🚘

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨
🚘 نسخة غير مصححة

وكان يقول : ما استؤنف إنّ ـ إلا وقع الفصل ، وكان جبل بن يزيد يفصّل بين الفاءات كلها ، وقد كره بعض الكتبة ذلك وأحبه بعض ، وفصل المأمون عند «حتى» كيف وقعت ، وأمر كتابه بذلك ، فغلط أحمد بن يوسف ، ووصل حتى بما بعده من اللفظ ، فلما عرض الكتاب على المأمون أمر بإحضاره ، فقال : لعن الله هذه القلوب حين اكنّت العلوم بزعمكم ، واجتنت ثمر لطائف الحكمة بدعواكم ؛ قد شغلتموها باستظراف ما عزب عنكم علمه عن تفهّم ما رويتموه ، وتفحّص ما جمعتموه ، وتعرف ما استقدمتموه ؛ أليس قد تقدمنا إليكم بالفصل عند «حتى» حيثما وقعت من الألفاظ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قد ينبو السيف وهو صميم ، ويكبو الجواد وهو كريم. وكان لا يعود فى شيء من ذلك ، وكان يأمر كتابه بالفصل بين ؛ بل وبلى ، وليس.

وأمر عبد الملك كتابه بذلك إلا «ليس». وقال المأمون ما أتفحّص من رجل شيئا كتفحّصى عن الفصل والوصل فى كتابه ، والتخلّص من المحلول إلى المعقود ، فإنّ لكل شيء جمالا ، وحلية الكتاب وجماله إيقاع الفصل موقعه ، وشحذ الفكرة وإجالتها فى لطف التخلص من المعقود إلى المحلول.

المعقود والمحلول

وقلنا : إن المعقود والمحلول هاهنا هو أنك إذا ابتدأت مخاطبة ، ثم لم تنته إلى موضع التخلّص ممّا عقدت عليه كلامك سمى الكلام معقودا ، وإذا شرحت المستور وأبنت عن الغرض المنزوع إليه سمّى الكلام محلولا.

المثال

مثال ذلك ما كتب بعضهم ، وجرى لك من ذكر ما خصّك الله به ، وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدرة ، وبعد الهمّة والذكر ، وكمال الأداة والآلة والتمهد فى السياسة والإيالة ، وحياطة أهل الدين والأدب ، وإنجاد عظيم الحق بضعيف السبب ، ما لا يزال يجرى مثله عند كلّ ذكر يتخذ ذلك ، وحديث يؤثر عنك. فالكلام من أول الفصل إلى آخر قوله «بضعيف السبب» معقود ، فلما اتصل بما بعده صار محلولا.

وما كتب بعضهم : ربما كانت مودّة السبب أوكد من مودة النّسب ؛ لأن المودة التى تدعو إليها رغبة أو رهبة ، أو شكر نعمة ، أو شاكلة فى صناعة ، أو مناسبة

٤٤١

بمشاكلة مودة معروفة وجوهها ، موثوق بخلوصها فتوكدها بحسب السبب الداعى إليها ، ودوامها بدوامه واتصالها باتصاله ؛ ومودة القربى وإن أوجبتها اللّحمة ، فهى مشوبة بحسد ونفاسة ؛ وبحسب ذلك يقع التقصير فيما يوجبه الحال ، والإضاعة لما يلزم من الشكر ، والله يعلم أنى أودك مودّة خالصة لم تدع إليها رغبة فيزيلها استغناء عنها ، ولا اضطرت إليها رهبة ؛ فيقطعها أمن منها ، وإن كنت مرجوا للموهبات بحمد الله ؛ ومقصدا من مقاصد الرغبات ، وكهفا وحرزا من الموبقات. فهذا الكلام كله معقود إلى قوله : «مشاكلة مودة» فلما اتصل بما بعده صار محلولا.

عيبه

وقال بعضهم : انظر سدّدك الله ألّا تدعوك مقدرتك على الكلام إلى إطاله المعقود ؛ فإن ذلك فساد ما أكننته فى صدرك ، وأردت تضمينه كتابك. واعلم أن إطالة المعقود يورث نسيان ما عقدت عليه كلامك ، وأرهفت به فكرتك.

أجود ذلك

وكان شبيب بن شبة يقول : لم أر متكلما قطّ أذكر لما عقد عليه كلامه ، ولا أحفظ لما سلف من نطقه من خالد بن صفوان ، يشبع المعقود بالمعانى التى يصعب الخروج منها إلى غيرها ، ثم يأتى بالمحلول واضحا ، بينا مشروحا منورا. وكان السامع لا يعرف مغزاه ومقصده ، فى أول كلامه حتى يصير إلى آخره.

وقال بعضهم : ليس يحمد من القائل أن يعمى معرفة مغزاه على السامع لكلامه فى أول ابتدائه ، حتى ينتهى إلى آخره ؛ بل الأحسن أن يكون فى صدر كلامه دليل على حاجته ومبيّن لمغزاه ومقصده ؛ كما أن خير أبيات الشعر ما إذا سمعت صدره عرفت قافيته. وكان شبيب بن شبة يقول : الناس موكّلون بتعظيم جودة الابتداء وبمدح صاحبه ؛ وأنا موكّل بتعظيم جودة المقطع وبمدح صاحبه ؛ وخير الكلام ما وقف عند مقاطعه ، وبيّن موقع فصوله.

مما لم يبين موضع الفصل فيه

قلنا : ومما لم يبين موضع الفصل فيه فأشكل الكلام قول المخبّل للزبرقان ابن بدر :

٤٤٢

وأبوك بدر كان ينتهس الحصى

وأبى الجواد ربيعة بن قبال (١)

فقال الزّبرقان : لا بأس ، شيخان اشتركا فى صنعة.

وقلّما رأينا بليغا إلا وهو يقطع كلامه على معنى بديع ؛ أو لفظ حسن رشيق.

مثال المقطع الحسن فى الشعر

قال لقيط فى آخر قصيدة : (٢)

لقد محضت لكم ودّى بلا دخل (٣)

فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا

فقطعها على كلمة حكمة عظيمة الموقع.

ومثله قول امرئ القيس (٤) :

ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوة

وبعد الشباب طول عمر وملبسا (٥)

فقطع القصيدة أيضا على حكمة بالغة.

وقال أبو زبيد الطائى فى آخر قصيدة (٦) :

كلّ شيء تحتال فيه الرجال

غير أن ليس للمنايا احتيال

وقال أبو كبير (٧) :

فإذا وذلك ليس إلا ذكره

وإذا مضى شيء كأن لم يفعل

فينبغى أن يكون آخر بيت قصيدتك أجود بيت فيها ، وأدخل فى المعنى الذى قصدت له فى نظمها ؛ كما فعل ابن الزّبعرى فى آخر قصيدة يعتذر فيها إلى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويستعطفه :

فخذ الفضيلة عن ذنوب قد خلت

واقبل تضرّع مستضيف تائب

فجعل نفسه مستضيفا ، ومن حق المستضيف أن يضاف ، وإذا أضيف فمن حقه أن يصان ، وذكر تضرّعه وتوبته مما سلف ، وجعل العفو عنه مع هذه الأحوال فضيلة ؛ فجمع فى هذا البيت جميع ما يحتاج إليه فى طلب العفو.

__________________

(١) انتهاس الحصى : خضمه ، وفى ا «ينتهش».

(٢) مختارات ابن الشجرى ٦ ، مهذب الأغانى ١ : ١٥١

(٣) الدخل : الغش.

(٤) ديوانه : ١٤٢.

(٥) القنوة : بالكسر وتضم : الكسبة من المال يقتنيه ورواية الديوان : «بعد المشيب».

(٦) مهذب الأغانى ١ : ٨٦.

(٧) شعراء الهذليين ٢ : ١٠٠.

٤٤٣

وقول تأبط شرا فى آخر قصيدته (١) :

لتقرعنّ علىّ السّنّ من ندم

إذا تذكرت يوما بعض أخلاقى

هذا البيت أجود بيت فيها لصفاء لفظه ، وحسن معناه.

ومثله قول الشنفرى فى آخر قصيدة (٢) :

وإنى لحلو إن أريد حلاوتى

ومرّ إذا نفس العزوف أمرّت

أبىّ لما آبى قريب مقادتى

إلى كل نفس تنتحى فى مسرتى

فهذان البيتان أجود ما فخر به من هذه القصيدة.

وقال بشر بن أبى خازم فى آخر قصيدته (٣) :

ولا ينجى من الغمرات إلا

براكاء (٤) القتال أو الفرار

فقطعها على مثل سائر ؛ والأمثال أحب إلى النفوس لحاجتها إليها عند المحاضرة والمجالسة. وقال الهذلى (٥) :

عصاك الأقارب فى أمرهم

فزايل بأمرك أو خالط

ولا تسقطنّ سقوط النوا

ة من كف مرتضخ لاقط

مثال من النثر

فقطعها على تشبيه مليح ومثل حسن ، وهكذا يفعل الكتاب الحذاق ، والمترسلون المبرزون ؛ ألا ترى ما كتب الصاحب فى آخر رسالة له : فإن حنثت فيما حلفت ، فلا خطوت لتحصيل مجد ، ولا نهضت لاقتناء حمد ؛ ولا سعيت إلى مقام فخر ؛ ولا حرصت على علوّ ذكر ، وهذه اليمين التى لو سمعها عامر بن الظرب لقال هى الغموس ؛ لا القسم باللّات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. فأتى بأيمان ظريفة ومعان غريبة.

وكتب أيضا فى آخر رسالة : وأنا متوقّع لكتابك ؛ توقّع الظمآن للماء الزلال ؛ والصوّام لهلال شوال.

وكتب آخر أخرى (٦) ؛ وسأل أن أخلفه فى تجشيم مولاى إلى هذا المجمع ليقرب علينا تناول

__________________

(١) المفضليات ١ : ٣١.

(٢) مهذب الأغانى ١ : ٩٧.

(٣) اللسان (برك).

(٤) البراكاء : الثبات فى الحرب والجد.

(٥) ديوان الهذليين ٢ : ١٩٦.

(٦) فى ا «وكتب آخر»

٤٤٤

البدر بمشاهدته ؛ ولمس الشمس بغرته. فانظر كيف يقطّع كلماته على كل معنى بديع ، ولفظ شريف.

من حسن المقطع جودة

الفاصلة وذلك على

ثلاثة أضرب الضرب

الأول :

ومن حسن المقطع جودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكّنها فى موضعها ، وذلك على ثلاثة أضرب : فضرب منها أن يضيّق على الشاعر موضع القافية ، فيأتى بلفظ قصير قليل الحروف فيتمم به البيت ، كقول زهير (١) :

وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله

ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى

وقول النابغة (٢) :

كالأقحوان غداة غب سمائه (٣)

جفّت أعاليه وأسفله ندى

وقال الأعشى :

وكأس شربت على لذّة

وأخرى تداويت منها بها

وقول امرئ القيس (٤) :

مكرّ مفر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطّه السّيل من عل

وقول طرفة (٥) :

إذا ابتدر القوم السلاح وجدتنى

منيعا إذا بلّت بقائمه يدى

وقول النابغة (٦) :

زعم الهمام ولم أذقه أنه

يشفى ببرد لثاتها العطش الصّدى

وقال آخر :

ألا يا غرابى بينها لا تصدّعا

فطيرا جميعا بالنوى أو قعامعا

وقول متمم (٧) :

فلما تفرقنا كأنى ومالكا

لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

__________________

(١) ديوانه ٢٩.

(٢) ديوانه ٣٧.

(٣) السماء : المطر.

(٤) من المعلقة وديوانه ٣٤.

(٥) المعلقات ٩٣.

(٦) ديوانه ٣٧.

(٧) مهذب الأغانى ٢ : ١٨٢.

٤٤٥

وقول الأعشى :

فظلت أرعاها وظل يحوطها

حتى دنوت إذا الظلام دنا لها

وقول النابغة (١) :

لا مرحبا بغد ولا أهلا به

إن كان تفريق الأحبة فى غد

أفد الترحل غير أن ركابنا

لما تزل برحالنا وكأن قد

وقول ابن أحمر (٢) :

وقال عدى بن زيد (٣) :

فإن كانت النعماء عندك لامرئ

فمثّل بها واجز المطالب أو زد (٤)

وقال ابن أبى حية :

فقلن لها سرّا فديناك لا يرح

صحيحا وإلا تقبليه فألممى

فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت

بأحسن موصولين كفّ ومعصم

وقالت فلما أفرغت فى فؤاده

وعينيه منها السحر قلن له قم

فودّ بجدع الأنف لو أنّ صحبه

تنادوا وقالوا فى المناخ له نم

ومن شعر المحدثين قول ابن أبى عيينة :

دنيا دعوتك مسمعا فأجيبى

وبما اصطفيتك للهوى فأثيبى

دومى أدم لك بالوفاء على الصّفا

إنى بعهدك واثق فثقى بى

وقال آخر :

أتتنى تؤنبنى فى البكا

فأهلا بها وبتأنيبها

تقول وفى قولها حشمة

ترانى بعين وتبكى بها

فقلت إذا استحسنت غيركم

أمرت الدموع بتأديبها

فقوله : «ترانى بعين وتبكى بها» حسن الوقع جدا.

__________________

(١) ديوانه ٣٥.

(٢) كذا فى الأصول ، ولم يذكر الشعر.

(٣) شعراء النصرانية ٤٦٥.

(٤) فى شعر النصرانية : «واردد»

٤٤٦

وقلت :

سيقضى لى رضاك بردّ مالى

ويعمد حسن رأيك كشف ما بى

وقلت :

وذقت مهوى النجم ريقا خصرا

لو كان من ناجود خمر ما عدا

وقد تنعمت بنشر عطر

لو كان من فارة مسك كان دا

الضرب الثانى

والضرب الآخر : وهو أن يضيق به المكان أيضا ، ويعجز عن إيراد كلمة سالمة تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت ؛ فيأتى بكلمة معتلة لا تحتاج إلى الإعراب ، فيتمه به ؛ مثل قول امرئ القيس :

بعثنا ربيا قبل ذاك مخملا

كذئب الغضا يمشى الضّراء ويتقى (١)

وقول زهير (٢) :

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو

وأقفر من سلمى التّعانيق فالثقل (٣)

ثم قال : (٤)

وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا

على صير أمر ما يمرّ وما يحلو (٥)

وقال (٦) :

لذى الحلم من ذبيان عندى مودة

وحفظ ومن يلحم (٧) إلى الشّرّ أنسج

مخوف كأنّ الطير فى منزلاته

على جيف الحسرى مجالس تنتجى (٨)

وقوله (٩) :

وأراك تفرى ما خلقت وبع

ض القوم يخلق ثم لا يفرى (١٠)

__________________

(١) مشى الضراء : ه المشى فيما يواريك ممن تكيده وتختله.

(٢) ديوانه ٩٦.

(٣) التعانيق والثقل : واديان.

(٤) ديوانه : ٩٦.

(٥) صير أمر : منتهاه وصيرورته.

(٦) ديوانه ٣٢٤.

(٧) اللحمة : ما نسج عرضا.

(٨) الحسرى : المعيية ، تنتجى ، من المناجاة.

(٩) ديوانه ٩٤.

(١٠) الخالق : الذى يقدر للقطع ، وهو مثل.

٤٤٧

وقول أبى كبير (١) :

ولقد ربأت إذا الصحاب تواكلوا

جمر الظّهيرة فى البقاع الأطول (٢)

فى رأس مشرفة القذال كأنما

أطر السحاب بها رياض المجدل (٣)

ومعابلا صلع الظبات كأنها

جمر بمسهكة تشبّ لمصطلى (٤)

فقوله : «لمصطلى» متمكنة فى موضعها.

وقول ذى الرّمة (٥) :

أراح فريق جيرتك الجمالا

كأنهم يريدون احتمالا

فكدت أموت من حزن عليهم

ولم أر حادى الأظعان بالى

فقوله : بالى ، عجيبة الموقع ، أخذه من قول زهير (٦) :

لقد باليت مظعن أمّ أوفى

ولكن أم أو فى لا تبالى (٧)

وقول الحطيئة (٨) :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى

وقال آخر :

وجوه لو انّ المدلجين اعتشوا بها

صدعن الدّجى حتى ترى الليل ينجلى

الضرب الثالث

والضرب الثالث : أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدّمها من ألفاظ الجزء من الرسالة أو البيت من الشعر ؛ وتكون مستقرة فى قرارها ، ومتمكنة فى موضعها ؛ حتى لا يسدّ مسدها غيرها ؛ وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف ، كقول الله تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) ، وقوله تعالى : (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) ،

__________________

(١) ديوان الهذليين ٢ ـ ٩٦.

(٢) ربأت ، من ربأ القوم يربؤهم إذا اطلع عليهم من شرف. وفى الديوان : حم الظهيرة

(٣) أطر السحاب : اعوجاج تراه فيه ، والأطر هنا مصدر واقع فى معنى المفعول.

(٤) المعابل ، بالفتح جمع معبلة بالكسر ، وهى نصل طويل عريض. والمسهكة : ممر الريح إذا مرت مرا شديدا.

(٥) ديوانه ٦٢.

(٦) ديوانه ٣٤٢.

(٧) باليت ، من المبالاة ، مظعنها : مسيرها

(٨) ديوانه ٥٤.

٤٤٨

فأبكى مع أضحك وأحيا مع أمات ، والأنثى مع الذكر ، والأولى مع الآخرة ، والرضا مع العطية فى نهاية الجودة ، وغاية حسن الموقع.

من الشعر

ومن الشعر قول الحطيئة (١) :

هم القوم الّذين إذا ألمت

من الأيام مظلمة أضاءوا

وقول عدى بن الرقاع (٢) :

صلّى الإله على امرئ ودّعته

وأتمّ نعمته عليه وزادا

وقول زياد بن جميل :

هم البحور عطاء حين تسألهم

وفى اللقاء إذا تلقى بهم بهم

وهذا مستحسن جدّا لما تضمن من التجنيس.

ومن ذلك قول البحترى :

ظللنا نرجم فيك الظنون

أحاجبه أنت أم حاجمه

وقول أبى نواس (٣) :

إذا امتحن الدنيا لبيت تكشفت

له عن عدوّ فى ثياب صديق

الصديق هاهنا جيّد الموقع ؛ لأنّ معنى البيت يقتضيه ، وهو محتاج إليه.

وقول جميل :

ويقلن إنّك قد رضيت بباطل

منها فهل لك فى اعتزال الباطل

الباطل ، هاهنا جيد الموقع لمطابقته مع الباطل الأول ؛ وقلت :

وقد زيّنت أسواقه بطرائف

إذا انصرفت عنها العيون تعود

تعود ، هاهنا جيّد متمكن الموقع.

__________________

(١) ديوانه : ٢٧.

(٢) فى ط «الرقاش» ، وصوابه فى ا

(٣) ديوانه : ١٩٢.

٤٤٩

ومما عيب من القوافى قول ابن قيس الرقيات ، وقد أنشد عبد الملك :

مما عيب من القوافى

إنّ الحوادث بالمدينة قد

أوجعننى وقرعن مروتيه

وجببننى جبّ السّنام فلم

يتركن ريشا فى مناكبيه

فقال له عبد الملك : أحسنت إلّا أنك تخنّثت فى قوافيك ، فقال : ما عدوت قول الله عزوجل : (ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) ، وليس كما قال ؛ لأنّ فاصلة الآية حسنة الموقع ، وفى قوافى شعره لين.

من عيوب القوافى

ومن عيوب القوافى أن تكون القافية مستدعاة لا تفيد معنى ، وإنما أوردت ليستوى الروىّ فقط ، مثل قول أبى تمام (١) :

كالظبية الأدماء صافت فأرتعت

زهر العرار الغضّ والجثجاثا (٢)

ليس فى وصف الظبية أنها ترتعى الجثجاث فائدة ، وسواء رعت الجثجاث أو القلّام أو غير ذلك من النبت ، وإذا قصد لنعت الظبية بزيادة حسن قيل إنها تعطو الشجر ؛ لأنها حينئذ ترفع رأسها ، فيطول جيدها وتظهر محاسنها ؛ كما قال الطّرمّاح (٣) :

مثل ما عاينت مخروفة (٤)

نصّها ذاعر روع مؤام

يصف أنها مذعورة تفتح عينيها وتمدّ جيدها ؛ فيبدو للعين محاسنها.

وقال زهير (٥) : وقريب منه قول الآخر :

وسابغة الأذيال زغف (٦) مفاضة

تكنّفها منّى بجاد مخطّط

وليس لتخطيط البجاد معنى يرجع إلى الدرع ، ولا إلى السيف.

ومثله قول الآخر :

أأنشر البر فيمن ليس يعرفه

وأنثر الدر بين العمى فى الغلس

__________________

(١) ديوانه : ٦٣.

(٢) الأدماء : البيضاء بسمرة. العرار : نبت. الغض : الناعم. الجثجاث : من أحرار البقول.

(٣) اللسان (خرف).

(٤) مخروفة : أصابها مطر الخريف.

(٥) كذا فى ا ونسبه لزهير ، ولم نعثر عليه فى الديوان ؛ وفى ط نسبه إلى آخر ، وفى الهامش ذكر أن قائله على بن محمد البصرى.

(٦) الزغف : الدرع المحكمة.

٤٥٠

ليس لذكر الغلس مع العمى معنى ؛ لأن الأعمى يستوى عنده الغلس والهاجرة ، ولو قال العمش لكان أقرب من العمى ، على أن الجميع لا خير فيه.

ومن هذا النوع قول القرشى :

ووقيت الحتوف من وارث وا

ل وأبقاك صالحا ربّ هود

ليس نسبة الله تعالى إلى أنه رب هود بأولى من نسبته إياه عزّ اسمه إلى أنه رب نوح أو غيره.

وقول ابن الرومى :

ألا ربما سؤت الغيور وساءنى

وبات كلانا من أخيه على وحر

وقبّلت أفواها عذابا كأنها

ينابيع خمر حصّبت لؤلؤ البحر

فقوله : «لؤلؤ البحر» أفسد البيت وأطفا نور المعنى ؛ لأن اللؤلؤ لا يكون فى غير البحر ، فنسبته إلى البحر لا فائدة فيه إلا إقامة الروى على ما قدمناه.

ورأيت المعنى جيدا فقلت :

مرّ بنا يستميله السّكر

وكيف يصحو وريقه خمر

قبلت فيه على مراقبة

ينبوع خمر حصباؤه درّ

من القوافى الرديئة

ومن القوافى الرديئة قول رؤبة (١) :

يكسين من لين الشباب نيما

النيم : الفرو ، وأىّ حسن للفرو فيشبه به شباب النساء! وما قال أحد : عليه من الشباب أو من الحسن فرو ؛ وإنما يقال : رداء الشباب ، وبرد الشباب ، وثوب الشباب ؛ ولم يقولوا : قميص الشباب ، وهو أقرب من الفرو. ولو قاله قائل لم يحسن لأنه لم يستعمل ، وإنما احتاج إلى الميم فوقع فى هذه الرذيلة.

وهذا باب لو أطلقت العنان فيه لطال فيشغل الأوراق الكثيرة ، ويصرم فيه الزمان الطويل ، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) اللسان (نوم) وقبله :

وقد أرى ذاك فلن يدر ما

٤٥١

الفصل الثّالث

فى الخروج من النسيب إلى المدح وغيره

بدء الشعر

كانت العرب فى أكثر شعرها تبتدئ بذكر الديار والبكاء عليها ، والوجد بفراق ساكنيها ، ثم إذا أرادت الخروج إلى معنى آخر قالت : فدع ذا وسلّ الهم عنك بكذا ، كما قال (١) :

فدع ذا وسلّ الهم عنك بجسرة

ذمول إذا صام النهار وهجّرا (٢)

وكما قال النابغة (٣) :

فسليت ما عندى بروحة عرمس

تخبّ برحلى مرة وتناقل (٤)

وربما تركوا المعنى الأول ، وقالوا «وعيس أو وهو جاء» وما أشبه ذلك ، كما قال علقمة (٥) :

إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله

فليس له فى ودّهنّ نصيب

وعنس بريناها كأنّ عيونها

قوارير فى أدهانهن نصوب (٦)

فإذا أرادوا ذكر الممدوح قالوا : إلى فلان ، ثم أخذوا فى مديحه ؛ كما قال علقمة (٧) :

وناجية أفنى ركيب ضلوعها

وحاركها تهجّر ودءوب (٨)

وتصبح عن غبّ السرى وكأنها

مولّعة تخشى القنيص شبوب (٩)

__________________

(١) هو امرؤ القيس ، اللسان (صوم).

(٢) الجسرة : الناقة العظيمة. والذمول : التى تسير سيرا لينا ؛ وصام النهار ؛ إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة.

(٣) ديوانه : ٥٨.

(٤) العرمس : الصخرة ، وشبهت بها الناقة إذا كانت صلبة شديدة ، والمناقلة : أن تناقل يديها ورجليها فى السير ، وهو وضع الرجل مكان اليد.

(٥) ديوانه : ١٢.

(٦) العنس : الناقة القوية.

(٧) ديوانه : ١١.

(٨) ناجية : ناقة قوية. ركيب ضلوعها : ما ركب على ضلوعها من الشحم واللحم. الحارك : مقدم السنام.

(٩) القنيص : الصائد. الشبوب : الحسنة.

٤٥٢

فوصفها ثم قال :

إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتى

لكلكلها والقصريين (١) وجيب

وقال الحرث بن حلزة (٢) :

أنمى إلى حرف مذكّرة

تهض الحصى بمناسم ملس

ثم قال :

أفلا نعدّيها إلى ملك

شهم المقادة حازم النّفس

ثم أخذ فى مديحه.

وربما تركوا المعنى الأول ، وأخذوا فى الثانى من غير أن يستعملوا ما ذكرناه ، قال النابغة (٣) :

تقاعس حتى قلت ليس بمنقض

وليس الذى يرعى النجوم بآئب

علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة

لوالده ليست بذات عقارب

وقال أيضا (٤) :

على حين عاتبت الفؤاد على الصّبا

وقلت ألمّا أصح والشيب وازع

وقد حال همّ دون ذلك داخل

ولوج الشّغاف تبتغيه الأصابع

وعيد أبى قابوس فى غير كنهه

أتانى ودونى راكس والضواجع (٥)

والبحترى يسلك هذه الطريقة فى أكثر شعره.

الخروج المتصل بما قبله

فأما الخروج المتصل بما قبله فقليل فى أشعارهم ؛ فمن القليل قول دجانة ابن عبد قيس التميمى :

وقال الغوانى قد تضمّر جلده

وكان قديما ناعم المتبذّل

فلا تأس أنى قد تلافيت شيبتى

وهزّ الغوانى من شميط مرجّل

__________________

(١) القصريان : ضلعان تليان الترقوتين. والوجيب : الخفقان.

(٢) شعراء النصرانية : ٤٢٠.

(٣) ديوانه : ٣.

(٤) ديوانه : ٥١.

(٥) راكس : واد. والضواجع : جمع ضاجعة ، وهى منحنى الوادى.

٤٥٣

بمشرفة الهادى نبذ عنانها

يمين الغلام الملجم المتدلّل

فوصل وصف الفرس بما تقدم من وصفه الشيب وصلا.

وقال تأبط شرا (١) :

إنّى إذا خلة ضنّت بنائلها

وأمسكت بضعيف الحبل أحذاق (٢)

نجوت منها نجائى من بجيلة إذ

ألقيت ليلة خبت الرهط أوراقى (٣)

وقريب منه قول أوس بن حجر فى وصف السحاب (٤) :

دان مسفّ فويق الأرض هيدبه

يكاد يدفعه من قام بالراح

ثم قال :

سقى ديارى بنى عوف وساكنها

ودار علقمة الخير ابن صبّاح

وقال زهير (٥) :

إن البخيل ملوم حيث كان ول

كنّ الجواد على علّاته هرم

إكثار المحدثين من هذا النوع

وأما المحدثون ، فقد أكثروا فى هذا النوع ؛ قال مسلم بن الوليد :

إذا شئتما أن تسقيانى مدامة

فلا تقتلاها كلّ ميت محرّم

خلطنا دما من كرمة بدمائنا

فأثّر فى الألوان منّا الدّم الدّم

ويقظى ثنيت النوم فيها بسكرة

لصهباء صرعاها من السّكر نوّم

فمن لامنى فى اللهو أو لام فى النّدى

أبا حسن زيد الندى فهو ألوم

وقال منصور النّمرى فى الرشيد :

إذا امتنع المقال عليك فامدح

أمير المؤمنين تجد مقالا

فتى ما إن تزال به ركاب

وضعن مدائحا وحملن مالا

__________________

(١) المفضليات : ١ ـ ٢٦.

(٢) الأحذاق : المتقطع.

(٣) بجيلة : القبيلة التى أسرته. الخبت : اللين من الأرض. الرهط : موضع.

(٤) اللسان (هدب) ونسبه إلى عبيد بن الأبرص.

(٥) ديوانه : ١٥٢.

٤٥٤

وقال أبو الشّيص :

أكل الوجيف لحومها ولحومهم

فأتوك أنقاضا على أنقاض

ولقد أتتك على الزّمان سواخطا

ورجعن عنك وهنّ عنه رواض

وقال ابن وهيب :

ما زال يلثمنى مراشفه

ويعلّنى الإبريق والقدح

حتى استردّ الليل خلعته

ونشا خلال سواده وضح

وبدا الصّباح كأنّ غرته

وجه الخليفة حين يمتدح

وقال :

[طللان طال عليهما الأمر

دثرا فلا علم ولا نضد](١)

لبسا البلى فكأنّما وجدا

بعد الأحبة مثل ما أجد

وقال الطائى (٢) :

صبّ الفراق علينا صبّ من كثب

عليه إسحاق يوم الرّوع منتقما

وقال (٣) :

إساءة الحادثات استنبطنى نفقا

فقد أظلّك إحسان ابن حسّان

وقال عبد الصمد بن المعذّل :

ولاح الصباح فشبّهته

علىّ بن عيسى على المنبر

وقال البحترى (٤) :

كأنها حين لجّت فى تدفّقها

يد الخليفة لمّا سال واديها

وقال (٥) :

شقائق يحملن النّدى فكأنها

دموع التّصابى فى خدود الخرائد

__________________

(١) لم يذكر هذا البيت فى ط

(٢) أبو تمام ، ديوانه : ٣٠٢.

(٣) ديوانه : ٣٢٤.

(٤) ديوانه : ٢ ـ ٣١٩.

(٥) ديوانه : ١ ـ ١٣٦.

٤٥٥

كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت

تليها بتلك البارقات الرواعد

وقال مسلم :

أجدّك هل تدرين أن رب ليلة

كأن دجاها من قرونك ينشر

لهوت بها حتى تجلت بغرّة

كغرة يحيى حين يذكر جعف

وقال آخر :

وكلانا قد أحدث الراح فيه

زهو يحيى بن خالد بن الوليد

وقال أبو البصير :

فقلت لها عبيد الله بينى

وبين الحادثات فلا تراعى

أأصبح منه معتصما بحبل

وتقصر نعمتى ويضيق باعى

كفرت إذا صنائعه وظلت

تعاتبه المروءة فى اصطناعى

وقال البحترى فى ياقوتة (١) :

إذا التهبت فى اللّحظ ضاهى ضياؤها

جبينك عند الجود إذ يتألّق

وقال (٢) :

وجرّ علىّ الدّجن هدّاب مزنه

أواخره فيه وأوله عندى

تأخّر عن ميقاته فكأنه

أبو صالح قد بتّ منه على وعد

وقال بكر بن النطاح :

ودويّة خلقت للسراب

فأمواجه بينها تزخر

ترى جنّها بين أضعافها

حلولا كأنهم البربر

كأن حنيفة تحميهم

فألينهم خشن أزور

وقال دعبل :

وميثاء خضراء موشيّة

بها النور يزهر من كل فنّ

__________________

(١) ديوانه : ٢ ـ ١٢٥.

(٢) ديوانه : ١ ـ ١٧٨.

٤٥٦

ضحوك إذ لاعبته الرياح

تأوّد كالشارب المرجحنّ

فشبّه صحبى نوّاره

بديباج كسرى وعصب اليمن

فقلت بعدتم ولكنّنى

أشبهه بجناب الحسن

فتى لا يرى المال إلا العطا

ولا الكنز إلا اعتقاد المنن

قالت وقد ذكّرتها عهد الصبا

باليأس تقطع عادة المعتاد

إلّا الإمام فإنّ عادة جوده

موصولة بزيادة المزداد

وقال غيره :

وكأن الرسوم أخنى عليها

بعض غاراتنا على الأعداء

وقال البحترى (١) :

بين السقيفة فاللّوى فالأجرع

دمن حبسن على الرياح الأربع

فكأنما ضمنت معالمها الذى

ضمنته أحشاء المحبّ الموجع

وقال (٢) :

أقول لثجّاج الغمام وقد سرى

لمحتفل الشؤبوب صاب فعمّما

أقل أو اكثر لست تبلع غاية

تبين بها حتى تضارع هيثما

فتى لبست منه الليالى محاسنا

أضاء له الأفق الذى كان مظلما

وقال (٣) :

قد قلت للغيث الرّكام ولج فى

إبراقه وألحّ فى إرعاده

لا تعرضنّ لجعفر متشبّها

بندى يديه فلست من أنداده

وقال (٤) :

لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا

إذا بقى الفتح بن خاقان والقطر

__________________

(١) ديوانه : ٢ ـ ١٠٠.

(٢) ديوانه : ٢ ـ ٢٣٣.

(٣) ديوانه : ١ ـ ١٢٩.

(٤) ديوانه :

٤٥٧

وقال (١):

أبرق تجلّى أم بدا ابن مدبّر

بفرة مسئول رأى البشر سائله

وقال (٢):

أدراهم الأولى بدارة جلجل

سقالك الحيا روحاته وبوا كرة

حباؤك يحكى يوسف بن محمد

فروّتك ريّاه وجادك ماطره

وقال:

كأن سناها بالعشىّ لشربها

تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد

وقال:

آليت لا أجعل الإدام حادثة

تخشى وعيسى بن إبراهيم لي سند

وقال:

لا والذى سنّ للمدامة وال

ماء نكاحا بفير تطليق

ما رمقت مقلتاى أسمح فى ال

مالم من راحة أحمد بن مسروق

وقال على بن جبلة:

وغيث تأنقه نوءه

فألبسه عللا أربدا

تظلّ الرياح تهادى به

إذا ما تحيّز أو غردا

كأن تواليه بالمرا

ءتهوى إلى جلمد جامدا

رتدعو ؤرارة أو معبدا

تداعى تميم غداة الجفا

وقال على بن الجهم (٣):

وسارية ترتاد أرضاً تجودها

شغلت بها عينا قليلا هجودها

________________

(١) ديوانه: ٢ ـ ١١

(٢) ديوانه: ٢ ـ ١٧٥

(٣) ديوانه: ٥٦

٤٥٨

أتتنا بها ريح الصّبا فكأنها

فتأة تزجّيها عجوز تفودها

فما يرحت بغداد حتى تفجرّت

بأودية ما تستغيق مدودها

فلما قضت حق العراق وأهله (١)

أتاها من الريح الشمال يريدها

فمرّت تفوت الطرف سميا (٢) كأنها

جنود عبيد الله ولت بنودها

وقال أيضاً (٣):

دبرن وللصّباح معقّبات

تقلّص عنه أعجاز الظلام

فلما أن تجلّى قال صحبى

أضوؤ الصّبح ام وجه الإمام

وقال البحترى (٤):

سقيب رباك بكل نوء جاعل

من وبله حقّا لها مملوما

فلو اننى أأعطيت فيهن المنى

لسقيهن بكف إبراهيما

وقال:

قل لداعى الغمام لبيك واحلل

عقل العيس كي يجيب الدعاء

وقال أبو تمام (٥):

يا صاجّي تقصّيا تظر يكما

تربا وجوه الأرض كيف تصوّر

تريا نهارا شرقا قد شابه

زهر الرّبا فكأنما هو مقمر

خلق أطلّ من الربيع كأنه

خلق الإمام وهديه المتنشّر

وقال (٦):

فالأرض معروف السماؤ قريّ لها

بنو الرجاؤ لهم بنو العبّاس

وقال (٧):

نجاهد الشوق طورا هم نتبعه (٨)

مجاهدات القوافى في أبى ذلفا

_________________

(١) فى ط: «وأهله».

(٢) في الديوان: «سبقا».

(٣) ديوانه: ٨.

(٤) ديوانه ٢: ٣٤٣.

(٥) ديوانه: ١٥٧.

(٦) ديوانه ١٧٣.

(٧) ديوانه ٢٠١.

(٨) في الديوان: «ترجمه».

٤٥٩

وقال (١):

إذا الميس لقت بى أبا دلف فقد

تقطّع ما بينى وبين النوائب

وقال (٢):

تداو من شوقك الأقصى بما فعلت

خيل ابن يوسف والأبطال تطّرد

وقال (٣):

لم يجتمع قط في مصر ولا طرف

محمد بن أبى مروان والنوب

وقال (٤):

ولقد بلون خلائق فوجننى

سمح اليدين بيذل ودّ مضمر

يمجين منى إذ سمحت بمهجتى

وكذاك أعدب ن سماحة جعفر

ملك إذا الحادات لذن بيايه

صافحن كف نواله المتيسر

وقلت إذكر الشيب:

أرانى مهماج الهدى فسلكته

ولم تتشعب في الضلال مذاهبى

وخيّر أن الجهل ليس بايب

إليّ وأن الحلم ليس بمازب

فأفصح من بعد المجمومة مادحى

وأعجم من بعد الفصاحة عاثبى

وردّ إلى خير الأنام مدائحى

فحلّت محل العقذ من حبد كاعب

_________________

(١) ديوانه: ٤١.

(٢) ديوانه: ٩٧.

(٣) ديوانه: ٤٧.

(٤) ديوانه: ٢٩٩.

٤٦٠