الموضوع الرابع من السورة هو : موضوع الرجلين اللذين جعل الله لأحدهما جنتين من أعناب (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) ، وقال أيضاً : (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا) ، وقال عن مزرعته : (مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا). ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا).
إذن : هذه الحادثة جاءت موضوعاً رابعاً عن التعامل مع زينة الحياة الدنيا. وهي من حيث الموقع الهندسي تمثّل طرفاً سلبياً للتعامل مع زينة الحياة الدنيا ، مقابل أهل الكهف فيما يمثّلون طرفاً إيجابياً مع الزينة المذكورة. مضافاً إلى ذلك جاءت إبادة مزرعته متوافقة هندسياً مع مقدمة السورة التي قالت : (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا). وها هي مزرعة الرجل تصبح (صعيداً جرزاً) ، حيث أصبحت (خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا). لنلاحظ هذا المبنى العماري المتصل بعلاقة مقدمة السورة بهذه الحادثة ، وعلاقة هذه الحادثة مقابلة بحادثة أهل الكهف الإيجابيين ، وتمثّلهم خطاً هندسياً مقابلاً لخط صاحب الجنتين. ولنتابعْ ... : وجاء موضوع جديد في السورة وهو الموضوع الخاص ، يعرّفنا بالحياة الدنيا على هذا النحو : (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ...) .. إذن : الموضوع الخامس جاء متحدثاً عن الزينة مع تذييله بموضوعات تتصل بالنمط الكافر من الآدميين وتعاملهم مع الشيطان ؛ تناسقاً مع الخط الذي رسمته السورة لصاحب الجنتين.
ثم جاء الموضوع السادس من السورة متحدِّثاً عن قصة (موسى) مع (العالم) في مواجهته لخرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار. طبيعي قد يبدو للقارئ العابر أن هذه الحادثة أجنبية عن موضوع (الزينة) وطرائق التعامل حيال ذلك ، ولكنه لو تأمّل بدقة ، لَلحظَ أن (العالِم) الذي انبهر موسى أمام شخصيته التي لا يعرفها حتى (موسى)عليهالسلام ، إنما تمثّل (انعزالاً) كاملاً عن الدنيا ، بحيث لا يعرف هذه الشخصية حتى (الأنبياء) ، إنها شخصية منعزلة مختفية حتى عن الأنظار الخاصة (لا نغفل التجانس بين (الكهف) و (الاختفاء) لدى كلٍ من أصحاب الكهف والعالِم).
الموضوع السابع في السورة هو : قصة ذي القرنين. وأدنى تأمّل لهذه الشخصية وسلوكها ، يُداعي بأذهاننا سريعاً إلى جملة من الخطوط الهندسية التي تتوازى وتتقابل بشكل مُذهلٍ وجميل بين حوادث وشخصيات السورة. فذو القرنين لو قابلناهُ بصاحب الجنتين للحظنا الفارق الكبير بينهما من حيث (تملّك) كلٍ منهما لأحد مظاهر الحياة ، ومن حيث (موقفهما) من ذلك. فصاحب الجنتين لا يملك إِلاَّ جنتين فحسب من مساحة الله الواسعة : لكنه مع ذلك. فصاحب الجنتين لا يملك إلاَّ جنتين فحسب من مساحة الله الواسعة : لكنه مع ذلك بهرته (زينة) الحياة الدنيا. بينا نجد أن ذا القرنين تملّك شرق الدنيا وغربها : لكنه
