كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨

وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء ، منهم زهير ؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر ، ثم يظهرها ، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.

وقال بعضهم : خير الشعر الحولى المنقّح ؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر ، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة ، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها ؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.

وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.

وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل ، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.

وتخيّر الألفاظ ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام ؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته ، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه ، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه ، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن ، بارعا فى الفضل ؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره ، وأوّله يكشف قناع آخره ، كان قد جمع نهاية الحسن ، وبلغ أعلى مراتب التمام.

ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال : أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى ، قال :

أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه :

أشارت بأطراف البنان المخضّب

وضنّت بما تحت النقاب المكتّب

وعضّت على تفاحة فى يمينها

بذى أشر عذب المذاقة أشنب

وأومت بها نحوى فقمت مبادرا

إليها فقالت : هل سمعت بأشعب

فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.

وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره ، ومطابقا هاديه لعجزه ، ولا تتخالف

١٤١

أطرافه ، ولا تتنافر أطراره (١) ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها ، ومقرونة بلفقها ؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام ؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.

ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء ، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب :

فأقسم يا عمرو لو نبّهاك

إذا نبّها منك داء عضالا

إذا نبّها ليث عرّيسة (٢)

مفيتا مفيدا نفوسا ومالا

وخرق تجاوزت مجهوله

بوجناء حرف تشكّى الكلالا (٣)

فكنت النهار به شمسه

وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا

فجعلته الشمس بالنهار ، والهلال بالليل. وقالت : مفيتا مفيدا ، ثم فسرت فقالت : نفوسا ومالا.

وقال الآخر :

وفى أربع منّى حلت منك أربع

فما أنا دار أيّها هاج لى كربى

أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمى

أم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى

وأخبرنى أبو أحمد ، قال : كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر ، فقال لنا يوما : إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء ، ثم قال : أجيزوا هذا البيت :

ألا إنّما الدنيا متاع غرور

فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه ، فقلت :

وإن عظمت فى أنفس وصدور

فقال : هذا هو الجيّد المختار.

__________________

(١) أطرافه.

(٢) كذا فى ب ، والعريسة : مأوى الأسد والضبع وغيرهما ، وفى ط «عرينة» تصحيف.

(٣) : الخرق : الأرض البعيدة. والفلاة : الواسعة. والوجناء : الناقة الشديدة. والحرف من الإبل : النجيبة الماضية.

١٤٢

وأخبرنا أبو أحمد الشطنى ، قال : حدّثنا أبو العباس بن عربى ، قال : حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة ، قال : دفن مسلمة رجلا من أهله ، وقال :

نروح ونغدو كلّ يوم وليلة

ثم قال لبعضهم : أجز ، فقال :

فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو

فقال مسلمة : لم تصنع شيئا. فقال آخر :

فيا لك مغدى مرة ورواحا

فقال : لم تصنع شيئا. فقال لآخر : أجز أنت ، فقال :

وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو

فقال : الآن تمّ البيت.

ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة (١) :

ولست بحلّال التّلاع مخافة

ولكن متى يسترفد القوم أرفد (٢)

فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول ، وإن كان المعنى صحيحا ؛ لأنه أراد : ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال ، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة ، لينتابونى فأرفدهم ، وهذا وجه الكلام ؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا ، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر ؛ وأدواء الكلام كثيرة.

وهكذا قول الأعشى (٣) :

وإنّ امرأ أسرى إليك ودونه

سهوب وموماة وبيداء سملق (٤)

لمحقوقة أن تستجيبى لصوته

وأن تعلمى أنّ المعان موفّق

__________________

(١) الموشح : ٥٤.

(٢) التلاع : جمع تلعة ، وهى ما ارتفع من الأرض وما انهبط أيضا.

(٣) الموشح : ٥٤ ، ورواية البيت الأول فيه :

وإن امرأ أهداك بينى وبينه

فياف تنوفات وبهماء خيفق

وفلاة خيفق : واسعة.

(٤) السهوب : الأرض الواسعة. والسملق : القاع المستوى الأملس ، وقيل : القفر الذى لا شجر فيه.

١٤٣

قوله : «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.

وهكذا قول عنترة (١) :

حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه

جلمان بالأخبار هشّ مولع (٢)

إنّ الذين نعبت لى بفراقهم

هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا (٣)

ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شيء من صفة جناحه ولحييه.

وقول السموأل (٤) :

فنحن كماء المزن ما فى نصابنا

كهام ولا فينا يعدّ بخيل (٥)

ليس فى قوله : «ما فى نصابنا كهام». من قوله : «فنحن كماء المزن» فى شيء ؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة ، ولو قال : ونحن ليوث الحرب ، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.

وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس (٦) :

كأنّى لم أركب جوادا للذّة

ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال

ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقل

لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال

قالوا : فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن (٧) وأدخل فى استواء النّسج ؛ فكان يروى :

كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل

لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال

ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة

ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال

__________________

(١) ديوانه : ٨٨ ، واللسان ـ مادة حرق.

(٢) الحرق فى الجناح : قصر ريشه. والجلمان : المقراضان واحدهما جلم.

(٣) فى الديوان : قد أسهروا ليلى التمام فأوجعوا.

(٤) شعراء اليهود : ٢٦ ، نقد الشعر : ١١٥.

(٥) الكهام : من كهم الرجل كهامة إذا ضعف وجبن عن الإقدام ، أى ليس فينا رجل ضعيف.

(٦) الموشح : ٣٤ ، وديوانه : ٥٨.

(٧) عبارة الموشح : لكان أشكل.

١٤٤

لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود ، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.

قال أبو أحمد : الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح ؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون : الشدة والرخاء ، والبؤس والنعيم ، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة (١) :

وإنى وتركى ندى الأكرمين

وقدحى بكفّى زندا شحاحا

كتاركة بيضها بالعراء

وملبسة بيض أخرى جناحا

وقول الفرزدق :

وإنك إذ تهجو تميما وترتشى

سرابيل قيس أو سحوق العمائم

كمهريق ماء بالفلاة وغرّه

سراب أذاعته رياح السمائم

كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة ، فيقال :

وإنى وتركى ندى الأكرمين

وقدحى بكفّى زندا شحانا

كمهريق ماء بالفلاة وغرّه

سراب أذاعته رياح السمائم

[ويقال](٢) :

وإنك إذ تهجو تميما وترتشى

سرابيل قيس أو سحوق العمائم

كتاركة بيضها بالعراء

وملبسة بيض أخرى جناحا

حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.

ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس (٣) :

__________________

(١) الموشح : ٢٣٧ ، سر الفصاحة : ٢٤٢.

(٢) الزيادة من الموشح.

(٣) ديوانه : ٨٦.

١٤٥

محمد (١) إنّ الحاسدين حشود

وإنّ مصاب المزن حيث تريد

ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شيء.

وقريب من ذلك قول الطالبى :

قوم هدى الله العباد بجدّهم

والمؤثرون (٢) الضيف بالأزواد

ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم :

إنّ الأعادى لن تنال قديمنا

حتّى تنال كواكب الجوزاء

كم فى لجيم من أغرّ كأنّه

صبح يشقّ طيالس الظّلماء

ومجرّب خضل (٣) السنان إذا التقى

زحف بخاطرة الصدور ظلماء

وكقول القطامى (٤) :

يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة

ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل

فهنّ معترضات والحصى رمض (٥)

والريح ساكنة والظلّ معتدل

إلّا أنّ هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن ؛ فهو كالشيء الموضوع فى غير موضعه.

وينبغى أن تتجنّب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطيّر منها ويستشنع سماعها ، مثل قول أبى نواس (٦) :

سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم

بنى برمك من رائحين وغادى

وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله :

لقد أمسى صلاح أبى علىّ

لأهل الأرض كلّهم صلاحا

إذا ما الموت أخطأه فلسنا

نبالى الموت حيث غدا وراحا

__________________

(١) فى الديوان : «أأحمد».

(٢) فى ط : «والمورثون» ، تحريف ، وصوابه من ا ، ب.

(٣) الخضل : كل شيء ند.

(٤) الموشح : ١٤٧.

(٥) الرمض محركة : شدة وقع الشمس على الرمل وغيره.

(٦) ديوانه : ٧٤.

١٤٦

فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره ؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد أحسن القائل :

ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنه

شهاب حريق واقد ثم خامد

ستألف فقدان الّذى قد فقدته

كإلفك وجدان الّذى أنت واجد

فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح ؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة ، حين أنشد عبد الملك :

رأيت الدهر يأكل كلّ حىّ

كأكل الأرض ساقطة الحديد

وما تبقى المنيّة حين تغدو

على نفس ابن آدم من مزيد

وأعلم أنها ستكرّ حتّى

توفى نذرها بأبى الوليد

وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه ، وما زال يرى كراهة شعره فى وجهه حتى مات.

وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام ، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق ، وتتحرّى الحقّ ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له.

وينبغى أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها ، وتركب قافية تطيعك فى استيفائك له ، كما فعل النابغة فى قوله (١) :

واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت

إلى حمام شراع وارد الثّمد (٢)

يحفّه جانبا نيق (٣) وتتبعه

مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد

قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا

إلى حمامتنا أو نصفه فقد

__________________

(١) ديوانه : ٢٢.

(٢) فتاة الحى : زرقاء اليمامة. وشراع : مجتمعة. والثمد : هو الماء القليل.

(٣) النيق : أرفع موضع فى الجبل.

١٤٧

فكمّلت مائة فيها حمامتها

وأسرعت حسبة فى ذلك العدد

فحسبوه فألفوه كما حسبت

تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد

فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب ، وأصعب ما رامه شاعر منه ؛ لأنه عمد إلى حساب دقيق ، فأورده مشروحا ملخّصا ، وحكاه حكاية صادقة. ولمّا احتاج إلى أن يذكر العدد والزيادة والثّمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه طريقه ، واطّرد سبيله.

ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها (١) :

هاج الخيال (٢) لنا ذكرى إذا طافا

وافى يخادعنا والصبح قد وافى

وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف ، والإسعاف ، والأضعاف ، والإسراف ، وترك الاقتصار على الأنصاف ؛ فجعل القصيدة فائية ؛ فاستوى له مراده وقرب عليه مرامه ، وهو قوله (٣) :

قضيت عنى ابن بسطام صنيعته

عندى وضاعفت ما أولاه أضعافا

وكان معروفه قصدا إلىّ (٤) وما

جازيته عنه تبذيرا وإسرافا

مئون عينا تولّيت الثّواب بها

حتى انثنت لأبى العباس آلافا

قد كان يكفيه ممّا قدّمت يده

ربّا (٥) يزيد على الآحاد أنصافا

ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا ، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا.

أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه ، قال ، قال خلف الأحمر : قال شيخ من أهل الكوفة : أما عجبت أن الشاعر قال : «أنبت قيصوما

__________________

(١) ديوانه : ١٠٦.

(٢) فى الديوان : يهدى الخيال.

(٣) ديوانه : ١٠٧.

(٤) فى الديوان : لدىّ.

(٥) فى ط : وما.

١٤٨

وجثجاثا» (١) فاحتمل ، وقلت أنا : أنبت إجّاصا وتفاحا ـ فلم يحتمل.

والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شيء من كلام العامة وألفاظ الحشويّة ، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال ؛ ألا ترى إلى قول المتنبى (٢) :

أين البطاريق والحلف الّذى حلفوا

بمفرق الملك والزّعم الّذى زعموا

هذا قبيح جدّا ، وإنما سمع قول العامّة حلف برأسه ، فأراد أن يقول مثله ؛ فلم يستوله ، فقال : بمفرق الملك ، ولو جاز هذا لجاز أن يقول : حلف بيافوخ أبيه ، وبقمحدوة (٣) سيّده.

وقبح هذا يدلّ على أنّ أمثاله غير جائز فى جميع المواضع ، وهذا النوع فى شعر المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام.

ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيّة وخماسيّه دون ثلاثيّه ، ومنها ما هو بخلاف ذلك ، فينبغى ألّا تعدل عن جهة الاستعمال فيها ، ولا يغرّك أن أصولها مستعملة ؛ فالخروج عن الطريقة المشهورة والنّهج المسلوك رديء على كل حال. ألا ترى أنّ الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا ، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل هذه الكلمة وهو ثلاثىّ ، والثلاثيّ أكثر استعمالا ، لما كان مقبولا ولا حسنا مرضيا ؛ فقس على هذا.

ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة ، مثل قول بعضهم :

لمّا التقينا صاح بين بيننا

يدنى من القرب البعاد لحاقا

فقوله : «صاح بين بيننا» متكلّف جدا. فلو قال : «البين» كان أقرب ؛ على أنّ البيت كلّه رديء ، ليس من وصف البلغاء.

__________________

(١) القيصوم : نبات زهره مرجدا. والجثجاث : نبات مر.

(٢) ديوانه : ٤ ـ ١٦.

(٣) الهنة الناشزة فوق القفا وأعلى القذال خلف الأذنين ، ومؤخر القذال.

١٤٩

وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية ، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه ؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها (١) ، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية ، والبداية مزلة ، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم ، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها ، وهو كقول الشاعر :

له زجل كأنّه صوت حاد

إذا طلب الوسيقة أو زمير

فلم يشبع.

وقول الآخر :

ألم يأتيك والأنباء تنمى

بما لاقت لبون بنى زياد

فقال : «ألم يأتيك» ، فلم يجزم.

وقال ابن قيس الرقيات :

لا بارك الله فى الغوانى هل

يصبحن إلّا لهنّ مطّلب

فحرّك حرف العلة.

وقال قعنب بن أمّ صاحب (٢) :

مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى

إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا

فأظهر التضعيف.

ومثله قول العجاج (٣) :

تشكو الوجى من أظلل وأظلل (٤)

__________________

(١) فى ب «بقبائحها» وفى ط : لعلمهم كان بقباحتها.

(٢) ديوان المختار من شعر العرب :

٨ ، واللسان ـ مادة ظل.

(٣) اللسان ـ مادة ظل.

(٤) الوجى : الحفا.

والأظل : ما تحت منسم البعير ، وتكملة البيت :

من طول إملال وظهر أملل

١٥٠

وقال جميل (١) :

ألا لا أرى اثنين أحسن شيمة

على حدثان الدّهر منّى ومن جمل

وقال (٢) :

إذا جاوز الاثنين سرّ فإنّه

بنشر (٣) وتكثير الوشاة قمين

فقطع ألف الوصل.

وقال غيره (٤) :

من الثّعالى ووخز من أرانيها (٥)

إلى غير ذلك مما يجرى مجراه ، وهو مكروه الاستعمال.

وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى ، مثل السّناد والإقواء والإيطاء ، وهو أسهلها ، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.

وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا ؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه ، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره ؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن ، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.

فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم :

يضحك منها كلّ عضو لها

من بهجة العيش وحسن القوام

__________________

(١) ديوانه : ٤٩.

(٢) ديوانه : ٦٥.

(٣) فى الديوان : بنث وإفشاء الحديث ..

(٤) قال فى اللسان : إنه لرجل من يشكر ـ مادة ثعلب. والثعالى : جمع ثعلب قال : ووجه ذلك سيبويه فقال : إن الشاعر لما اضطر إلى الياء أبدلها مكان الباء كما يبدلها مكان الهمزة وصدره :

لها أشارير من لحم تتمره

(٥) الوخز : القليل من كل شيء. يريد الثعالب والأرانب : قال فى اللسان ـ مادة رنب : ووجهه أن الشاعر لما احتاج إلى الوزن واضطر إلى الياء أبدلها من الباء.

١٥١

ترفل فى الدّار لها وفرة

كوفرة الملط (١) الخليع الغلام

كان ينبغى أن يقول : كوفرة الغلام الملط الخليع ، أو الغلام الخليع الملط ؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فرديء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا : «بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.

وقول ابن طباطبا :

وعجلة تشدو بألحانها

وكانت الكيّسة الخادمه

لو قال : «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.

وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا ؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة (٢) :

وتقول بوزع قد دببت على العصا

هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع

فقال له الملك (٣) : أفسدتها ببوزع.

وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه ، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه ، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة ، وكان يكنّى أبا الحسن ؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر ، فردّ شهادته ، ولم يسأل عنه.

وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه‌الله رجلا يكنى أبا العمرين ، فقال : لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.

وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فردّه ، وقال : أنت تظلم وأبوك يسرق ؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.

وهذه جملة كافية إذا تدبّرت ، وبالله التوفيق.

__________________

(١) الملط : الخبيث أو المختلط النسب.

(٢) ديوانه : ٣٤٢.

(٣) هو الوليد بن عبد الملك

١٥٢

ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير : مثل قول سعيد ابن حميد : ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك ، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان ـ وإن كان مقصّرا عن حقك ـ أبلغ فى أداء ما يجب لك.

فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.

وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية ؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا ، ويتجنّب السقيم منه ، وهو مثل ما كتب بعضهم : لفلان ـ وله بى حرمة ـ مظلمة. وكان ينبغى أن يقول : لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.

١٥٣

الفصل الثّانى

فيما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه وامتثاله فى مكاتباته

ينبغى أن تعلم أنّ الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمّة ، وآلات كثيرة ؛ من معرفة العربية لتصحيح الألفاظ ، وإصابة المعانى ، وإلى الحساب ، وعلم المساحة ، والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة ، وغير ذلك مما ليس هاهنا موضع ذكره وشرحه ، لأنّا إنما عملنا هذا الكتاب لمن استكمل هذه الآلات كلّها ، وبقى عليه المعرفة بصنعة الكلام ، وهى أصعبها وأشدّها.

والشاهد ما روى لنا أبو أحمد عن مبرمان عن المبرّد ، أنه قال : لا أحتاج إلى وصف نفسى لعلم الناس بى ؛ إنه ليس أحد من الخافقين يختلج فى نفسه مسألة مشكلة إلا لقينى بها ، وأعدّنى لها ، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس ، لا يخفى علىّ مشتبه من الشّعر والنّحو والكلام المنثور والخطب والرسائل ، ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة ، فأجعل المعنى الذى أقصده نصب عينى ، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان. ولقد بلغنى أنّ عبيد الله بن سليمان ذكرنى بجميل ، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها ، وأعرض ببعض أمورى ؛ فأتعبت نفسى يوما فى ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها ، وكنت أحاول الإفصاح عمّا فى ضميرى ، فينصرف لسانى إلى غيره. ولذلك قيل : زيادة المنطق على الأدب خدعة ، وزيادة الأدب على المنطق هجنة.

فأوّل ما ينبغى أن تستعمله فى كتابتك مكاتبة كلّ فريق منهم على مقدار طبقتهم وقوّتهم فى المنطق ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.

والشاهد عليه أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أراد أن يكتب إلى أهل فارس

١٥٤

كتب إليهم بما يمكن ترجمته ، فكتب : من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز عظيم فارس :

سلام على من اتّبع الهدى ، وآمن بالله ورسوله ، فأدعوك بداعية الله ، فإنى أنا رسول الله إلى الخلق كافّة لينذر من كان حيّا ، ويحقّ القول على الكافرين ، فأسلم تسلم ، فإن أبيت فإثم المجوس عليك.

فسهّل صلى‌الله‌عليه‌وسلم الألفاظ كما ترى غاية التسهيل حتى لا يخفى منها شيء على من له أدنى معرفة فى العربية.

ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخّم اللفظ ، لما عرف من فضل قوتهم على فهمه وعادتهم لسماع مثله.

فكتب لوائل بن حجر الحضرمى :

من محمد رسول الله إلى الأقيال (١) العباهلة من أهل حضر موت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، على التّبعة الشاة ، والتّيمة لصاحبها (٢) ، وفى السّيوب (٣) الخمس ؛ لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار (٤) ، ومن أجبى فقد أربى ، وكلّ مسكر حرام (٥).

وكذلك كتابه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأكيدر صاحب دومة الجندل (٦) :

__________________

(١) الأقيال : جمع قيل : الملك. أو من ملوك حمير. العباهلة : الأقيال المقرون على ملكهم فلم يزالوا عنه.

(٢) التيعة : الأربعون من الغنم أو أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان. والتيمة : الشاة الزائدة على الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى.

(٣) السيوب : الركاز.

(٤) خلاط : اختلاط الإبل. والشناق : ما بين الفريضتين فى الزكاة. والوراط فى الصدقة : الجمع بين متفرق. والشغار : أن يزوج الرجل امرأة على أن يزوجه أخرى بغير مهر وصداق كل واحدة منهما بضع الأخرى.

(٥) أجبى : الإجباء أن يغيب الرجل إبله عن المصدق ، من أجبأته إذا واريته. (وارجع إلى اللسان ـ مادة جبى ، والفائق : ١ ـ ٤١).

(٦) الفائق : ٣ ـ ٧٦.

١٥٥

من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله.

إنّ لنا الضاحية من الضّحل (١) والبور والمعامى (٢) وأغفال الأرض ، والحلقة والسّلاح ، ولكم الضّامنة (٣) من النّخل ، والمعين من المعمور ، لا تعدل سارحتكم (٤) ، ولا تعدّ فاردتكم (٥) ، ولا يحظر عليكم النبات ، تقيمون الصلاة لوقتها ، وتؤدّون الزكاة ، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه.

واعلم أنّ المعانى التى تنشأ الكتب فيها من الأمر والنّهى سبيلها أن تؤكّد غاية التوكيد بجهة كيفية نظم الكلام ، لا بجهة كثرة اللّفظ ؛ لأنّ حكم ما ينفذ عن السلطان فى كتبه شبيه بحكم توقيعاته ؛ من اختصار اللفظ وتأكيد المعنى. هذا إذا كان الأمر والنهى واقعين فى جملة واحدة لا يقع فيها وجوه التمثيل للأعمال. فأمّا إذا وقعا فى ذلك الجنس فإنّ الحكم فيهما يخالف ما ذكرناه ، وسبيل الكلام فيها أن يحمل على الإطالة والتكرير دون الحذف والإيجاز ؛ وذلك مثل ما يكتب عن السلطان فى أمر الأموال وجبايتها واستخراجها ، فسبيل الكلام أن يقدّم فيها ذكر ما رآه السلطان فى ذلك ودبّره ، ثم يعقّب بذكر الأمر بامتثاله ، ولا يقتصر على ذلك حتى يؤكّد ويكرّر لتأكّد الحجة على المأمور به ، ويحذّر مع ذلك من الإخلال والتقصير.

ومنها الإحماد والإذمام والثناء والتقريظ ، والذمّ والاستصغار ، والعدل والتوبيخ ، وسبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه ، ويمد القول حسب ما يقتضيه آثار المكتوب إليه فى الإحسان والإساءة والاجتهاد والتقصير ؛ ليرتاح بذلك قلب المطيع ، وينبسط أمله ، ويرتاع قلب المسيء ويأخذ نفسه بالارتداع.

__________________

(١) الضاحية : الخارجة من العمارة ، وهى خلاف الضامنة ، والضحل : الماء القليل.

(٢) المعامى : الأغفال ، وهى الأرضون المجهولة.

(٣) الضامنة : ما كان داخلا فى العمارة وتضمنه أمصارهم وقراهم.

(٤) لا تصرف عن معنى تريده.

(٥) الفاردة : الزائدة على الفريضة.

١٥٦

فأمّا ما يكتبه العمال إلى الأمراء ومن فوقهم ، فإنّ سبيل ما كان واقعا منها فى إنهاء الأخبار ، وتقرير صور ما يلونه من الأعمال ، ويجرى على أيديهم من صنوف الأموال أن يمدّ القول فيه حتى يبلغ غاية الشفاء والإقناع ، وتمام الشرح والاستقصاء ؛ إذ ليس للإيجاز والاقتصار عليه موضع ، ويكون ذلك بالألفاظ السهلة القريبة المأخذ ، السريعة إلى الفهم ، دون ما يقع فيه استكراه وتعقيد ، وربما تعرض الحاجة فى إنهاء الخبر إلى استعمال الكناية والتّورية عن الشىء دون الإفصاح ؛ لما فى التصريح من هتك السّتر ؛ فى حكايته (١) عن عدوّ أطلق لسانه به ، وفيه اطّراح مهابة الرئيس ؛ فيجب إجلاله عنه ؛ وفى الصدق ما يسوؤه سماعه ، ويقع بخلاف محبّته ؛ فيحتاج منشئ الكلام إلى استعمال لفظ فى العبارة لا تنخرق معه هيبة الرئيس ، ولا يعترض فيه ما يشتدّ عليه ، ولا يكون أيضا معها خيانة فى طىّ ما لا يجب ستره ، ولا يكمل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم.

وسبيل ما يكتب به فى باب الشكر ألّا يقع فيه إسهاب ؛ فإن إسهاب التابع فى الشكر ، إذا رجع إلى خصوصية ، نوع من الإبرام (٢) والتثقيل ؛ ولا يحسن منه أن يستعمل الإكثار من الثناء والدعاء أيضا ؛ فإن ذلك فعل الأباعد الذين لم تتقدّم لهم وسائل من الخدمة ومقدّمات فى الحرمة ، أو تكون صناعتهم التكسّب بتقريظ الملوك وإطراء السلاطين. فلا يقبح إكثار الثناء من هؤلاء.

وليس يحسن منه أيضا تكرير الدعاء فى صدر الكتاب والرّقاع عند ما يجريه من ذكر الرئيس ؛ فإن ذلك مشغلة وكلفة ، والحكم فيما يستعمله من ذلك فى الكتب مشبّه بحكم ما يستعمل منه شفاها. ويقبح من خادم السلطان أن (٣) يشغل سمعه فى مخاطبته إياه بكثرة الدعاء له وتكثيره عند استئناف كلّ لفظة.

وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع فى معنى الاستعطاف ومسألة النّظراء

__________________

(١) فى ا ، ط «وفى حكايته» ، وصوابه ما أثبتناه عن ب.

(٢) أبرمه : أمله.

(٣) فى ط : ألا.

١٥٧

ألّا يكثر من شكاية الحال ورقّتها ، واستيلاء الخصاصة (١) عليه فيها ؛ فإنّ ذلك يجمع إلى الإبرام والإضجار شكاية الرئيس لسوء حاله وقلّة ظهور نعمته عليه. وهذا عند الرؤساء مكروه جدّا ، بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة (٢).

وسبيل ما يكتب به فى الاعتذار من شيء أن يتجنّب فيه الإطناب والإسهاب إلى إيراد النكت التى يتوهم أنها مقنعة فى إزالة الموجدة ، ولا يمعن فى تبرئة ساحته فى الإساءة والتقصير ؛ فإن ذلك مما يكرهه الرؤساء ؛ والذى جرت به عادتهم الاعتراف من خدمهم وخولهم بالتقصير والتفريط فى أداء حقوقهم وتأدية فروضهم ؛ ليكون لهم فيما يعقبون ذلك من العفر والتجاوز موضع منّة مستأنفة تستدعى شكرا ، وعارفة مستجدّة تقتضى نشرا ؛ فأما إذا بالغ المتنصّل فى براءة ساحته من كلّ ما قذف به فلا موضع للإحسان إليه فى إعفائه عن ترك السخط ، بل ذلك أمر واجب له ؛ وفى منع الرئيس حصّته منه ظلم وإساءة.

وينبغى أن يكثر الألفاظ عنده ، فإن احتاج إلى إعادة المعانى أعاد ما يعيده منها بغير اللّفظ الذى ابتدأه به ؛ مثل ما قال معاوية رضى الله عنه : من لم يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل ؛ ومن لم يكن من بنى الزبير شجاعا فهو لزيق ؛ ومن لم يكن من ولد المغيرة تيّاها فهو سنيد (٣). فقال : «دخيل» ثم قال : «لزيق» ثم قال : «سنيد». والمعنى واحد والكلام على ما تراه أحسن ، ولو قال لزيق ، ثم أعاده لسمج.

هذا ، أدام الله عزك ، بعد أن تفرّق بين من تكتب إليه ؛ «فإن رأيت ، وبين من تكتب إليه» فرأيك (٤). وأن تعرف مقدار المكتوب إليه من الرؤساء

__________________

(١) الخصاصة : الفقر.

(٢) العائدة : المعروف والصلة والعطف والمنفعة.

(٣) اللزيق : اللصيق. والسنيد : الدعىّ.

(٤) عبارة أدب الكاتب صفحة ١٨ : «فليس يفرقون بين من يكتب إليه : «فرأيك فى كذا» وبين من يكتب إليه : فإن

١٥٨

والنظراء والغلمان والوكلاء ، فتفرق بين من تكتب إليه بصفة الحال وذكر السلامة ، وبين من تكتب إليه بتركها إجلالا وإعظاما ، وبين من تكتب إليه : أنا أفعل كذا ، وبين من تكتب إليه : نحن نفعل كذا ؛ «فأنا» من كلام الإخوان والأشباه ، «ونحن» من كلام الملوك. وتكتب فى أول الكتاب «سلام عليك» ، وفى آخره «والسلام عليك» ؛ لأنّ الشىء إذا ابتدأت بذكره كان نكرة ، فإذا أعدته صار معرفة ؛ كما تقول : مرّ بنا رجل فإذا رجع قلت : رجع الرّجل.

وكان الناس فيما مضى يستعملون فى أوّل فصول الرسائل «أما بعد». وقد تركها اليوم جماعة من الكتّاب ، فلا يكادون يستعملونها فى شيء من كتبهم ، وأظنّهم المّوا بقول ابن القرية وسأله الحجاج عما ينكره من خطابته ، فقال : إنك تكثّر الردّ ، وتشير باليد ، وتستعين بأمّا بعد. فتحاموه لهذه الجهة مع أنهم رووا فى التفسير أنّ قول الله تعالى : (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) هو قوله أمّا بعد ؛ فإن استعملته اتباعا للأسلاف ، ورغبة فيما جاء فيه من التأويل فهو حسن ؛ وإن تركته توخّيا لمطابقة أهل عصرك ، وكراهة للخروج عمّا أصّلوه لم يكن ضائرا.

وينبغى أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه وعلى القدر المكتوب فيه.

وقد كتب بعضهم إلى حبّة له : عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه : يا غليظ الطّبع ؛ لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا.

واعلم أنّ الذى يلزمك فى تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ، ولا يلزمك فيها السّجع ؛ فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ، ما لم يكن فى سجعك استكراه وتنافر وتعقيد ، وكثر ما يقع ذلك فى السّجع ، وقلّ ما يسلم ـ إذا طال ـ من استكراه وتنافر.

__________________

رأيت كذا. و «رأيك» إنما يكتب بها إلى الأكفاء والمساوين ، ولا يجوز أن يكتب بها إلى الرؤساء لأن فيها معنى الأمر. ولذلك نصبت».

١٥٩

وينبغى أن تتجنّب إعادة حروف الصلات والرباطات فى موضع واحد إذا كتبت مثل قول القائل : منه له عليه. أو عليه فيه. أو به له منه. وأخفها له عليه ، فسبيله أن تداويه حتى تزيله بأن تفصل ما بين الحرفين ، مثل أن تقول : أقمت به شهيدا عليه؟؟؟. ولا أعرف أحدا كان يتتبّع العيوب فيأتيها غير مكترث إلا المثنى ، فإنه ضمّن شعره جميع عيوب الكلام ما أعدمه شيئا منها حتى تخطّى إلى هذا النوع فقال (١) :

ويسعدنى فى غمرة بعد غمرة

سبوح له منها عليها شواهد (٢)

فأتى من الاستكراه بما لا يطار غرابه.

فتدبّر ما قلناه ، وارتسمه تظفر ببغيتك منه إن شاء الله.

__________________

(١) ديوانه : ١ ـ ٢٧٠ ، معاهد التنصيص : ١ ـ ٥٨.

(٢) الغمرة : الشدة. السبوح : الفرس الشديد الجرى.

١٦٠