🚘

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

المؤلف:

السيد الأمير الحسين بن بدر الدين


المحقق: د. المرتضى بن زيد المحطوري الحسني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مكتبة بدر للطباعة والنشر والتوزيع
🚘 نسخة غير مصححة

صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» (١) ؛ فلمّا استثنى النبوة عرفنا أنه لو لم يستثنها لدخلت في غرضه بالخطاب ؛ فدل على أنه دخل في غرضه كلّ ما عداها. ومن جملة ذلك ملك التصرف على الأمة ؛ فإنه لا خلاف بين الأمة في (٢) أن هارون لو بقي بعد موسى لكان هو المالك للتصرف على أمته ، فيجب ثبوت ذلك لعلي عليه‌السلام وذلك هو معنى الإمامة ، فإنا لا نعنى بقولنا : فلان إمام إلّا أنه يملك التصرف على الكافّة ، كما تقدم في أمور مخصوصة ، وتنفيذ أحكام معلومة ، وهذا واضح.

وجه ثالث : مما يدل على إمامته عليه‌السلام وهو أنّ خبر المنزلة وخبر الغدير جميعا يدل كل واحد منهما على ثبوت عصمته (٣) ، والقطع على مغيّبه ، (٤) ووجوب موالاته ، وتحريم معاداته ، وكونه أفضل الأمّة بعد رسولها صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فلهذا قلنا : إن عليّا عليه‌السلام أولى بالإمامة من سائر الصحابة (رض) لوجهين : أحدهما : أنه أفضل الصحابة بمقتضى هذين الخبرين ؛ ولخبر الطير (٥). والإمامة لا تكون (٦) إلا للأفضل ؛ لإجماع الصحابة (رض) على ذلك

__________________

(١) ورد بألفاظ كثيرة. فينظر الأحكام ١ / ٣٨ للهادي. والأمالي الصغرى ص ١٠٤. والبخاري ٣ / ١٣٥٩ رقم ٣٥٠٣ ، ورقم ٤١٥٤. ومسلم ٤ / ١٨٧٠ رقم ٢٤٠٤. والطبراني في الأوسط ٣ / ١٣٨ برقم ٢٧٢٨. ٥ / ٢٨٧ برقم ٥٣٣٥ ، وغيرها. والترمذي ٥ / ٥٩٩ برقم ٣٧٣٠ ـ ٣٧٣١. وأحمد بن حنبل ١ / ٣٩١ رقم ١٦٠٨ ، ١٠ / ٤١٢ رقم ٢٧٥٣٧. وهو متواتر.

(٢) في (ب) : بدون في.

(٣) أي إيمانه وصلاحه في الباطن مثل الظاهر. وهذا هو معنى العصمة.

(٤) في بعض النسخ على تعيينه.

(٥) سيأتي تخريجه في موضعه.

(٦) في (ب) لا تصح.

٣٤١

وإجماعهم حجة. الوجه الثاني : أنه قد ثبت بمقتضى هذين الخبرين وجوب عصمته ، ووجوب موالاته ، وتحريم معاداته ، والقطع على مغيّبه ؛ فوجب أن يكون أولى بالإمامة ؛ لأن الإسلام والعدالة معتبران في الإمامة بالإجماع ، وهما معلومان فيمن ثبتت عصمته دون من لم تثبت عصمته ، فلا يجوز العدول عمن علم إسلامه إلى من لم يعلم ذلك من حاله ، كما لا يجوز العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص ، أو الإجماع (١) المعلوم ، فوجب أن يكون أحقّ الخلق بالتصرف في الأمة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ومما يدل على أنه أفضل الصحابة طرّا (٢) قول الله سبحانه وتعالى : (وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) [النساء : ٩٥] ، وظاهره يقتضي تفضيله عليهم ؛ إذ المعلوم من حاله أن عناه (٣) في الجهاد كان أعظم من عنايتهم (٤) جميعا ، ولا خلاف أنّ الخلفاء الأربعة أفضل من غيرهم ، إلّا أنّ المعلوم أن غنا أمير المؤمنين لم يكن كغنائهم (٥) ، ولا كان جهادهم كجهاده ، ولا تأثير أبي بكر وعمر كتأثيره في الإسلام ، وكيف ومقاماته في المواقف مشهورة ، وقصة من قتله من الصناديد مذكورة ، نحو قتله

__________________

(١) في (ب) : أو الإيماء ، ولعله يريد إيماء النص. مثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عليك الكفارة» ، جوابا لمن قال : جامعت أهلي في نهار رمضان ؛ فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقل : من جامع في رمضان عليه الكفارة ؛ لكن النص يؤدي إلى هذا المعنى قطعا.

(٢) في (ب) و (ج) : بدون طرّا.

(٣) تعليقة في الأصل : عنايته. ظ.

(٤) في (ب) : من عنايهم ، وكأنها من عنائهم بالهمز.

(٥) في (ب) عنا .. كعنائهم. وفي هامشها الأولى أن عناءهم لم يكن مثل عنائه كما قال في الجهاد فتأمل.

٣٤٢

للفضفاض (١) ، وقتله لمرحب ، وغيرهما من صناديد العرب. ولم يرو مثل ذلك لغيره. فمن ادعى خلاف ذلك فقد كابر ؛ ولأن الناس اختلفوا في التفضيل : فمنهم من فضّل أبا بكر على الجميع ، ومنهم من فضّل عليا على الجميع ، ومنهم من توقف.

والذي يدل على أنه أفضل من أبي بكر وجوه : منها : إجماع الصحابة ؛ فإن أبا بكر قال على المنبر : ولّيتكم ولست بخيركم (٢) ، ولم ينكر عليه منكر ولا ردّ عليه رادّ. ولا شبهة أنّ غير أمير المؤمنين عليه‌السلام من العشرة ليس بأفضل من أبي بكر ؛ فلم يبق إلّا أن عليا عليه‌السلام خير منه. ولا يصح أن يقال : خيرهم نسبا ؛ (٣) لأنه تخصيص من غير دليل. ولا يصح أن يقال : إنه أراد بذلك التواضع وطريقة تبكيت النفس ، وذلك لأن (٤) هذه الأحوال لا توجب إباحة الكذب. ولا يصح أن يقال : إن المراد النّفع ؛ لأنّ الخير في عرف الشرع يراد به الفضل ، فلا يعدل عن الحقيقة لغير دلالة.

ومنها : ما روي أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهدي (٥) إليه طير مشويّ فقال : «اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطّير» ؛ فاقبل علي عليه‌السلام وأكل

__________________

(١) لم نجد هذا الاسم ضمن من قتلهم الإمام علي ، إلا إذا كان من ألقاب عمرو بن ود العامري فالله أعلم.

(٢) ابن سعد في الطبقات ٣ / ١٨٢. والعقد الفريد ٤ / ٥٩ ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ٢ / ٦٢٥.

(٣) يعنى قول أبي بكر : لست بخيركم في النّسب ؛ لأن نفي الخيرية عن النسب دون غيره تخصيص بغير دليل.

(٤) في (ب) وذلك أنّ.

(٥) في (ب) : ما روي عن النبي (ص) أنه أهدي إليه.

٣٤٣

معه (١) ... الخبر بطوله. وهذا الخبر مما احتج به أمير المؤمنين عليه‌السلام يوم الشورى بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه منهم منكر. وقوله : أحبّ خلقك إليك المراد به أعظمهم ثوابا ، وأكرمهم وهو الأفضل. ولا يصح أن يقال : إنه يدخل فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأنه مستثنى بوجهين : أحدهما أنه لا يدخل في الخطاب إذ هو المخاطب. والثاني أنه مخصوص بدلالة الإجماع وغيره من الأدلة (٢).

ومنها : أن أمير المؤمنين عليه‌السلام جمع من (٣) خصال الفضل كلّها ؛ فاختص بها على وجوه لم يشاركه فيها أحد فمنها ما سبق به جملة الصحابة (رض) فلم يشاركوه فيه ، وهذا كالإيمان بالله ؛ فإنه أول من آمن ، ثم المؤازرة والمعاضدة له (٤) ، وتحمّل المشاقّ فيه قبل الهجرة ، في الشعب وغيره ، وعند الهجرة وبعدها في مقامات القتال ، وجهاده بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلمه بالأصول والفروع. ومن ذلك اختصاصه بجميع خصال الفضل مع تفرقها في غيره ، وتقدمه عليهم فيما شاركوه فيه (٥) ، كما قال الأول :

__________________

(١) أحمد ابن حنبل في فضائله ٢ / ٥٦٠. والعمدة لابن البطريق ص ٣٠٣ والشافي ج ٣ ص ١٤٦. والطبراني في الكبير ١ / ٢٥٣ رقم ٧٣٠. والأوسط ٢ / ٢٠٦ رقم ١٧٤٤. و ٦ / ٩٠ رقم ٥٨٨٦ ورقم ٦٥٦١. والخطيب ٣ / ١٧١. والحاكم ٣ / ١٣٠ ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذهبي في تأريخ الخلفاء ص ٦٣٣. ومجمع الزوائد ج ٩ ص ١٢٦. وذخائر العقبى ص ٦١. وابن المغازلي ص ٨٨ رقم ١٥٥ ، وينابيع المودة للقندوري ج ١ ص ٦٦. وقد روى أربعة وعشرون رجلا حديث النظر عن أنس منهم سعيد بن المسيب والسدس وإسماعيل وغيرهم.

(٢) في هامش الأصل : في العبارة تسامح : إذ الخطاب لله عزوجل : والصواب أنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خارج بقرينة إذ لا يريد ايتني بنفسي.

(٣) في (أ) : من. وبين تعليقه ظ. وفي (ب) : جمع خصال.

(٤) في (ب) : بحذف له.

(٥) في (ج) : بدون فيه.

٣٤٤

تجمع فيه ما تفرق في الورى

فمن لم يعدّده فإني معدّد

(١) وهذا أمر ظاهر. وإذا ثبت أنه أفضلهم كان أولى بالإمامة كما تقدم.

ومن جملة الأدلة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام إجماع العترة. وتحريره أن العترة (ع) أجمعوا على ذلك ، وإجماعهم حجة. وإنما قلنا : بأن أهل البيت (ع) أجمعوا على ذلك لما هو معلوم لنا وللعارفين أنه لا خلاف بينهم في أن الإمام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلا فصل هو أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وأن إمامته طريقها النص ـ وإن اختلفوا في كيفية النص. وإنما قلنا : بأن إجماعهم حجة لما يشهد له الكتاب والسنة :

أما الكتاب : فقوله سبحانه : (هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [الحج : ٧٨] ؛ فإن قيل : إنّ الآية خطاب لولد إبراهيم جميعا قلنا : لا خلاف في أن إجماع من عدا أولاد الحسن والحسين (ع) من اليهود وغيرهم من قريش وسائر ولد إبراهيم ليس بحجة ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك في أهل البيت (ع) ؛ إذ لو بطل ذلك فيهم مع بطلانه في غيرهم لخرج الخطاب عن الفائدة ، وهو خطاب حكيم لا يجوز ذلك فيه. وهذه الآية قد استدل بها الحسن بن علي (ع) على المنبر بمحضر جماعة الصحابة (رض) في وقته فأقروه على ذلك ولم ينكره عليه منهم منكر.

__________________

(١) وقول العلامة الأمير في التحفة العلوية :

كلّ ما للصّحب من مكرمة

فله السّبق تراه الأوّليّا

جمعت فيه وفيهم فرّقت

فلهذا فوقهم صار عليّا

٣٤٥

ووجه الاستدلال : بهذه الآية على أن إجماعهم حجة ظاهر ؛ فإن الله تعالى اختارهم له شهودا بقوله : (هُوَ اجْتَباكُمْ) ؛ فإنّ الاجتباء : هو الاختيار ، وهو لا يختار له شهداء إلا العدول الذين لا يجمعون على ضلالة ولا خطإ ولا يشهدون إلا بالحق ؛ لأنه لو اختار للشهادة من (١) ليس بعدل لكان ذلك قبيحا ، وقد أجمعوا على أن متابعتهم واجبة ، ومخالفتهم قبيحة ؛ فوجب أن يكون ذلك حقا ، وذلك هو معنى قولنا : إن إجماعهم حجة. وقد ذكرنا تحقيق هذه الدلالة في «كتاب الإرشاد إلى سوي الاعتقاد».

دليل آخر : ويدل على ذلك من (٢) الكتاب قول الله سبحانه : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) [الأحزاب : ٣٣]. ووجه الاستدلال : بهذه الآية أن الله تعالى أذهب عنهم الرجس المتعلق بالأفعال وهو رجس الذنوب (٣) ، وذلك يقتضي عصمة جماعتهم عن جميع الذنوب. وإذا (٤) ثبت ذلك وجب القضاء بأن ما أجمعوا عليه فهو حق لا باطل فيه ، وقد أجمعوا على أنّ متابعتهم واجبة ، ومخالفتهم محظورة ، فوجب أن يكون ذلك حقا ، وذلك هو معنى قولنا : إن إجماعهم حجة. وتحقيق هذه الدلالة مذكور في «كتاب الإرشاد» وفي كتابنا الموسوم ب «نظام درر الأقوال النبوية».

__________________

(١) في (ب) : من كان ليس.

(٢) في (ب) ، (ج) : من قبل.

(٣) فتح القدير ج ٤ ص ٢٧٨.

(٤) في (ب) : فإذا.

٣٤٦

وأما السنة فقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الخبر المشهور : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (١) ، ولا شبهة في كون هذا الخبر متواترا. ووجه الاستدلال به : أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمّننا من الضلال إذا تمسّكنا بعترته ، كما أمّننا من الضلال إذا تمسّكنا بالكتاب. وعترة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هم ولده وولد ولده.

والمراد بالتمسك بهم الاتّباع لهم والاقتداء بهم ، وقد ثبت أن المتمسك بالكتاب لا يضل فكذلك المتمسك بالعترة. وإذا ثبت ذلك وجب في إجماعهم أن يكون حجة. وتحقيق هذه الدلالة أنها مبنية على خمسة أصول قد حققناها في «كتاب النظام» ودللنا على كل أصل منها.

دليل ثان من السنة على أن إجماعهم حجة وهو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق

__________________

(١) رواه الإمام زيد بن علي عن آبائه في المجموع ص ٤٠٤. وعلي بن موسى الرضى عن آبائه في صحيفته ص ٤٦٤. ومسلم عن زيد بن أرقم ٤ / ١٨٧٣ رقم ٢٤٠٨ ، عن جابر. والترمذي عن جعفر بن محمد عن أبيه ٥ / ٦٢١ رقم ٣٧٨٦ ، وقال : حديث حسن غريب. وقال : وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد ، وقال : حسن غريب من هذا الوجه ، ورواه برقم ٣٧٨٨ عن زيد بن أرقم ، وقال : حسن غريب. والطبراني في الكبير عن زيد ٥ / ١٨٦ رقم ٥٤٠. ومسند أحمد عن أبي سعيد ٤ / ٣٠ رقم ١١٠٤. وج ٧ / ٨٤ رقم ١٩٣٣٢ عن زيد بن أرقم. وج ٨ / ١٣٨ رقم ٢١٦٣٤ عن زيد بن ثابت. وابن كثير في البداية النهاية ٥ / ٢٢٨. وقال : قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وهذا حديث صحيح.

٣٤٧

وهوى» (١). ولا شبهة في كون معناه (٢) متواترا.

ووجه الاستدلال به ظاهر فإنه لا شبهة أيضا في أنه لم ينج من أمة نوح عليه‌السلام سوى من ركب في السفينة ، فكذلك لا ينجو من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله إلا من تمسك بأهل بيته ، وإلا بطل التشبيه بسفينة نوح عليه‌السلام وذلك لا يجوز ؛ لأنه كلام نبيّ صادق لا يدين إلا بالحق ، ولا يخبر إلا بالصدق ، فثبت بذلك الكلام في المطلب الأول ، وهو في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وأما المطلب الثاني :

وهو في ذكر طرف يسير من فضائله ومناقبه ؛

فله فضائل كثيرة ، ومناقب شهيرة ، وهي مدونة في الكتب المشهورات (٣) ، كالصحاح وغيرها مما رواه المخالفون والمؤالفون ، وهي أكثر من أن نأتي على جميعها في كتابنا هذا ؛ فلنقصر على ذكر طرف يسير مما رواه المخالفون من فضائله عليه‌السلام ونضيفه إلى كتبهم ؛ لأنها كالشاهدة عليهم ، وشهادة الخصم لخصمه من أقوى الشهادات ؛ لأنها لا تحتاج إلى عدد ولا تفتقر إلى

__________________

(١) أخرجه الهادي في الأحكام ١ / ٤٠. والإمام علي بن موسى الرضى عن آبائه في صحيفته ص ٤٦٤ بلفظ : «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها زج في النار». والمرشد بالله في أماليه ١ / ١٥٢. وأبو طالب في أماليه ١٣٦. والحاكم ٢ / ٣٤٣ ، عن أبي حنش الكناني قال : سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ باب الكعبة : أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم ، ومن أنكر فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى» ، وقال : حديث صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه أيضا في ٣ / ١٥٠. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والطبراني في الأوسط ج ٥ برقم ٥٣٩٠. والكبير ٣ / ٤٥ برقم ٢٦٣٦. والبزار ٢ / ٣٣٤ رقم ١٩٦٧ من مختصر زوائده لابن حجر.

(٢) في (ب) ، (ج) : معناها.

(٣) في (ب) ، (ج) : المشهورة.

٣٤٨

تعديل ، ولا تردّ يجرح ، ولا يقدح فيها الرجوع بعد ثبوتها.

وأما ما رواه آباؤنا الأئمة الأعلام عليهم أفضل الصلاة والسّلام ، أو رواه أتباعهم من علماء أهل الإسلام فهذا باب واسع ، ولو ذكرنا طرفا منه لخرجنا عن الغرض في هذا الكتاب ، ولدخلنا في الإسهاب والإطناب. فلنذكر طرفا مما رواه المخالفون فقط ، ونورد ذلك فضيلة فضيلة ونضيفها إلى الكتاب (١) المذكورة فيه. فنقول وبالله التوفيق إلى واضح الطريق :

فضيلة تبليغ سورة براءة

روينا بالإسناد الموثوق به أنّ سورة براءة لمّا نزلت في سنة تسع أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر إلى مكة ليحج بالناس ، ودفعها إليه ليقرأها عليهم ، فلما مضى بها أبو بكر وبلغ ذا الحليفة نزل جبريل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمره بدفع براءة إلى علي عليه‌السلام ليقرأها على الناس ، فخرج عليّ عليه‌السلام على ناقة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه ، فرجع أبو بكر وقال : يا رسول الله هل نزل فيّ شيء؟ قال : «لا ، ولكن لا يبلّغ عنّي غيري أو رجل مني. فسار أبو بكر مع علي عليه‌السلام ؛ فلما كان يوم النحر قام علي عليه‌السلام فأذّن في الناس وقرأ سورة براءة. وقيل : قرأها يوم عرفة ، وكان ينادي : لا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعهده إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فعهده أربعة أشهر. ولا تدخل (٢) الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك ؛ [فقالت قريش : نبرأ من عهدك وعهد ابن

__________________

(١) في (ب) ، (ج) : الكتب.

(٢) في (ب) ، (ج) : يدخل.

٣٤٩

عمك] (١). وهذا رويناه من كتاب التهذيب في التفسير (٢) ، ولم يكن صاحبه زيديّا في أوله بل كان معتزليّا ؛ فإذا منع الله ورسوله أبا بكر من تبليغ سورة براءة ، وجعلا ذلك مقصورا على علي عليه‌السلام ـ كيف تجوّز الأمة تقديمه على علي عليه‌السلام في الإمامة ، واختصاصه بالزعامة ، واتخاذه بالقيام بأمور الإسلام العامّة.

فضائل الرّاية والمنزلة والمباهلة

روينا بالإسناد الموثوق به إلى الإمام المنصور بالله عليه‌السلام ما رفعه بإسناده إلى عامر بن سعد أن معاوية بن أبي سفيان أمر إليه (٣) ما منعك من سب أبي تراب؟ فقال : أمّا ما ذكرت له ثلاثا ، قالهن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسبّه ؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ (٤) إلي من حمر النعم ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) ما بين المعقوفتين فيه نظر ؛ لأن قريشا قد أسلمت وعاملها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتكرم والصفح وكثير منهم حسن إسلامه ، ولا يصدر مثل هذا الكلام دون أن يؤدبهم الرسول ؛ لأنه نقض للعهد وردة ، والله أعلم.

(٢) التهذيب أهم مرجع استند إليه الزمخشري ، بل قيل : إن تفسير الكشاف منه. وهو تأليف العلامة : أبي سعيد محسن بن كرامة الحاكم الجشمي الزيدي ويقع في تسعة مجلدات ، فإنه يذكر الآيات جميعها أولا ، ثم اللغة ، ثم الإعراب وما يشكل في إعراب الآية ، يبين معاني الآية ، ثم الأحكام ويبين ما يستنبط من الأحكام الشرعية ، وعلى هذا جرى في القرآن جميعا. ويذكر ضمن المعنى أقوال المفسرين باختصار ، وهو ما زال مخطوطا لم ير النور. وهناك رسالة دكتوراه : الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير ؛ للدكتور عدنان زرزور.

(٣) لفظ الشافي ١ / ١٢٧ قال : عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : أمر معاوية سعدا فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب. وقد صلّحها في الأصل : أمر إلى أبيه. وفي هامش (ب) قال له.

(٤) أحبّ مرفوع خبر للمصدر المنسبك من أن وتكون أي كون واحدة لي أحبّ ، ولي خبر تكون ، وواحدة اسمها.

٣٥٠

يقول : وقد خلّفه في بعض مغازيه ، فقال علي : يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي». وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله» ؛ فتطاولنا (١) لها ، فقال : «ادعوا لي عليّا» فأتي به أرمد العين (٢) ؛ فبصق في عينيه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله على يديه.

ولمّا نزلت هذه الآية : (نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) [آل عمران : ٦١] دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين ، وقال : «اللهم هؤلاء أهل بيتي» (٣).

وهذه الفضائل الثلاث : خبر المنزلة ، وخبر الراية ، وخبر المباهلة مذكورة بهذا اللفظ من غير زيادة ولا نقصان في أول الجزء الرابع من صحيح مسلم من أوله في مناقب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهي مذكورة أيضا في صحيح البخاري بما معناه معنى ذلك (٤) ، وإن اختلف لفظه.

وذكر أيضا في صحيح مسلم في الجزء الرابع بإسناده إلى عمر بن الخطاب بعد قتل عامر (٥) أرسلني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى علي بن أبي طالب

__________________

(١) في (ب) : قال : فتطاولنا.

(٢) في (ب) : العينين. وفي الأصل رمد العين.

(٣) مسلم ٤ / ١٨٧١ في فضائل الإمام علي. والترمذي ٥ / ٥٩٦ رقم ٣٧٢٤. وأحمد بن حنبل ١ / ٣٩١ رقم ١٦٠٨. والنسائي في خصائصه ص ٣٢ رقم ٩. وص ٧٠ رقم ٧٢. والحاكم ٣ / ١٠٨.

(٤) البخاري أخرج حديث الراية في ج ٣ ص ١٣٥٧ برقم ٣٤٩٨ ، ٣٤٩٩ ، ص ١٣٥٨ رقم ٣٥٠٠. وحديث المنزلة في ج ٣ ص ١٣٥٩ رقم ٣٥١٣.

(٥) يعني بعامر : عامر بن الأكوع. صح هكذا في الأصل.

٣٥١

وهو أرمد وقال : «لأعطينّ الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله» ، قال : فأتيت عليا فجئت به أقوده فبصق في عينيه فبرأ وأعطاه (١) الراية. وخرج مرحب فقال :

قد علمت خيبر أنّي مرحب

شاكي السلاح بطل مجرّب

إذا الحروب أقبلت تلهّب

فقال علي عليه‌السلام :

أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره

كليث غابات كريه المنظرة

أو فيهم بالصاع كيل السّندره (٢)

قال : فضرب رأس مرحب فقتله ، ثم كان الفتح على يديه ، ثم ذكر أيضا هذا الخبر بطوله ، ورفعه باسناد آخر إلى عكرمة بن عمار ، ورفعه أيضا في هذا الكتاب إلى عبد الله بن عباس.

ومن تفسير القرآن للأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في معنى قوله : (وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) [الفتح : ٢٠] ، قال : وذلك في فتح خيبر (٣). ثم روى بإسناده ، قال : حاصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل خيبر حتى أصابتنا مخمصة شديدة [مجاعة] فأعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اللواء (٤) عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه ورجعوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجبّنه أصحابه ويجبّنهم ، وكان رسول

__________________

(١) في (ب) : فأعطاه.

(٢) مسلم ٣ / ١٤٤١. والنسائي في خصائصه ص ٣٧ رقم ١٤ ، ص ٤٨ رقم ١٥. والاستيعاب ٢ / ١١٢ ، في ترجمة عامر بن الأكوع. أحمد بن حنبل ٥ / ٥٥٦ رقم ١٦٥٣٨. وابن المغازلي في مناقبه ١٣٥.

(٣) العمدة لابن البطريق ص ١٩٨ وعزاه إلى الثعلبي.

(٤) في (ب) : الراية.

٣٥٢

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أخذته الشقيقة (١) فلم يخرج إلى الناس ، فأخذ أبو بكر راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم نهض يقاتل ، ثم رجع ، فأخذها عمر فقاتل ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : «أما والله لأعطيّن الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله يأخذها عنوة [قهرا] ، وليس ثمّ عليّ فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر ورجال من قريش ، رجا كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك ؛ فأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ابن الأكوع إلى علي فدعاه فجاءه على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو أرمد وقد عصب عينيه (٢) بشقة برد قطريّ ، قال سلمة [بن الأكوع] : فجئت به أقوده ، قال المنصور بالله عليه‌السلام : ولفظ هذا الحديث يدل على أن عمر قاده بعض المسافة ، وسلمة بن الأكوع بعضها ـ قال سلمة : فأتيت به إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مالك؟ قال : رمدت. قال : «ادن منّي» ، فدنا منه فتفل في عينيه ، فما شكا وجعهما بعد ، حتى مضى لسبيله ، ثم أعطاه الراية ؛ فنهض بالراية وعليه خلعة أرجوان حمراء ـ وقد أخرج كميها ـ فأتى مدينة خيبر ، فخرج (٣) مرحب وعليه مغفر مصفر ، وحجر قد نقبه مثل البيضة ، وهو يرتجز ، وهو يقول :

قد علمت خيبر أنّي مرحب

شاكي السلاح بطل مجرّب

أطعن أحيانا وحينا أضرب

إذا (٤) الحروب أقبلت تلهّب

كان حماي كالحمى لا يقرب

فبرز علي صلوات الله عليه ، وهو يقول :

__________________

(١) نوع من صداع يعرض في مقدّم الرأس ، وإلى أحد جانبيه. النهاية ٤ / ٢١٢.

(٢) في (ب) : عينه.

(٣) في (ب) : وخرج.

(٤) في (ب) و (ج) : إذ.

٣٥٣

أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره

كليث غابات شديد قسوره

أكليكم بالسيف كيل السندرة

فاختلفا ضربتين ، فبدره عليّ بضربته فقدّ الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى وقع السيف في الأضراس ، فأخذ المدينة وكان الفتح على يديه (١).

وقد رواه ابن المغازلي الفقيه الشافعي في مناقب علي عليه‌السلام بأسانيد كثيرة ، وطرق جمّة ، وذكر في بعضها أنّ أمّ علي عليه‌السلام فاطمة بنت أسد لمّا ولدته سمّته أسدا ، فلما قدم أبو طالب كره ذلك ، وسمّاه عليا ، فلما ارتجز علي عليه‌السلام ذكر ما سمّته به أمّه ، وحيدرة من أسماء الأسد ، وكذلك القسورة (٢). والسّندرة شجر (٣) يعمل منها القسيّ. قال المنصور بالله عليه‌السلام : يحتمل أن يكون يعمل منها مكاييل جائرة ، أو تكون السندرة امرأة تكيل كيلا وافيا فمثّل به ، وقد قيل : نشارة العيدان. وخبر الراية مذكور أيضا في صحيح الترمذي مثل هذا الخبر بطوله (٤). قال المنصور بالله عليه‌السلام : وقد قلت في ذلك أبياتا ؛ لأنّ راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ردّت مهزومة حتى كاد من لا بصيرة له ييأس من الفتح ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما قال في الخبر ، والأبيات هي هذه :

قد عرّفوا طرق التعريف لو عرفوا

لكنهم جهلوا ، والجهل ضرّار

ساروا برايته فاسترجعوا هربا

والخيل تعثر والأبطال فرّار

حتى إذا انسدّ وجه الفتح واختلجت

خواطر من بني الدنيا وأفكار

__________________

(١) ذكره الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة في الشافي ٣ / ١٩٨ ، وعزاه إلى الثعلبي في تفسيره. وابن البطريق في العمدة ص ١٩٨.

(٢) في (ب) : قسوة.

(٣) في (ب) : شجرة.

(٤) الترمذي ٥ / ٥٩٦ رقم ٣٧٢٤ في الحديث المروي عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : أمر معاوية ... إلخ ، فقال : ما منعني أن أسب أبا تراب ، فقال : أما ما ذكرت له ثلاثا ، قالهن رسول الله ... وذكر خبر الراية.

٣٥٤

نادى أبا حسن موفي مواعده

صبحا وقد شخصت في ذاك أبصار

فجاء كالليث يمشي خلف قائده

إذ كان في عينه ضرّ وعوّار

فمجّ فيها بريق طعمه عسل

وريحه المسك لم يفضضه عطّار

وقال : خذها وصمّم يا أبا حسن

فكان فتح وباقي الجيش صدّار (١)

فضيلة الوزارة

ذكرها ابن حنبل (٢) في مسنده ورفعه (٣) بإسناده إلى أسماء بنت عميس أنها قالت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول : اللهم إني أقول كما قال أخي موسى : اللهم اجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّا أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري ، كي نسبّحك كثيرا ، ونذكرك كثيرا ، إنك كنت بنا بصيرا.

فضيلة حديث العهد وغيره

مذكور في مناقب الفقيه ابن المغازلي الشافعي رفعه بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنه (٤) عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال : «أيها الناس من آذى عليا فقد آذاني ، وإنّ عليا أوّلكم إيمانا ، وأوفاكم بعهد الله. يا أيها الناس من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا» ، فقال جابر بن عبد الله

__________________

(١) ذكر هذه الأبيات حميد المحلي في الحدائق الوردية ٢ / ١٤٥ ، وعزاه إلى الإمام المنصور عبد الله بن حمزة في الرسالة النافعة بالأدلة القاطعة (خ). ديوان.

(٢) في (ب) ، (ج) : ذكر ابن حنبل. فضائل الصحابة ٢ / ٨٤٤ رقم ١١٥٩.

(٣) في (ب) : رفعه.

(٤) أوّله : قال : كنت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذا أقبل علي بن أبي طالب غضبان ، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أغضبك؟ قال : آذوني فيك بنو عمك! فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مغضبا فقال : يا أيها الناس. إلخ ص ٥٢ رقم ٧٦. قلت : قوله آذوني على لغة أكلوني البراغيث حيث جمع بين ضمير الجماعة ، ثم ذكر الفاعل وهو بنو. وجاء في المستدرك ج ٣ ص ١٢١ عن أم سلمة رضي الله عنها حين دخل عليها أبو عبد الله الجدلي ، ورواية أخرى شبيب بن ربعي : فقالت : أيسبّ رسول الله فيكم أو في ناديكم؟ فقالوا : معاذ الله .. قالت : فعلي بن أبي طالب : قالوا : إنا لنقول أشياء نريد عرض الدنيا. قالت : فإني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : «من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى».

٣٥٥

الأنصاري : يا رسول الله وإن شهد أن لا إله إلا الله وأنّك محمد رسول الله ، فقال : «يا جابر كلمة يحتجزون بها أن لا تسفك دماؤهم وأموالهم وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (١).

فصل : قال المنصور بالله عليه‌السلام : وقد تواترت الأخبار أنه عليه‌السلام أوّل الصحابة إيمانا كما ذكره في هذا الخبر. وصرّح في الخبر هذا أنّه أوفاهم بعهد الله ، فكان ذلك إشارة إلى أنه أولى بالامامة ؛ لأن الله سبحانه قد ذكرها بلفظ العهد في قوله تعالى لإبراهيم : (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة : ١٢٤] ؛ فجعل الإمامة عهدا ؛ فهو أوفى بأمانة الله. وتضمّن الخبر أنّ من آذى عليا فقد آذاه ، وقد ثبت أنّ أذاه [أي النبي] كفر بالإجماع. وقد صرّح في الخبر بأنه يحشر يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا ، ولا يحشر بهذه الصفة إلا المشركون ؛ فما ظنّك بمن حاربه وأجرى سبّه على المنابر وفي محاريب المساجد ما يكون اسمه غدا عند الله تعالى بعد خبر الصادق المصدوق؟!.

فضيلة حديث الإمارة

رواه ابن المغازلي الشافعي بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم الحديبية وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب عليه‌السلام : هذا أمير البررة ، وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله» (٢).

__________________

(١) أي إنّ الشهادتين مع أذية علي لا تمنع الموذين إلا من سفك الدماء وأخذ الأموال وإعطاء الجزية ، وما عدا ذلك لا تنفع في شيء كالمنافق ، ويشهد لذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» المناقب لمحمد بن سليمان الكوفي ١ / ٥٤٨ رقم ٤٨٩.

(٢) المناقب ص ٧٢ رقم ١٢٥. والحاكم في المستدرك ٣ / ١٢٩ ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والخطيب في تاريخه ٤ / ٢١٩. والطبرسي ٣ / ٣٦١.

٣٥٦

فضيلة حديث باب مدينة العلم

ذكر ابن المغازلي بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : وقد مدّ صوته : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها ؛ فمن أراد العلم فليأت الباب» (١).

فصل : وقد نهى الله تعالى عن إتيان البيوت من ظهورها ، وأمر بإتيانها من أبوابها ، فأفاد ذلك أنّ المتّصل بالرسول من غير علي أمير المؤمنين قد أتى البيوت من حيث نهي عن إتيانها ، وذلك إشارة إلى أنه الامام بلا فصل.

فضيلة حديث قل هو الله أحد

رواه ابن المغازلي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنما مثل علي في هذه الأمة مثل قل هو الله أحد» (٢).

فصل : فشبّهه بقل هو الله أحد ، وهي سورة الإخلاص ؛ فإذن الاخلاص بودّه. وفيها معنى التوحيد ولفظه ؛ فكانت الامامة له وحده دون غيره ، وفيها معنى الصّمد ، وهو يفيد معنى الإمامة ؛ لأن الصّمد هو السيد المطاع. قال الشاعر :

__________________

(١) المناقب ص ٧١ ـ ٧٣ ، رقم ١٢٠ ـ ١٢٦. والحاكم في مستدركه ٣ / ١٢٦. والخطيب في تاريخه ٤ / ٣٤٨ عن ابن عباس. ٧ / ١٧٣. ١١ / ٤٨. ٢ / ٣٧٧ عن جابر وقد سئل عنه يحيى بن معين ، فقال : صحيح ، كما ذكر ذلك الشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٣٤٩. والمحب الطبري في ذخائره ص ٧٧. والكنجي في كفايته ص ٢٢٠. وابن عبد البر في الاستيعاب. وقد ذكره الأميني في الغدير ٦ / ٦١ ، وما بعدها ، وذكره من مائة وثلاثة وأربعين مصدرا.

(٢) المناقب ص ٦٢ رقم ١٠٠.

٣٥٧

علوته بحسام ثم قلت له

خذها إليك فأنت السيد الصمد

وقال آخر :

ألا بكّر الناعي بخير بني أسدّ

بعمر بن مسعود وبالسيد الصمد

فضيلة حديث الولاية

وهو مذكور في كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي (١) ، ذكره في قافية الواو ، ورفعه باسناده إلى أبي سعيد الخدري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) [الصافات : ٢٤] عن ولاية علي بن أبي طالب (٢).

فضيلة حديث مصاحبة الحق له

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اللهم أدر الحقّ مع عليّ حيث دار» (٣) ، وهذا الخبر معناه يقرب أن يكون متواترا (٤) ؛ فلهذا لا يحتاج فيه إلى ذكر إسناد ، ولا إضافة إلى كتاب ؛ لأنها قد وردت أخبار كثيرة في هذا المعنى ، ونحن نورد طرفا منها بعون الله. قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عليّ مع الحق ، والحقّ معه» (٥). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : «إن

__________________

(١) مسند الفردوس هو تأليف شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمذاني محدث ومؤرخ توفي سنة ٥٠٩. ومن مؤلفاته تاريخ همذان ، وفردوس الأخبار وقد أخرجه ابنه شهراد ، والأنس لعقلاء الإنس في معرفة أحوال النبي وتاريخ الخلفاء بعده والكتاب لم يتيسر لنا. ينظر معجم المؤلفين ١ / ٨٢٠ ـ ٨٢٣.

(٢) أخرجه المرشد بالله ١ / ١٤٤. والحافظ محمد بن سليمان الكوفي في المناقب ١ / ١٥٦ رقم ٧٥. وشواهد التنزيل ٢ / ١٠٦. وتفسير فرات الكوفي ص ٣٥٥. ومجمع البيان ج ٨ ص ٣٠١. والماوردي ج ٥ ص ٤٤.

(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ٢٤ ، وقال : حديث صحيح. والترمذي ج ٥ ص ٥٩١ برقم ٣٧١٤.

(٤) كأن المؤلف رحمه‌الله يريد تواتر المعنى.

(٥) أخرجه ابن المغازلي في المناقب ص ٩١ ، والشافي ج ٣ ص ١٥٨.

٣٥٨

الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك» (١). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله في علي عليه‌السلام : «إنّه يؤدّي عنّي ولا يؤدّي عنّي غيره». وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعلي عليه‌السلام : «إنّك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» (٢). وقال : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» (٣). وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ستكون من بعدي فتن ؛ فإذا كان كذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب ؛ فإنه أوّل من يراني يوم القيامة ، وأوّل من يصافحني. وهو الصّدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمّة ، وهو يعسوب المؤمنين» (٤) ، إلى غير ذلك. ولا يجوز أن تشتهر هذه الأخبار إلا وفي جملتها ما هو صحيح ، ويجري الكلام في ذلك مجرى العلم بشجاعة عنترة وكرم حاتم ، فإن ذلك اشتهر بأخبار الآحاد الكثيرة ، فقطعنا على أنه لا بد أن يكون في جملتها ما هو صحيح ؛ والعلة الرابطة بين ذلك تطابق الأخبار من جهة الآحاد على معنى واحد ؛ فوجب كون ذلك المعنى صحيحا ، ويقرب أن يكون متواترا. وإذا ثبت ذلك وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال : «اللهم أدر الحقّ مع علي حيث دار» ؛ فقد علمنا إجابة دعوته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ومن قول علي عليه‌السلام ـ أنه الامام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل ؛ فيجب أن يكون ذلك حقّا ؛ فلا يجوز تعدّيه إلى غيره ، وهذا الخبر

__________________

(١) الاستيعاب ج ٣ ص ٢٠٤. والذهبي في تأريخ الخلفاء ص ٦٣٧. وطبقات ابن سعد ج ٢ ص ٣٣٧. وأحمد بن حنبل ج ١ ص ١٨٢. رقم ٦٣٦ ، والحاكم ج ٣ ص ١٣٥ بلفظ مقارب ، والترمذي ج ٥ ص ٥٩٤ بلفظ مقارب.

(٢) كتاب الشافي ج ٣ ص ١٥٧. والذهبي ص ٦٤٢ عهد الخلفاء ، والبداية والنهاية ج ٦ ص ٢٤٣ ، ودلائل النبوة ص ٤٣٦.

(٣) سبق تخريجه. والشافي ج ٣ ص ١٥٨. والمصنف لابن أبي شيبة ج ٦ ص ٣٦٦. رقم ٣٢٠٧١.

(٤) أخرجه الكنجي في كفاية الطالب ص ١٨٧. والمعجم الكبير للطبراني ج ٦ ص ٢٦٩ رقم ٦١٨٥ ، ومختصر مسند البزار ج ٢ ص ٣٠١ رقم ١٨٩٨. ومجمع الزوائد ج ٩ ص ١٠٢.

٣٥٩

قد رواه ابن المغازلي أيضا (١). ومما رواه أيضا فضيلة حديث الجواز ، وهو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يدخل الجنّة إلا من جاء بجواز من علي بن أبي طالب» (٢).

فصل : وإذا كان هذا هكذا كان تقديمه واجبا ، واعتقاد ولايته على هذه الأمة بعد رسولها فرضا لازبا (٣).

ومما رواه أيضا فضيلة حديث الوالد ، وهو قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّما مثل عليّ في هذه الأمّة مثل الوالد» (٤).

فصل : وحق الوالد عظيم قال تعالى : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [الإسراء : ٢٣] ، وقال تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) [العنكبوت : ٨](إِحْساناً) [الأحقاف : ١٥] وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رضى الرّبّ في رضا الوالدين ، وسخط الربّ في سخط الوالدين» (٥) ؛ فاقتضى ذلك أن طاعة علي عليه‌السلام واجبة على جميع الصحابة (رض).

فضيلة المباهلة :

في قوله تعالى : (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) [آل عمران : ٦١] ، أطبق أهل النقل كافة مع اختلاف أغراضهم واعتقاداتهم ، وأجمع عليه المخالف في إمامته والمؤالف ، وإذا كان كذلك فلنذكر اللفظ الذي رواه المخالفون ليكون ألزم للحجة ، وهو ما ذكره الثعلبي ؛ فإنه روى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج محتضنا للحسين ، وآخذا بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي

__________________

(١) ص ٩١ رقم ١٥٤.

(٢) ص ٩٣ رقم ١٥٦ ، وتأريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٥٧.

(٣) في (ب) : لازما.

(٤) المناقب ٤٩ رقم ٧٠ بلفظ : «حق عليّ على المسلمين كحق الوالد على ولده».

(٥) الترمذي ٤ / ٢٧٤ رقم ١٨٩٩. والحاكم في المستدرك ٤ / ١٥٢.

٣٦٠