها ما قدمناه من أنه لا يجوز تكليف الفعل مع عدم ما يحتاج إليه. ومنها أن يزول عنه الإلجاء والاستغناء بالحسن عن القبيح ؛ ليكون متردّد الدواعي فيما كلّف ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما فعل الفعل لوجوبه ؛ بل لكونه ملجأ إليه ، ولما ترك القبيح لقبحه ؛ بل للإلجاء إلى تركه ، ولما شقّ عليه ترك القبيح لكونه مستغنيا عنه بالحسن. ولو كان كذلك لما استحقّ على ما يفعله من ذلك مدحا ولا ثوابا. وذلك ينقض الغرض بالتكليف ، وذلك محال.

ومن شرائط حسن التكليف ما يرجع إلى المكلّف الحكيم وهي أربعة أمور : أحدها أن يعلم المكلّف الحكيم ما ذكرناه من أحوال المكلّف والتكليف ، والفعل ، والترك ، الذي تناوله التكليف. وثانيها أن يكون غرضه نفع المكلّف ، وليس ذلك إلا بأن يريد منه الطاعات ويكره المعاصي. وثالثها أن يكون منعما على المكلّف بما معه يستحق العبادة ، وذلك بأن ينعم عليه بأصول النعم (١) التي لا تتبع غيرها ـ وإن تبعها غيرها. وتكون هذه النّعم بالغة في العظم مبلغا لا مزيد عليه فيما توجبه الحكمة ـ وإن كان تصح الزيادة عليها من جهة الأجزاء والأعداد. ورابعها أن يكون عالما أنه سيثيبه إن أطاعه ، وذلك لأنّ (٢) الغرض بالتكليف هو التعريض للثواب ، فلو لم يكن عالما بما ذكرناه من حال التكليف والمكلّف والفعل والتّرك الذي يتناوله التكليف ، وعالما بأنه

__________________

(١) أصول النعم : هي : ١) خلق الحي. ٢) خلق حياته. ٣) خلق قدرته. ٤) خلق شهوته. ٥) تمكينه من المشتهيات. ٦) استكمال عقله.

(٢) في (ب) : أنّ.

٢٣٨

سيثيبه ـ لانتقض الغرض بالتكليف. وقد ثبت أنه تعالى مريد لما كلّفنا فعله وكاره لما كلّفنا تركه.

فأمّا وجوب اشتراط كونه منعما بما ذكرناه فلأنه لو لم يكن منعما بما ذكرناه لم يستحق العبادة لما قدمناه في مسألة الوحدانية ، ولو لم يستحق العبادة لما صح أن يعلمنا وجوب شيء علينا ؛ لأنّ العلم تابع للمعلوم. فمتى لم يجب علينا له شيء لفقد الإنعام لم يصح الإعلام بأنه واجب ، فضلا عن أن يحسن ذلك. فصح أنه لا بد من اشتراط ما ذكرنا. ولا شك أن هذه الشروط بمجموعها حاصلة في تكليف الله تعالى لعباده ، فيجب أن يكون حسنا. وإذا ثبت ذلك فقد تعلّق المخالفون بآيات : منها قوله تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [الأعراف : ١٧٩]. والجواب : أنّ اللام في جهنّم لام العاقبة ؛ ومعنى ذلك أن الله تعالى خلقهم للجنة والثواب ؛ ولكن عاقبتهم المصير إلى جهنم لكفرهم وعصيانهم. ولام العاقبة معروفة في لغة العرب. قال شاعرهم :

لدوا للموت وابنوا للخراب

فكلهم يصير إلى ذهاب (١)

وإنما يولد للنفع ويبنى للمنفعة ، ولكن ذكر الخراب والموت ؛ لأن عاقبة الولد للموت وعاقبة البناء للخراب ، وقال آخر :

أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها (٢)

وقال غيره :

__________________

(١) للإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام. ينظر هامش الدر المصون ٤ / ٦٤٧.

(٢) هذا البيت للإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام [ديوانه ١٠٤] ، في قصيدة أولها :

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت

أن السلامة فيها ترك ما فيها

٢٣٩

وللموت تغذوا الوالدات سخالها

كما لخراب الدّهر تبنى المساكن (١)

يريد بذلك أن عاقبة الأولاد للموت ، والأموال للورثة ، والدّور للخراب. وعلى ذلك يدل قوله تعالى : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص : ٨] ، وإنما التقطوه ليكون لهم ولدا ينفعهم ، فلما كان عاقبة أمره (٢) أن يكون لهم عدوّا وحزنا أخبر به كذلك. وممّا تعلقوا به آيات أيضا في تكليف ما لا يطاق ، فاستدلّوا بها على حسن تكليف ما لا يطاق. وقد ذكرناها في مسألة الاستطاعة ، وبيّنّا ما هو الصحيح فيها.

مسألة في الألطاف

ونحن نتكلم فيما يختص ذلك شيئا شيئا إن شاء الله تعالى. والكلام فيها على الجملة يقع في ثلاثة مواضع : أحدها في حقيقة اللطف. والثاني في قسمته. والثالث هو الكلام في حكم كل قسم منها على التعيين.

أما الموضع الأول : وهو في حقيقة اللّطف

فله معنيان : لغويّ ، واصطلاحي. أما اللغوي : فهو كلما قرّب من نيل الغرض وإدراك المقصود. ولهذا قال شاعرهم

ما زلت آخذ حاجاتي بتلطيف

حتى تركت رقاب الجلح في الطيف (٣)

__________________

(١) وقول الآخر أيضا :

ألا كل مولود فللموت يولد

ولست أرى حيّا لحيّ يخلّد

وأيضا :

وأمّ سماك فلا تجزعي

فللموت ما تلد الوالدة

(٢) في (ب) وغيرها : عاقبة أمره.

(٣) الأظهر : كالطيف ، الجلح جمع أجلح ، وهو الرجل الذكي الشديد. والمعنى : أنه ما زال يتلطف حتى ترك رقاب أعدائه عدما ووهما وكأنها طيف وخيال ،

٢٤٠