كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨

وقول الطّرمّاح : (١)

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا

ولو سلكت سبل المكارم ضلت

ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة

يكرّ على صفّى تميم لولّت

ولو أنّ أم العنكبوت بنت لها

مظلتها يوم الندى لاستظلت

ولو جمعت يوما تميم جموعها

على ذرّة معقولة لاستقلت

ولو أن يربوعا يزقّق مسكه

إذن نهلت منه تميم وعلّت

يزقق : أى يجعل منه زقاقا.

وقال الآخر :

وتبكى السموات إذا ما دعا

وتستغيث الأرض من سجدته

لما اشتهى يوما لحوم القطا

صرّعها فى الجوّ من نكهته

ومثله فى الإفراط قول الخثعمى :

يدلى يديه إلى القليب فيستقى

فى سرجه بدل الرشاء المحصد (٢)

وكما أفرطوا فى صفة الطّول كذلك أفرطوا فى صفة القصر ؛ قال بعضهم :

فأقسم لو خرّت من استك بيضة

لما انكسرت من قرب بعضك من بعض

وقال آخر فى صفة كثير عزة وكان قصيرا :

قصير القميص فاحش عند بيته

يعضّ القراد باسته وهو قائم

وقال بعض المحدثين :

وقصير لا تعمل الش

شمس ظلّا لقامته

يعثر الناس فى الطرى

ق به من دمامته

وقال أبو عثمان الناجم :

ألا يا بيدق الشطرن

ج فى القيمة والقامة

__________________

(١) ديوانه ١٣٣ مع اختلاف فى الرواية وترتيب الأبيات ، والشعر والشعراء ٥٦٨

(٢) فى ا : «المكرب». والمحصد من الحبل : ما كان محكم القتل.

٣٦١

وقال أبو نواس يصف قدرا :

يغصّ بحيزوم الجرادة صدرها

وينضج ما فيها بعود خلال

وتغلى بذكر النار من غير حرّها

وتنزلها عفوا بغير جعال

هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل

ربيع اليتامى عام كل هزال

وقال آخر فى خلاف ذلك :

بقدر كأنّ الليل شحمة قعرها

ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع

ومن الإفراط قول المؤمل :

من رأى مثل حبّتى

تشبه البدر إذ بدا

تدخل اليوم ثم تد

خل أرادفها غدا

ومثله قول الآخر :

أنت فى البيت وعرن

ينك فى الدّار يطوف

ومثله :

لقد مرّ عبد الله فى السوق راكبا

له حاجة من أنفه ومطّرق

وعنّت له فى جانب السوق مخطة

توهمت أن السوق منها سيغرق

فأقذر به أنفا وأقذر بربّه

على وجهه منه كنيف معلّق

ومثله فى الإفراط قول آخر فى إمام بطىء القراءة :

إن قرأ «العاديات» فى رجب

لم تفن آياتها إلى رجب

بل هو لا يستطيع فى سنة

بختم «تبت يدا أبى لهب»

وقال ابن مقبل :

يقلقل من ضغم اللجام لهاته

تقلقل عود المرخ فى الجعبة الصّفر

وقال إبراهيم بن العباس (١) :

يا أخا لم أر فى الدهر خلا

مثله أسرع هجر ووصلا

__________________

(١) الطرائف الأدبية : ١٦٤.

٣٦٢

كنت لى فى صدر يومى صديقا

فعلى عهدك أمسيت أم لا

وقال ابن الرومى :

يا ثقيلا على القلوب خفيفا

فى الموازين دون وزن النقير

طر مخيفا أو قع مقيتا فطو

را كسفاة وتارة كثبير (١)

وقبول النفوس إياك عندى

آية فيك للّطيف الخبير

إن قوما أصبحت تنفق فيهم

لعلى غاية من التسخير

ومن الناس من يكره الإفراط الشديد ويعيبه ؛ وإذا تحرز المبالغ واستظهر فأورد شرطا ، أو جاء ـ بكاد ـ وما يجرى مجراها يسلم من العيب ؛ وذلك مثل قول الأول (٢) :

لو كنت من شيء سوى بشر

كنت المنوّر ليلة البدر

وقول العرجى :

لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا

حيا الحطيم وجوههنّ وزمزم

وقول الأسدى :

فلو قاتل الموت امرؤ عن حميمه

لقاتلت جهدى سكرة الموت عن معن

فتى لا يقول الموت من وقعة به

لك ابنك خذه ليس من حاجتى دعنى

وقول الآخر :

لو كان يخفى على الرّحمن خافية

من خلقه خفيت عنه بنو أسد

قوم أقام بدار الذلّ أو لهم

كما أقامت عليه جذمة الوتد

وقول البحترى (٣) :

ولو أن مشتاقا تكلّف غير ما (٤)

فى وسعه لسعى إليك المنبر

من عيوب الغلو

ومن عيوب هذا الباب أن يخرج فيه إلى المحال ، ويشوبه بسوء الاستعارة ، وقبيح العبارة ؛ كقول أبى نواس فى الخمر :

__________________

(١) ثبير : جبل.

(٢) صفحة ٢٨٦.

(٣) ديوانه : ٢١٢.

(٤) رواية الديوان : «فوق ما».

٣٦٣

توهمتها فى كأسها فكأنما

توهمت شيئا ليس يدرك بالعقل

وصفراء أبقى الدهر مكنون روحها

وقد مات من مخبورها جوهر الكل

فما يرتقى التكييف منها إلى مدى

تحدّ به إلّا ومن قبله قبل

فجعلها لا تدرك بالعقل وجعلها لا أول لها ، وقوله : «جوهر الكل» و «التكييف» فى غاية التكلف ، ونهاية التعسف. ومثل هذا من الكلام مردود ، لا يشتغل بالاحتجاج عنه له ، والتحسين لأمره ، وهو بترك التداول أولى ؛ إلا على وجه التعجب منه ومن قائله. ومن الغلو الغث قول المتنبى (١) :

فتى ألف جزء رأيه فى زمانه

أقلّ جزء بعضه الرأى أجمع

وقوله (٢) :

تتقاصر الأفهام عن إدراكه

مثل الذى الأفلاك فيه والدّنا

سئل عما فيه الأفلاك والدنا ، فقال : علم الله ؛ ونيته لا تدل عليه ؛ فأفرط وعمّى ، وجمع دنيا على قول أهل الأدوار والتناسخ.

__________________

(١) ديوانه : ٢ ـ ٢٤٢.

(٢) ديوانه : ٤ ـ ٢١٠.

٣٦٤

الفصل الحادى عشر

فى المبالغة

المبالغة

المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته ، وأبعد نهاياته ، ولا تقتصر فى العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه ؛ ومثاله من القرآن قول الله تعالى : (يَوْمَ (تَرَوْنَها) تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى). ولو قال : تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة ؛ وإنما خص المرضعة للمبالغة ، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها ، وأشغف به لقربه منها ولزومها له ، لا يفارقها ليلا ولا نهارا ، وعلى حسب القرب تكون المحبة والإلف ؛ ولهذا قال امرؤ القيس (١) :

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

فألهيتها عن ذى تمائم محول

لما أراد المبالغة فى وصف محبّة المرأة له ، قال : إنى أليتها عن ولدها الذى ترضعه لمعرفته بشغفها به ، وشفقتها عليه فى حال إرضاعها إياه.

وقوله تعالى : (كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً) ، لو قال يحسبه الرائى لكان جيدا ؛ ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن ؛ لأن حاجته إلى الماء أشد ، وهو على الماء أحرص ؛ وقد ذكرناه قبل. ومثل ذلك قول دريد بن الصّمة (٢) :

متى ما تدع قومك أدع قومى

وحولى من بنى جشم فئام (٣)

فوارس بهمة حشد إذا ما

بدا حضر الحيّية والحذام (٤)

فالمبالغة الشديدة فى قوله : «الحيية». ومن المبالغة نوع آخر ، وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عليها أجزأته فى غرضه منها ، فيجاوز ذلك حتى يزيد فى المعنى

__________________

(١) ديوانه : ٢٤.

(٢) نقد الشعر : ٨٤.

(٣) الفئام : الجماعة من الناس.

(٤) البهمة : الشجاع.

٣٦٥

زيادة تؤكده ، ويلحق به لاحقة تؤيده. كقول عمير بن الأهتم التغلبى (١) :

ونكرم جارنا ما دام فينا

ونتبعه الكرامة حيث مالا

فإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة ، وإتباعهم إياه الكرامة حيث مال من المبالغة. وقول الحكم الخضرى (٢) :

وأقبح من قرد وأبخل بالقرى

من الكلب أمسى وهو غرثان أعجف

فالكلب بخيل على ما ظفر به ، وهو أشد بخلا إذا كان جائعا أعجف. ومن هاهنا أخذ حماد عجرد قوله فى بشار (٣) :

ويا أقبح من قرد

إذا ما عمى القرد

وقول رواس بن تميم (٤) :

وإنّا لنعطى النّصف منّا وإننا

لنأخذه من كل أبلخ (٥) ظالم

المبالغة فى قوله : «أبلخ».

وقول أوس بن غلفاء الهجيمى (٦) :

وهم تركوك أسلح من حبارى

رأت صقرا ، وأشرد من نعام

فقوله : «رأت صقرا» من المبالغة.

وكتبت فى فصل إلى بعض أهل الأدب : قربك أحبّ إلىّ من الحياة فى ظل اليسر والسعة ، ومن طول البقاء فى كنف الخفض والدّعة ، ومن إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب ، ومن شمول الخصب بعد عموم الجدب ، وأقرّ لعينى من الظّفر بالبغية بعد إشرافى على الخيبة ، وأسرّ لنفسى من الأمن بعد الخوف ، والإنصاف بعد الحيف. وأسأل الله أن يطيل بقاءك ، ويديم نعماءك ، ويرزقنى عدلك ووفاءك ، ويكفينى نبوّك وجفاءك.

__________________

(١) نقد الشعر : ٨٤.

(٢) نقد الشعر : ٨٤.

(٣) مهذب الأغانى : ٨ ـ ٢٥٩.

(٤) نقد الشعر : ٨٤.

(٥) الأبلخ : الجرىء على ما أتى من الفجور.

(٦) نقد الشعر : ٨٥.

٣٦٦

فقولى : «الحياة فى ظل اليسر والسعة». و «البقاء فى كنف الخفض والدعة». وقولى : «إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب» وقولى : «الخصب بعد عموم الجدب» ، وما بعده إلى آخر الفصول مبالغات.

من عيوب المبالغة

ومن عيوب هذا الباب قول بعض المتأخرين (١) :

فلا غيضت بحارك يا جموما

على علل الغرائب والدّخال (٢)

أراد أن يقول : إنك كثير الجود على كثرة سؤالك فلا نقصت ؛ فعبر عنه بهذه العبارة الغثّة ، والجموم : البئر الكثيرة الماء ؛ وقوله (٣) :

ليس قولى فى شمس فعلك كالشم

س ولكن فى الشّمس كالإشراق

على أن حقيقة معنى هذا البيت لا يوقف عليها.

ومن رديء المبالغة قول أبى تمام (٤) :

ما زال يهذى بالمكارم والعلا

حتى ظننّا أنه محموم

أراد أن يبالغ فى ذكر الممدوح باللهج بذكر الجود ، فقال : «ما زال يهذى» فجاء بلفظ مذموم ، والجيد فى معناه قول الآخر :

ما كان يعطى مثلها فى مثله

إلا كريم الخيم أو مجنون

قسم قسمين : ممدوحا ومذموما ، ليخرج الممدوح من المذموم إلى الممدوح المحمود.

ومن جيد المبالغة قول عمرو بن حاتم :

خليلىّ أمسى حبّ خرقاء قاتلى

ففى الحبّ منى وقدة وصدوع

ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل

على جدبنا ألّا يصوب ربيع

قوله : «على جدبنا» مبالغة جيدة.

__________________

(١) المتنبى ، ديوانه : ٣ ـ ٢٠.

(٢) العلل : الشرب الثانى. الغرائب : جمع غريبة ؛ وهى التى ترد الحوض ، وليست لأهل الحوض. والدخال أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا.

(٣) المتنى ، ديوانه : ٢ ـ ٣٧١.

(٤) ديوانه : ٣٠٠.

٣٦٧

الفصل الثّانى عشر

فى الكناية والتعريض

الكناية والتعريض

وهو أن يكنى عن الشىء ويعرّض به ولا يصرح ، على حسب ما عملوا باللّحن والتّورية عن الشىء. كما فعل العنبرى إذ بعث إلى قومه بصرّة شوك وصرّة رمل وحنظلة ، يريد : جاءتكم بنو حنظلة فى عدد كثير ككثرة الرمل والشوك.

وفى كتاب الله تعالى عزوجل : (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) ، فالغائط كناية عن الحاجة ، وملامسة النساء كناية عن الجماع.

وقوله تعالى : (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) كناية عن النّساء.

ومن مليح ما جاء فى هذا الباب قول أبى العيناء ، وقيل له : ما تقول فى ابنى وهب؟ قال : (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) سليمان أفضل ، قيل : وكيف؟ قال : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).

من التعريض الجيد

ومن التعريض الجيد ما كتب به عمرو بن مسعدة إلى المأمون : أما بعد ، فقد استشفع بى فلان إلى أمير المؤمنين ، ليتطوّل عليه فى إلحاقه بنظرائه من المرتزقين فيما يرتزقون ، فأعلمته أنّ أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفع بهم ، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته والسلام. فوقع فى كتابه : قد عرفنا تصريحك له ، وتعريضك بنفسك ، وأجبناك إليهما ، وأوقفناك عليهما.

ومن المنظوم قول بشّار :

وإذا ما التقى ابن نهيا وبكر

زاد فى ذا شبر وفى ذاك شبر

أراد أنهما يتبادلان ، وقال آخر فى ابن حجام :

أبوك أب ما زال للناس موجعا

لأعناقهم نقرا كما ينقر الصّقر

٣٦٨

إذا عوّج الكتّاب يوما سطورهم

فليس بمعوج له أبدا سطر

وقال بعض المتقدمين :

وقد جعل الوسمىّ ينبت بيننا

وبين بنى دودان نبعا وشوحطا

النّبع والشّوحط ، كأنه كنّى بهما عن القسى والسهام ؛ ومثله قول الآخر :

وفى البقل ما لم يدفع الله شرّه

شياطين ينزو بعضهنّ على بعض

وقول رؤبة :

يا ابن هشام أهلك النّاس اللبن

فكلّهم يعدو بقوس وقرن

وهذه كنايات عن القتال والوقائع بينهم أيام الربيع ، وهو وقت الغزو عندهم.

وكتب كافى الكفاة : إن فلانا طرق بيته وهو الخيف ؛ لا خوف على من دخله ، ولا يد على من نزله ، فصادف فتيانا يعاطون كريمته الكئوس تارة ، والفئوس مرة ، فمن ذى معول يهدم ، ومن ذى مغول (١) يثلم. فبائع الرقيق يكتب من بينهم بالغليظ ، فوثبت العفيفة خفيفة ذفيفة (٢) ، تحكم يمناها فى أخادعه ، وتتقى بيسراها وقع أصابعه ، والحاضرون يحرّضونها على القتال ، ويدعونها إلى النزال ، والشيخ يناديهم :

تجمعتم من كل أوب وبلدة

على واحد لا زلتم قرن واحد

ثم علم أن الحرب خدعة ، ولكل امرئ فرصة ، فتلقّاها بالأثافى طلاقا بتّا وفراقا بتلا. وأخذ ينشد :

إنى أبىّ أبىّ ذو محافظة

وابن أبىّ أبىّ من أبيين (٣)

ولكن بعد ما ذا ، بعد ما ضمّوا الخصر ، وأموا الحصر ، وأدمنوا العصر ، وافتتحوا القصر.

__________________

(١) المغول : سوط فى جوفه سيف.

(٢) الذفيفة : السريعة الخفيفة.

(٣) البيت لذى الإصبع العدوانى ، المفضليات : ١ ـ ١٦١.

٣٦٩

وكان ما كان مما لست أذكره

فظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبر

فأكثر هذا الكلام كنايات.

مما عيب من الكناية

ومما عيب من هذا الباب ما أخبرنا به أبو أحمد ، قال : قال أبو الحسن بن طباطبا الأصبهانى يصف غلاما :

منعّم الجسم يحكى الماء رقته

وقلبه قسوة يحكى أبا أوس

أى قلبه حجر ، أراد والد أوس بن حجر ، فأبعد التناول. فكتب إليه أبو مسلم قال : وأنشدنيها أبو مسلم ، ولم ينسبها إلى نفسه :

أبا حسن حاولت إيراد قافية

مصلّبة المعنى فجاءتك واهيه

وقلت أبا أوس تريد كناية

عن الحجر القاسى فأوردت داهيه

فإن جاز هذا فاكسرن غير صاغر

فمى بأبى القرم الهمام معاوية

وإلا أقمنا بيننا لك جدّه

فتصبح ممنونا بصفّين ثانيه

أراد : فاكسرن فمى بصخر ، وإلا أقمنا بيننا لك حربا وهو جد معاوية ؛ وقال أبو نواس فى جلد عميرة :

إذا أنت أنكحت الكريمة كفأها

فانكح حسينا راحة بنت ساعد

وقل بالرّفا ما نلت من وصل حرّة

لها راحة حفّت بخمس ولائد

ومن شنيع الكناية ، قول بعض المتأخرين (١) :

إنى على شغفى بما فى خمرها (٢)

لأعفّ عما فى سراويلاتها

وسمعت بعض الشيوخ يقول : الفجور أحسن من عفاف يعبّر عنه بهذا اللفظ. قال : وقريب من ذلك قول الآخر :

وما نلت منها محرما غير أننى

إذا هى بالت بلت حيث تبول

__________________

(١) هو المتنبى ، ديوانه : ١ ـ ٢٢٦.

(٢) اخمر : جمع خمار ، وهو ما تختمر به المرأة.

٣٧٠

الفصل الثّالث عشر

فى العكس

العكس

العكس : أن تعكس الكلام فتجعل فى الجزء الأخير منه ما جعلته فى الجزء الأول ، وبعضهم يسمّيه التبديل ؛ وهو مثل قول الله عزوجل : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ).

وقوله تعالى : (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ).

وكقول القائل : اشكر لمن أنعم عليك ، وأنعم على من شكرك. وقول الآخر : اللهم أغننى بالفقر إليك ، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. وقول بعض النساء لولدها : رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول ، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الحظوظ. وقال بعضهم لرجل كان يتعهده : أسأل الله الّذى رحمنى بك ، أن يرحمك بى. وقال بعض القدماء : ما أقلّ منفعة المعرفة مع غلبة الشهوة! وما أكثر قلة المعرفة مع ملك النفس! وقال بعضهم : كن من احتيالك على عدوك ، أخوف من احتيال عدوك عليك. وقال آخر : ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم. وفى معناه قول الشاعر :

جهلت ولم تعلم بأنك جاهل

فمن لى بأن تدرى بأنّك لا تدرى

وعزّى رجل أخاه على ولد ، فقال : عوّضك الله منه ما عوّضه منك ـ يعنى الجنّة. وقال بعضهم : إنى أكره للرّجل أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار علمه ، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا عن مقدار لسانه. وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عنه : إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. وقيل للحسن بن سهل ـ وكان يكثر العطاء : ليس فى السّرف خير ، فقال : ليس فى الخير سرف.

٣٧١

فعكس اللفظ واستوفى المعنى.

مثاله من المنظوم

وقال بعضهم ؛ كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فصاروا شوكا لا ورق فيه.

ومثاله من المنظوم قول عدى بن الرقاع (١) :

ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة

لى جاعلا إحدى يدىّ وسادها

وقال بعض المحدثين :

لسانى كتوم لأسراركم

ودمعى نموم لسرى مذيع

فلولا دموعى كتمت الهوى

ولو لا الهوى لم تكن لى دموع

وقال آخر :

تلك الثنايا من عقدها نظمت

أو نظّم العقد من ثناياها

والعكس أيضا من وجه آخر ؛ وهو أن يذكر المعنى ثم يعكسه إيراد خلاف ؛ كقول الصاحب :

وتسمى شمس المعالى وهو كسوفها

__________________

(١) الطرائف الأدبية : ٨٩.

٣٧٢

الفصل الرابع عشر

فى التذييل

موقع التذييل فى الكلام

التذييل

وللتذييل فى الكلام موقع جليل ، ومكان شريف خطير ؛ لأن المعنى يزداد به انشراحا والمقصد اتضاحا. وقال بعض البلغاء : للبلاغة ثلاثة مواضع ؛ الإشارة ، والتذييل ، والمساواة. وقد شرحنا الإشارة والمساواة فيما تقدم ؛ فأما التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه ، حتى يظهر لمن لم يفهمه ، ويتوكد عند من فهمه ، وهو ضدّ الإشارة والتعريض ؛ وينبغى أن يستعمل فى المواطن الجامعة ، والمواقف الحافلة ؛ لأن تلك المواطن تجمع البطيء الفهم ، والبعيد الذهن ، والثاقب القريحة ، والجيد الخاطر ، فإذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد توكد عند الذهن اللقن ، وصح للكليل البليد.

مثاله من القرآن

ومثاله من القرآن قول الله عزوجل : (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) ؛ ومعناه وهل يجازى بمثل هذا الجزاء إلا الكفور.

وقوله تعالى : (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ). وإن كل (نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) جميعا تذييل.

من النثر

ومثاله من النثر قول بعضهم : قبول السّعاية شر من السعاية ؛ لأنّ السعاية إخبار ودلالة ، والقبول إنفاذ وإجازة ، وهل الدّال المخبر ، مثل المجيز المنفذ ، فإذا كان كذلك فالحزم أن يمقت الساعى على سعايته إن كان صادقا للؤمه فى هتك العورة ، وإضاعة الحرمة ، وأن يجمع له إلى المقت العقوبة إن كان كاذبا ، لجمعه على إضاعة الحرمة ، وهتك العورة ومبارزة الرحمن بقول الزّور واختلاق البهتان. فقوله : «وهل الدال المخبر مثل المجيز المنفذ» تذييل ما تقدم من الكلام.

٣٧٣

وكتب رجل إلى أخ له : أما بعد ، فقد أصبح لنا من فضل الله تعالى ما لا نحصيه ، ولسنا نستحى من كثرة ما نعصيه ، وقد أعيانا شكره ، وأعجزنا حمده ، فما ندرى ما نشكر : أجميل ما نشر ، أم قبيح ما ستر ، أم عظيم ما أبلى ، أم كثير ما عفا ، فاستزد الله من حسن بلائه بشكره على جميع آلائه. فقوله : «فما ندرى ما نشكر» تذييل لقوله «قد أعيانا شكره».

وكتب سليمان بن وهب لبعضهم : بلغنى حسن محضرك ، فغير بديع من فضلك ، ولا غريب عندى من برّك ؛ بل قليل اتّصل بكثير ، وصغير لحق بكبير ؛ حتى اجتمع فى قلب قد وطّن لموتك ، وعنق قد ذلّلت لطاعتك ، ونفس قد طبعت على مرضاتك ؛ وليس أكثر سؤلها ، وأعظم إربها ، إلا طول مدتك ، وبقاء نعمتك ، قوله : «فغير بديع من فضلك ولا غريب عندى من برك» تذييل لقوله : «بل قليل اتصل بكثير ، وصغير لحق بكبير» فأكد ما تقدم.

من المنظوم

ومن المنظوم قول الحطيئة (١) :

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم

ومن يقيس (٢) بأنف الناقة الذنبا

فاستوفى المعنى فى النّصف الأول ، وذيّل بالنصف الثانى.

وقول الآخر :

فدعوا نزال فكنت أول نازل

وعلام أركبه إذا لم أنزل

وقول طرفة (٣) :

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى

لكالطّول المرخى وثنياه باليد (٤)

فالنصف الآخر تشبيه وتذييل.

وقول أبى نواس :

عرم الزمان على الذين عهدتهم

بك قاطنين وللزمن عرام (٥)

قوله : «وللزمان عرام» تذييل.

__________________

(١) ديوانه : ٧.

(٢) فى الديوان : «ومن يسوى».

(٣) المعلقات : ٨٦.

(٤) الطول : الحبل. وثنياه : ما ثنى منه.

(٥) العرام : الشدة والأذى.

٣٧٤

الفصل الخامس عشر

فى الترصيع

التصريع مثاله

وهو أن يكون حشو البيت مسجوعا ، وأصله من قولهم : رصّعت العقد ، إذا فصّلته. ومثاله قول امرئ القيس (١) :

سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا

له حجبات مشرفات على الفال (٢)

وقوله (٣) :

وأوتاده ماذيّة وعماده

ردينية فيها أسنّة قعضب (٤)

وقوله (٥) :

فتور القيام قطيع الكلى

م تفترّ عن ذى غروب خصر

وضرب منه قوله (٦) :

مخشّ مجش مقبل مدبر معا

كتيس ظباء الحلّب العدوان (٧)

وضرب منه ، قوله (٨) فى صفة الكلب :

ألصّ الضّروس حبىّ الضّلوع

تبوع طلوب نشيط أشر (٩)

فقوله : «الضّروس مع الضلوع» ، سجع ؛ وإن لم يكن القاطع على حرف واحد ؛ وقد أحكمنا هذا فى السجع والازدواج.

__________________

(١) ديوانه : ٦٤.

(٢) الشظى : عظم لازق بالذراع. والشوى : اليدان والرجلان. والنسا : عرق فى الفخذ. والحجبات : رءوس عظام اليدين. والفالى : اللحم الذى على الورك.

(٣) ديوانه : ٨٧.

(٤) المازية : الدروع البيض. وقعضب : رجل كان يصنع الرماح.

(٥) ديوانه : ٨.

(٦) ديوانه : ١٢٣.

(٧) رواية الديوان :

مكر مفر مقبل مدبر معا

كتيس ظباء الحلب العدوان

الحلب : بقلة تأكلها الوحش فتضمر عليها بطونها. العدوان : المسرع.

(٨) ديوانه : ١١.

(٩) الألص : الذى التصقت أسنانه بعضها ببعض. حبى الضلوع (بالباء) : منتفخ.

٣٧٥

وقال زهير (١) :

كبداء مقبلة عجزاء مدبرة

قوداء فيها إذا استعرضتها خضع (٢)

وقال أوس (٣) :

جشّا حناجرها علما مشافرها

تستنّ أولادها فى قرقر ضاحى (٤)

وقال طرفة (٥) :

بطىء عن الجلّى سريع إلى الخنا

ذلول بأجماع الرجال ملهّد (٦)

وقال النمرى (٧) :

من صوب سارية علّت بغادية

تنهلّ حتى يكاد الصبح ينجاب

وقال تأبط شرا (٨) :

بل من لعذّالة خذّالة أشب

حرّقت باللّوم جلدى أى تحراق (٩)

وقال أيضا (١٠) :

حمال ألوية شهاد أنديه

هبّاط أودية جوّال آفاق

وقال النمر (١١) :

طويل الذّراع قصير الكراع

يواشك بالسّبسب الأغبر

وقال الأفوه الأودى (١٢) :

سود غدائرها بلج محاجرها

كأن أطرافها لمّا اجتلى الطّنف (١٣)

__________________

(١) ديوانه : ٢٣٧.

(٢) كبداء : ضخمة الوسط. قوداء : طويلة العنق. استعرضتها : نظرت عرضها. الخضع : تطامن فى العنق.

(٣) نقد الشعر : ٢٥.

(٤) الجش : جمع أجش ، وهو الغليظ الصوت. والعلم : جمع أعلم وهو المشقوق الشفة العليا.

(٥) المعلقات : ٩٦.

(٦) الجلى : الأمر العظيم. أجماع : جمع جمع ، وهو ظهر الكف. الملهد : المضروب.

(٧) نقد الشعر : ٢٦.

(٨) المفضليات : ٢٨.

(٩) العذالة : الكثير اللوم. والخذالة : الذى يكثر خذلان صاحبه. والأشب : المعترض.

(١٠) المفضليات : ٢٧.

(١١) نقد الشعر : ٢٩.

(١٢) الطرائف الأدبية : ٢٠.

(١٣) الطنف : السيور.

٣٧٦

وقال العجير (١) :

حمّ الذرى مرسلة منها العرى

وقال سليك (٢) :

إذا أسهلت خبّت وإن أحزنت مشت

وقال بشامة بن الغدير (٣) :

هوان الحياة وخزي الممات

وكلّا أراه طعاما وبيلا

وقال الراعى (٤) :

سود معاصمها خضر معاقمها

قد مسّها من عقيد القار تنصيل (٥)

وقالت ليلى الأخيلية (٦) :

وقد كان مرهوب السنان وبيّن ال

لسان ومجذام السّرى غير فاتر

وقال ذو الرمة :

كحلاء فى برج صفراء فى نعج (٧)

كأنها فضة قد مسها ذهب

وقال عامر بن الطفيل :

إنى وإن كنت ابن فارس عامر

وفى السرّ منها والصريح المهذّب

فما سوّدتنى عامر عن وراثة

أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب

ولكنّنى أحمى حماها وأتقى

أذاها وأرمى من رماها بمقنب

المقنب : جماعة الخيل.

كثرته

ومثل هذا إذا اتفق فى موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا ، فإذا كثر وتوالى دلّ على التكلّف ؛ وقد ارتكب قوم من القدماء الموالاة بين أبيات كثيرة

__________________

(١) نقد الشعر : ٢٧.

(٢) نقد الشعر : ٢٧.

(٣) نقد الشعر : ٢٧.

(٤) نقد الشعر : ٢٧.

(٥) المعاقم : فقر فى مؤخر الصلب ، وملتقى أطراف العظام.

(٦) نقد الشعر : ٢٧.

(٧) البرج : نجل العين وهو سعتها. والنعج : حسن اللون وخلوص بياضه.

٣٧٧

من هذا الجنس فظهر فيها أثر التكلّف ، وبان عليها سمة التعسف ، وسلم بعضها ولم يسلم بعض ؛ فمن ذلك ما روى أنه للخنساء :

حامى الحقيقة محمود الخليقة مه

ديّ الطريقة نفاع وضرّار

هذا البيت جيد ؛ ثم قالت :

فعّال سامية ورّاد طامية

للمجد نامية تعنيه أسفار

هذا البيت رديء لتبرئ بعض ألفاظه من بعض ؛ ثم قالت :

جواب قاصية جزّاز ناصية

عقّاد ألوية للخيل جرّار

آخر هذا البيت لا يجرى مع ما قبله ، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا ؛ ثم قالت :

حلو حلاوته فصل مقالته

فاش حمالته للعظم جبّار

وهذا مثل ما قبله ؛ وقول أبى صخر الهذلى (١) :

وتلك هيكلة خود مبتّلة (٢)

صفراء رعبلة فى منصب سنم

هذا البيت صالح ؛ وبعده :

عذب مقبّلها جذل مخلخلها

كالدّعص (٣) أسفلها مخصورة القدم

كأن قوله : «مخصورة القدم» ناب عن موضعه غير واقع فى موقعه ؛ وبعده :

سود ذوائبها بيض ترائبها

محض ضرائبها صيغت على الكرم

وهذا البيت أيضا قلق القافية ؛ وبعده :

سمح خلائقها درم مرافقها

يروى معانقها من بارد شبم

هذا البيت رديء لبعد ما بين الخلائق ، والمرافق ، وما بين الدّرم ، والسمح ؛ ولو لا أن السجع اضطره لما قال : سمح وليس لعظم مرفقها حجم (٤). وهذا مثل قول القائل لو قال : خلق فلان حسن وشعره جعد (٥). ليس هذا من تأليف

__________________

(١) نقد الشعر ٢٨.

(٢) الخود : الشابة. والمبتلة : الحسنة الخلق.

(٣) المخلخل : موضع الخلخال. والدعص : مجتمع الرمل.

(٤) هذا تفسير للدرم.

(٥) الجعد من الشعر : القصير.

٣٧٨

البلغاء ونظم الفصحاء. وقول أبى المثلم (١) :

آبى الهضيمة ناء بالعظيمة مت

لاف الكريمة جلد غير ثنيان (٢)

حامى الحقيقة نسّال الوديقة مع

تاق الوسيقة لا نكس ولاوان (٣)

البيت الثانى أجود من الأول ؛ وقوله :

ربّاء مرقبة منّاع مغلبة

وهاب سلهبة قطاع أقران (٤)

وهذا البيت أيضا صالح ؛ وبعده :

هبّاط أودية حمّال ألوية

شهاد أندية سرحان فتيان (٥)

قوله : سرحان فتيان ناب قلق ؛ وبعده :

يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله

من التلاد وهوب غير منّان

التارك القرن مصفرّا أنامله

كأن فى ريطتيه نضح إرقان (٦)

هذا البيت جيّد وقد سلم من سائر العيوب إذ لم يتكلّف فيه السجع ولم يتوخ الموازنة.

من جيد الترصيع

ومن جيد الباب قول ابن الرومى :

حوراء فى وطف قنواء فى ذلف

لفّاء فى هيف عجزاء فى قبب (٧)

من معيبه

ومن معيب هذا الباب أيضا قول بعض المتأخرين (٨) :

عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم

دع ما نراك ضعفت عن إخفائه

هذا رديء لتعمية معناه.

__________________

(١) نقد الشعر : ٢٩ ، وفى ط قبل هذين البيتين نقلا عن نسخة كبر يلى هذا البيت :

لو كان للدهر مال كان متلده

لكان للدهر صخر مال فتيان

(٢) الثنيان : الذى يجيء ثانيا فى السؤدد.

(٣) نسال : أى ينسل فى الوديقة ، وهى شدة الحر. والمعتاق : الذى يطرد الطريدة. الوسيقة : القطعة من الإبل.

(٤) رباء : من ربا فوق الشىء إذا علاه. والمرقبة : المرتفع من الأرض. والسلهبة : الجسيم من الخيل.

(٥) السرحان : الأسد بلغة هذيل ، والبيت فى اللسان (سرح).

(٦) الريطة : الملاءة. والإرقان : الحناء والزعفران ، وهذا البيت لم يذكر فى ا.

(٧) الوطف : كثرة شعر الحاجبين. والقنا : ارتفاع الأنف. والذلف : صغر الأنف واستواء الرقبة. واللفاء : الضخمة الفخذين. والقبب : دقة الخصر.

(٨) المتنبى ، ديوانه : ١ ـ ٥.

٣٧٩

الفصل السّادس عشر

فى الإيغال

الإيغال

وهو أن يستوفى معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه ؛ ثم يأتى بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا ، وأصل الكلمة من قولهم : أوغل فى الأمر إذا أبعد الذهاب فيه.

وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولى عن المبرّد عن التّوّزى ، قال : قلت للأصمعى : من أشعر الناس؟ فقال : من يأتى بالمعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا ، أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا ، أو ينقضى كلامه قبل القافية ، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قال : قلت : نحو من؟ قال : قول ذى الرّمة حيث يقول (١) :

قف العيس فى أطلال مية فاسأل

رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل

فتم كلامه «بالرداء» قبل المسلسل ، ثم قال «المسلسل» ؛ فزاد شيئا بالمسلسل. ثم قال :

أظن الذى يجدى عليك سؤالها

دموعا كتبذير الجمان المفصّل

فتم كلامه ، بالجمان ، ثم قال : المفصل ، فزاد شيئا. قلت : ونحو من؟ قال : الأعشى حيث يقول (٢) :

كناطح صخرة يوما ليفلقها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

فتم كلامه «بيضرها ، فلما احتاج إلى القافية قال : وأوهى قرنه الوعل ؛ فزاد معنى. قلت : وكيف صار الوعل مفضّلا على كل ما ينطح؟ قال : لأنه ينحطّ من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره.

وكتب بعض الكتاب : نبوّ الطرف من الوزير دليل على تغير الحال عنده ،

__________________

(١) نهاية الأرب : ٧ ـ ١٣٨ ، ديوانه ٧٢.

(٢) العمدة : ٢ ـ ٥٢ ، المعلقات : ٢٨٤.

٣٨٠