🚘

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨
🚘 نسخة غير مصححة

والوجه الآخر إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة ؛ كقوله تعالى : (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) ؛ والمعنى الجامع بين المشبّه والمشبّه به الانتفاع بالصورة.

ومن هذا قوله تعالى : (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ) ... إلى قوله : (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) ؛ هو بيان ما جرت به العادة إلى ما لم تجربه. والمعنى الذى يجمع الأمرين الزينة والبهجة ، ثم الهلاك ، وفيه العبرة لمن اعتبر ، والموعظة لمن تذكّر.

ومنه قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) ، فاجتمع الأمران فى قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوّف من تعجيل العقوبة.

ومن هذا قوله تعالى : (فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ). والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر ، وفيه الدّلالة على عظم الشّأن ؛ ونفوذ السلطان.

ومنه قوله تعالى : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) ... إلى قوله عزوجل : (ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) ؛ والجامع بين الأمرين الإعجاب ، ثم سرعة الانقلاب ؛ وفيه الاحتقار للدّنيا والتّحذير من الاغترار بها.

والوجه الثالث : إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها ؛ فمن هذا قوله عزوجل : (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) ، قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها ؛ والجامع بين الأمرين العظم ؛ والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصّفة.

ومثله قوله سبحانه : (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) ، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول ؛ والفائدة فيه الترغيب فى تحفّظ العلوم ، وترك الاتكال على الرّواية دون الدّراية.

(١٦ ـ الصناعتين)

٢٤١

ومنه قوله تعالى : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) ؛ والجامع بين الأمرين خلوّ الأجساد من الأرواح ؛ والفائدة الحثّ على احتقار ما يؤول به الحال.

وهكذا قوله سبحانه : (كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً) ؛ فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد ؛ والفائدة التحذير من حمل النفس على التغرير بالعمل على غير أس.

والوجه الرابع : إخراج ما لا قوّة له فى الصفة على ما له قوة فيها ؛ كقوله عزوجل : (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) ؛ والجامع بين الأمرين العظم ، والفائدة البيان عن القدرة فى تسخير الأجسام العظام فى أعظم ما يكون من الماء.

وعلى هذا الوجه يجرى أكثر تشبيهات القرآن ، وهى الغاية فى الجودة ، والنهاية فى الحسن.

وقد جاء فى أشعار المحدثين تشبيه ما يرى العيان بما ينال بالفكر ، وهو رديء ، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدّقة ، وهو مثل قول الشاعر (١) :

وكنت أعزّ عزّا من قنوع

يعوّضه صفوح من ملول (٢)

فصرت أذلّ من معنى دقيق

به فقر إلى فهم (٣) جليل

وكقول الآخر :

وندمان سقيت الرّاح صرفا

وأفق اللّيل مرتفع السّجوف

صفت وصفت زجاجتها عليها

كمعنى دقّ فى ذهن لطيف

فأخرج ما تقع عليه الحاسّة إلى ما لا تقع عليه ، وما يعرف بالعيان إلى ما يعرف بالفكر ، ومثله كثير فى أشعارهم.

__________________

(١) ديوان أبى تمام : ٥٠٣.

(٢) فى الديوان : صفوح عن جهول.

(٣) فى الديوان : إلى معنى.

٢٤٢

وأما الطريقة المسلوكة فى التشبيه ، والنّهج القاصد فى التمثيل عند القدماء والمحدثين فتشبيه الجواد بالبحر والمطر ، والشجاع بالأسد ، والحسن بالشمس والقمر ، والسهم الماضى بالسيف ، والعالى الرّتبة بالنّجم ، والحليم الرزين بالجبل ، والحيى بالبكر ، والفائت بالحلم ؛ ثم تشبيه اللئيم بالكلب ، والجبان بالصّفرد (١) ، والطائش بالفراش ، والذّليل بالنّقد (٢) والنّعل والفقع (٣) والوتد ؛ والقاسى بالحديد والصّخر ، والبليد بالجماد ؛ وشهر قوم بخصال محمودة ؛ فصاروا فيها أعلاما فجروا مجرى ما قدّمناه ؛ كالسموأل فى الوفاء ، وحاتم فى السخاء ، والأحنف فى الحلم ، وسبحان فى البلاغة ، وقسّ فى الخطابة ، ولقمان فى الحكمة. وشهر آخرون بأضداد هذه الخصال ؛ فشبّه بهم فى حال الذم كباقل فى العىّ (٤) ، وهبنقّة فى الحمق ، والكسعىّ فى النّدامة ، والمنزوف ضرطا فى الجبن ، ومادر فى البخل.

الطريقة المسلوكة فى التشبيه

والتشبيه يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا ؛ ولهذا ما أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه ، ولم يستغن أحد منهم عنه.

وقد جاء عن القدماء وأهل الجاهلية من كلّ جيل ما يستدلّ به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكلّ لسان. فمن ذلك ما قال صاحب كليلة ودمنة : الدنيا كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا. وقال : صحبة الأشرار تورث الشرّ كالريح إذا مرّت على المنتن حملت نتنا ، وإذا مرّت على الطيب حملت طيبا. وقال : من لا يشكر له كان كمن نثر بذره فى السّباخ ، ومن أشار على معجب كان كمن سارّ الأصم. وقد نظمت هذا المعنى. فقلت :

ألا إنّما النعمى تجازى بمثلها

إذا كان مسداها إلى ماجد حرّ

__________________

(١) الصفرد : طائر جبان.

(٢) جنس من الغنم قبيح الشكل.

(٣) الفقع ، بفتح الفاء وتكسر : البيضاء الرخوة من الكمأة. قال فى اللسان : يقال للذليل : هو أذل من فقع بقرقرة ، لأنه لا يمتنع على من اجتناه أو لأنه يوطأ بالأرجل.

(٤) باقل : اسم رجل يضرب به المثل فى العى.

٢٤٣

فأمّا إذا كانت إلى غير ماجد

فقد ذهبت فى غير أجر ولا شكر

إذا المرء ألقى فى السّباخ بذوره

أضاع فلم ترجع بزرع ولا بذر

وقال : لا يخفى فضل ذى العلم وإن أخفاه كالمسك يخبأ ويستر ، ثم لا يمنع ذلك رائحته أن تفوح. أخذه الصاحب فكتب : فأنت ـ أدام الله عزّك ـ وإن طويت عنّا خبرك ، وجعلت وطنك وطرك ، فأنباؤك تأتينا ، كما وشى بالمسك ريّاه ، ونمّ على الصباح محيّاه.

وقال أيضا : الرجل ذو المروءة يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان رابضا ، والرجل الذى لا مروءة له يهان وإن كان غنيا كالكلب يهون على الناس وإن عسّ وطوّف.

وقال : المودّة بين الصالحين سريع اتصالها بطىء انقطاعها كآنية الذهب التى هى بطيئة الانكسار هيّنة الإعادة ؛ والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بطىء اتصالها كآنية الفخّار يكسرها أدنى شيء ، ولا وصل لها.

وقال : لا يردّ بأس العدوّ القوىّ بمثل التذلّل له ، كما أنّ العشب إنما يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها.

وقال : لا يحبّ للمذنب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف عنه ، كالشيء المنتن كلما أثير ازداد نتنا.

وقال أيضا : من صنع معروفا لعاجل الجزاء فهو كملقى الحبّ للطير لا لينفعها بل ليصيدها به.

وقال أيضا : المال إذا كان له مدد يجتمع منه ولم يصرف فى الحقوق أسرع إليه الهلاك من كل وجه ، كالماء إذا اجتمع فى موضع ولم يكن له طريق إلى النفوذ تفجّر من جوانبه فضاع.

وقال أيضا : الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرا ، كالنهار يزيد البصير بصرا ويزيد الخفّاش سوء بصر.

٢٤٤

وقد أحسن فى هذا المعنى جعفر بن محمد رضى الله عنهما ، فقال : الأدب عند الأحمق كالماء العذب فى أصول الحنظل كلما ازداد ريّا ازداد مرارة.

وقال صاحب كليلة ودمنة : الدنيا كدودة القزّ لا تزداد بالإبريسم (١) على نفسها لفّا إلّا ازدادت من الخروج بعدا.

وقال : إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم ، كالفيل إذا توحل لم يقلعه إلا الفيلة.

وقال الشاعر فى هذا المعنى :

وإذا الكريم كبت به أيامه

لم ينتعش إلّا بعطف كريم

وقال صاحب كليلة أيضا : يبقى الصالح من الرّجال صالحا حتى يصاحب فاسدا ؛ فإذا صاحبه فسد ، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر ، فإذا خالطته ملحت.

وقال بعض الحكماء : الدنيا كالمنجل استواؤها فى اعوجاجها.

والتشبيه بعد ذلك فى جميع الكلام يجرى على وجوه :

وجوه التشبيه

منها تشبيه الشىء بالشىء صورة ؛ مثل قول الله عزوجل : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ)(٢) الْقَدِيمِ. أخذه ابن الرومى ، فقال فى ذم الدهر (٣) :

تأتى على القمر السّارى نوائبه

حتى يرى ناحلا فى شخص عرجون

وأين يقع هذا من لفظ القرآن.

ومن ذلك قول امرئ القيس (٤) :

كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا

لدى وكرها العنّاب والحشف البالى (٥)

__________________

(١) الحرير.

(٢) العرجون : العذق عامة ، وقيل : لا يكون عرجونا إلا إذا يبس واعوج.

(٣) ديوانه : ٢٥.

(٤) ديوانه : ٦٤.

(٥) الحشف : أردأ التمر أو الضعيف لا نوى له أو اليابس الفاسد.

٢٤٥

وقوله أيضا (١) :

كأنّ عيون الوحش حول خبائنا

وأرحلنا الجزع (٢) الذى لم يثقّب

وقول عدى بن الرقاع (٣) :

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه

قلم أصاب من الدّواة مدادها (٤)

ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا ؛ كقول الله عزوجل : (كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ). وقوله تعالى : (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ). وكقول حميد ابن ثور :

والليل قد ظهرت نحيزته (٥)

والشمس فى صفراء كالورس

وكقول الآخر :

قوم رباط الخيل وسط بيوتهم

وأسنّة زرق يخلن نجوما

ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا ، كقول امرئ القيس (٦) :

ومشدودة السّكّ موضونة

تضاءل فى الطّىّ كالمبرد (٧)

يفيض على المرء أردانها

كفيض الأتىّ على الجدجد (٨)

شبّه الدّرع بالأتىّ فى بياضها وسبوغها ؛ لأنها تعمّ الجسد كما يعمّ الأتىّ الجدجد إذا تفجّر فيه ؛ والأتى : السيل.

ومنها تشبيهه به لونا وصورة ، كقول النابغة (٩) :

تجلو بقادمتى حمامة أيكة

بردا أسفّ لثاته بالإثمد

__________________

(١) ديوانه : ٨٠.

(٢) الجزع : الخرز اليمانى فيه سواد وبياض.

(٣) اللسان ـ مادة زجا ، الأغانى : ٩ ـ ٣١٣ ، الشعر والشعراء : ٦٠١.

(٤) الروق : القرن.

(٥) النحيزة : نسيجة شبه الحزام تكون على الفساطيط والبيوت.

(٦) البيت الأول فى اللسان مادة سكك منسوبا إلى امرئ القيس. وفى مقاييس اللغة ١ ـ ٤٠٨ البيت الثانى ليس منسوبا ، وليسا فى ديوانه.

(٧) السك : الدرع الضيقة الحلق ، والموضونة : الدرع المنسوجة أو المقاربة النسج.

(٨) الجدجد : الأرض المستوية.

(٩) ديوانه : ٣٧.

٢٤٦

كالأقحوان غداة غبّ سمائه

جفّت أعاليه وأسفله ندى

شبّه الثّغر بالأقحوان لونا وصورة ؛ لأنّ ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء ، وإذا كان الثّغر نقيّا كان فى لونه سواء.

وكقول امرئ القيس :

جمعت ردينيّا كأنّ سنانه

سنا لهب لم تتّصل بدخان

ومما يتضمّن معنى اللون وحده قول الأعشى (١) :

وسبيئة ممّا تعتّق بابل

كدم الذّبيح سلبتها جريالها (٢)

وقول الشماخ (٣) :

إذا ما الليل كان الصبح فيه (٤)

أشق كمفرق الرّأس الدّهين

وقول زهير (٥) :

وقد صار لون اللّيل مثل الأرندج (٦)

وقول امرئ القيس (٧) :

وليل كموج البحر مرخ سدوله

علىّ بأنواع الهموم ليبتلى

وفى هذا معنى الهول أيضا.

وقول كعب بن زهير (٨) :

وليلة مشتاق كأنّ نجومها

تفرّقن منها فى طيالسة خضر

وقول ذى الرمة :

وليل كجلباب العروس ادّرعته

بأربعة والشّخص فى العين واحد

__________________

(١) اللسان ـ مادة جرل ، مقاييس اللغة : ١ ـ ٤٤٥.

(٢) جريالها : لونها.

(٣) ديوانه : ٩٦.

(٤) فى الديوان :

إذا الصبح شق الليل عنه

(٥) ديوانه : ٣٢٣.

(٦) البيت فى الديوان :

زحرت عليه حرة أرحبية

وقد كان لون الليل مثل اليرندج

الأرندج واليرندج : جلد أسود. أو السواد يسود به الخف.

(٧) ديوانه : ٣٣.

(٨) ديوانه : ٢٥٩.

٢٤٧

وقوله أيضا (١) :

وقد لاح للسّارى الذى كمّل السّرى

على أخريات اللّيل فتق مشهّر

كلون الحصان الأنبط (٢) البطن قائما

تمايل عنه الجلّ واللّون أشقر

ومنها تشبيهه به حركة ؛ وهو قول عنترة (٣) :

غردا يحكّ ذراعه بذراعه

قدح المكبّ على الزّناد الأجذم

وقول الأعشى :

غرّاء فرعاء (٤) مصقول عوارضها

تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل

وقول الآخر :

كأنّ مشيتها من بيت جارتها

مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل

وقول الآخر :

كأنّ أنوف الطّير فى عرصاتها

خراطيم أقلام تخطّ وتعجم

ومنها تشبيهه به معنى ، كقول النابغة (٥) :

فإنك شمس والملوك كواكب

إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

وقوله (٦) :

فإنك كالليل الّذى هو مدركى

وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع

وكقول الآخر :

وكالسّيف إن لا ينته لان متنه

وحدّاه إن خاشنته خشنان

وقول مسلم بن الوليد :

وإنّى وإسماعيل يوم وداعه

لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل

__________________

(١) اللسان ـ مادة نبط وهما لذى الرمة. وقال فى اللسان : شبه بياض الصبح طالعا فى احمرار الأفق بفرس أشقر قد مال عنه جله فبان بياض إبطه.

(٢) الأنبط : الأبيض البطن والصدر.

(٣) الشعر والشعراء : ٢٠٧ ، ديوانه : ١٢٣.

(٤) فرعاء : طويلة الشعر.

(٥) ديوانه : ١٧.

(٦) ديوانه : ٧١.

٢٤٨

وقوله :

فإن أغش قوما بعده أو أزرهم

فكالوحش يدنيها من الآنس المحل

وقول الآخر :

والدّهر يقرعنى طورا وأقرعه

كأنه جبل يهوى إلى جبل

وقول الآخر :

كم من فؤاد كأنّه جبل

أزاله عن مقرّه النّظر

وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه ؛ وهو كقول امرئ القيس (١) :

له أيطلا ظبى وساقا نعامة

وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (٢)

هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام ؛ لأنّ الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره ، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه ؛ لأنه شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء فى بيت واحد ، وكذلك قول المرقش (٣) :

النّشر مسك والوجوه دنا

نير وأطراف الأكفّ عنم

فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد.

وضرب منه آخر ، ومنه قول امرئ القيس (٤) :

سموت إليها بعد ما نام أهلها

سموّ حباب الماء حالا على حال

فحذف حرف التشبيه.

ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها ، ليكون مادة لمن يريد العمل برسمنا فى هذا الكتاب ؛ فمن بديع التشبيه قول امرئ القيس (٥) :

__________________

(١) ديوانه ٣٦.

(٢) أيطلا ظبى : خاصرتاه. والسرحان : الذئب. وإرخاؤه : مده عنقه مسترسلا. والتتفل : ولد الثعلب. وتقريبه : جمع يديه ووثبه.

(٣) الشعر والشعراء : ١٦٥

(٤) ديوانه : ٥٢.

(٥) ديوانه : ٦٤ ، معاهد التنصيص : ٢ ـ ٣٠.

٢٤٩

كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا

لدى وكرها العنّاب والحشف البالى

فشبّه شيئين بشيئين مفصلا : الرطب بالعناب ، واليابس بالحشف ؛ فجاء فى غاية الجودة.

ومثله قول بشار (١) :

كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا

وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

فشبّه ظلمة الليل بمثار النّقع ، والسيوف بالكواكب.

وبيت امرئ القيس أجود ؛ لأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعنّاب والحشف من السيوف بالكواكب.

ومثل قول النمرى (٢) :

ليل من النّقع لا شمس ولا قمر

إلّا جبينك والمذروبة الشّرع (٣)

وقول العتابى (٤) :

مدّت سنابكها من فوق أرؤسهم

ليلا كواكبه البيض المباتير (٥)

ومن بديع التشبيه قول الآخر :

نشرت إلىّ غدائرا من شعرها

حذر الكواشح والعدوّ الموبق

فكأننى وكأنّها وكأنّه

صبحان باتا تحت ليل مطبق

شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصّلة.

وقال البحترى (٦) :

تبسّم وقطوب فى ندى ووغى

كالغيث والبرق تحت العارض البرد

__________________

(١) معاهد التنصيص : ٢ ـ ٢٨.

(٢) معاهد التنصيص : ٢ ـ ٣١ ، المختار من شعر بشار : ١

(٣) المذروبة : المحدودة. والشرع : جمع شراع بالكسر كل ما يشرع : أى ينصب ويرفع.

(٤) المختار من شعر بشار : ١

(٥) سنابكها : أطرافها. والمباتير : السيوف القاطعة.

(٦) ديوانه : ١٥٢.

٢٥٠

وأتمّ ما فى هذا قول الوأواء :

وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت

وردا وعضّت على العنّاب بالبرد

فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء فى بيت واحد : الدمع باللؤلؤ ، والعين بالنرجس ، والخدّ بالورد ، والأنامل بالعنّاب ؛ لما فيهنّ من الخضاب ، والثّغر بالبرد. ولا أعرف لهذا البيت ثانيا فى أشعارهم.

وقول البحترى (١) :

كالسّيف فى إخذامه والعيث فى

إرهامه واللّيث فى إقدامه (٢)

فشبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.

وقلت فى مثله :

كالسّيف فى غمراته والبدر فى

ظلماته والغيث فى أزماته

وقال البحترى (٣) :

شقائق يحملن النّدى فكأنّه

دموع التّصابى فى خدود الخرائد

فشبّه شيئين بشيئين.

ومثله قول أبى نواس (٤) :

يا قمرا أبصرت فى مأتم (٥)

يندب شجوا بين أتراب

يبكى فيلقى الدّرّ من نرجس

ويلطم الورد بعنّاب

أخذه بعض المتأخرين فقلبه هجاء فقال :

يا قردة أبصرت فى مأتم

تندب شجوا بتخاليط

تبكى فتلقى البعر من كوّة

وتلطم الشّوك ببلوط

__________________

(١) ديوانه : ٢٥١.

(٢) الخذم : سرعة القطع. أرهمت السماء : أنزلت المطر الضعيف الدائم.

(٣) ديوانه : ١ ـ ١٣٦.

(٤) ديوانه : ٣٦١.

(٥) فى الديوان :

يا قمر أبرزه مأتم

٢٥١

وشبّهت الهلال تشبيها يتضمّن صفته من لدن هو هلال إلى أن يكمل ، فقلت :

وكئوس إذا دجا الليل دارت

تحت سقف مرصّع باللّجين

وكأنّ الهلال مرآة تبر

ينجلى كلّ ليلة إصبعين

ومن بديع التشبيه قول سلمة بن عباس :

كأنّ بنى ذالان إذ جاء جمعهم

فراريج يلقى بينهنّ سويق

هذا لدقّة أصواتهم وعجلة كلامهم ، وقوله :

حديث بنى قرط إذا ما لقيتهم

كنزو الدّبا فى العرفج المتقارب

وقال بعض المحدثين وهو ابن نباتة فى فرس أبلق أغرّ :

وكأنما لطم الصّباح جبينه

فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه

وقال آخر :

ليل يجرّ من الصّباح ذلاذلا (١)

ومن مليح التشبيه وبديعه قول ابن المعتز (٢) :

والصبح يتلو المشترى فكأنه

عريان يمشى فى الدّجى بسراج

وقوله فى صفة فرس (٣) :

ومحجّل غير اليمين كأنّه

متبختر يمشى بكمّ مسبل

وقال أعرابى :

بغزو كولغ الذئب غاد ورائح

وسير كصدر السّيف لا يتعرّج

وقول ابن الرقاع (٤) :

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه

قلم أصاب من الدواة مدادها

__________________

(١) الذلاذل : أسافل القميص الطويل.

(٢) ديوانه : ٢ ـ ٧٤.

(٣) ديوانه : ١٢٦.

(٤) الشعر والشعر : ٦٠١.

٢٥٢

وقول الطّرمّاح :

يبدو وتضمره البلاد كأنه

سيف على شرف يسلّ ويغمد

وقول ذى الرمة فى الحرباء (١) :

ودويّة جرداء جدّاء خيّمت

بها هبوات الصيف من كل جانب (٢)

كأنّ يدى حربائها متململا

يدا مذنب يستغفر الله تائب

وقوله فيها (٣) :

وقد جعل الحرباء يصفرّ لونه

وتخضرّ من حرّ الهجير غباغبه

ويسبح بالكفين حتّى كأنه

أخو فجرة عالى به الجذع صالبه

أخذه البحترى ، فقال (٤) :

فتراه مطّردا على أعواده

مثل اطّراد كواكب الجوزاء

مستشرفا للشمس منتصبا لها

فى أخريات الجذع كالحرباء

وقال ذو الرّمّة (٥) :

يصلّى بها الحرباء للشمس مائلا

على الجذل (٦) إلّا أنه لا يكبّر

إذا حوّل الظلّ العشىّ رأيته

حنيفا وفى قرن الضّحى يتنصّر

الحرباء : دويبة كالعظاية تأتى شجرة تعرف بالتّنضبة (٧) فتمسك بيديها غصنين منها ، وتقابل بوجهها الشمس ، فكيفما دارت الشمس دارت معها ، فإذا غربت الشمس نزلت فرعت ... والحرباء ، فارسية معربة ؛ وإنما هى خربا ؛ أى حافظ الشمس ، والشمس تسمى بالفارسية خر ؛ وقد ملح ابن الرومى فى ذكرها حيث يقول فى قينة :

__________________

(١) ديوانه : ٥٨ ، ٥٩.

(٢) الدوية : الفلاة الواسعة. والجرداء : التى لا نبات فيها. والهبوات : جمع هبوة بالفتح : الغبرة. والجداء : التى لا نبات فيها.

(٣) اللسان (غيب) ، وديوانه : ٤٧.

(٤) ديوانه : ١ ـ ٥.

(٥) ديوانه : ٢٢٨.

(٦) الجذل : أصل الشىء الباقى من الشجرة.

(٧) التنضبة : واحدة التنضب ، شجر له شوك قصار وليس من شجر الشواهق تألفه الحرابى.

٢٥٣

ما بالها قد حسنت ورقيبها

أبدا قبيح ، قبّح الرقباء

ما ذاك إلا أنها شمس الضحى

أبدا يكون رقيبها الحرباء

وقال ابن الرومى أيضا فى مصلوب :

كم بأرض الشآم غادرت منهم

غائرا موفيا على أهل نجد

يلعب الدّستبند فردا وإن

كان له شاغل عن الدّستبند (١)

وقال ابن المعتز (٢) :

وقد علا فوق الهلال كرته

كهامة الأسود شابت لحيته

وقال (٣) :

ورأسه كمثل فرق قد مطر

وصدغه كالصّولجان المنكسر (٤)

ومن بديع التشبيه قول الآخر :

بيضاء تسحب من قيام فرعها

وتغيب فيه وهو جثل أسحم (٥)

فكأنها فيه نهار ساطع

وكأنه ليل عليها مظلم

ومن بديعه قول مسلم :

أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة

كأنّ دجاها من قرونك تنشر

وقول الفرزدق (٦) :

والشيب ينهض فى الشّباب كأنه

ليل يصيح بجانبيه نهار

وقلت :

شمس هوت وهلال الشهر يتبعها

كأنها سافر قدّام منتقب

__________________

(١) الدستبند : لعبة للمجوس يدورون وقد أمسك بعضهم يد بعض كالرقص ، المعرب ص ٢٣٧

(٢) ديوانه : ٢ ـ ١١٠.

(٣) ديوانه : ٢ ـ ١٠٣.

(٤) الفرق ـ بالسكون : الطائر. والصولجان : المحجن.

(٥) الجثل : الكثير الملتف. من فرعها أى شعرها : والأسحم : الأسود.

(٦) ديوانه : ٦٧.

٢٥٤

تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع

كأنها عقرب مقطوعة الذّنب

وقلت :

تلوح الثريا والظلام مقطّب

فيضحك منها عن أغرّ مفلّج

تسير وراء والهلال أمامها

كما أومأت كفّ إلى نصف دملج

وقال عبد الله بن المعتز :

أهلا وسهلا بالناى والعود

وكأس ساق كالغصن مقدود

قد انقضت دولة الصيام وقد

بشّر سقم الهلال بالعيد

وقال آخر :

تبدو الثريا كفاغر شره

يفتح فاه لأكل عنقود (١)

قال أبو الحرث : جميز فلان كالمشجب (٢) من حيث لقيته «لا» ، فقال أبو العبر :

لو كنت من شيء خلافك لم تكن

لتكون إلّا يشجبا فى مشجب

يا ليت لى من جلد وجهك رقعة

فأقدّ منها حافرا للأشهب

وقال بعض الحكماء : العقل كالسيف والنظر كالمسنّ. ونظر عبادة إلى سوداء تبكى ، فقال : كأنها تنّور شنان يكف ؛ فنظمته وقلت :

سوداء تذرف دمعها

مثل الأتون إذا وكف

وقال ابن المعتز :

وكأنّ عقرب صدغه وقفت

لما دنت من نار وجنته

وقلت :

كأنّ نهوض النجم والأفق أخضر

تبلج ثغر تحت خضرة شارب

__________________

(١) الفاغر : من فغر فمه إذا فتحه. والشره : الشديد الحرص على الطعام.

(٢) المشجب : خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب وتنشر.

٢٥٥

وقال أوس بن حجر (١) :

حتى تلفّ بدوركم وقصوركم

جمع كناصية الحصان الأشقر

وقلت :

بكرنا إليه والظلام كأنه

غراب على عرف الصباح يرنّق (٢)

وقلت :

إذا التوى الصّدغ فوق وجنته

رأيت تفاحة بها عضّه

وقلت :

والغيم يأخذه ريح فتنفشه

كالقطن يندف فى زرق الدبابيج (٣)

وقلت :

وقهوة من يد المغنوج صافية

كأنها عصرت من خدّ مغنوج

وقلت :

قم بنا نذعر الهموم بكأس

والثريّا لمفرق الليل تاج

وقد انجرّت المجرّة فيه

كسبيب (٤) يمدّه نسّاج

وقلت :

وكأنّ النجوم والليل داج

نقش عاج يلوح فى سقف ساج

وقلت :

كأن السّميريّات فيه عقارب

تجيء على زرق الزجاج وتذهب

وقلت :

فأذريت دمعا بالدماء مصبّغا

كما يتواهى عقد عقد منسّق

وقد باشر الليل الصباح كأنه

بقية كحل فى حماليق أزرق

وهذا الجنس كثير ، وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.

__________________

(١) ديوانه ١٠ ، والرواية فيه :

حتى تلف نخيلهم وزروعهم

كهب كناصية الحصان الأشقر

(٢) الترنيق : رفرفة جناح الطائر.

(٣) فى الأصول : «الدوابيج» تصحيف ، والدبابيج جمع ديباج ، وهو الثوب المتخذ من الإبريسم.

(٤) السبيب : شقة كتان رقيقة.

٢٥٦

الفصل الثّانى

فى البيان عن قبح التشبيه وعيوبه

والتشبيه يقبح إذا كان على خلاف ما وصفناه فى أول الباب ، من إخراج الظاهر فيه إلى الخافى ، والمكشوف إلى المستور ، والكبير إلى الصغير ، كما قال النابغة (١) :

تخدى بهم أدم كأنّ رحالها

علق أريق على متون صوار (٢)

وقال لبيد (٣) :

فخمة ذفراء ترتى بالعرى

قردمانيّا وتركا كالبصل (٤)

وقال خفاف بن ندبة :

أبقى لها التعداء من عتداتها

ومتونها كخيوطة الكتان

العتدات : القوائم ، والمتون : الظهور ؛ يقول : دقت حتى صارت متونها وقوائمها كالخيوط ، وهذا بعيد جدا. ومثل هذا محمود غير معيب عند أصحاب الغلو ومن يقول بفضله.

وإذا شبه أيضا صغيرا بكبير وليس بينهما مقاربة فهو معيب أيضا ، كقول ساعدة ابن جؤية :

كساها رطيب الريش فاعتدلت لها

قداح كأعناق الظباء الفوارق

شبه السهام بأعناق الظباء وليس بينهما شبه. ولو وصفها بالدقة لكان أولى.

__________________

(١) ديوانه : ٤٤.

(٢) تخدى : من الخدى ، وذلك سرعة السير من البعير وغيره مع زج قوائمه. والأدم : الإبل التى فى لونها أدمة. والعلق : الدلو. والمتن : الظهر ، والصوار : بالكسر والضم : القطيع من البقر.

(٣) اللسان (قردم ، رتى ، ترك).

(٤) الرتو : الشد ، والقردمانية : الدروع الغليظة ، والترك : جمع تريكة ، وهى بيضة الحديد للرأس.

٢٥٧

ومن معيب التشبيه قول بشر :

وجرّ الرامسات بها ذيولا

كأن شمالها بعد الدّبور (١)

رماد بين أظآر ثلاث

كما وشم النواشر بالنئور (٢)

فشبّه الشّمال والدبور بالرّماد.

ومن خطأ التشبيه قول الجعدى :

كأن حجاج مقلتها قليب

والحجاج : العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب. وليس هذا مما يغور ؛ وإنما تغور العين.

ومن التشبيه الكريه المتكلف قول زهير (٣) :

فزلّ عنها ووافى رأس مرقبة

كمنصب العتر دمى رأسه النّسك (٤)

ومن التشبيه الردىء اللفظ قول أوس بن حجر (٥) :

كأن هرّا جنيبا تحت غرضتها (٦)

والتف ديك برجليها وخنزير

وأعجب من هذا قول بشار :

وبعض الجود خنزير

ومن بعيد التشبيه قول أعرابى :

وما زلت ترجو نيل سلمى وودها

وتبعد حتى ابيض منك المسائح (٧)

ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه

ظباء جرت ، منها سنيح وبارح

فشبّه شعرات بيضا فى حاجبيه بظباء سوانح وبوارح. وقال أبو تمام (٨) :

كأننى حين جردت الرجاء له

عضب صببت به ماء على الزمن

__________________

(١) الرامسات : الرياح الدوافن للآثار ، ومثله الروامس.

(٢) الأظآر : جمع واحده ظأر ـ بالفتح ، وهو المثل. والنئور : دخان الشحم يعالج به الوشم ليخضر.

(٣) ديوانه : ١٧٨.

(٤) زل : سقط. والمنصب : الحجر. والعتر : الذى يذبح فى رجب ، والنسك : جمع نسيكة ، وهو ما يذبح عليه. ورأسه : رأس الحجر.

(٥) الشعر والشعراء : ١٥٩.

(٦) الغرضة : حزام الرحل.

(٧) المسائح : جوانب الرأس.

(٨) ديوانه ١ : ٣٣٤.

٢٥٨

ولا يكاد يرى تشبيه أبرد من هذا.

وكتب آخر إلى أخ له يعتذر من ترك زيارته : قد طلعت فى إحدى أثيىّ بثرة ، فعظمت حتى كأنها الرمانة الصغيرة.

وقال علىّ الأسوارى : فلما رأيته اصفرّ وجهى حتى صار كأنه لون الكشّوت (١).

وقال له محمد بن الجهم : كم آخذ من الدواء الذى جئت به؟ قال : مقدار بعرة.

فجاء بلفظ قذر ، ولم يبن عن المراد ؛ لأن البعر يختلف فى الكبر والصغر ، ولا يعرف أبعرة ظبى أراد أم بعرة شاة أم بعرة جمل.

ومن التشبيه المتنافر قول الجمانى يصف ليلا :

كأنما الطرف يرمى فى جوانبه

عن العمى وكأن النجم قنديل

اجتماع العمى والقنديل فى غاية التنافر.

ومن رديء التشبيه قول ابن المعتز :

أرى ليلا من الشعر

على شمس من الناس

الجمع بين الليل والناس رديء. وقد وقع هاهنا باردا.

__________________

(١) الكشوث : نبات مجتث مقطوع الأصل ، وقيل : لا أصل له وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك.

٢٥٩

الباب الثّامن

فى ذكر السجع والازدواج

لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا ، ولا تكاد تجد لبليغ كلاما يخلو من الازدواج ، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن ؛ لأنه فى نظمه خارج من كلام الخلق ، وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل فى أوساط الآيات فضلا عما تزاوج فى الفواصل منه (١). كقول الله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ). وقوله عزوجل : (أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ). وقوله تعالى : (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ). وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ). إلى غير ذلك من الآيات.

وأما ما زووج بينه بالفواصل فهو كثير. مثل قوله تعالى : (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ). وقوله سبحانه : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ). وقوله عزوجل : (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ). وقوله جل ذكره : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا) ؛ وهذا من المطابقة التى لا تجد فى كلام الخلق مثلها حسنا ولا شدة احتصار ؛ على كثرة المطابقة فى الكلام. وكذلك جميع ما فى القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف فى تمكين المعنى ، وصفاء اللفظ ، وتضمّن الطّلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق. ألا ترى قوله عز اسمه : (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى ، من مثل قول

__________________

(١) فى ا «بالفاصل منه».

٢٦٠