🚘

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨
🚘 نسخة غير مصححة

ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير ما

فى وسعه لسعى إليك المنبر

أخذه من قول العرحى فى صفة نساء :

لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا

حيّا الحطيم وجوههن وزمزم

إلّا أنه غير خاف.

وممن أخذ المعنى فزاد على السابق إليه زيادة حسنة أبو نواس فى قوله (١) :

يبكى فيذرى الدّرّ من نرجس

ويلطم الورد بعنّاب

أخذه من قول الأسود بن يعفر :

يسعى بها ذو تومتين كأنّما

قنأت أنامله من الفرصاد (٢)

وأخذ بعض المتأخرين بيت أبى نواس ، فزاد عليه زيادة عجيبة ، فقال :

وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت

وردا وعضّت على العنّاب بالبرد

فجاء بما لا يقدر أحد أن يزيد عليه.

ومن ذلك أيضا قوله ـ وقد زاد فيه على الأوّل (٣) :

فتمشّت فى مفاصلهم

كتمشى البرء فى السّقم

أخذه من قول مسلم :

تجرى محبّتها فى قلب عاشقها

مجرى المعافاة فى أعضاء منتكس

وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض ملوك اليمن :

منع البقاء تقلّب الشّمس

وطلوعها من حيث لا تمسى

يجرى على كبد السّماء كما

يجرى حمام الموت فى النّفس

ومن ذلك قول مسلم :

أحبّ الريح ما هبّت شمالا

وأحسدها إذا هبّت جنوبا

__________________

(١) الوساطة : ٣٢٢ ، ٣٢٧.

(٢) التومتان : مثنى تومة ، وهى الحبة من الدر والفرصاد : الحمرة

(٣) الوساطة : ٥٦.

٢٠١

فقسم تقسيما حسنا ؛ ومعناه أنّ الشمال تجيء من ناحية حبيبه إليه فأحبّها ، والجنوب تهبّ إلى الحبيب ، فحسدها لمباشرتها جسمه ؛ وهو مأخوذ من قول جران العود :

إذا هبّت الأرواح من نحو أرضكم

وجدت لريّاها على كبدى بردا

وزاد مسلم فى قوله أيضا :

ويغمد السيف بين النّحر والجيد

على أنّ السابق إلى هذا المعنى هو بعض الفرسان إذ يقول :

جعلت السيف بين اللّيت (١) منه

وبين سواد لحييه عذارا

لأن الإغماد فيه أشدّ تأثيرا من وضع العذار عليه.

وقد زاد أبو نواس على جرير فى قوله (٢) :

وقد أطول نجاد السّيف محتبيا

مثل الرّدينىّ هزّته الأنابيب

فقال أبو نواس (٣) :

سبط البنان إذا احتبى بنجاده

غمر الجماجم والسّماط قيام (٤)

قوله : «غمر الجماجم» أحسن من قول جرير : «مثل الرّدينى».

وهكذا قوله (٥) :

أشمّ طوال (٦) السّاعدين كأنّما

يلاث (٧) نجادا سيفه بلواء

__________________

(١) أدنى صفحتى العنق.

(٢) ديوانه : ٢٤.

(٣) ديوانه : ٦٤.

(٤) فى الديوان : فرع الجماجم ، ورجل سبط البنان : سخى.

(٥) ديوانه : ٦٣.

(٦) طوال : طويل.

(٧) لاث الشىء لوثا : أداره مرتين كما تدار العمامة. وفى الديوان : يناط ، وهو قريب من معنى الأول.

٢٠٢

أحسن لفظا وسبكا من قول عنترة (١) :

بطل كأنّ ثيابه فى سرحة

يحذى نعال السّبت ليس بتوأم (٢)

وهو أيضا أفخم لفظا من قول الآخر :

فجاءت به عبل العظام كأنما

عمامته بين الرّجال لواء

ومما أخذه فجاء به أحسن لفظا وسبكا قوله فى ذنب الناقة :

أمّا إذا رفعته شامذة

فتقول رنّق فوقها نسر (٣)

أخذه من أبى دواد :

تلوى بذى خصل ضاف تشبّهه

قوادما من نسور مضر حيّات (٤)

ومما أخذه فجاء به أحسن رصفا ، وزاد فى المعنى زيادة بيّنة قوله (٥) :

وما خبزه (٦) إلّا كليب بن وائل

ليالى يحمى عزّه منبت البقل

وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده

ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل

أخذه من قول مهلهل :

أودى الخيار من المعاشر كلّهم

واستبّ بعدك ـ يا كليب ـ المجلس

وهكذا قوله ـ هو محمد بن عطيّة العطوى :

ما العيش إلّا فى جنون الصّبا

فإن تولّى فجنون المدام

__________________

(١) ديوانه : ١٢٣ ، اللسان ـ مادة سبت.

(٢) السرحة : من عظام الشجر. ونعال السبت : هى النعال المعمولة من الجلود المدبوغة. التوأم : الذى يولد معه آخر. وقال فى اللسان ـ مادة سبت : مدحه فى هذا البيت بأربع خصال كرام : جعله بطلا شجاعا ، وجعله طويلا لتشبيهه بالسرحة ، وجعله شريفا للبسه نعال السبت (لأن الملوك كانت تلبسها) ، وجعله تام الخلق ناميا ، لأن التوأم يكون أنقص خلقا وقوة وعقلا.

(٣) شامذة : رافعة ذنبها.

(٤) المضرحى من الصقور : ما طال جناحاه.

(٥) ديوانه : ١٧١ ، يهجو.

(٦) فى ط : خبره ـ بالراء.

٢٠٣

راح إذا ما الشّيخ والى بها

خمسا تردّى برداء الغلام

أحسن رصفا من قول حسان رضى الله عنه (١) :

إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس

ود ما لم يعاص كان جنونا

وقول أبى تمام (٢) :

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل

أبين وأدخل فى الأمثال من قول كثيّر :

إذا ما أرادت خلّة أن تزيلنا

أبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل (٣)

وقد زاد أبو تمام أيضا فى قوله (٤) :

وأنجدتم من بعد إتهام داركم

فيا دمع أنجدنى على ساكنى نجد (٥)

على الأعرابى فى قوله :

ومستنجد للحزن دمعا كأنّه

على الخدّ ممّا ليس يرقأ حائر

بقوله : «أنجدنى على ساكنى نجد» ؛ وقد زاد أيضا فى قوله (٦) :

وإن يبن حيطانا عليه فإنّما

أولئك عقّالاته لا معاقله (٧)

على زهير فى قوله : «والسيوف معاقله» (٨) لما جاء به من التّجنيس فى قوله : «عقّالاته ، ومعاقله». على أنّ قول زهير فى معناه لا يلحقه لاحق ، وإنما زاد عليه أبو تمام فى اللفظ.

وأخذ قول أبى تمام إبراهيم بن العباس ، فقال : وأصبح ما كان يحرزهم يبرزهم ؛ وما كان يعقلهم يقتلهم. ونقله إلى موضع آخر ، فقال : واستنزلوه من

__________________

(١) ديوانه : ٤١٣.

(٢) ديوانه : ٤٥٧.

(٣) ديوانه : ١٢٧.

(٤) الشعر والشعراء : ٤٨٨.

(٥) أنجدتم : ارتفعتم. إتهام : إخفاض.

(٦) ديوانه : ٢٣١.

(٧) العقالات : القيود. والمعاقل : الملاجئ

(٨) من بيته :

أبى الضيم والنعمان يحرق نابه

عليه فأفضى والسيوف معاقله

ديوانه : ١٤٣.

٢٠٤

معقل إلى عقال ، وبدّلوه آجالا من آمال. وقوله : «آجالا من آمال» مأخوذ من قول مسلم (١) :

موف على مهج فى يوم ذى رهج

كأنّه أجل يسعى إلى أمل

ينال بالرّفق ما يعيا الرّجل به

كالموت مستعجلا يأتى على مهل

وقد أخذ أيضا قول أبى دهبل (٢) :

ما زلت فى العفو للذّنوب وإط

لاق لعان بجرمه غلق (٣)

حتّى تمنّى البراة أنّهم

عندك أسرى (٤) فى القدّ والحلق

فجاء به فى بيت واحد وهو قوله (٥) :

وتكفّل الأيتام عن آبائهم

حتّى وددنا أنّنا أيتام

وسبق أيضا من تقدّمه فى قوله حتى صار لا يلحقه فيه أحد بعده (٦) :

وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا (٧)

على مثلها واللّيل تسطو غياهبه (٨)

لأمر عليهم أن تتمّ صدوره

وليس عليهم أن تتمّ عواقبه

سبقا بيّنا بهذه المعانى ؛ وإنما أخذ البيت الأول من قول البعيث (٩) :

أطافت بركب كالأسنّة هجّد

بخاشعة الأصواء غير صحونها (١٠)

__________________

(١) الشعر والشعراء : ٨٨٠ ، الموازنة : ٣٣.

(٢) شرح الحماسة : ٤ ـ ١٦٦.

(٣) العانى : الأسير. الغلق : الأسير الذى لم يفد.

(٤) فى الحماسة : عندك أمسى.

(٥) ديوانه : ٢٨٠.

(٦) ديوانه : ٤٤ ، الحماسة : ١ ـ ٥ ، الموازنة : ٢٥.

(٧) عرسوا : نزلوا ليلا.

(٨) غياهبه : ظلماته.

(٩) الذى فى الموازنة صفحة ٢٥ : إنه أخذ صدر البيت الأول من قول كثير :

وركب كأطراف الأسنة عرسوا

قلائص فى أصلابهن نحول

ثم قال : ويشبه قول البعيث ، وأنشد البيت وصدره :

أطاف بشعث كالأسنة هجد

(١٠) كل ساكن : خاشع. والأصواء : الأعلام. الصحن : ساحة وسط الفلاة.

٢٠٥

والبيت الثانى من بعض الأعراب (١) :

غلام وغى تقحّمها فأبلى

فخان بلاءه الزّمن الخئون (٢)

وكان على الفتى الإقدام فيها

وليس عليه ما جنت المنون

وبين القولين بون بعيد.

وزاد أيضا فى قوله (٣) :

إذا شبّ نارا أقعدت كلّ قائم

وقام لها من خوفه كلّ قاعد

على الآخر فى قوله :

أتانى وأهلى بالمدينة وقعة

لآل تميم أقعدت كلّ قائم

فقول أبى تمام : «وقام لها من خوفه كلّ قاعد» زيادة حسنة.

وكذلك قوله فى ابنى عبد الله بن طاهر (٤) :

نجمان شاء الله ألّا يطلعا

إلّا ارتداد الطّرف حتّى يأفلا (٥)

إنّ الفجيعة بالرّياض نواضرا

لأجلّ منها بالرّياض ذوا بلا

لهفى على تلك المخايل (٦) فيهما

لو أمهلت حتّى تكون شمائلا

لو ينسآن لكان هذا غاربا

للمكرمات وكان هذا كاهلا (٧)

إنّ الهلال إذا رأيت نموّه

أيقنت أن سيكون بدرا كاملا

أحسن وأجود مما أحذ منه هذه المعانى وهو قول الفرزدق (٨) :

وجفن سلاح قد رزيت فلم أنح

عليه ولم أتعب (٩) عليه البواكيا

__________________

(١) الموازنة ٢٥.

(٢) فى الموازنة : الدهر.

(٣) ديوانه : ٣٦٦ ، من قصيدة يرثى بها خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى.

(٤) ديوانه : ٣٨٠.

(٥) يأفلا : يغيبا.

(٦) فى الديوان : الشواهد ، وهما بمعنى واحد.

(٧) ينسئان : يؤخران. الغارب : ما بين العنق والسنام. الكاهل : مقدم أعلى الظهر مما يلى العنق.

(٨) الموازنة : ٣٧.

(٩) فى الموازنة : أبعث.

٢٠٦

وفى جوفه (١) من دارم ذو حفيظة

لو انّ المنايا أنسأته (٢) لياليا

لا يقع بيت الفرزدق مع أبيات أبى تمام موقعا.

وقد أجاد أيضا فى قوله (٣) :

وقد علم القرن المساميك أنّه

سيغرق فى البحر الذى أنت حائض (٤)

وزاد فيه على من أخذه منه وهو لقيط بن يعمر :

إنّى أخاف عليها الأزلم الجذعا (٥)

بيت أبى تمام أكثر ماء وأبين معنى.

وأخذ قول الفرزدق (٦) :

وما أمرتنى (٧) النّفس فى رحلة لها

إلى أحد (٨) إلّا إليك ضميرها

فشرحه فقال (٩) :

وما طوّقت (١٠) فى الآفاق إلّا

ومن جدواك راحلتى وزادى

مقيم الظّنّ عندك والأمانى

وإن قلقت ركابى فى البلاد

وإلى بيت الفرزدق يشير القائل :

مدحتك جهدى بالّذى أنت أهله

فقصّر عمّا فيك من صالح جهدى

فما كلّ ما فيه من الخير قلته

ولا كلّ ما فيه يقول الّذى بعدى

وكنت إذا هيّأت مدحا لماجد

أتانى الّذى فيه بأدنى الّذى عندى

__________________

(١) فى الموازنة : بطنه.

(٢) فى الموازنة : أمهلته.

(٣) ديوانه : ١٨٥.

(٤) القرن : النظير ، ورواية الديوان القرن المناوئ.

(٥) الأزلم الجذع : الدهر ، وقيل : الدهر الشديد ، وقيل : كل يوم وليلة.

(٦) الوساطة : ٢٤٤

(٧) فى الوساطة : وما وامرتنى.

(٨) فى الوساطة : فى رحلة إلى جدا أحد.

(٩) ديوانه : ٧٩ ، الوساطة : ٢٤٥ ، التبيان : ١ ـ ٣٦٥.

(١٠) فى الديوان : وما سافرت. جدواك : عطاؤك.

٢٠٧

ومن هاهنا أخذ أبو نواس قوله (١) :

إذا نحن أثنينا عليك بصالح

فأنت كما نثنى وفوق الّذى نثنى

وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة

لغيرك إنسانا فأنت الّذى نعنى

ويشير إلى قول الخنساء (٢) :

وما بلغ المهدون فى القول مدحة

وإن أطنبوا إلّا الّذى فيك أفضل

وقال البحترى (٣) :

فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها

ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

أحسن لفظا وسبكا من قول أبى حية :

إذا هنّ ساقطن الحديث كأنّه

سقاط حصى المرجان من سلك ناظم

وبيت البحترى أيضا أتمّ معنى ؛ لأنه تضمّن ما لم يتضمّنه بيت أبى حية من تشييه الثّغر بالدّر.

وقد زاد أيضا فى قوله (٤) :

وفرسان هيجاء تجيش صدورها

بأحقادها حتى يضيق ذروعها (٥)

تقتّل من وتر أعزّ نفوسها

عليها بأيد ما تكاد تطيعها

إذا احتربت يوما ففاظت نفوسها (٦)

تذكّرت القربى فغاضت دموعها

شواجر أرماح تقطّع بينها

شواجر أرحام ملوم قطوعها

على من قال :

ونبكى ـ حين نقتلكم ـ عليكم

ونقتلكم كأنّا لا نبالى

وقريب منه قول مهلهل :

لقد قتلت بنى بكر بربّهم

حتى بكيت وما يبكى لهم أحد

__________________

(١) الوساطة : ٣١٨.

(٢) الوساطة : ٣١٨ ، الديوان : ٢٤.

(٣) ديوانه : ٣٣١.

(٤) ديوانه : ٣١٧.

(٥) فى الديوان : دروعها.

(٦) فى الديوان : فغاضت دماؤها.

٢٠٨

وبيتا البحترى أجود من بيتهما بغير خلاف ؛ ومن قول فليح بن زيد الفهرى أيضا :

أتبكين من قتلى وأنت قتلتنى

بحبّك قتلا بيّنا ليس يشكل

فأنت كذبّاح المصافير دائبا

وعيناه من وجد عليهنّ تهمل

وبيته (١) :

كلّ عان يترجّى فكه

ولذات الخال عان ما يفكّ

أحسن رصفا من قول زهير وهو الأصل (٢) :

وكلّ محبّ أحدث النّأى عنده

سلوّ فؤاد غير حبّك ما يسلو

وهكذا قوله (٣) :

قوم إذا لبسوا الدّروع لموقف

لبستهم الأحساب فيه دروعا (٤)

أتم وأجود من قول الأول :

لبسوا الدروع على القلو

ب مظاهرين لدفع ذلك

وقال أعرابى :

إنّ النّدى حيث ترى الضّغاطا (٥)

فأخذه بشّار وشرحه وبيّنه ، فقال :

يسقط الطّير حيث ينتثر ال

حبّ وتغشى منازل الكرماء

ومثله قول الآخر :

يزدحم الناس على بابه

والمنهل العذب كثير الزّحام

__________________

(١) ديوانه : ١٥١.

(٢) ديوانه : ٩٧.

(٣) ديوانه : ٨٥.

(٤) فى الديوان :

لبستهم الأعراض فيه دروعا

(٥) الضغاط : الزحام.

٢٠٩

وأخبرنى أبو أحمد قال : أخبرنى الصولى ، قال : سمعت من ينشد المبرد لسلم الخاسر :

سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها

فدبّ دبيب الخمر فى كلّ مفصل

فقال له المبرد : قد حسّنه أبو نواس حيث يقول :

ويدخل حبّها فى كلّ قلب

مداخل لا يغلغلها المدام

وقول البحترى (١) :

وغابر حبّ غابر ثمّ أنجدا

أجود من قول من تقدّمه ، وهو الأصل :

أغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا

وأخذ أيضا أبو تمام خبر الشماخ مع أحيحة بن الجلاح لما أنشده الشماخ (٢) :

إذا بلّغتنى وحملت رحلى

عرابة فاشرقى بدم الوتين (٣)

فقال له أحيحة : بئست المجازاة جازيتها فنقل أبو تمام هذا الخبر ، فقال (٤) :

لست كشمّاخ المذمّم فى

سوء مكافاته ومجترمه

أشرقها من دم الوتين لقد

ضلّ كريم الأخلاق عن شيمه

ذلك حكم قضى بفيصله

أحيحة بن الجلاح فى أطمه (٥)

وأخبرنا أبو أحمد قال ، قال أبو العيناء : سمعت أبا نواس يقول : والله ما أحسن الشماخ حيث يقول (٦) :

إذا بلّغتنى وحملت رحلى

عرابة فاشرقى بدم الوتين

__________________

(١) ديوانه : ١٧٤ ، وصدره :

أجرنى من الواشى الذى جار واعتدى

(٢) ديوانه : ٩٢ ، الموشح : ٦٧.

(٣) عرابة ـ بالفتح : اسم رجل من أوس الأنصار مشهور بالكرم : والوتين : عرق فى القلب إذا انقطع مات صاحبه.

(٤) الموشح : ٦٩. قال : ورويت لغيره.

(٥) الأطم : حصن مبنى بحجارة. وقيل : هو كل بيت مربع مسطح.

(٦) ديوانه : ٩٢.

٢١٠

هلّا قال كما قال الفرزدق (١) :

علام تلفّتين وأنت تحتى

وخير الناس كلّهم أمامى

متى تردى الرّصافة تستريحى

من التّهجير والدبر (٢) الدّوامى

وكان قول الشماخ عيبا عندى ، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته ، فقلت (٣) :

وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا

فظهورهنّ على الرّجال حرام

قرّبننا من خير من وطئ الحصى

فلها علينا حرمة وذمام

وقلت (٤) :

أقول لناقتى إذ بلّغتنى

لقد أصبحت عندى بالثّمين

فلم أجعلك للغربان نحلا (٥)

ولا قلت اشرقى بدم الوتين

حرمت على الأزمّة والولايا

وأعلاق الرّحالة والوضين (٦)

وتبع الشماخ ذو الرمة فقال (٧) :

إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته

فقام بفأس بين وصليك جازر

وسمع أبو تمام قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه للأشعث بن قيس : إنك إن صبرت جرى عليك قضاء الله وأنت مأجور ، وإن جزعت جرى عليك أمر الله وأنت موزور ؛ فإنّك إن لم تسل احتسابا سلوت كما تسلو البهائم ؛ فحكاه حكاية حسنة فى قوله (٨) :

وقال علىّ فى التّعازى لأشعث

وخاف عليه بعض تلك المآثم (٩)

_________________

(١) الموشح : ٦٨.

(٢) الدبرة ـ بالفتح : قرحة الدابة ، وجمعها دبر وأدبار.

(٣) الموشح : ٦٩ ، ديوانه : ٦٤.

(٤) الموشح : ٦٩ ، ديوانه : ٦٥.

(٥) النحل : الشىء المعطى.

(٦) الولايا : البراذع : التى تكون تحت الرحل. والوضين : بطان عريض منسوج من سيور أو شعر يشد به الرحل على البعير.

(٧) ديوانه : ٣٩ ، الموشح : ٦٩.

(٨) ديوانه : ٣١٩.

(٩) المآثم : الذنوب.

٢١١

أتصبر للبلوى رجاء (١) وحسبة

فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم

خلقنا رجالا للتجلّد (٢) والأسى

وتلك الغوانى للبكا والمآتم

والبيت الأخير من قول عبد الله بن الزبير لما قتل مصعب : وإنما التسليم والسّلوة لحزماء الرّجال ؛ وإنّ الهلع والجزع لربّات الحجال.

وسمع قول زياد لأبى الأسود : لو لا أنك ضعيف لاستعملتك. فقال أبو الأسود :

إن كنت تريدنى للصّراع فإنى لا أصلح له ، وإلّا فغير شديد أن آمر وأنهى ؛ فقال أبو تمام (٣) :

تعجّب (٤) أن رأت جسمى نحيفا (٥)

كأن المجد يدرك بالصّراع

وزاد أبو تمام أيضا بقوله (٦) :

أطال يدى على الأيّام حتّى

جزيت صروفها (٧) صاعا بصاع

على أبى طالب فى قوله :

فإن يقتلا أو يمكن الله منهما

نكل لهما صاعا بصاع المكايل

بيت أبى تمام أصفى وأنصع.

وكذلك قوله (٨) :

من النّكبات النّاكبات (٩) عن الهوى

فمحبوبها يمشى ومكروهها يعدو

أحسن رصفا مما أخذه منه. وهو الذى أنشدنيه أبو أحمد ، قال : أنشدنا ابن دريد قال : أنشدنا الرياشى عن المعمرى ـ حفص بن عمر لبعض المسجونين :

وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا ،

إذا نحن أصبحنا ، الحديث عن الرّؤيا

فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت

وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى

__________________

(١) فى الديوان : عزاء.

(٢) فى الديوان : للتصبر.

(٣) ديوانه : ١٩٣.

(٤) فى الديوان : توجع.

(٥) فى الديوان : نحيلا.

(٦) ديوانه : ١٩٣.

(٧) فى الديوان : فروضها.

(٨) ديوانه : ١٢١.

(٩) الناكبات : المائلات.

٢١٢

وأخبرنى أبو أحمد ، قال أخبرنى الصولى ، قال حدّثنى أبو بكر هارون بن عبد الله المهلبى ، قال : كنا فى حلقة دعبل ، فجرى ذكر أبى تمام ، فقال دعبل : كان يتتبّع معانىّ فيأخذها ، فقال له رجل فى مجلسه : ما من ذلك أعزّك الله؟ فقال : قلت (١) :

وإنّ امرأ أسدى إلىّ بشافع

إليه ويرجو الشّكر منّى لأحمق

شفيعك فاشكر فى الحوائج إنّه

يصونك عن مكروهها وهو يخلق

وقال هو ، يمدح يعقوب بن أبى ربعى (٢) :

إنّ الأمير بلاك فى أحواله

فرآك أهزعه غداة نضاله (٣)

فمتى أقوم (٤) بحقّ شكرك إذ جنت

بالغيب كفّك لى ثمار نواله

فلقيت بين يديك حلو عطائه

ولقيت بين يدىّ مرّ سؤاله

وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعه

من جاهه فكأنّها من ماله

فقال الرجل : أحسن والله! فقال دعبل : كذبت قبّحك الله! قال : لئن كان سبق بهذا المعنى فتبعته لما أحسنت ، وإن كان أخذه منك لقد أجاد ، فصار أولى به منك! فغضب دعبل وقام.

وسمع بشّار قول المجنون (٥) :

ألا إنّما ليلى عصا خيزرانة

إذا غمزوها بالأكفّ تلين

فقال : والله لو جعلها عصا من زبد أو مخّ لما أحسن ؛ ألا قال كما قلت (٦) :

وحوراء المدامع (٧) من معدّ

كأنّ حديثها قطع الجمان (٨)

إذا قامت لسبحتها (٩) تثنّت

كأنّ عظامها من خيزران

__________________

(١) الموازنة : ٢٩.

(٢) ديوانه : ٢٤٠ ، الموازنة : ٢٩ ، وفى الديوان : وقال لإسحاق بن أبى ربعى.

(٣) الأهزع : السهم الأخير يخبأ للشدائد.

(٤) فى الديوان : فمتى النهوض.

(٥) الموشح : ١٥٦ ، المختار من شعر بشار : ٣٤.

(٦) الموشح : ١٦٥ ، المختار من شعر بشار : ٣٤.

(٧) فى الموشح : وبيضاء المحاجر.

(٨) فى الموشح : ثمر الجنان.

(٩) فى الموشح : لصحبتها ، وفى المختار : لمشيتها

٢١٣

ولما قال بشّار (١) :

من راقب الناس لم يظفر بحاجته

وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج

تبعه سلم الخاسر ، فقال (٢) :

من راقب النّاس مات غمّا

وفاز باللّذة الجسور

فلما سمع بشار هذا البيت قال : ذهب ابن الفاعلة ببيتى.

ومن حسن الاتباع أيضا قول إبراهيم بن العباس حيث كتب : إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه ، وللمسيء من العقاب ما يقمعه ، ازداد المحسن فى الإحسان رغبة ، وانقاد المسيء للحق رهبة. أخذه من قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ـ أخبرنا به أبو أحمد ، قال أخبرنا أبو بكر الجوهرى ، قال : أخبرنا أبو يعلى المنقرى ، قال : أخبرنا العلاء بن الفضل بن جرير قال : قال على بن أبى طالب رضى الله عنه : يجب على الوالى أن يتعهّد أموره ، ويتفقّد أعوانه ، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ، ولا إساءة مسىء. ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء ؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن ، واجترأ المسيء ، وفسد الأمر ، وضاع العمل.

وسمع بعض الكتّاب قول نصيب (٣) :

فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

فكتب : ولو أمسك لسانى عن شكرك لنطق على أثرك.

وفى فصل آخر :

ولو جحدتك إحسانك لأكذبتنى آثاره ، ونمّت علىّ شواهده.

وقريب منه قولهم : شهادات الأحوال أعدل من شهادات الرجال ، أخذه ابن الرومى فشرحه فى قوله (٤) :

__________________

(١) المختار من شعر بشار : ٤٧.

(٢) المختار من شعر بشار : ٤٧.

(٣) عيون الأخبار : ١ ـ ٢٩٩.

(٤) ليست فى ديوانه المطبوع بين أيدينا.

٢١٤

حال انسداد فمى عمّا يريبكم

لكن فم الحال منّى غير مسدود

حال تصيح بما أوليت معلنة

وكلّ ما تدّعيه غير مردود

كلى هجاء وقتلى لا يحلّ لكم

فما يداريكم منى سوى الجود

وقريب منه أيضا قول الشاعر (١) :

أأقاتل الحجّاج عن سلطانه

بيد تقرّ بأنّها مولاته

ما ذا أقول إذا وقفت إزاءه

فى الصّفّ واحتجّت له فعلاته

أخذه أبو تمام فقال (٢) :

أألبس (٣) هجر القول من لو هجوته

إذا لهجانى عنه معروفه عندى

وممن أحسن الاتباع أيضا أحمد بن يوسف ـ وقد سمع قول على رضى الله عنه : لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما أوتى ، ويلتمس الزيادة فيما بقى. فكتب : أحق من أثبت لك العذر فى حال شغلك من لم يخل ساعة من برّك فى وقت فراغك.

وأخذه أخذا ظاهرا أحمد بن صبيح فقال : فى شكر ما تقدّم من إحسان الأمير شاغل عن استبطاء ما تأخّر منه.

وأخذه سعيد بن حميد فقال : لست مستقلا لشكر ما مضى من بلائك ، فاستبطى درك ما أؤمّل من مزيدك.

ومن هذا أيضا قول أبى نواس (٤) :

لا تسدينّ إلىّ عارفة

حتّى أقوم بشكر ما سلفا

وأخبرنى أبو أحمد ، قال : أخبرنى على بن سليمان الأخفش ، قال ، قال أبو تمام لابن أبى داود لمّا غضب عليه : أنت الناس كلّهم ، ولا طاقة لى بغضب جميع.

__________________

(١) الموازنة : ٣١.

(٢) الموازنة : ٣١ ، ديوانه : ١٣٩.

(٣) فى الديوان والموازنة : أسربل.

(٤) ديوانه : ٧١.

٢١٥

الناس. فقال ابن أبى دواد : ما أحسن هذا! من أين أخذته؟ قال : من قول أبى نواس (١) :

وليس لله (٢) بمستنكر

أن يجمع العالم فى واحد

ومن سمع هذا الكلام يظنه مسروقا من قول جرير (٣) :

إذا غضبت علىّ بنو تميم

حسبت النّاس كلّهم غضابا

وأخبرنا أبو أحمد قال : أخبرنا الأخفش ، قال : أخبرنا المبرد عن الجاحظ قال ، سمع قليب المعتزلى أبياتا للعتبى ، وهى :

أفلت بطالته وراجعه

حلم وأعقبه الهوى ندما

ألقى عليه الدّهر كلكله

وأعاره الإقتار والعدما

فإذا ألمّ به أخو ثقة

غضّ الجفون ومجمج (٤) الكلما

فقال لبعض الملوك يستعطفه على رجل من أهله : جعلنى الله فداءك ، ليس هو اليوم كما كان ، إنه وحياتك أفلت بطالته ، أى والله ، وراجعه حلمه ، وأعقبه ـ وحقّك ـ الهوى ندما ؛ أنحى الدهر ـ والله ـ عليه بكلكله ؛ فهو اليوم إذا رأى أخا ثقة غضّ بصره ، ومجمج كلامه.

وبهذا يعرف أنّ حلّ المنظوم ، ونظم المحلول أسهل من ابتدائهما ؛ لأنّ المعانى إذا حلّت منظوما أو نظمت منثورا حاضرة بين يديك تزيد فيها شيئا فينحلّ ، أو تنقص منها شيئا فينتظم ، وإذا أردت ابتداء الكلام وجدت المعانى غائبة عنك فتحتاج إلى فكر يحضركها.

والمحلول من الشعر على أربعة أضرب ؛ فضرب منها يكون بإدخال لفظة بين ألفاظه. وضرب ينحلّ بتأخير لفظة وتقديم أخرى فيحسن محلوله ويستقيم.

__________________

(١) الوساطة : ٢٥٠.

(٢) فى الوساطة : وليس على الله.

(٣) ديوانه : ٧٨.

(٤) من مجمج الكتاب : لم يبين حروفه.

٢١٦

وضرب منه ينحلّ على هذا الوجه ولا يحسن ولا يستقيم. وضرب تكسو ما تحلّه من المعانى ألفاظا من عندك وهذا أرفع درجاتك.

فأما الضرب الأول فمثاله ما تقدّم من صدر كلام قليب المعتزلى (١) وأما الضرب الثانى فمثاله ما ذكره بعض الكتاب من قول البحترى (٢) :

نطلب الأكثر فى الدنيا وقد

نبلغ الحاجة فيها بالأقلّ

ثم قال : فإذا نثرت ذلك ولم تزد فى ألفاظه شيئا قلت : نطلب فى الدنيا الأكثر ، وقد نبلغ منها الحاجة بالأقل.

وقوله (٣) :

أطل جفوة الدّنيا وتهوين شأنها

فما الغافل المغرور فيها بعاقل

يرجّى الخلود معشر ضلّ سعيهم (٤)

ودون الّذى يبتغون (٥) غول الغوائل

إذا ما حريز القوم بات وما له

من الله واق فهو بادى المقاتل

فإذا ما نثرت ذلك من غير أن تزيد فى ألفاظه شيئا قلت : أطل تهوين شأن الدنيا وجفوتها ؛ فما المغرور الغافل فيها بعاقل ؛ ويرجو معشر ضلّ رأيهم الخلود ، وغول الغوائل دون ما يرجون ؛ وإذا بات حريز القوم ما له واق من الله فهو بادى المقاتل.

وهذا المعنى مأخوذ من قول التغلبى :

لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتّقى

إذا هو لم يجعل له الله واقيا

وأما الضرب الثالث فهو أن توضع ألفاظ البيت فى مواضع ، ولا يحسن وضعها فى غيرها ، فيختلّ إذا نثر بتأخير لفظ وتقديم آخر ، فتحتاج فى نثره إلى النقصان

__________________

(١) صفحة ٢١٦ من هذا الكتاب.

(٢) ديوانه ٢ : ١٨١.

(٣) ديوانه : ٢ ـ ٢١٧.

(٤) فى الديوان : رأيهم.

(٥) فى الديوان : يرجون.

٢١٧

منه والزيادة فيه ، كقول البحترى (١) :

يسرّ بعمران الدّيار مضلّل

وعمرانها مستأنف من خرابها

ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئها

فكيف ارتضائيها أوان ذهابها

فإذا نثر على الوجه قيل : يسر مضلّل بعمران الدنيا ، ومن خرابها عمرانها مستأنف ، ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا ؛ فكيف أوان ذهابها ارتضائيها.

فهذا نثر فاسد ؛ فإذا غيّرت بعض ألفاظه حسن وهو أن تقول : يسرّ المضلّل بعمران الديار ، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها ، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها ؛ فكيف أرتضيها أوان ذهابها؟

ونحن نقول : إنّ من النظم ما لا يمكن حلّه أصلا بتأخير لفظة وتقديم أخرى منه حتى يلحق به التغيير والزيادة والنقصان مثل قول الشاعر :

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم

فالمصراع الأول يمكن أن تؤخّر ألفاظه (٢) وتقدّم ؛ فيصير نثرا مستقيما ؛ وهو أن تقول : فؤاد الفتى نصف ولسانه نصف. ولا يمكن فى المصراع الثانى ذلك حتى تزيد فيه أو تنقص منه ؛ فتقول : لسان الفتى نصف وفؤاده نصف ، وصورته من اللحم والدم فضل لا غناء بها دونهما ولا معوّل عليها إلا معهما.

وزيادة الألفاظ التى تحصل فيه ليست بضائرة ؛ لأنّ بسط الألفاظ فى أنواع المنثور سائغ ؛ ألا ترى أنها (٣) تحتاج إلى الازدواج ، ومن الازدواج ما يكون بتكرير كلمتين لهما معنى واحد ، وليس ذلك بقبيح إلّا إذا اتّفق لفظاهما.

ويسوغ هذا فى الشعر أيضا كقول البحترى (٤) :

بودّى لو يهوى العذول ويعشق

فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق

__________________

(١) ديوانه : ١ ـ ٤٧.

(٢) فى ط : لفظه.

(٣) أى أنواع المنثور.

(٤) ديوانه : ٢ ـ ١٢٤.

٢١٨

فيهوى ، ويعشق سواء فى المعنى وهو حسن ؛ إلّا أنّ أكثر ما يحسن فيه إيراد المعنى على غاية ما يمكن من الإيجاز.

ومعنى قوله : «فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدم». داخل فى قوله : «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده». والمصراع الثانى إنما هو تذييل للمصراع الأوّل ؛ فإذا أردت أن تحلّه حلّا مقتصرا بغير لفظه قلت : الإنسان شطران : لسان وجنان.

ومما لا يمكن حلّه بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى أيضا قول أبى نواس :

ألا يا ابن الذين فنوا وبادوا

أما والله ما ذهبوا لتبقى

فتحل المصراع الأول فتقول : ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا ؛ فيحسن. وتقول فى المصراع الثانى : لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا ، أما والله ؛ فلا يكون ذلك شيئا ؛ فتحتاج فى نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه ؛ فتقول : ألا يا ابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء ؛ أما والله ما ظعنوا لتقيم ، ولا راموا إلّا لتريم ، ولا ماتوا لتحيا ، ولا فنوا لتبقى.

وفى هذه الألفاظ طول ، وليس بضائر على ما خبّرتك ؛ فإن أردت اختصاره قلت : أما والله إنّ الموت لم يصبك فى أبيك إلّا ليصيبك فيك.

والضرب الرابع أن تكسو ما تحلّه من المنظوم ألفاظا من عندك ؛ وهذا أرفع درجاتك.

رجوع إلى السرقات

ثم نرجع إلى السرقات : قال بعضهم للربيع بن خيثم ، وقد رأى اجتهاده فى العبادة : أتعبت نفسك ، قتلت نفسك. فقال : راحتها أطلب. فقال الشاعر (١) :

سأطلب بعد الدّار عنكم ، لتقربوا

وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا

__________________

(١) الوساطة : ٢٢٩ ، معاهد التنصيص : ١ ـ ٢٠. والقائل : العباس بن الأحنف.

٢١٩

وقال غيره (١) :

تقول سليمى لو أقمت بأرضنا

ولم تدر أنّى للمقام أطوّف

ومثل ذلك أن بعضهم رأى أعرابيا مقبلا إلى مكة ليصوم فيها شهر رمضان والحرّ شديد ؛ فقال له : أتجمع على نفسك الصوم وحرّ تهامة؟ فقال : من الحرّ أفرّ! وقيل لروح بن قبيصة بن المهلب ، وهو واقف فى الشمس على باب الخليفة : لقد طال وقوفك فى الشمس! فقال : الظلّ أريد ؛ فقال أبو تمام (٢) :

أآلفة النّحيب كم افتراق

أظلّ فكان داعية اجتماع

وليست فرحة الأوبات إلّا

لموقوف على ترح الوداع

وقال امرؤ القيس (٣) :

فبعض اللّوم عاذلتى فإنّى

ستكفينى التّجارب وانتسابى

يقول : لا أنتسب إلا إلى ميت.

وقال لبيد (٤) :

فإن لم تجد من دون عدنان والدا

ودون معدّ فلترعك العواذل

فأخذه الحسن البصرى ، فقال نثرا : إنّ امرأ لم يعد بينه وبين آدم عليه‌السلام إلا أبا ميتا لمعرق له فى الموت ؛ فأخذه أبو نواس ، فقال (٥) :

وما الناس إلّا هالك وابن هالك

وذو نسب فى الهالكين عريق (٦)

وقال الله عزوجل : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) ، فأخذه الشاعر فقال ـ وقصّر عنه :

__________________

(١) الوساطة : ٢٢٩ ، التبيان : ٢ ـ ٣٨٨. والقائل : عروة بن الورد.

(٢) الوساطة : ٢٢٩ ، ديوانه : ١٩٣.

(٣) ديوانه : ١٢١.

(٤) شرح ديوان امرئ القيس : ١٢١.

(٥) ديوانه : ١٩٢.

(٦) رواية البيت فى الديوان :

أرى كل حى هالكا وابن هالك

وذا نسب فى العالمين عريق

٢٢٠