(شعور) يوحّد بينها ، ويمثّل قاسماً مشتركاً بين تلكم الموضوعات. وقد ساهمت مكتشفات علم النفس الحديث (بخاصة : المدرسة التحليلية ، والجشطالتية) في دفع هذا الاتجاه الأدبي إلى الأمام ، مفيداً من عمليات (التداعي الذهني) و (الإدراك الجشطالتي) ، أي : إدراك الشيء من خلال (كليّات) ، ونحوهما من العمليات النفسية الأخرى في صياغة العمل الأدبي ، عبْر تناوله لموضوعات لا رابطة بينها ، وإخضاعها لعملية (فكرية) توحّد بينها.
إن ما يعنينا من هذا التلميح العابر إلى التقنية الأدبية المعاصرة ، لفت الانتباه إلى الأهمية الفنية لسور القرآن الكريم من حيث تنوّع موضوعات كل سورة ، وتلاحم هذه الموضوعات فيما بينها : من خلال خيط (فكري) يجمع بينها ، وهو أمر لا يكاد القارئ العابر ينتبه إليه.
والحق ، إن السورة القرآنية الكريمة تتّجه إلى أكثر من صياغة في (وصل) الموضوعات المتنوعة التي تطرحها. فقد (تتنامى) الموضوعات عضوياً ، أي يشكّل أحدُها تطويراً لفكرةٍ تأخذ تفصيلاتها لاحقاً ، أو تأخذ شكل (تفريعات) على موضوع رئيس ، أو تأخذ شكل (تجانس) بين الموضوعات ، أو يجمع بينها (هدف) يتسّلل إلى جميع الموضوعات ... وهكذا ...
إن سورة (البقرة) التي تعد أكبر سور القرآن حجماً ، نجدها مثلاً قد توزَّعتها عشرات الموضوعات التي لا علاقة لبعضها بالآخر ، ففيها موضوعات تتصل بالأحكام الشرعية من صلاة ، صوم ، حج ، زكاة ، قصاص ، ربا ، جهاد ، نكاح ، طلاق ... إلخ ، وفيها موضوعات تتصل بالإبداع الكوني والإبداع البشري ، فضلاً عن الموضوعات التاريخية المتصلة برسالة الإسلام ، وبرسالات الأنبياء السابقين وموقف الجمهور منهم ، إلى غيرها من الموضوعات المنتثرة في السورة. كل أولئك لم تُصغ في مواقعها من السورة إِلاَّ وفق عمارة تخضع خطوطها المتباينة لتخطيط هندسي بالغ الإثارة من حيث إِحكامه. طبيعي لا يمكننا أن نتحدث الآن عن التلاحم العضوي بين موضوعات السورة ؛ لأن ذلك يستغرق كتاباً مستقلاً بنفسه ، لكننا نستطيع أن نشير عابراً إلى أنّ السورة بدأت بمفهومات تتصل بالإيمان بالغيب وبالرسل ، وانتهت بطرح المفهومات ذاتها ، بعد أن قطعت رحلة طويلة تتصل بمجمل المفهومات المتقدمة ، منتقلةً من موضوع لآخر : من خلال (تمهيدٍ) له ، أو (تجانس) بينهما ، أو تفريعٍ عليه. وحتى العناصر الثانوية في السورة (وُظّفت) لإنارة ما هو (رئيس) فيها. فمثلاً نجد أن قصة (البقرة) التي تضمّنت حادثة (الإماتة والإحياء) ، وكانت واحدة من عشرات المواقف التي تحدّثت عن الإسرائيليين ، قد وجدت خطوطاً تجانسها في أكثر من موقع من السورة ، مثل : قصة الذي (مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا) ، حيث (قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ). ومثل قصة إبراهيم عليهالسلام مع الطيور الأربعة التي قُطّعت ثم أُحييت. ومثل قصة (الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) ،
