كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري

كتاب الصّناعتين الكتابة والشعر

المؤلف:

أبي هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري


المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد ابوالفضل ابراهيم
الموضوع : اللغة والبلاغة
الناشر: المكتبة العصريّة
الطبعة: ٠
الصفحات: ٥٢٨

وقالوا : لا يضيرك نأى شهر

فقلت لصاحبىّ : فمن يضير

قوله : «لصاحبى» يكاد يكون فضلا.

وجوه الحذف

وأما الحذف فعلى وجوه ، منها أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له ، كقول الله تعالى : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) ، أى أهلها.

وقوله تعالى : (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) ، أى حبّه.

وقوله عزوجل : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) ، أى وقت الحج.

وقوله تعالى : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) ، أى مكركم فيهما.

وقال المتنخل الهذلى (١) :

يمشّى بيننا حانوت خمر

من الخرس الصّراصرة القطاط (٢)

يعنى صاحب حانوت فأقام الحانوت مقامه.

وقال الشاعر (٣) :

لهم مجلس صهب السّبال أذلّة

سواسية أحرارها وعبيدها

يعنى أهل المجلس.

ومنها (٤) أن يوقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما ويضمر للآخر فعله ، وهو قوله تعالى : (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) معناه : وادعوا شركاءكم ، وكذلك هو فى مصحف عبد الله بن مسعود.

وقال الشاعر :

تراه كأنّ الله يجدع أنفه

وعينيه إن مولاه ثاب له وفر

أى ويفقأ عينيه.

__________________

(١) ديوان الهذليين : ٢ ـ ٢١.

(٢) الصراصرة : نبط الشام. وقال شارح ديوان الهذليين : يريد بالخرس الصراصرة خدم من العجم. والقطاط : الجعاد.

(٣) ديوان ذى الرمة : ٢٩.

(٤) من وجوه الحذف.

١٨١

وقول الآخر :

إذا ما الغانيات برزن يوما

وزجّجن الحواجب والعيونا

العيون لا تزجّج ، وإنما أراد وكحّلن العيون.

ومنها (١) أن يأتى الكلام على أنّ له جوابا فيحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب ؛ كقوله عزوجل : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً) أراد لكان هذا القرآن ، فحذف.

وقوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) ، أراد لعذّبكم.

وقال الشاعر :

فأقسم لو شيء أتانا رسوله

سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

أى لرددناه.

وقوله تعالى : (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) ، فذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى ، وسواء يأتى من اثنين (٢) فما زاد.

وكذلك قوله تعالى : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً) ، ولم يذكر خلافه ، لأنّ فى قوله تعالى : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) دليلا على ما أراد.

وقال الشاعر :

أراد فما أدرى أهمّ هممته

وذو الهمّ قدما خاشع متضائل (٣)

ولم يأت بالآخر.

وربما حذفوا الكلمة والكلمتين ، كقوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ

__________________

(١) من وجوه الحذف.

(٢) أى تدل على اثنين.

(٣) المتضائل : المنقبض ، والضئيل : النحيف.

١٨٢

أَكَفَرْتُمْ). وقوله تعالى : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) ، أى ووصّى بالوالدين إحسانا.

وقال النمر :

فإنّ المنيّة من يخشها

فسوف تصادفه أينما

أى أينما ذهب.

وقال ذو الرمة (١) :

لعرفانها والعهد ناء وقد بدا

لذى نهية أن لا إلى أمّ سالم (٢)

المعنى أن لا سبيل إليها ولا إلى لقائها ، فاكتفى بالإشارة إلى المعنى ؛ لأنه قد عرف ما أراد ، كما قال النمر بن تولب :

فلا وأبى الناس لا يعلمو

ن لا الخير خير ولا الشر شر

أى ليسا بدائمين لأحد. والنهية : العقل ، والجمع نهى (٣).

وقوله تعالى : (فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) ، أى فى يوم ذى عاصف. وقوله تعالى : (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) ، أى ولا من فى السماء بمعجز.

ومثل قول الشنفرى (٤) :

لا تدفنونى إنّ دفنى محرّم

عليكم ولكن خامرى أمّ عامر

أى ولكن دعونى للتى يقال لها : خامرى أمّ عامر إذا صيدت ، يعنى الضبع.

ومنها (٥) القسم بلا جواب ؛ كقوله تعالى : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا) ،

__________________

(١) ديوانه : ٨٤.

(٢) فى الديوان :

لذى نهية إلا إلى أم سالم

(٣) هذا التفسير لبيت ذى الرمة.

(٤) الذى فى اللسان ـ مادة عمر ـ

لا تقبرونى إن قبرى محرم

عليكم ولكن أبشرى أم عامر

ثم قال : ومن أمثالهم : خامرى أم عامر أبشرى بجراد عظلى وكمر رجال قتلى فتذل له حتى يكعمها ثم يجرها ويستخرجها ، والعرب تضرب بها المثل فى الحمق.

(٥) أى وجوه الحذف.

١٨٣

معناه والله أعلم : ق والقرآن المجيد لتبعثنّ ، والشاهد ما جاء بعده من ذكر البعث فى قوله : (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً).

ومن الحذف قوله تعالى : (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ) ، أى كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه.

وقال الشاعر (١) :

إنى وإيّاكم وشوقا إليكم

كقابض ماء لم تسقه أنامله (٢)

ومن الحذف إسقاط «لا» من الكلام فى قوله تعالى : (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) ، أى «لأن لا تضلّوا». وقوله تعالى : (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) ، أى لا تحبط أعمالكم.

وقال امرؤ القيس (٣) :

فقلت يمين الله أبرح قاعدا

ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى

أى لا أبرح قاعدا.

وقال آخر :

فلا وأبى دهمان زالت عزيزة

على قومها ما فتّل الزّند قادح

ومن الحذف أن تضمر غير مذكور ، كقوله تعالى : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) يعنى الشمس بدأت فى المغيب. وقوله تعالى : (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) يعنى على ظهر الأرض. وقوله تعالى : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) ، أى بالوادى. وقوله تعالى : (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) ، يعنى الدنيا أو الأرض. (وَلا يَخافُ عُقْباها) ، يعنى عقبى هذه الفعلة.

__________________

(١) اللسان ـ مادة وسق. وقائله ضابئ بن الحارث البرجمى.

(٢) لم تسقه : أى لم تحمله.

(٣) ديوانه : ٥٣ ، الطراز : ٢ ـ ١٠٩.

١٨٤

وقول لبيد (١) :

حتى إذا ألقت يدا فى كافر

وأجنّ عورات الثّغور ظلامها (٢)

يعنى الشمس تبدأ (٣) فى المغيب.

وضرب منه آخر قوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً) ، أى من قومه.

وقال العجاج :

تحت الذى اختار له الله الشّجر

أى من الشجر.

وضرب منه ما قال تعالى فى أول سورة الرحمن : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) وذكر قبل ذلك الإنسان ، ولم يذكر الجانّ ثم ذكره.

ومثله قول المثقب (٤) :

فما أدرى إذا يمّمت أرضا

أريد الخير أيّهما يلينى

أالخير الذى أنا أبتغيه

أم الشر الذى هو يبتغينى

فكنى عن الشر قبل ذكره ، ثم ذكره.

ومن الحذف قوله تعالى : (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) ، أراد يشترون الضلالة بالهدى. وقوله تعالى : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) ، أى أبقينا

__________________

(١) الشعر والشعراء : ٢٤٣ ، اللسان : ٦ ـ ٤٦٣.

(٢) الكافر : الليل لأنه يستر بظلمته كل شيء. وأجن عليه الليل : إذا أظلم. والثغور ، واحده ثغر : وذلك كل فرجة فى جبل أو بطن واد أو طريق مسلوك. قال فى اللسان ـ مادة كفر : إن لبيدا سرق هذا المعنى من قول ثعلبة بن صعيرة المازنى يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما عند غروب الشمس وذلك بقوله :

فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما

ألقت ذكاء يمينها فى كافر

(٣) فى ط : تدأب ، وهذا عن اللسان.

(٤) المفضليات ٢ : ٩٢.

١٨٥

له ذكرا حسنا فى الباقين فحذف الذكر. ومن ذلك قوله تعالى : (فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ) ، أى يبحث التّراب على غراب آخر ليواريه ؛ فيرى هو كيف يوارى سوأة أخيه. وقوله تعالى : (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ) ؛ أى فى مرضاتهم.

ومن الحذف قول صعصعة وقد سئل عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ، فقال : لم يقل فيه مستزيد : لو أنه ، ولا مستقصر : إنه ؛ جمع الحلم ، والعلم ، والسلم ، والقرابة القريبة ، والهجرة القديمة ، والبصر بالأحكام ، والبلاء العظيم فى الإسلام.

وقال على رضى الله عنه : سبق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصلّى (١) أبو بكر ، وثلث عمر ، وخبطتنا فتنة فما شاء الله.

وقال القيسى : ما زلت أمتطى النهار إليك ، وأستدل بفضلك عليك ، حتى إذا جنّنى الليل ، فقبض البصر ، ومحا الأثر ، أقام بدنى ، وسافر أملى ، والاجتهاد عاذر ؛ وإذا بلغتك فقط.

فقوله : «فقط» من أحسن حذف وأجود إشارة.

وأخبرنا أبو أحمد ، قال : أخبرنا إبراهيم بن الزغل العبشمى ، قال : حدّثنا المبرد أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالدا ، فقال : يا أخى ؛ لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك. فقال خالد : بئس والله ما هممت به فى ابن أمير المؤمنين ، وولىّ عهد المسلمين! فقال : إنّ خبلى مرّت به فعبث بها وأصغرنى فيها.

فقال : أنا أكفيك ؛ فدخل على عبد الملك ؛ فقال : يا أمير المؤمنين! إنّ الوليد

__________________

(١) وأصل هذا فى الخيل ، فالسابق الأول ، والمصلى الثانى.

١٨٦

ابن أمير المؤمنين مرّت به خيل ابن عمّه عبد الله بن يزيد ؛ فعبث بها وأصغره (١) فيها. وعبد الملك مطرق ، ثم رفع رأسه وقال : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً). فقال خالد : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً). فقال عبد الملك : أفى عبد الله تكلّمنى ؛ لقد دخل علىّ فما أقام لسانه لحنا؟ فقال خالد : أفعلى الوليد تعوّل؟ فقال عبد الملك : إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان. فقال خالد : إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد (٢). فقال له الوليد : اسكت ، فو الله ما تعدّ فى العير ولا فى النّفير (٣). فقال : اسمع يا أمير المؤمنين ، ثم أقبل عليه ، فقال : ويحك فمن للعير والنّفير غيرى؟ جدّى أبو سفيان صاحب العير ، وجدّى عتبة بن ربيعة صاحب النّفير (٤) ؛ ولكن لو قلت : غنيمات وحبيلات والطّائف ورحم الله عثمان قلنا صدقت.

وذلك أنّ النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم طرد الحكم بن أبى العاص (٥) فصار إلى الطائف يرعى غنيمه ويأوى إلى حبلة ـ وهى الكرمة ـ ورحم الله عثمان ، أى لردّه إياه (٦). فهذا حذف بديع.

وكذلك قول عبد الملك : إن كان الوليد يلحن فإنّ أخاه سليمان. وقول خالد : إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد ، حذف حسن أيضا. ومثل هذا كثير فى كلامهم ، ولا وجه لاستيعابه.

__________________

(١) أصغره : جعله صغيرا.

(٢) فى ط : خالدا.

(٣) أصل العير : القافلة ، والنفير : القوم الذين يتقدمون فى القتال ، ويقولون لمن لا يستصلحونه : فلان لا فى العير ولا فى النفير.

(٤) يشير بذلك إلى عير قريش التى كانت مع أبى سفيان ، وعتبة كان قائد المشركين يوم بدر.

(٥) جد عبد الملك.

(٦) وقد أبى أبو بكر وعمر أن يرداه.

١٨٧

ومن الحذف الردىء قول الحارث بن حلزة (١) :

والعيش خير فى ظلا

ل النوك ممّن عاش كدّا (٢)

وإنما أراد : والعيش الناعم خير فى ظلال النوك من العيش الشاقّ فى ظلال العقل ، وليس يدلّ لحن كلامه على هذا ، فهو من الإيجاز المقصر.

ومن الحذف الردىء أيضا قول الآخر (٣) :

أعاذل عاجل ما أشتهى

أحبّ من الأكثر الرائث (٤)

يعنى عاجل ما أشتهى مع القلّة أحبّ إلىّ من رائثه مع الكثرة.

ومثله قول عروة بن الورد (٥) :

عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم

ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا

يعنى إذ يقتلون نفوسهم فى السلم.

ومثله من نثر الكتّاب ما كتب بعضهم : فإنّ المعروف إذا زجا (٦) كان أفضل منه إذا توافر وأبطأ. وتمام المعنى أن يقول : «إذا قل وزجا». فترك ما به يتمّ المعنى ؛ وهو ذكر القلّة.

وكتب بعضهم : فما زال حتى أتلف ماله ، وأهلك رجاله ؛ وقد كان ذلك فى الجهاد والإبلاء أحقّ بأهل الحزم وأولى. والوجه أن يقول : فإن إهلاك المال والرجال فى الجهاد والإبلاء أفضل من فعل ذلك فى الموادعة.

ومثل هذا مقصّر غير بالغ مبلغ ما تقدم فى هذا الباب من الحذف الجيّد.

__________________

(١) نقد الشعر : ١٢٧.

(٢) النوك ، بالضم : الحمق ويفتح أيضا.

(٣) نقد الشعر : ١٢٧.

(٤) الرث : الإبطاء ، والرائث : المبطئ.

(٥) نقد الشعر : ١٢٧ ، ديوانه : ١٨.

(٦) زجا الأمر : تيسر.

١٨٨

وأقبح من هذا كله قول الآخر (١) :

لا يرمضون إذا جرّت مشافرهم

ولا ترى مثلهم فى الطّعن ميّالا

ويفشلون إذا نادى ربيئهم

ألا اركبنّ فقد آنست أبطالا

أراد : «ولا يفشلون» فتركه ؛ فصار المعنى كأنّه ذمّ.

وقول المخبل فى الزّبرقان :

وأبوك بدر كان ينتهس الحصى

وأبى الجواد ربيعة بن قبال (٢)

فقال الزبرقان : لا بأس ؛ شيخان اشتركا فى صنعة.

__________________

(١) نقد الشعر : ١٢٧.

(٢) نهس اللحم : أخذه بمقدم الأسنان ، وانتهسه كذلك.

١٨٩

الفصل الثانى

من الباب الخامس ، فى ذكر الإطناب

فضل الإطناب

قال أصحاب الإطناب : المنطق إنما هو بيان ، والبيان لا يكون إلا بالإشباع ، والشفاء لا يقع إلّا بالإقناع ، وأفضل الكلام أبينه ، وأبينه أشدّه إحاطة بالمعانى ، ولا يحاط بالمعانى إحاطة تامّة إلّا بالاستقصاء ؛ والإيجاز للخواصّ ، والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة ، والغبى والفطن ، والريض والمرتاض ؛ ولمعنى ما أطيلت الكتب السلطانية فى إفهام الرعايا.

الحاجة إلى الإيجاز والإطناب

والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى جميع الكلام وكلّ نوع منه ؛ ولكلّ واحد منهما موضع ؛ فالحاجة إلى الإيجاز فى موضعه كالحاجة إلى الإطناب فى مكانه ؛ فمن أزال التدبير فى ذلك عن جهته ، واستعمل الإطناب فى موضع الإيجاز ، واستعمل الإيجاز فى موضع الإطناب أخطأ.

كما روى عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز : متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا. ومتى كانت الكناية فى موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا.

وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا فى معنى واحد ، فأطال أحدهما ، واختصر الآخر ؛ فقال للمختصر ـ وقد نظر فى كتابه : ما أرى موضع مزيد. وقال للمطيل : ما أرى موضع نقصان.

وقال غيره : البلاغة الإيجاز فى غير عجز ، والإطناب فى غير خطل. ولا شكّ فى أنّ الكتب الصادرة عن السلاطين فى الأمور الجسيمة ، والفتوح الجليلة ، وتفخيم النّعم الحادثة ، والترغيب فى الطاعة ، والنّهى عن المعصية ، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة ، تملأ الصدور ، وتأخذ بمجامع القلوب ؛ ألا ترى أنّ كتاب المهلب إلى الحجاج فى فتح الأزارقة :

١٩٠

الحمد لله الذى كفى بالإسلام فقد ما سواه ، وجعل الحمد متّصلا بنعمته ، وقضى ألّا ينقطع المزيد من فضله ، حتى ينقطع الشكر من خلقه ، ثم إنّا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين ، نرى فيهم ما يسرّنا أكثر مما يسوؤنا ، ويرون فينا ما يسوؤهم أكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم ؛ ينصرنا الله ويخذلهم ، ويمحّصنا ويمحقهم ، حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله ؛ فقطع دابر القوم الذى ظلموا والحمد لله ربّ العالمين.

وإنما حسن فى موضعه ومع الغرض الذى كان لكاتبه فيه ؛ فأما إن كتب مثله فى فتح يوازى ذلك الفتح فى جلالة القدر وعلوّ الخطر ، وقد تطلّعت أنفس الخاصة والعامة إليه وتصرّفت فيه ظنونهم ، فيورد عليهم مثل هذا القدر من الكلام فى أقبح صورة وأسمجها وأشوهها وأهجنها كان حقيقا أن يتعجّب منه.

وكذلك لو كتب عن السلطان فى العذل والتوبيخ وما تجب القلوب منه من التغيير والتنكير بمثل ما روى أنّ الوليد بن يزيد كتب إلى والى العراقين حين عتب عليه : إنى أراك تقدّم فى الطاعة رجلا وتؤخّر أخرى ، فاعتمد على أيتهما شئت ، والسلام.

وبمثل ما كتب جعفر بن يحيى إلى عامل شكى : قد كثر شاكوك ، وقلّ شاكروك ؛ فإمّا عدلت ، وإما اعتزلت.

ومثل هذا ما كتب به بعض الكتّاب إلى عامله على الخراج ، وقد وقع عليه تحامل على الرعيّة (١) : إنّ الخراج عمود الملك ، وما استغزر بمثل العدل ، ولا استنزر بمثل الجور.

فهذا الكلام فى غاية الجودة والوجازة ، ولكن لا يصلح من مثل صاحبه وبالإضافة إلى حاله ؛ فالإطناب بلاغة ؛ والتطويل عىّ ؛ لأن التطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب. والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوى على زيادة فائدة.

__________________

(١) هكذا بالأصول.

١٩١

وقال الخليل : يختصر الكتاب ليحفظ ، ويبسط ليفهم. وقيل لأبى عمرو ابن العلاء : هل كانت العرب تطيل؟ قال : نعم ؛ كانت تطيل ليسمع منها ، وتوجز ليحفظ عنها.

والإطناب إذا لم يكن منه بدّ إيجاز ؛ وهو فى المواعظ ـ خاصّة ـ محمود ؛ كما انّ الإيجاز فى الإفهام محمود ممدوح.

والموعظة كقول الله تعالى : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ). فتكرير ما كرّر من الألفاظ هاهنا فى غاية حسن الموقع.

وقيل لبعضهم : متى يحتاج إلى الإكثار؟ قال : إذا عظم الخطب. وأنشد :

صموت إذا ما الصّمت زيّن أهله

وفتّاق أبكار الكلام المحبّر

وقال آخر :

يرمون بالخطب الطّوال وتارة

وحى الملاحظ خشية الرّقباء

وقال بعضهم :

إذا ما ابتدى خاطبا لم يقل

له أطل القول أو قصّر

طبيب بداء فنون الكلى

م لم يعى يوما ولم يهذر

فإن هو أطنب فى خطبة

قضى للمطيل على المقصر

وإن هو أوجز فى خطبة

قضى للمقلّ على المكثر

ووجدنا الناس إذا خطبوا فى الصّلح بين العشائر أطالوا ؛ وإذا أنشدوا الشّعر بين السّماطين (١) فى مديح الملوك أطنبوا ؛ والإطالة والإطناب فى هذه المواضع إيجاز.

وقيل لقيس بن خارجة : ما عندك فى حمالات (٢) داحس؟ قال : عندى قرا

__________________

(١) سماط القوم : صفهم.

(٢) الحمالة : الدية يحملها قوم عن قوم.

١٩٢

كلّ نازل ، ورضا كلّ ساخط ، وخطبة من لدن مطلع الشّمس إلى أن تغرب ، آمر فيها بالتّواصل وأنهى عن التقاطع. فقيل لأبى يعقوب الخريمى : هلّا اكتفى بقوله : «آمر فيها بالتواصل» عن قوله : «وأنهى عن التقاطع»؟ فقال : أوما علمت أنّ الكناية والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشيف.

وقد رأينا الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحى ؛ وإذا خاطب بنى إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا.

فمما خاطب به أهل مكّة قوله سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ). وقوله تعالى : (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ). وقوله تعالى : (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ؛ فى أشباه لهذا كثيرة.

وقل ما تجد قصة لبنى إسرائيل فى القرآن إلا مطوّلة مشروحة ومكرّرة فى مواضع معادة ؛ لبعد فهمهم كان ، وتأخّر معرفتهم.

وكلام الفصحاء إنما هو شوب الإيجاز بالإطناب والفصيح العالى بما دون ذلك من القصد المتوسّط ؛ ليستدلّ بالقصد على العالى ، وليخرج السامع من شيء إلى شيء فيزداد نشاطه وتتوفّر رغبته ، فيصرفوه فى وجوه الكلام إيجازه وإطنابه ، حتى استعملوا التكرار ليتوكّد القول للسامع.

وقد جاء فى القرآن وفصيح الشعر منه شيء كثير ، فمن ذلك قوله تعالى : (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ). وقوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً). فيكون للتوكيد كما يقول القائل : ارم ارم ، واعجل اعجل.

وقد قال الشاعر :

كم نعمة كانت لكم

كم كم وكم كانت وكم

(١٣ ـ الصناعتين)

١٩٣

وقال آخر (١) :

هلّا سألت جموع كند

ة يوم ولوا أين أينا

الاتباع

وإنما جاءوا بالصّفة وأرادوا توكيدها فكرهوا إعادتها ثانية ؛ فغيّروا منها حرفا ، ثم أتبعوها الأولى ؛ كقولهم : «عطشان نطشان» كرهوا أن يقولوا : عطشان عطشان ؛ فأبدلوا من العين نونا. وكذلك قالوا : حسن بسن. وشيطان ليطان ، فى أشباه له كثيرة.

وقد كرّر الله عزوجل فى سورة الرحمن قوله : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) ؛ وذلك أنه عدّد فيها نعماءه وأذكر عباده آلاءه ، ونبّههم على قدرها ، وقدرته عليها ، ولطفه فيها ، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم منها.

وقد جاء مثل ذلك عن أهل الجاهلية ؛ قال مهلهل (٢) :

على أن ليس عدلا من كليب

فكرّرها فى أكثر من عشرين بيتا.

وهكذا قول الحارث بن عبّاد :

قرّبا مربط النعامة منّى

كرّرها أكثر من ذلك ؛ هذا لمّا كانت الحاجة إلى تكريرها ماسّة ، والضرورة إليه داعية ، لعظم الخطب ، وشدّة موقع الفجيعة ؛ فهذا يدلّك على أنّ الإطناب فى موضعه عندهم مستحسن ، كما أنّ الإيجاز فى مكانه مستحبّ.

ولا بدّ للكاتب فى أكثر أنواع مكاتباته من شعبة من الإطناب يستعملها إذا أراد المزاوجة بين الفصلين ، ولا يعاب ذلك منه. وذلك مثل أن يكتب : عظمت نعمنا عليه ، وتظاهر إحساننا لديه. فيكون الفصل الأخير داخلا فى معناه فى الفصل الأول ؛ وهو مستحسن لا يعيبه أحد.

__________________

(١) البيت لعبيد بن الأبرص ، انظر شرح ديوان امرئ القيس ص ٤ (طبعة هندية) سنة ١٣٢٤.

(٢) مهذب الأغانى : ١ ـ ١٩٠.

١٩٤

ولما أحيط بمروان قال خادمه باسل : من أغفل القليل حتى يكثر ، والصغير حتى يكبر ، والخفىّ حتى يظهر أصابه مثل هذا.

وهذا كلام فى غاية الحسن ، وإن كان معنى الفصلين الأخيرين داخلا فى الفصل الأول.

وهكذا قول الشاعر (١) :

إنّ شرخ الشّباب والشعر الأس

ود ما لم يعاص كان جنونا

فالشعر الأسود داخل فى شرخ الشباب.

وكذلك قول أبى تمام (٢) :

رب خفض (٣) تحت السرى وغناء

من عناء ونضرة من شحوب

الغناء داخل فى الخفض ، والعناء داخل فى السّرى فاعلم.

وممّا هو أجلّ من هذا كلّه قول الله عزوجل : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) ؛ فالإحسان داخل فى العدل ، وإيتاء ذى القربى داخل فى الإحسان ؛ والفحشاء داخل فى المنكر ، والبغى داخل فى الفحش.

وهذا يدلّ على أنّ أعظم مدار البلاغة على تحسين اللّفظ ؛ لأنّ المعانى إذا دخل بعضها فى بعض هذا الدخول ، وكانت الألفاظ مختارة حسن الكلام ؛ وإذا كانت مرتّبة حسنة والمعارض سيئة كان الكلام مردودا. فاعتمد على ما مثّلته لك ، وقس عليه إن شاء الله.

__________________

(١) حسان بن ثابت ، ديوانه : ٤١٣.

(٢) ديوانه : ٣٦.

(٣) خفض : سعة وراحة.

١٩٥

الباب السادس

فى حسن الأخذ وحل المنظوم (فصلان)

الفصل الأول من الباب السادس

فى حسن الأخذ

تداول المعانى

ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعانى ممّن تقدّمهم والصبّ على قوالب من سبقهم ؛ ولكن عليهم ـ إذا أخذوها ـ أن يكسوها ألفاظا من عندهم ، ويبرزوها فى معارض من تأليفهم ، ويوردوها فى غير حليتها الأولى ، ويزيدوها فى حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها ؛ فإذا فعلوا ذلك فهم أحقّ بها ممّن سبق إليها ؛ ولو لا أنّ القائل يؤدّى ما سمع لما كان فى طاقته أن يقول ؛ وإنما ينطق الطّفل بعد استماعه من البالغين.

وقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه : لو لا أنّ الكلام يعاد لنفد. وقال بعضهم : كلّ شيء ثنيته قصر إلّا الكلام فإنّك إذا ثنيته طال. على أنّ المعانى مشتركة بين العقلاء ، فربما وقع المعنى الجيّد للسوقىّ والنبطى والزّنجى ، وإنما تتفاضل الناس فى الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها. وقد يقع للمتأخر معنى سبقه إليه المتقدّم من غير أن يلمّ به ، ولكن كما وقع للأوّل وقع للآخر. وهذا أمر عرفته من نفسى ، فلست أمترى (١) فيه ، وذلك أنّى عملت شيئا فى صفة النساء :

سفرن بدورا وانتقبن أهلّة

وظننت أنى سبقت إلى جمع هذين التشبيهين فى نصف بيت ، إلى أن وجدته

__________________

(١) أشك.

١٩٦

بعينه لبعض البغداديين ؛ فكثر تعجّبى ، وعزمت على ألّا أحكم على المتأخّر بالسّرق (١) من المتقدّم حكما حتما.

وسمعت ما قيل : إنّ من أخذ معنى بلفظه كان له سارقا ، ومن أخذ ببعض لفظه كان له سالخا ، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده أجود من لفظه كان هو أولى به ممن تقدّمه.

وقالوا : إن أبا عذرة الكلام (٢) من سبك لفظه على معناه ؛ ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب.

على أنّ ابتكار المعنى والسّبق إليه ليس هو فضيلة يرجع إلى المعنى ؛ وإنما هو فضيلة ترجع إلى الذى ابتكره وسبق إليه ؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه ؛ والوسط وسط ، والردىء رديء ، وإن لم يكونا مسبوقا إليهما.

وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعانى بينهم ؛ فليس على أحد فيه عيب إلّا إذا أخذه بلفظه كلّه ، أو أخذه فأفسده ، وقصّر فيه عمّن تقدمه ، وربما أخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال ؛ كما فعل النابغة فإنه أخذ قول وهب بن الحارث ابن زهرة :

تبدو كواكبه والشمس طالعة

تجرى على الكاس منه الصّاب والمقر (٣)

وقال النابغة (٤) :

تبدو كواكبه والشمس طالعة

لا النّور نور ولا الإظلام إظلام

وأخذ قول رجل من كندة فى عمرو بن هند :

هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت

على كلّ ضوء والملوك كواكب

__________________

(١) السرقة.

(٢) يريد منشئه ومبتدعه.

(٣) الصاب : شبيه بالصبر.

(٤) ديوانه : ٧٠

١٩٧

فقال (١) :

بأنّك (٢) شمس والملوك كواكب

إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

وسنشبع القول فى هذا الباب.

والحاذق يخفى دبيبه إلى المعنى يأخذه فى سترة فيحكم له بالسّبق إليه أكثر من يمرّ به.

وأحد أسباب إخفاء السّرق أن يأخذ معنى من نظم فيورده فى نثر ، أو من نثر فيورده فى نظم ، أو ينقل المعنى المستعمل فى صفة خمر فيجعله فى مديح ، أو فى مديح فينقله إلى وصف ؛ إلا أنه لا يكمل لهذا إلا المبرّز ، والكامل المقدّم ؛ فممن أخفى دبيبه إلى المعنى وستره غاية السّتر أبو نواس فى قوله (٣) :

أعطتك ريحانها العقار

وحان من ليلك انسفار

إن كان قد أخذه من قول الأعشى ، على ما حكوا ، فقد أخفاه غاية الإخفاء ؛ وقول الأعشى (٤) :

وسبيئة ممّا تعتّق بابل

كدم الذبيح سلبتها جريالها (٥)

سئل الأعشى عن «سلبتها جريالها». فقال : شربتها حمراء ، وبلها بيضاء.

فبقى حسن لونها فى بدنى. ومعنى : «أعطتك ريحانها العقار» ؛ أى شربتها فانتقل طيبها إليك.

وهكذا قوله (٦) :

لا ينزل الليل حيث حلّت

فدهر شرّابها نهار

من قول قيس بن الخطيم :

قضى الله حين صوّرها ال

خالق ألّا تكنّها السّدف (٧)

__________________

(١) ديوانه : ١٧.

(٢) فى الديوان : فإنك.

(٣) ديوانه : ٢٧٤.

(٤) اللسان ـ مادة جرل ، الشعر والشعراء : ٢١٦ ، المعرب ١٠٣.

(٥) السبيئة : الخمر. وجريالها : لونها.

(٦) ديوانه : ٢٧٤.

(٧) السدف : الظلمة.

١٩٨

وهذا المعنى منقول من الغزل إلى صفة الخمر فهو خفىّ.

ومن هذا ما نقله من قول أوس بن حجر فى صفة الفرس ، فجعله فى صفة امرأة :

فجرّدها صفراء لا الطّول عابها

ولا قصر أزرى بها فتعطّلا

وقول أبى نواس (١) :

فوق القصيرة والطويلة فوقها

دون السمين ودونها المهزول

وإن كان أخذه من قول ابن الأحمر :

تفوت القصار والطّوال تفتنها

فمن يرها لم ينسها ما تكلّما

أو من قول ابن عجلان النهدى :

ومخملة باللّحم من دون ثوبها

تطول القصار والطوال تطولها

فقد أخذه بلفظه ، وأحد هذين أخذه من قول أوس ، والإحسان فيه له.

ومما أخذه ونقله من معنى إلى معنى قوله :

كميت جسمها معنا

وريّاها على سفر

وممن أخفى الأخذ أبو تمام (٢) فى قوله :

جمعت عرى أعمالها (٣) بعد فرقة

إليك كما ضمّ الأنابيب عامل (٤)

قالوا : هو من قول الحبال الربعى :

أولئك إخوان الصّفاء رزيتهم

فما الكفّ إلّا إصبع ثمّ إصبع

وهكذا قوله ـ وقد نقله من معنى إلى آخر (٥) :

مكارم لجّت فى علوّ كأنّما (٦)

تحاول ثأرا عند بعض الكواكب

__________________

(١) ديوانه : ٣٨٨.

(٢) ديوانه : ٢٥٧.

(٣) فى الديوان : جمعت عرى آماله.

(٤) العامل : الرمح.

(٥) ديوانه : ٤٢.

(٦) فى الديوان :

معال تمادت فى العلو كأنما

١٩٩

قالوا هو من قول الأخطل :

عروف لحقّ السائلين كأنّه

بعقر المتالى (١) طالب بذنوب

وهكذا قول بشار (٢) :

يا أطيب الناس ريقا غير مختبر

إلّا شهادة أطراف المساويك

من قول سليك :

وتبسم عن ألمى اللّثات مفلّج

خليق الثنايا بالعذوبة والبرد

ومن قول الآخر :

وما ذقته إلا بعينى تفرّسا

كما شيم فى أعلى السّحابة بارق

ومما أخذه وزاد فيه عن الأول قوله (٣) :

أفناهم الصّبر إذ أبقاكم الجزع (٤)

من قول السموأل (٥) :

يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا

وتكرهه آجالهم فتطول

أورده أبو تمام فى نصف بيت واستوفى التطبيق.

ومن هذا الضرب قوله :

علّمنى جودك السماح فما

أبقيت شيئا لدىّ من صلتك

من قول ابن الخياط :

لمست بكفّى كفّه أبتغى الغنى

ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدى

فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى

أفدت وأعدانى فأتلفت ما عندى

وممن نقل المعنى من صفة إلى أخرى البحترى فإنه قال فى المتوكل (٦) :

__________________

(١) المتالى : الإبل التى قد نتج بعضها وبعضها لم ينتج.

(٢) الوساطة : ٢٣١.

(٣) ديوانه : ٣٧٢.

(٤) صدره :

فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى

(٥) شعراء اليهود : ٢٤.

(٦) ديوانه : ٢١٢.

٢٠٠