ومثل مناقشة إبراهيم مع نمرود في قضية الإحياء والإماتة ... إذن كل هذه الحوادث والمواقف حامت على نفس فكرة (الإحياء والإماتة) التي تضمنتها قصة (البقرة) ، في تشكيلها عصباً لثلث السورة التي تحدثت عن الإسرائيليين ومواقفهم المشينة طوال التأريخ ، ثم وصلها بحادثة (البقرة) التي عقبت القصةُ عليها بأن الله قدّم هذه الظواهر الإعجازية (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
إن هذا التوزيع الهندسي لأحد مواقع السورة المتصل بظاهرة الإحياء والإماتة ، يظل جزءاً من توزيع هندسي عام لكل موضوعات السورة التي لا تسع هذه الصفحات القليلة لتبيينها ، فيما استهدفنا من ذلك مجرد لفت الانتباه إلى عمارة السورة القرآنية وإِحكامها العضوي في هذا الصدد. ويمكننا أن نقدّم نموذجين آخرين ، أحدهما : متوسط الحجم ، والآخر صغير الحجم من سور القرآن الكريم ؛ حتى يتضح للقارئ المبنى الجمالي لمجمل السور : كبيرها ومتوسطها وصغيرها.
سورة الكهف مثلاً تجسّم حجماً متوسطاً من سور القرآن ، وتتناول موضوعات مختلفة ، إِلاَّ أن هناك (خيطاً فكرياً) يوحّد بين كل الموضوعات المختلفة ، ألا وهو (نبذ زينة الحياة الدنيا). وقد جاء هذا (الهدف الفكري) في أوائل السورة التي قالت : (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزً).
هذه الفكرة المتصلة بزينة الحياة الدنيا وإلى أنها تتحوّل إلى أرض جرداء في النهاية ، وإلى أن (امتحان) الكائن البشري هو الهدف من مواجهته للزينة المذكورة .. هذه الأفكار هي (البطانة) التي تحوم عليها كل موضوعات السورة ، فنحن حين نمعن في ملاحظة موضوعات السورة ، نجدها قد بدأت أولاً بحادثة أهل الكهف ، التي تمثّل سلوكاً عمليّاً لنبذ زينة الحياة الدنيا ، حيث توجّهت جماعة مؤمنة إلى الكهف للتخلّص من مسئولية التعاون مع الحكّام الظالمين. ولا شيء أدل على نبذ الحياة من اللجوء إلى الكهف الذي يمثّل نبذاً كاملاً لزينة الحياة الدنيا : كما هو واضح. هذا مع ملاحظة أن السورة قدمت في هذه الحادثة نموذجاً إيجابياً من التعامل مع زينة الحياة الدنيا.
ثم جاء الموضوع الثالث من السورة (كان الموضوع الأول هو : التمهيد بالآيتين اللتين تحدثتا عن الزينة والجزر والبلاء ، وكان أهل الكهف : الموضوع الآخر). جاء الموضوع الثالث متصلاً بالحديث مع النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم والجمهور واليوم الآخر ، وجاءت المطالبةُ التالية من خلال ذلك : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ...).
إذن : الموضوع الثالث جاء متحدثاً عن الزينة أيضاً ، ولكن في موضوعٍ لا علاقة له بأهل الكهف.
