ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المؤلف:

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين


المحقق: د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٥٩٩
  نسخة غير مصححة

قالوا لإبراهيم بعد الموت : كيف وجدت الموت؟ قال : شديدا كأنما أدخل في كلّ عرق مني وعظم ومفصل السّلاء ، ثم استلّ استلالا ، قالوا : أما إنه قد يسّر عليك (١).

وأما الفناء : فهو معلوم على الجملة قال تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص : ٨٨] ، وقال : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) [الرحمن : ٢٦ ـ ٢٧] ، وغير ذلك من السنة المعلومة تركناه للاختصار.

والفصل الثاني : في عذاب القبر وثوابه

أهل البيت (ع) مختلفون فيه. منهم من يثبته ، ومنهم من ينفيه ، وكذلك علماء سائر العدليّة مختلفون فيه كما تقدم. والعقل يجوّزه ؛ فإنه مقدور لله تعالى ، وجائز في الحكمة ؛ إذ لا وجه يقتضي قبحه ، فجاز وقوعه. وقد احتج من يثبته بآيات وأخبار ؛ فالآيات محتملة ، تركنا إيرادها ، وإيراد الأجوبة عنها للاختصار. وأما الأخبار فنورد طرفا منها.

فنقول وبالله التوفيق : روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «القبر أوّل روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار» (٢). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه مرّ بقبرين ، فقال : «إنّهما ليعذّبان وما يعذّبان في كبير : أحدهما كان لا يستبري ، أو قال : لا يستنزه من البول. والآخر كان يمشي بالنميمة» (٣). وقوله : وما يعذبان في كبير يعني عند كثير من الناس لكثرة لهجهم به ، وإلا فالعذاب لا يستحقّ إلا على الكبائر. وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «ليس من يوم إلا يعرض على أهل القبور

__________________

(١) أخرج ما يوافق ذلك في شمس الأخبار ٢ / ٣٣٣.

(٢) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس ٣ / ٢٣١ رقم ٤٦٨٢. بلفظ : القبر روضة من رياض الجنة .. إلخ». والكنز ١٥ / ٦٠٣ رقم ٤٢٣٩٧.

(٣) أخرجه المرشد بالله ٢ / ٣٠٣. والبخاري ١ / ٨٨ رقم ٢١٣. والترمذي ١ / ١٠٢ رقم ٧٠. والنسائي ٤ / ١٠٦ رقم ٢٠٢٩. وابن ماجة ١ / ١٢٤ رقم ٣٤٧١.

٥٠١

مقاعدهم من الجنة والنار غدوة وعشية» (١). رواه ابن عمر. وعن ابن مسعود أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتعوذ من عذاب القبر (٢). ورواه (٣) عمر بن الخطاب.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «المعيشة الضّنك عذاب القبر» (٤). وعن عائشة قالت : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عذاب القبر حقّ» (٥). والأخبار في هذا كثير ، ربما يبلغ حدّ التواتر في المعنى.

والفصل الثالث : من حالات القيامة

النفخ في الصّور : وهو معلوم ضرورة على الجملة ، قال تعالى : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) [الزمر : ٦٨] ، وقال سبحانه : (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) [المؤمنون : ١٠١] ، والآيات في هذا كثير.

وعن ابن عباس وقد سئل عن الصّور (٦) فقال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «هو قصبة لها أربع شعب ، تدوار فم القصبة كتدوار الدنيا كلّها ، شعبة في أقصى مشارق الأرض ، وشعبة في أقصى مغاربها ، وشعبة في أقصى تخوم الأرض السابعة السفلى ، وشعبة أخرى فوق السماء السابعة». والأخبار أكثر من أن نحصيها في ذلك.

__________________

(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧ / ١٥٦ عن ابن عمر.

(٢) أخرجه المرشد بالله في أماليه ٢ / ٣٠٦. والنسائى ٤ / ١٠٣ وقد ثبت من طرق كثيرة أنه كان يتعوذ منه.

(٣) في (ب) : وروي عن.

(٤) ينظر الدر المنثور ٤ / ٥٥٧ فقد ساق ذلك من طرق عديدة. ومجمع الزوائد ٣ / ٥٥.

(٥) أخرجه المرشد بالله في أماليه عن عائشة ٢ / ٣٠٦.

(٦) المراد به كل الصّور : لأنه جمع صورة ، مثل الصوف جمع صوفة ، وهو مجاز. والنفخة الأولى تكون في الصور والأبدان ؛ لإفنائها. والثانية تكون في الصور والأبدان المتناثرة للنشور والحياة. ينظر في ذلك المجموعة الفاخرة ص ١٦٦.

٥٠٢

الفصل الرابع : البعث وبعثرة القبور لإعادة الموتى

وهو معلوم من الدين ضرورة. قال تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون : ١٦] ، وقال : (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) [القمر : ٧]. وقال : (فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) [يس : ٥١] ، وقال : (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) [الانفطار : ٤] ، وقال : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً) [المجادلة : ٦] ، وقال تعالى : (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر : ٦٨]. إلى غير ذلك من الآيات.

الفصل الخامس : تغيّر العالم وحشر الحيوانات

أما السماء : فقال تعالى : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) [الأنبياء : ١٠٤] ، ونظائرها كثيرة (١).

وأما الأرض ، فقال : (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) [الفجر : ٢١] ، وقال : (إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) [الواقعة : ٤] ، ونظائرها كثير.

وأما الجبال : فقال : (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) [النمل : ٨٨] ، وقال : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً* فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً* لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) [طه : ١٠٥ ـ ١٠٧].

وأما القمران : فقال : (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) [القيامة : ٩] ، وقال : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) [التكوير : ١] ، وقال : (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) [القيامة : ٨].

وأما النجوم : فقال تعالى : (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) [التكوير : ٢] ،

__________________

(١) في (ب) : كثير.

٥٠٣

وقال : (وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) [الانفطار : ٢]. وأما البحار : فقال سبحانه : (وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) [الانفطار : ٣]. وفي آية : (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) [التكوير : ٦]. وأما الحيوان : فالملائكة ، قال (١) تعالى : (وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ* وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها) [الحاقة : ١٦ ـ ١٧] ، يعني على أطرافها وأقطارها. (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر : ٢٢].

وأما الروح : فقال سبحانه : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا) [النبأ : ٣٨] ، قيل : الرّوح خلق عظيم ، أعظم من الملائكة. وأما الناس : فقال سبحانه : (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) [القارعة : ٤]. وأما الوحوش : فقال عز قائلا : (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) [التكوير : ٥].

الفصل السادس : السؤال ، وشهادة الشهود

أما السؤال : فقال سبحانه : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) [الصافات ٢٤] ، وقال : (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف ٦] ، قيل : يسأل الرسل هل بلغوا ، ويسأل الأمم هل قبلوا؟. وقال : (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر : ٩٢ ـ ٩٣] (٢).

__________________

(١) في (ب) : قال الله.

(٢) يقال : كيف التوفيق بين هذه الآيات وبين قوله تعالى : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) ، وكذلك سؤال المرسلين؟. والجواب عن الأول إضافة إلى كلام المؤلف من وجوه : أحدها إن السؤال سؤال تبكيت وتقريع ، وليس سؤال استعلام واسترشاد ؛ لأن المجرم معروف بدون سؤال لقوله سبحانه : (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ). الوجه الثاني أنهم يسألون حتى تنفرد عقوبتهم ثم ينقطع السؤال كما قال سبحانه : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) ؛ فلا تنافي بين الآيات. الوجه الثالث أن في القيامة عدة مواقف : ففي بعضها يسأل ، وفي بعضها لا يسأل. وأما الجمع بين قوله تعالى : (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ

٥٠٤

وعلى الجملة فهو معلوم من الدين ضرورة. فأما قوله تعالى : (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) [المؤمنون : ١٠١] ، وقوله : (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص : ٧٨] ونحو ذلك في القرآن فإنه لا ينافي ما تقدّم ؛ لأن هناك مواقف كثيرة ، قيل : هي خمسون موقفا. وهناك حالات كثيرة ، ففي بعضها يقع السؤال كما تقدم وفي بعضها لا يقع سؤال ، كما في هذه الآيات ، وإذا كانت الحال هذه سلم كلامه عزوجل من التناقض والتعارض ؛ لاختلاف الوقتين ، وليس في آيات إثبات السؤال وآيات نفيه أنّ ذلك كلّه في وقت واحد ، ومن شروط (١) التناقض والتعارض أن يكون الوقت واحدا.

كذلك قوله تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر : ٣١]. وقوله تعالى : (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات : ٣٥ ـ ٣٦]. فإن ذلك كله في وقتين فصاعدا ، وليس في الآيتين أنّ ذلك في وقت واحد ، فينبغي حفظ هذا الأصل فيما هذه حاله. فإن الجاهل بمقاصد القديم سبحانه في خطابه يظنّ أنّ بعض ذلك ينقض بعضا لجهله بشروط

__________________

(يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) ، وقوله : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) فهو أن الأول معناه : لا يسأل بعضهم بعضا سؤال استخبار لتشاغلهم عن ذلك ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ). والثاني معناه : يسأل بعضهم بعضا سؤال تلاوم وتوبيخ ، كما قال سبحانه في موضع آخر : (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ). أما سؤال الرسل فالمراد به أيضا التهديد للمرسل إليهم مثل قوله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) فالسؤال لها توبيخ ، وتهديد. ينظر الطبرسي ٤ / ٢١٨. والكشاف ٤ / ٤٥٠.

(١) في (ب) : لأن من شروط.

٥٠٥

التناقض والتعارض وحالات القيامة ومواقفها. وفي هذه الزّبدة إشارة إلى هداية المسترشدين والله الهادي.

وأما شهادة الشهود : فمن ذلك شهادة الأرض ، قال تعالى : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) [الزلزلة : ١] ، إلى قوله : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) [الزلزلة : ٤]. وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «أتدرون ما أخبارها»؟ قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : «أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها (١) ، تقول : عمل كذا وكذا ، يوم كذا وكذا (٢).

وقال تعالى : (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) [الزلزلة : ٥] ، أي أذن لها أن تخبر بما عمل عليها (٣). وفي آخر حديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «وتحفّظوا من الأرض فإنها أمكم ، وليس أحد يعمل عليها خيرا أو شرا إلا وهي مخبرة به» (٤).

ومنها شهادة الجوارح وهي معلومة على الجملة ضرورة ، وذلك يوم ختم الأفواه. قال تعالى : (حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) الآية (٥) [فصلت : ٢٠ ـ ٢١]. وقال تعالى :

__________________

(١) في (ب) : ظاهرها.

(٢) أخرجه أحمد ٣ / ٣١٠ رقم ٨٨٧٦. والترمذي ٤ / ٥٣٥ رقم ٢٤٢٩ وصححه. والنسائي في تفسيره ٢ / ٥٤٤. والحاكم ٢ / ٥٣٢ وقال صحيح ولم يخرجاه ، وسكت عنه الذهبي ، عن أبي هريرة.

(٣) جامع البيان ١٥ / ٣٣٨ ، وتفسير الخازن البغوي ٦ / ٤٧٧.

(٤) الطبراني في الكبير ٥ / ٦٥ رقم ٤٥٩٦ باختلاف يسير بلفظ : «استقيموا ونعمّا إن استقمتم ، وحافظوا على الوضوء ، فإن خير أعمالكم الصلاة وتحفظوا من الأرض ... الحديث

(٥) تمام الآية : (وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، وفي (ب) ذكر الآية الثانية (وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ).

٥٠٦

(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) [يس : ٦٥]. قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله : (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ) قال : «هي فروجهم» (١) ، وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أوّل ما ينطق من ابن آدم فخذه الشّمال» (٢).

الفصل السابع : أخذ الكتب وهي صحف الأعمال

وهو معلوم على الجملة ضرورة ، قال تعالى : (وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) [الكهف : ٤٩]. وقال : (وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) ونظائرها كثير ومنهم من يأخذه بيمينه (٣) ، قال تعالى : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ) [الانشقاق : ٧] ، وهذا هو المؤمن.

وأما المجرمون : فمنهم من يأخذ الكتاب بشماله ، قال تعالى : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ) (٤) [الحاقة : ٢٥] ، ومنهم من يأخذه وراء ظهره ، قال تعالى : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ) [الانشقاق : ١٠] ، قيل : تغلّ

__________________

(١) قال الإمام زيد بن علي في غريب القرآن ص ٢٧٩ : إن معناها الفروج ولكن الله كنى عنها ، وهناك من قال : المقصود بالجلود الفروج. ينظر الماوردي ٥ / ١٧٦.

(٢) أخرجه أحمد ٦ / ١٣٤ رقم ١٧٧٦ بلفظ : إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال. والطبراني في الكبير ١٧ / ٣٣٣ رقم ٩٢١ عن عقبة بن عامر.

(٣) قال الإمام الهادي عليه‌السلام : معنى (بِيَمِينِهِ) فهو اليمن والبركة ، وما يتلقى به الملائكة أهل الدين والتطهرة من البشارة من ربهم والتبشير والتطمين لهم عند توقيفهم ومحاسبتهم. ينظر عدة الأكياس ٢ / ٣٤٩.

(٤) قال الإمام الهادي عليه‌السلام : هو مثل من الله عزوجل مثله الله لعباده ، وضربه لهم ، يريد بالشمال : العسر والشدة في كل حال. ينظر عدة الأكياس ٢ / ٣٤٩.

٥٠٧

شماله وراء ظهره ، ثم يأخذ بها كتابه (١). فأما المؤمن فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا قال الله للعبد يوم القيامة : (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [الإسراء : ١٤] ، يخرس لسانه ، فيقول الله : عبدي اقرأ كتابك ؛ فتأخذه الرعدة ، فيقول : يا رب ، نار جهنم أحبّ إليّ من قراءة كتابي ، فيقول الله : فاذهب إلى الجنة فقد غفرت لك» (٢).

الفصل الثامن : الحساب

وهو معلوم على الجملة من الدين ضرورة. قال تعالى في المؤمن : (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) الآية [الانشقاق : ٨]. وقال : (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) [الطارق : ٩] ، قيل : يحاسبه الله فيظهر كل سرّ مكتوم (٣). وفي حديث ابن عمر : «يحاسب الله المؤمن بينه وبينه» (٤) ، فيقول : يا عبدي ألم تفعل كذا؟ فيقول : يا رب بلى ، فيقول : قد سترتها في الدنيا ، وغفرتها في الآخرة (٥). وأما الكافر والمنافق فينادى عليهم : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المهاجرين الأولين : «هم السّابقون الشافعون

__________________

(١) تفسير الخازن والبغوي ٦ / ٣٩٢.

(٢) السفينة ٢ / ٣١٨.

(٣) مجمع البيان ١٠ / ٣٢٤.

(٤) سئل الإمام الهادي عليه‌السلام عن الحساب فقال : إذا كان يوم القيامة ويوم الحشر والندامة أتى به ملكاه إلى من أمر الله من الملائكة لمحاسبة العباد ومحاسبتهم ، فتوقيفهم على أفعالهم وتعريفهم على ما كان من أعمالهم ، ثم شهد حافظاه عليه ووقفاه على ما كان من أمره ، وبكتاه بمعاصيه لربه ، ووقفاه على جرأته على خالقه ، فلم يذرا مما تقدم منه شيئا إلا أوقفاه عليه حرفا حرفا فهذا معنى محاسبة الرب لعباده. ينظر المجموعة الفاخرة ص ١٦٢.

(٥) السفينة ٢ / ٣١٧.

٥٠٨

المدلّون على ربهم ، والذي نفسي بيده إنهم ليأتون يوم القيامة وعلى عواتقهم السلاح ، فيقرعون باب الجنة ، فيقول الخزنة من أنتم؟ فيقولون : هل حوسبتم؟ فيجثون على ركبهم وينشرون ما في جعابهم ، ويرفعون أيديهم ، ويقولون : أي رب أبهذا نحاسب؟ وقد خرجنا وتركنا الأهل والولد. فتمثّل لهم أجنحة من ذهب ، فيطيرون إلى الجنة ، فذلك قوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) الآية [فاطر : ٣٤] (١).

الفصل التاسع : الميزان (٢)

وهو معلوم من الدين على الجملة ، قال الله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) [الأنبياء : ٤٧] ، وقال : (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) [القارعة : ٦] ، وقال : (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ) [القارعة : ٨]. والأخبار فيه كثيرة تركناها للاختصار.

الفصل العاشر : ظهور العلامات في الوجوه

قال تعالى : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران : ١٠٦]. وقال : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ* وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ* تَرْهَقُها قَتَرَةٌ* أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [عبس : ٣٨ ـ ٤٢] والأخبار في ذلك كثير تجنّبناها خوفا للإطالة.

الفصل الحادي عشر : الانتصاف والمقاصّة بين المخلوقين

وذلك ظاهر ، قال الله تعالى : (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ

__________________

(١) أخرج الحديث الحاكم في المستدرك ٣ / ٣٩٩ وزاد السيوطي في الدر المنثور ٥ / ٤٧٥ عن ابن مردويه وأبي نعيم.

(٢) المراد به الحق من إقامة العدل والإنصاف. ينظر عدة الأكياس ٢ / ٣٤٩.

٥٠٩

مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) [الأنبياء : ٤٧] ، وقال : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [النحل : ١٢٤] ، وقال : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً) [النبأ : ١٧] ، وقال : (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها) ، معناه بعدله (١) ، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [الزمر : ٦٩] ، ونظائر ذلك كثير ، وقد قدمنا تفصيل ذلك.

الفصل الثاني عشر : الصراط (٢)

قال تعالى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) [مريم : ٧٢]. عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن الصراط بين ظهري جهنم ، دحض مزلّة. والأنبياء يقولون : سلّم سلّم ، كلمع البرق ، وكطرف العين ، وكأجاويد الخيل ، والبغال ، والرّاكب ، والشّدّ على

__________________

(١) السفينة ٢ / ٣٣١.

(٢) المراد بالصراط دين الله القويم ، وإن كان مجازا ، قال تعالى : (قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) ، وحجة على أنه لا جسر فوق جهنهم يمرون عليه قوله تعالى في صفة دخول العصاة النار (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) ، والدّعّ : الدفع العنيف ، فيدفعهم خزنة النار إلى النار دفعا عنيفا على وجوههم ، وزجا في أقفيتهم من غير جسر يتهافتون من فوقه ، وقوله تعالى : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) .. إلى قوله : (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) ، فهاتان الآيتان نص صريح في أنهم لم يمسكوا على جسر فوقها. كما أن الإجماع منعقد من الأمة أنه لا تكليف في الآخرة ، والقول بالمرور على الصراط تكليف للمؤمنين ، كما أن ورود جهنم ليس المرور على الجسر ، بل ورودها يعني حضورها ؛ لأن الورود بمعنى الحضور. ينظر في ذلك كتاب عدة الأكياس ٢ / ٣٥٣.

٥١٠

الأقدام : فناج مسلّم ، ومخدوش مرسل ، ومكدوش في جهنم» (١). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «يمدّ الصراط فيكون أوّل من يمر به أنا وأمتى ، والملائكة بجنبتيه ، أكثر قولهم : سلّم سلّم ، وإنّ عليه لكلاليب وحسكا ، يقال لها : السّعدان ـ ينبت بنجد ـ ، وإنه لدحض مزلّة ، فيمرّون عليه كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل ، والرجال ، فناج مسلّم ، ومخدوش مكلم ، ومكدوش في النار» (٢). والأخبار في ذلك كثير.

الفصل الثالث عشر : الشفاعة

وذلك ظاهر عند علماء الأمة قال تعالى (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) [الإسراء : ٧٩] ، قيل : الشفاعة (٣). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال (٤) : «أنا أوّل شفيع» (٥). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «لكل نبيّ دعوة ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (٦). وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «أوّل من أشفع له من أمتي أهل بيتي ، ثم الأقرب فالأقرب ، ثم الأنصار ، ثم من آمن بي ، واتبعني من أهل اليمن ، ثم سائر العرب ، ثم الأعاجم» (٧). وعندنا أن شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تكون لأهل الكبائر المصرين عليها حتى يأتيهم الموت ، وإنما تكون لأهل الكبائر

__________________

(١) كنز العمال ١٤ / ٣٨٢.

(٢) مسلم ١ / ١٦٩ رقم ١٨٣ فقد ذكر ما يوافق ما ذكره الأمير حول الصراط.

(٣) تفسير الرازي ١١ / ٣٢.

(٤) في (ب) : أنه قال.

(٥) تيسير المطالب ص ٤٤٣. ومسلم ١ / ١٨٨.

(٦) تيسير المطالب ص ٤٤٣. والبخاري ٥ / ٢٣٢٣ رقم ٥٩٤٦. ومسلم ١ / ١٨٨ ، ١٨٩.

(٧) ظاهر القرآن أنه لا فرق بين الناس ، ولا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ، والأولوية لأكثر الناس عملا ، وعليه يحمل الحديث فإن أهل البيت المجاهدين الذين قدموا نفوسهم ونفيسهم في سبيل الله ، كذلك الأنصار وأهل اليمن الذين ناصروا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته.

٥١١

الذين تابوا وماتوا على التوبة ، ولمن استوت حسناته وسيئآته فيبقى غير مستحقّ للثواب ولا للعقاب ؛ فيشفع له ؛ ليرقى درجة أعلا من درجات الصبيان والمجانين ، ويرفع إلى منزلة عالية لم يكن لينالها إلا بالشفاعة. فأما العصاة المصرّون على معاصيهم حتى يأتيهم الموت على غير توبة فلا شفاعة لهم ، وتصديق ذلك قول الله سبحانه : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) [الأنبياء : ٢٨].

ومعلوم أنّ من مات مصرّا على الكبائر فإنه غير مرتضى عند الله تعالى ، وقوله تعالى : (ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ) [غافر : ١٨] ، والمصرّ على الكبيرة حتى مات عليها ظالم لنفسه ، قال تعالى : (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [الطلاق : ١] ، وقوله عزوجل : (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) [البقرة : ٢٧٠] ، وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كذّب بالشفاعة لم ينلها يوم القيامة» (١).

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رجال من أمتي لا تنالهم شفاعتي : ذو سلطان ظلوم غشوم ، ومارق من الدين خارج منه» (٢) ، فأما ما يحتجّ به المخالفون من قولهم ، في رواياتهم عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٣) ، فهو

__________________

(١) شمس الأخبار ٢ / ٣٨٨.

(٢) شمس الأخبار ٢ / ٣٨٧. والشافي ٣ / ٢٦٣.

(٣) والحديث الذي روي «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» مكذوب. وقد جزم بذلك الذهبي في ميزانه [١ / ٤٦٦] حيث قال في ترجمة صديق بن سعيد الصّوناخي التركي عن محمد بن بصير المروزي عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا : «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» هذا لم يروه هؤلاء قط ، لكن رواه عن صديق من يجهل حاله : أحمد بن عبد الله السرسي فما أدري من وضعه. رقم الترجمة ٣٨٢٨. ومع حكم الذهبي بوضعه ، ودلالة الحديث بمتنه وسنده على عدم صحته ؛ فقد ورد في كتب الحديث المشهورة كالترمذي ٤ / ٥٣٩. وأحمد بن حنبل ٤ / ١٣٢٢١. وسنن أبي داود ٥ / ١٠٦ رقم ٤٧٣٩. والحاكم في المستدرك ٢ / ٣٨٢ ، وقال : هذا حديث صحيح وعلى شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد خرجه غيره بنفس اللفظ ، وألفاظ أخرى متعددة.

٥١٢

__________________

والحديث الصحيح هو : «شفاعتي ليست لأهل الكبائر من أمتي» وقد روي عن الحسن البصري (مرسلا ، ومراسيله عن الإمام علي عليه‌السلام كما ذكره المزي في تهذيب الكمال ٦ / ١٢٤ حيث قال عن يونس بن عبيد ، قال : سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنك لم تدركه؟ قال : يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولو لا منزلتك منّي لما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى ـ وكان في عمل الحجاج ـ كل شيء سمعتني أقول : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو عن علي عليه‌السلام ، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا). والقول بالشفاعة للمجرمين من أهل الكبائر هدم للإسلام جملة وتفصيلا ، فافعل ما شئت ، فأنت على موعد مع الشفاعة أيّ كذب هذا؟.

وها أنا أسوق جملة من الأحاديث الشريفة تحرّم الشفاعة على كثير من مرتكبي الكبائر ؛ فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنة مدمن خمر ، ولا عاقّ ، ولا منان». رواه الطبراني في الأوسط ١ / ١٨ برقم ٢٣٣٥. وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ثلاث حرّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة مدمن خمر والعاق والديوث الذي يقرّ في أهله الخبيث». رواه أحمد ٢ / ٣٥١ رقم ٥٣٧٢. والنسائي ٥ / ٨٠ برقم ٢٥٦٢. وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر ، وقاطع رحم ، ومصدّق بالسحر» ، رواه أحمد ج ٧ رقم ١٩٥٨٦. وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا : الديوث ، والراجلة من النساء ، ومدمن الخمر» ، رواه الطبراني في الأوسط ٣ / ٥ رقم ٢٤٤٣. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة» ، أخرجه البخاري ٣ / ١١٥٤ برقم ٢٩٩٥. وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنة قاطع رحم». رواه الطبراني في الأوسط ٤ / ٣٢ برقم ٣٥٣٧. والطبراني في الكبير ص ٣٠٢ رقم ١٣١٨٠. وعن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه ، والديوث ، والمرأة المترجلة تشبه بالرجال ... إلخ». وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا» ... إلخ. رواه البخاري ٥ / ٢١٧٩ برقم ٥٤٤٢. ومسلم ١ / ١٠٣. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي : إمام ظلوم غشوم ، ومارق غال». رواه الطبراني في الأوسط ج ١ ص ٢٠٠ رقم ٦٤٠. وقال في مجمع الزوائد ٥ / ٢٣٥ : رجاله ثقات. وعن أبي بكر قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنة جسد غذّي من الحرام» ، رواه الطبراني في الأوسط ٦ / ١١٣ برقم ٥٩٦١. وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنة قتّات» ، والقتات : النمام. رواه الطبراني في الأوسط ٤ / ٢٧٨ رقم ٤١٩٢. وقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنة سيّئ الملكة ، ملعون من ضار مسلما ، أو غرّه». رواه الطبراني في الأوسط ٩ / ١٢٤

٥١٣

معارض لوجهين : أحدهما ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (١) ، يريد المصرّين عليها حتى الموت. فإن صحّ خبرهم ، فالمراد به التائبون قبل الموت. الوجه الثاني أنه معارض لأدلة معلومة نحو ما تقدم وما أشبهه ؛ فيجب سقوطه أو تأويله على ما ذكرناه. وبعد فإن هذا الخبر أكثر ما يمكن أن يقال : إنه من أخبار الآحاد وهي لا يحتجّ بها في مسألتنا هذه ، فإنّ طريقها الاعتقاد ، وإنما يؤخذ بها في باب الأعمال ، وهذا ظاهر عند علماء الرجال.

الفصل الرابع عشر : الجنة والنار

وهما معلومتان من الدّين ضرورة. ولنذكر طرفا من نعيم أهل الجنة فيها ، وعذاب أهل النار فيها ، ولنقتصر على بعض ما جاء في ذلك في القرآن دون ما عداه.

أما الجنة فحياتهم كما قال تعالى : (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [القارعة ٧]. وسعة الجنة وصفتها. قال تعالى : (عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد : ٢١]. فأما طولها فلا يعلمه إلا الله (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) [الإنسان : ١٣] ، ودورهم. قال تعالى : (وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) [التوبة : ٧٢] ، وقال : (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) [الرحمن : ٧٢] ، وقال

__________________

برقم ٩٣١٢. والقرآن الكريم حاسم في هذا الشأن. قال تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً) ، [الفرقان : ٦٨]. وقال سبحانه : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) ، [النساء : ١٤]. وقال تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، [الزلزلة : ٧ ، ٨]. فلما ذا لم يقل : ومن يعص الله يشفع له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!.

(١) الشافي ٤ / ٤٥ ، عن الحسن البصري.

٥١٤

في مجالسهم : (عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) [الواقعة : ١٥] ، وقال : (عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ) [الطور : ٢٠] وقال تعالى : في مأكلهم : (وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ) [فصلت : ٣١] وغير ذلك. وقال عزوجل في إدامهم : (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) [الواقعة : ٢١] ، وغير ذلك ، وقال سبحانه في بساتينهم : (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) [الرحمن : ٤٦] ، وقال : (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) [الرحمن : ٦٢] ، وقال في فواكههم : (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن : ٦٨] ، وقال : (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) [الرحمن : ٥٢] ، وقال : (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً) [الإنسان : ١٤] ، وقال في أنهارهم : (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) [محمد : ١٥] الآية. وقال في شرابهم : (وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً) [الإنسان ١٧] ، ونحو ذلك من الآيات نحو قوله تعالى : (كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً* عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً) [الإنسان : ١٧ ـ ١٨] ، وقوله : (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ* خِتامُهُ مِسْكٌ) [المطففين : ٢٥ ـ ٢٦] ، وقال في لباسهم : (وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) [الحج : ٢٣] ، وقال : (يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) [الكهف : ٣١] ، وقال : (عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) [الإنسان : ٢١]. وقال في حليهم : (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً) [فاطر : ٣٣] ، وقال تعالى : (وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان : ٢١] ، وقال في زوجاتهم : (وَحُورٌ عِينٌ* كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) [الواقعة : ٢٣] ، وقال : (عُرُباً أَتْراباً) [الواقعة : ٣٧] ، ونحو ذلك. وقال في زيارة الملائكة لهم وسلامهم عليهم : (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ)

٥١٥

[الرعد : ٢٣ ـ ٢٤]. وقال في سلام المؤمنين عليهم : (إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) [الواقعة : ٢٦]. وقال في سلام الله تعالى عليهم : (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس : ٥٨]. وقال في فرشهم : (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) [الواقعة : ٣٤] ، وقال : (مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن : ٥٤] ، وقال : (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) [الرحمن : ٧٦]. وقال في خدمهم : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) [الواقعة : ١٧] ، وقال : (غِلْمانٌ لَهُمْ) [الطور : ٢٤]. وقال في كيزانهم : (بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) [الواقعة : ١٨]. وقال في ظلهم : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) [الواقعة : ٣٠] ، وقال في من يسقيهم : (وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً) [الإنسان : ٢١] ، وقال في رفقائهم : (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ) [النساء : ٦٩] الآية. وقال : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) [الحجر : ٤٧]. وقال تعالى في مناظرتهم لأعدائهم في النار : (قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا) [الأعراف : ٤٤] الآية. وهذه شماتة. وقال في استهزائهم بأعدائهم : (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) [المطففين : ٣٤] ، وهذا مكافأة لهم بما كانوا يستهزءون بهم في الدنيا. وقال في مثل ذلك من الاستهزاء بهم والشماتة عليهم : (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) [الصافات : ٥٥] الآية. وقال في حمدهم لله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) [فاطر : ٣٤] الآية. وقال في دوام ثوابهم أبد الآبدين : (أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها) [الرعد : ٣٥] ، وقال تعالى : (لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) [الواقعة : ٣٣] ، وقال : (خالِدِينَ فِيها أَبَداً) [البينة : ٨] ، وقال تعالى : (لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) [الحجر : ٤٨]. وذلك معلوم ضرورة

٥١٦

من الدين. والكلام في وصف الجنّة ونعيم أهلها فيها ، مذكور بكماله في آيات كثيرة من القرآن لم نتمكن من إيراد كلّها لما قصدناه من الاختصار ، فمن رام استقصاء ذلك ، فليتأمل كتاب الله سبحانه. فأما الآثار في هذا المعنى فكثيرة (١) أعرضنا عنها للاختصار.

أما النار فهي أيضا معلومة من دين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضرورة ، وكذلك المعلوم ضرورة دخول من مات كافرا مصرا على كفره في نار جهنم وخلوده فيها ، وأنه لا يخرج منها أبدا. هذا كله معلوم ضرورة لا خلاف فيه. وإنما الخلاف في فسّاق أهل الصلاة ، هل يدخلون النار أو لا؟ ، وهل يخرجون منها بعد دخولهم فيها أو لا؟ ونحن نعتقد أنهم إذا ماتوا مصرّين على الكبائر دخلوا النار ، وأنهم لا يخرجون منها أبدا ، بل يخلّدون فيها كخلود الكفار سواء سواء. هذه هي عقيدتنا أهل البيت.

وهذا القول هو قول من عدا المرجئة. وذهبت المرجئة من اليهود (٢). وسائر فرق الإسلام إلى خلاف ذلك : فمنهم من جوّز أن يخرجوا من النار ، ومنهم من قطع على الدخول والخروج (٣). والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وبطلان ما ذهبوا إليه وجوه : منها أن العترة (ع) أجمعوا على دخول الفسّاق من أهل الصلاة النار ، وعلى خلودهم فيها أبدا. وإجماعهم حجة كما تقدم. ومنها

__________________

(١) في (ب) : فهي كثيرة.

(٢) يشير إلى قوله تعالى حكاية عنهم : (وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً).

(٣) رووا أحاديث غريبة تشبه السرد القصصي وتصوير الله سبحانه بصورة المخلوق يتجلى ويتغير ويكشف عن ساق ويضع قدمه في النار فتقول : قط قط قط ، وهذا لا يليق بالله أبدا. وإذا صحح المحدثون سند الحديث فليس باستطاعتهم تصحيح الغرابة والشذوذ في المتن. ينظر الأحاديث رقم «٧٠٠٠» وما بعده من صحيح البخاري.

٥١٧

الآيات العامة لهم وللكفار نحو قوله تعالى : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) [الجن : ٢٣] ، والفاسق عاص بالإجماع ، لا يطلق عليه اسم الإيمان لكونه اسم مدح. ولا خلاف أن الفاسق يستحق الذّمّ والتحقير وأنه لا يستحق الإجلال والتعظيم.

ومما يدل على أنه لا يطلق عليه اسم الإيمان قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) [المؤمنون : ١] إلى آخر الآيات التي أتى فيها على وصف المؤمنين. والفاسق لم تكمل فيه هذه الصفات. وكذلك قوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال : ٢] الآية. والفاسق ليس كذلك. وقوله تعالى : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) [الحجرات : ١٤]. لمّا لم يعملوا بالإيمان. وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الإيمان قول باللسان ، وعمل بالأركان ، ومعرفة بالقلب» (١). وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. الإيمان أكرم على الله من ذلك» (٢).

وإذا ليس بمؤمن دخل (٣) مع الكفار في وعيدهم ، وإنما خالف حكمه في الدنيا حكمهم في الدنيا (٤) ؛ لكون ذلك من باب التكاليف ، ونحو قوله

__________________

(١) أخرجه المرشد بالله في أماليه الخميسية ١ / ١٠ ، ٢٤. وابن ماجه ١ / ٢٦ رقم ٥٦ ، والخطيب في تاريخه ١ / ٢٢٥ ، عن علي عليه‌السلام ، وكنز العمال ١ / ٢٣.

(٢) أخرجه الكثير من المحدثين منهم البخاري ٢ / ٨٧٥ برقم ٢٣٤٢ ، ومسلم ١ / ٧٦ رقم ٥٧. وأبو داود ٥ / ٦٥ برقم ٤٦٨٩. والترمذي ٥ / ١٦ برقم ٢٦٢٥.

(٣) في (ب) : وإذ ليس بمؤمن من دخل.

(٤) «في الدنيا» محذوفة في (ب).

٥١٨

سبحانه : (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ* وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) [الانفطار : ١٤ ـ ١٦]. والاحتجاج فيه على نحو ما تقدم. وقوله تعالى : (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) [النساء : ١٤] والاحتجاج به كما تقدم. ومنها الأدلة (١) الخاصة لفساق أهل الصلاة ، وذلك في الكتاب وفي السنة.

أما الكتاب فقوله سبحانه : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) [النساء : ٩٣] ، وهذا نصّ على خلود القاتل في النار ، وهو غرضنا وقوله تعالى : (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) [الفرقان : ٦٨ ـ ٦٩]. فدلّ ذلك على خلود العصاة من أهل الصلاة ، وذلك يقضي بصحة مذهبنا ، ونحو ذلك من الآيات إذا تأمله المتأمل.

وأما السنة فكثير : نحو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال حبّة من كبر» (٢) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنّة خمسة : مؤمن بسحر ، ومدمن خمر ، وقاطع رحم ، ولا كاهن ، ولا منّان» (٣) ونحو ذلك في الأخبار كثير (٤) وإذا لم (٥) يدخلوا الجنة دخلوا النار ؛ لأنه لا دار إلا الجنة أو النار (٦).

__________________

(١) في (ب) : الدلالة.

(٢) أخرجه مسلم ١. ٩٣ رقم ٩١. والحاكم ١ / ٢٦. وابن ماجة ١ / ٢٣ رقم ٥٩. وأبو داود ٤ / ٣٥٠ برقم ٤٠٩١. والترمذي ٤ / ٣١٧ رقم ١٩٩٩.

(٣) مجمع الزوائد ٥ / ٧٤. ومسند أحمد رقم ١١١٠٧ ، ١١٧٨١.

(٤) مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» ، مسلم ١ / ٦٨ ، «ولا يدخل الجنة نمام» مسلم ١ / ١٠١ ، ولا مجال للحصر.

(٥) في (ب) : وإذ لم.

(٦) في (ب) : والنار.

٥١٩

تصديق ذلك قوله تعالى : (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى : ٧] ، ومما يدل على دخول الفساق من أهل الصلاة النار وخلودهم فيها من السنة قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنّم خالدا فيها مخلدا فيها أبدا ، ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» (١). والأخبار في ذلك مما يطول ذكرها والغرض التنبيه. وأما وصف عذاب أهل النار فهو في كتاب الله تعالى مذكور ، ونحن نشير إلى بعضه ؛ فالغرض الاختصار ، قال تعالى في مكانهم : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ* لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [الزخرف : ٧٤ ـ ٧٥] ، وقال تعالى : (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) [الصافات : ٢٣]. وقال تعالى في بيوتهم : (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) [الأعراف : ٤١] ، وقال : (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر : ١٦] ، وقال تعالى في طعامهم : (لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ* لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) [الغاشية : ٦ ـ ٧] ، وقال : (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) [الدخان : ٤٣ ـ ٤٦] ، وقال تعالى : (وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) [الحاقة : ٣٦]. وقال في مياههم : (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ) [الكهف : ٢٩] ، وقال تعالى : (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ) [إبراهيم : ١٧] ، وقال تعالى في ثيابهم :

__________________

(١) البخاري ٥ / ص ٢١٧٩ رقم ٥٤٤٢ في باب شرب السم والدواء به. بلفظ : «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا». والترمذي / ٤ / ص ٣٣٨ رقم ٢٠٤٤. ومسلم / ١ / ص ١٠٣ رقم ١٠٩

٥٢٠