🚘

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨
🚘 نسخة غير مصححة

أتعرف أطلالا شجونك بالخال

وعيش ليال كان فى الزّمن الخالى (١)

الخال : موضع. والخالى ، من الخلوة (٢).

ليالى ريعان الشّباب مسلّط

علىّ بعصيان الإمارة والخال

يعنى أنه يعصى أمر من يلى أمره وأمره من ينصحه ليصلح حاله ، وهو من قولهم : فلان خال مال ، إذا كان يقوم به ويصلحه.

وإذ أنا خدن للغوىّ أخى الصّبا

وللمرح الذّيال واللهو والخال (٣)

الخال هاهنا : من الخيلاء وهو الكبر.

إذا سكنت ربعا رئمت رباعها

كما رئم الميثاء ذو الرثية الخالى (٤)

الخالى : الذى لا أهل له.

ويقتادنى ظبى رخيم دلاله

كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالى

الخالى : الذى يقطع الخلا وهو النبات الرطب.

ليالى سلمى تستبيك بدلّها

وبالمنظر الفتان والجيد والخال

الخالى : الذى يرشم على الخد شبيه الشامة.

وقد علمت أنى وإن ملت للصّبا

إذا القوم كعّوا لست بالرّعش الخالى

الخالى : الذى لا أصحاب معه يعاونونه (٥) :

ولا أرتدى إلا المروءة حلّة

إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال

الخال : ضرب من البرود.

وإن أنا أبصرت المحول ببلدة

تنكبتها واشتمت خالا إلى خال

الخال : السحابة المخيلة للمطر.

__________________

(١) فى اللسان : «وعيش زمان كان فى العصر الخالى».

(٢) فى اللسان : «الماضى».

(٣) الذى فى اللسان : «وللغزل المريح ذى اللهو والخال». المريح : الكثير المراح والنشاط ، والذيال : الطويل الذيل.

(٤) الرئم ، من رئمت الناقة ولدها إذا عطفت عليه ، ولزمته ، والميثاء : الأرض اللينة. والرئية : الحمق والفتور والضعف.

(٥) فى اللسان : «المنخرب : الضعيف».

٤٢١

فخالف (١) بخلقى كلّ حرّ مهذب

وإلّا فصارمه وخال إذا خال (٢)

المخالاة : قطع الحلف ، يقال : أخلّ من فلان ، وتخلّ منه ، أى فارقة ؛ وقال النابغة :

قالت بنو عامر خالوا بنى أسد

فإنى حليف للسماحة والنّدى

إذا احتلفت عبس وذبيان بالخال

الخال : موضع.

ومثله :

يا طيب نعمة أيام لنا سلفت

وحسن لذة أيام الصبا عودى

أيام أسحب ذيلى فى بطالتها

إذا ترنّم صوت الناى والعود

وقهوة من سلاف الخمر صافية

كالمسك والعنبر الهندى والعود

تسلّ عقلك فى لين وفى لطف

إذا جرت منك مجرى الماء فى العود

ومن هذا النوع ، قول أبى تمام (٣) :

السيف أصدق أنباء من الكتب

فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب

ولم أجد منه شيئا فى القرآن إلا قوله تعالى : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ). والله أعلم.

__________________

(١) كذا فى ا ، وفى ط «فخالق».

(٢) فى اللسان : «وإلا تحالفنى فخال إذن خال».

(٣) ديوانه : ٧.

٤٢٢

الفصل الثالث والثلاثون

فى المضاعفة

المضاعفة مثالها من القرآن

وهو أن يتضمّن الكلام معنيين : معنى مصرّح به ، ومعنى كالمشار إليه ؛ وذلك مثل قول الله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) فالمعنى المصرّح به فى هذا الكلام أنه لا يقدر أن يهدى من عمى عن الآيات ، وصمّ عن الكلم البينات ؛ بمعنى أنه صرف قلبه عنها فلم ينتفع بسماعها ورؤيتها ؛ والمعنى المشار إليه أنه فضّل السمع على البصر ، لأنه جعل مع الصمم فقدان العقل ، ومع العمى فقدان النظر فقط.

مثالها من النثر

ومن نثر الكتاب ما كتب به الحسن بن وهب : كتابى إليك ، وشطر قلبى عندك ، والشطر الآخر غير خلو من تذكّرك ، والثناء على عهدك ، فأعطاك الله بركة وجهك ، وزاد فى علوّ قدرك ، والنعمة عندك وعندنا فيك.

فقوله : «بركة وجهك» فيه معنيان : أحدهما أنه دعا له بالبركة ؛ والآخر أنه جعل وجهه ذا بركة عظيمة ، ولعظمها عدل إليها فى الدعاء عن غيرها من بركات المطر وغيره ؛ ومثله قول أبى العيناء : سألتك حاجة فرددت بأقبح من وجهك ؛ فتضمن هذا اللّفظ قبح وجهه وقبح رده.

مثالها من المنظوم

ومن المنظوم قول الأخطل :

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم

قالوا لأمهم بولى على النّار

فأخبر عن إطفاء النار ، فدل به على بخلهم ، وأشار إلى مهانتهم ، ومهانة أمهم عندهم.

وقول أبى تمام (١) :

يخرج من جسمك السّقام كما

أخرج ذمّ الفعال من عنقك

__________________

(١) ديوانه : ٢١١.

٤٢٣

يسحّ سحّا (١) عليك حتى يرى

خلقك فيها أصحّ من خلقك

فدعا له بالصحة وأخبر بصحة خلقه ، فهما معنيان فى كلام واحد.

وقال جحظة :

دعوت فأقبلت ركضا إليك

وخالفت من كنت فى دعوته

وأسرعت نحوك لما أمرت

كأنّى نوالك فى سرعته

وقال ابن الرومى :

بنفس أبت إلّا ثبات عقودها

لمن عاقدته وانحلال حقودها

ألا تلكم النفس التى تم فضلها

فما نستزيد الله غير خلودها

فذكر تمام فضلها وأراد خلودها ؛ ومن ذلك قول الآخر (٢) :

نهبت من الأعمار ما لو حويته

لهنّئت الدنيا بأنك خالد

وكتب بعضهم : فإن رأيت صلتى بكتابك العادل عندى رؤية كلّ حبيب سواك وتضمينه من حوائجك ما أسر بقضائه فعلت إن شاء الله. فقوله : «سواك» مضاعفة.

نوع آخر منها

ومن هذا الباب نوع آخر ، وهو أن تورد الاسم الواحد على وجهين وتضمنه معنيين كل واحد منهما معنى ، كقول بعضهم :

أفدى الّذى زارنى والسيف يخفره

ولحظ عينيه أمضى من مضاربه

فما خلعت نجادى فى العناق له

حتى لبست نجادا من ذوائبه

فجعل فى السيف معنيين : أحدهما أن يخفره ، والآخر أن لحظه أمضى من مضاربه.

وضرب منها

وضرب منه آخر قول ابن الرومى :

بجهل كجهل السّيف والسيف منتضى

وحلم كحلم السيف والسّيف مغمد

وضرب منه قول مسلم :

وخال كخال البدر فى وجه مثله

لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل

__________________

(١) يسح : يسيل.

(٢) أبو الطيب المتنبى ، ديوانه : ١ ـ ٢٧٧.

٤٢٤

الفصل الرابع والثلاثون

فى التطريز

التطريز

وهو أن يقع فى أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية فى الوزن ، فيكون فيها كالطّراز فى الثوب ، وهذا النوع قليل فى الشعر.

أحسن ما جاء منه

وأحسن ما جاء فيه قول أحمد بن أبى طاهر :

إذا أبو قاسم جادت لنا يده

لم يحمد الأجودان : البحر والمطر

وإن أضاءت لنا أنوار غرّته

تضاءل الأنوران : الشمس والقمر

وإن مضى رأيه أو حدّ عزمته

تأخر الماضيان : السيف والقدر

من لم يكن حذرا من حدّ صولته

لم يدر ما المزعجان : الخوف والحذر

فالتطريز فى قوله : «الأجودان» ، و «الأنوران» ، و «الماضيان» ، و «المزعجان».

ونحوه قول أبى تمام (١) :

أعوام وصل كاد ينسى طولها

ذكر النوى فكأنها أيام

ثم انبرت أيام هجر أردفت

نجوى أسى فكأنها أعوام

ثم انقضت تلك السنون وأهلها

فكأنهم وكأنها أحلام

وقلت فى مرثية :

أصبحت أوجه القبور وضاء

وغدت ظلمة القبور ضياء

يوم أضحى طريدة للمنايا

ففقدنا به الغنى والغناء

يوم ظلّ الثرى يضم الثريّا

فعدمنا منه السّنا والسناء

__________________

(١) ديوانه : ٢٧٩.

٤٢٥

يوم فاتت به بوادر شؤم

فرزينا به الثّرى والثراء

يوم ألقى الرّدى عليه جرانا

فحرمنا منه الجدا والجداء

يوم ألوت به هنات الليالى

فلبسنا به البلى والبلاء

ومن ذلك قول زياد الأعجم :

ومتى يؤامر نفسه مستلحيا (١)

فى أن يجود لذى الرجاء يقل جد

أو أن يعود له بنفحة نائل

يعد الكرامة والحياء يقل عد

أو فى الزيادة بعد جزل عطية

للمستزيد من العفاة يقل زد

__________________

(١) فى ا «مستخلبا»

٤٢٦

الفصل الخامس والثلاثون

فى التلطف

التلطف

وهو أن تتلطف للمعنى الحسن حتى تهجّنه ، والمعنى الهجين حتى تحسنه ؛ وقد ذكرت طرفا منه فى أوّل الكتاب ، إلا أنى لم أسمّه هناك بهذا الاسم فيشهر به ويكون بابا برأسه ، كإخوانه من أبواب الصنعة.

مثاله من النثر

فمن ذلك أن يحيى بن خالد البرمكى قال لعبد الملك بن صالح : أنت حقود ؛ فقال : إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر فإنهما عندى لباقيان. فقال يحيى : ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك. وقد مر هذا الفصل فى أول الكتاب.

ورأى الحسن على رجل طيلسان صوف ، فقال له : أيعجبك طيلسانك هذا؟ قال : نعم ، قال : إنه كان على شاة قبلك ، فهجّنه من وجه قريب.

وأخبرنا أبو أحمد ، قال : أخبرنا الصولى ، قال : حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء ، قال : لما دخلت على المتوكل دعوت له ، وكلمته فاستحسن كلامى ؛ وقال لى : يا محمد ؛ بلغنى أنّ فيك شرا ، قلت : يا أمير المؤمنين ، إن يكن الشّرّ ذكر المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، فقد زكّى الله عزوجل وذم؟ فقال فى التزكية : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ؛ وقال فى الذم : (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ) ، فذمه الله تعالى حتى قذفه ؛ وقد قال الشاعر :

إذا أنا بالمعروف لم أثن دائما

ولم أشتم الجبس اللّئيم المذمّما

ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه

وشقّ لى الله المسامع والفما

وفى الخبر بعض طول.

وكان عبد الله بن أمية وسم دوابّه «عدّة» ، فلما جاز بها الحجاج جعل إلى جانبه «للفرار». وقيل لعبادة : إن السّودان أسخن ، فقال : نعم ، للعيون. وقال رجل

٤٢٧

لرجل كان يراه فيبغضه : ما اسمك؟ فقال : سعد ، قال : على الأعداء. وسمعت والدى رحمه‌الله يقول : لعن الله الصبر فإن مضرته عاجلة ، ومنفعته آجلة ، يتعجّل به ألم القلب ، بأمثال المنفعة فى العاقبة ؛ ولعلها تفوتك لعارض يعرض ، فكنت قد تعجلت الغم من غير أن يصل إليك نفع ؛ وما سمعت هذا المعنى من غيره ، فنظمته بعد ذلك ، فقلت :

الصّبر عمن تحبّه صبر

ونفع من لام فى الهوى ضرر

من كان دون المرام مصطبرا

فلست دون المرام أصطبر

منفعة الصّبر غير عاجلة

وربما حال دونها الغير

فقم بنا نلتمس مآربنا

أقام أو لم يقم بنا القدر

إنّ لنا أنفسا تسودنا

أعانهنّ الزمان أو يذر

وابغ من العيش ما تسرّ به

إن عذل الناس فيه أو عذروا

مثاله من المنظوم

ومن المنظوم قول الحطيئة فى قوم كانوا يلقبون بأنف الناقة فيأنفون ، فقال فيهم (١) :

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم

ومن يسوّى بأنف الناقة الذنبا

فكانوا بعد ذلك يتبجحون بهذا البيت.

ومدح ابن الرومى البخل وعذر البخيل ، فقال :

لا تلم المرء على بخله

ولمه يا صاح (٢) على بذله

لا عجب بالبخل من ذى حجى

يكرم ما يكرم من أجله

وعذر أبو العتاهية البخيل فى منعه منه ، بقوله (٣) :

جزى البخيل علىّ صالحة

عنّى بخفته على ظهرى

أعلى فأكرم عن نداه يدى (٤)

فعلت ونزّه قدره قدرى

ورزقت من جدواه عارفة

ألّا يضيق بشكره صدرى

__________________

(١) ديوانه : ٦.

(٢) فى ا «يا أخ»

(٣) ديوان الحماسة : ٢٤٦ ، أسرار البلاغة : ١٤

(٤) فى ديوان الحماسة : «عن يديه يدى».

٤٢٨

وظفرت منه بخير مكرمة

من بخله من حيث لا يدرى

ما فاتنى خير امرئ وضعت

عنّى يداه مئونة الشكر

وقال ابن الرومى ، يعذر إنسانا فى المنع :

أجمعت حسرى أياديك التى ثقلت

على الكواهل حتى أدّها ذاكا

وما مللت العطايا فاسترحت إلى

إغبابهم بل هم ملوا عطاياكا

وما نهتهم عن المرعى وخامته

لكنه أسبق الرّاعين مرعاكا

تدبّر الناس ما دبّرته فإذا

عليهم لا على الأموال بقياكا

أمسكت سيبك إضراء لرغبتهم

وما بخلت ولا أمسكت إمساكا

وكان شمّ الورد يضرّه ، فكان يذمّه ويمدح النرجس ، واحتال فى تشبيهه ، حتى هجّن فيه أمره وطمس حسنه وهو قوله :

وقائل لم هجوت الورد معتمدا

فقلت من بغضه عندى ومن عبطه

كأنه سرم بغل حين يخرجه

عند الرياث وباقى الروث فى وسطه

ومثله قول يزيد المهلبى :

ألا مبلغ عنى الأمير محمدا

مقالا له فضل على القول بارع

لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها

وإن هى لم تمكن فعذرك واسع

وقال ابن الرومى أيضا :

وإنى لذو حلف كاذب

وإذا ما اضطررت وفى الأمر ضيق

وما فى اليمين على مدفع

يدافع بالله ما لا يطيق

وقد فرغنا من شرح أبواب البديع ، وتبيين وجوهها وإيضاح طرقها ؛ والزيادة التى زدنا فيها ستّة فصول ، وأبرزناها فى قوالبها من الألفاظ من غير إخلال ولا إهذار. وإذا أردت أن تعرف فضلها على ما عمل فى معناها قبلها ، فمثل بينها وبينه فإنك تقضى لها عليه ، ولا تنصرف بالاستحسان عنها إليه ، إن شاء الله.

المشتق

وقد عرض لى بعد نظم هذه الأنواع ، نوع آخر لم يذكره أحد وسميته المشتق ،

٤٢٩

وهو على وجهين ؛ فوجه منهما أن يشتق اللفظ من اللفظ ، والآخر أن يشتق المعنى من اللفظ ، فاشتقاق اللفظ من اللفظ ، هو مثل قول الشاعر فى رجل يقال له ينخاب :

وجهاه

وكيف ينجح من نصف اسمه خابا

وقلت ، فى البانياس (١) :

فى البانياس إذا أوطئت ساحتها

خوف وحيف وإقلال وإفلاس

وكيف يطمع فى أمن وفى دعة

من حل فى بلد نصف اسمه ياس

واشتقاق المعنى من اللفظ ، مثل قول أبى العتاهية :

حلقت لحية موسى باسمه

وبهارون إذا ما قلبا

وقال ابن دريد (٢) :

لو أوحى النحو إلى نفطويه

ما كان هذا النحو يقرا عليه (٣)

أحرقه الله بنصف اسمه

وصير الباقى صراخا عليه

__________________

(١) فى ا : «الباسيان».

(٢) ديوانه ١١١.

(٣) رواية الديوان :

لو أنزل الوحى على نفطويه

لكان ذاك الوحى سخطا عليه

٤٣٠

الباب العاشر

فى ذكر مبادئ الكلام ومقاطعه والقول فى حسن الخروج والفصل

والوصل وما يجرى مجرى ذلك

الفصل الأوّل

فى ذكر المبادئ

حسن ابتداءات وقبحها

أمثلة

قال بعض الكتّاب : أحسنوا معاشر الكتّاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان. وقالوا : ينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره ، ومفتتح أقواله ؛ مما يتطيّر منه ، ويستجفى من الكلام والمخاطبة والبكاء ووصف إقفار الديار وتشتيت الألّاف ونعى الشباب وذمّ الزمان ؛ لا سيّما فى القصائد التى تتضمن المدائح والتهانى. ويستعمل ذلك فى المراثى ، ووصف الخطوب الحادثة ؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه ، وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح ، مثل ابتداء ذى الرّمة (١) :

ما بال عينك منها الماء ينسكب

كأنه من كلى مفرية سرب (٢)

وقد أنكر الفضل بن يحيى البرمكى على أبى نواس ابتداءه (٣) :

أربع البلى إن الخشوع لبادى

عليك وإنى لم أخنك ودادى

قال فلما انتهى إلى قوله :

سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم

بنى برمك من رائحين وغاد

وسمعه استحكم تطيّره ، وقيل : إنه لم يمض أسبوع حتى نكبوا.

ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد ، قال : حدثنا الصولى ، قال : حدثنا محمد بن العباس

__________________

(١) الجمهرة : ٣٦٠

(٢) الكلى : جمع كلية ، والمفرية : المحزوزة ، والسرب : الجارى.

(٣) ديوانه ٧٣

٤٣١

اليزيدى ، قال : حدثنى عمى عن أخيه أبى محمد ، قال : لما فرغ من بناء قصره بالميدان الذى كان للعباسية ، جلس فيه وجمع الناس من أهله وأصحابه ، وأمر أن يلبس الناس كلّهم الديباج ، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا الذى كان فى صدره صورة العنقاء ، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجواهر ، وجعل على رأسه التاج الذى فيه الدرّة اليتيمة ، وفى الإيوان أسرّة آبنوس عن يمينه وعن يساره ، من عند السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان ؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه ، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم ، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم فى النّشيد فأذن له ؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس ؛ إلّا أن أوله تشبيب بالديار القديمة ، وبقية آثارها فكان أول بيت منها :

يا دار غيّرك البلى فمحاك

يا ليت شعرى ما الّذى أبلاك

فتطيّر المعتصم منها ، وتغامز الناس ، وعجبوا كيف ذهب على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك ؛ قال : فأقمنا يومنا هذا ، وانصرفنا ، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس ، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى ، وخرب القصر.

وأنشد البحترى أبا سعيد قصيدة أولها (١) :

لك الويل من ليل تطاول آخره

ووشك نوى حىّ تزم أباعره

فقال أبو سعيد : بل الويل والحرب لك! فغيّره وجعله «له الويل» وهو رديء أيضا.

وأنشد أبو حكيمة أبا دلف :

ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف

فقال أبو دلف : أمّك تعرف ذلك.

وأنشد أبو مقاتل الداعى :

لا تقل بشرى ولكن بشريان

غرّة الداعى ويوم المهرجان

فأوجعه الداعى ضربا ، ثم قال : هلا قلت : «إن تقل بشرى فعندى بشريان».

__________________

(١) ديوانه : ١ ـ ١١.

٤٣٢

فإن أراد أن يذكر دارا فليذكرها كما ذكرها الخريمى :

ألا يا دار دام (١) لك الحبور

وساعدك الغضارة والسرور

وكما قال أشجع :

قصر عليه تحية وسلام

نشرت عليه جمالها الأيام

وقالوا : أحسن ابتداءات الجاهلية قول النابغة (٢) :

كلينى لهمّ يا أميمة ناصب

وليل أقاسيه بطىء الكواكب

وأحسن مرثية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر (٣) :

أيّتها النفس أجملى جزعا

إنّ الذى تحذرين قد وقعا

قالوا : وأحسن مرثية إسلامية ابتداء قول أبى تمام (٤) :

أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعا

وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا

وقول الآخر :

أنعى فتى الجود إلى الجود

ما مثل من أنعى بموجود

أنعى فتى مصّ الثرى بعده

بقية الماء من العود

وقد بكى امرؤ القيس واستبكى ، ووقف واستوقف ، وذكر الحبيب والمنزل فى نصف بيت ، وهو قوله (٥) :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

فهو من أجود الابتداءات.

ومن أحكم ابتداءات العرب قول السموأل (٦) :

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه

فكلّ رداء يرتديه جميل

وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها

فليس إلى حسن الثناء سبيل

__________________

(١) فى ط : «دار» ، وهذه رواية ا

(٢) ديوانه : ٢

(٣) شعراء النصرانية : ٤٩٢.

(٤) ديوانه : ٣٧٤.

(٥) مطلع المعلقة.

(٦) ديوان الحماسة : ١ ـ ٢٨.

٤٣٣

وقال بعضهم : أحكم ابتداءاتهم قول لبيد (١) :

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل

وكلّ نعيم لا محالة زائل

وبعضهم يجعل ابتداء هذه القصيدة (٢) :

ألا تسألان المرء ما ذا يحاول

أنحب فيقضى أم ضلال وباطل

ومن جياد ابتداءات أهل الجاهلية قول أوس بن حجر :

ولقد أبيت بليلة كليالى

ومنها قول النابغة (٣) :

دعاك الهوى واستجهلتك المنازل

وكيف تصابى المرء والشيب شامل

ونحوه قول أمية (٤) :

يا نفس مالك بعد الله من واق

وما على حدثان الدهر من راق

من غير الجاهلية

وقالوا : وكان عبد الحميد الكاتب لا يبتدئ «بلولا» ولا «إن رأيت».

وقد جعل الناس قول أبى تمام (٥) :

يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا

هى الصبابة طول الدهر والسهد

من جياد الابتداءات ، وقوله (٦) :

سعدت غربة النّوى بسعاد

فهى طوع الاتهام والإنجاد

وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء ، فقال : من يتفقد الابتداء والمقطع.

ولما نظر أبو العميثل فى قصيدة أبى تمام (٧) :

أهنّ عوادى يوسف وصواحبه

فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه

استرذل ابتداءها وأسقط القصيدة كلها ، حتى صار إليه أبو تمام ، ووقفه على موضع الإحسان منها ، فراجع عبد الله بن طاهر ، فأجازه.

__________________

(١) ديوانه : ٨٠

(٢) الخزانة : ١ ـ ٣٤٠.

(٣) الخزانة : ١ ـ ٣٤٠.

(٤) ديوانه : ٤٣.

(٥) ديوانه : ٩٦.

(٦) ديوانه : ٧٥.

(٧) ديوانه : ٤٣.

٤٣٤

ولأبى تمام ابتداءات كثيرة تجرى هذا المجرى ، منها قوله (١) :

قدك اتّأب أربيت فى الغلواء

كم تعذلون وأنتم سجرائى (٢)

وقوله :

صدقت لهيّا قلبك المستهتر

فبقيت نهب صبابة وتذكّر (٣)

ومن الابتداءات البديعة

ومن الابتداءات البديعة قول مسلم :

أجررت ذيل خليع فى الهوى غزل

وشمّرت همم العذّال فى عذلى

وقال أبو العتاهية :

ننافس فى الدنيا ونحن نعيبها

والابتداء أول ما يقع فى السمع من كلامك ، والمقطع آخر ما يبقى فى النفس من قولك ، فينبغى أن يكونا جميعا مونقين.

ابتداءات المتنبى

وقد استحسن لبعض المتأخرين ابتداؤه (٤) :

أريقك أم ماء الغمامة أم خمر

بفىّ برود وهو فى كبدى جمر

وله بعد ذلك ابتداءات المصائب ، وفراق الحبائب ، منها قوله (٥) :

كفى أرانى ويك لومك ألوما

همّ أقام على فؤادى أنجما (٦)

وقوله (٧) :

أبا عبد الإله معاذ إنى

خفىّ عنك فى الهيجا مقامى

وقوله (٨) :

هذى برزت لنا فهجت رسيسا

ثم انصرفت وما شفيت نسيسا (٩)

وقوله (١٠) :

جللا كما بى فليك التّبريح

أغذاء ذا الرّشإ الأغن الشيح

__________________

(١) ديوانه : ٢.

(٢) قدك : حسبك. واتئب : استحى. والسجراء : الأصدقاء.

(٣) اللهيا ، تصغير اللهو.

(٤) أبو الطيب المتنبى : ٢ ـ ١٢٣.

(٥) ديوانه : ٤ ـ ٢٧.

(٦) أنجم : أقلع.

(٧). ٤ ـ ٤٤.

(٨). ٢ ـ ١٩٣.

(٩) هذى : منادى ، يريد : يا هذه. والرسيس : بداية الحب. والنسيس : بقية الروح الذى به الحياة.

(١٠) ١ ـ ٢٤٣.

٤٣٥

وقوله (١) :

أحاد أم سداس فى أحاد

لييلتنا المنوطة بالتّنادى (٢)

وقوله (٣) :

لجنّية أم غادة رفع السّجف

لوحشيّة لا ما لوحشية شنف (٤)

وقوله (٥) :

بقائى شاء ليس هم ارتحالا

وحسن الصبر زمّوا لا الجمالا

وقوله (٦) :

فى الخدّ إن عزم الخليط رحيلا

مطر يزيد به الخدود محولا

وقال إسماعيل بن عباد : لعمرى إن المحول فى الخدود من البديع المردود.

وقوله (٧) :

نهنّى بصور أم نهنّئها بكا

وقل للذى صور وأنت له لكا

وقوله (٨) :

عذيرى من عذارى فى صدور

سكن جوانحى بدل الصّدور

وقوله (٩) :

سرب محاسنه حرمت ذواتها

دانى الصّفات بعيد موصوفاتها

وقوله (١٠) :

أيا لائمى إن كنت وقت اللّوائم

علمت بما بى بين تلك المعالم

__________________

(١) ديوانه : ١ ـ ٣٥٣.

(٢) المنوطة : المتعلقة. التنادى : يوم القيامة.

(٣) ديوانه : ٢ ـ ٢٨٢.

(٤) الشنف : ما علق فى أعلى الأذن.

(٥). ٣ ـ ٣٢١.

(٦). ٣ ـ ٢٣٢.

(٧) ديوانه : ٢ ـ ٣٨١.

(٨) ديوانه : ٢ ـ ١٤١.

(٩) ديوانه : ١ ـ ٢٢٥.

(١٠) ديوانه : ٤ ـ ١١٠.

٤٣٦

وقوله (١) :

ووقت وفى بالدهر لى عند واحد

وفى لى بأهليه وزاد كثيرا

وقوله (٢) :

شديد البعد من شرب الشّمول

ترنج الهند أو طلع النّخيل

وقوله (٣) :

أراع كذا كلّ الأنام همام

وسحّ له رسل الملوك غمام

وقوله (٤) :

أوه بديل من قولتى واها

لمن نأت والبديل ذكراها

فهذه وما شاكلها ابتداءات لا خلاق لها.

فضل الابتداء الحسن

وإذا كان الابتداء حسنا بديعا ، ومليحا رشيقا ، كان داعية إلى الاستماع لما يجيء من الكلام ؛ ولهذا المعنى يقول الله عزوجل : آلم. وحم. وطس. وطسم. وكهيعص ؛ فيقرع أسماعهم بشىء بديع ليس لهم بمثله عهد ، ليكون ذلك داعية لهم إلى الاستماع لما بعده والله أعلم بكتابه. ولهذا جعل أكثر الابتداءات بالحمد لله ؛ لأن النفوس تتشوف للثناء على الله فهو داعية إلى الاستماع ؛ وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كل كلام لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر».

فأما الابتداء البارد ، فابتداء أبى العتاهية (٥) :

ألا ما لسيدتى ما لها

أدلّت فأحمل إدلالها

__________________

(١). ٢ ـ ١٤٥.

(٢) ديوانه : ٣ ـ ٩٠.

(٣) ديوانه : ٣ ـ ٣٩٣.

(٤). ٤ ـ ٢٦٩.

(٥) ديوانه : ٣١١.

٤٣٧

الفصل الثّانى

فى ذكر المقاطع والقول فى الفصل والوصل

البلاغة معرفة الفصل والوصل

قيل للفارسى : ما البلاغة؟ فقال : معرفة الفصل من الوصل. وقال المأمون لبعضهم : من أبلغ الناس؟ فقال : من قرّب الأمر البعيد المتناول ، والصّعب الدرك بالألفاظ اليسيرة ، قال : ما عدل سهمك عن الغرض. ولكن البليغ من كان كلامه فى مقدار حاجته ، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ ، ولا يكره المعانى على إنزالها فى غير منازلها ، ولا يتعمّد الغريب الوحشىّ ، ولا الساقط السّوقىّ ؛ فإن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلئ بلا نظام.

وقال أبو العباس السفاح لكاتبه : قف عند مقاطع الكلام وحدوده ؛ وإيّاك أن تخلط المرعىّ بالهمل (١). ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل.

وقال الأحنف بن قيس : ما رأيت رجلا تكلّم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام ، ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضى الله عنه ، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام ، وأعطى حقّ المقام ، وغاص فى استخراج المعنى بألطف مخرج ؛ حتى كان يقف عند المقطع وقوفا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ ، وكان كثيرا ما ينشد :

إذا ما بدا فوق المنابر قائلا

أصاب بما يومى إليه المقاتلا

ولا أعرف فصلا فى كلام منثور أحسن مما أخبرنا به أبو أحمد ، قال : حدثنا الصّولى ، قال : حدثنا محمد بن زكريا ، قال : حدثنى العتبى عن أبيه ، قال : كان شبيب ابن شبّة يوما قاعدا بباب المهدى ، فأقبل عبد الصمد بن الفضل الرّقاشىّ ، فلما رآه قال : أتاكم والله كليم الناس. فلما جلس قال شبيب : تكلم يا أبا العباس ، فقال :

__________________

(١) أصله من المثل : «ليس المرعى كالهمل» ، والمرعى : الذى له راع ، والهمل : المتروك سدى.

٤٣٨

أمعك يا أبا معمر وأنت خطيبنا وسيدنا؟ قال : نعم ، فو الله ما رأيت قلبا أقرب من لسان ، من قلبك من لسانك ، قال : فى أى شيء تحب أن أتكلم؟ قال : وإذا شيخ معه عصا يتوكأ عليها ، فقال : صف لنا هذه العصا ، فحمد الله عزوجل وأثنى عليه ، ثم ذكر السماء ، فقال : رفعها الله بغير عمد ، وجعل فيها نجوم رجم ونجوم اقتداء ، وأدار فيها سراجا وقمرا منيرا ؛ لتعلموا عدد السنين والحساب ، وأنزل منها ماء مباركا ، أحيا به الزرع والضّرع وأدرّ به الأقوات ، وحفظ به الأرواح ، وأنبت به أنواعا مختلفة ، يصرّفها من حال إلى حال ؛ تكون حبّة ، ثم يجعلها عرقا ، ثم يقيمها على ساق ، فبينا تراها خضراء ترف إذ صارت يابسة تتقصّف ، لينتفع بها العباد ، ويعمر بها البلاد ، وجعل من يبسها هذه العصا. ثم أقبل على الشيخ ، فقال : وكان هذا نطفة فى صلب أبيه ، ثم صار علقة حين خرج منه ، ثم مضغة ثم لحما وعظما ، فصار جنينا أوجده الله بعد عدم ، وأنشأه مريدا ، ووفقه مكتهلا ، ونقصه شيخا ، حتى صار إلى هذه الحال ، من الكبر ، فاحتاج فى آخر حالاته إلى هذه العصا ؛ فتبارك المدبّر للعباد ... قال شبيب : فما سمعت كلاما على بديه أحسن منه.

وقال معاوية : يا أشدق ؛ قم عند قروم العرب وجحاجحها ، فسلّ لسانك ، وجل فى ميادين البلاغة ، وليكن التفقّد لمقاطع الكلام منك على بال ، فإنى شهدت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أملى على علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه كتابا ، وكان يتفقّد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صريمته.

ولما أقام أبو جعفر صالحا خطيبا بحضرة شبيب بن شبة وأشراف قريش فتكلم ، أقبل شبيب. فقال : يا أمير المؤمنين ؛ ما رأيت كاليوم أبين بيانا ، ولا أربط جنانا ، ولا أفصح لسانا ، ولا أبلّ ريقا ، ولا أغمض عروقا ، ولا أحسن طريقا ، إلا أن الجواد عسير لم يرض ؛ فحملته القوة على تعسّف الإكام وخبطها ، وترك الطريق اللاحب ، وايم الله لو عرف فى خطبته مقاطع الكلام لكان أفصح من نطق بلسان.

٤٣٩

وقال المأمون : ما أعجب بكلام (١) أحد كإعجابى بكتاب القاسم بن عيسى ، فإنه يوجز فى غير عجز ، ويصيب مفاصل الكلام ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب ، ولا تميل به الغزارة إلى الإسهاب ، يجلى عن مراده فى كتبه ، ويصيب المغزى فى ألفاظه.

وكان يزيد بن معاوية يقول : إياكم أن تجعلوا الفصل وصلا ، فإنه أشدّ وأعيب من اللّحن.

وكان أكثم بن صيفى إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول (٢) لكتّابه افصلوا بين كل معنى منقض ، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض. وكان الحرث بن أبى شمر الغسّانى يقول لكاتبه المرقش : إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه فافصل بينه وبين تبيعته من الألفاظ ، فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما يحسن أن تمذق به نفّرت (٣) القلوب عن وعيها ، وملّته الأسماع ، واستثقلته الرواة. وكان بزرجمهر. يقول : إذا مدحت رجلا ، وهجوت آخر ، فاجعل بين القولين فصلا حتى تعرف المدح من الهجاء ، كما تفعل فى كتبك إذا استأنفت القول ، وأكملت ما سلف من اللفظ.

وقال الحسن بن سهل لكاتبه الحرّانى : ما منزلة الكاتب فى قوله وفعله؟ قال : أن يكون مطبوعا محتنكا بالتجربة ، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامها ، وبالدهور فى تداولها وتصرّفها ، وبالملوك فى سيرها وأيامها ، مع براعة اللفظ وحسن التنسيق ، وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة ، وشرح المعنى ؛ حتى ينصب ضورها ، وبمقاطع الكلام ، ومعرفة الفصل من الوصل ؛ فإذا كان ذلك كذلك فهو كاتب مجيد. والقول إذا استكمل آلته ، واستتمّ معناه فالفصل عنده. وكان عبد الحميد الكاتب إذا استخبر الرجل فى كتابه فكتب : خبرك ، وحالك وسلامتك ؛ فصل بين هذه الأحرف ويقول : قد استكمل كل حرف منها آلته ، ووقع الفصل عليه. وكان صالح بن عبد الرحمن التميمى الكاتب يفصّل بين الآيات كلها وبين تبيعتها من الكتاب ، كيف وقعت.

__________________

(١) فى ا «بكتاب».

(٢) فى ا «قال لكاتبه».

(٣) فى ا «بعدت».

٤٤٠