يتعيّن التشدد عليه في هذا الجانب. كما يترتب عليه جانب آخر يظل في غاية الأهمية بالنسبة للناقد الإسلامي ... إننا نعرف ـ مثلاً ـ أن هناك اتجاهاً نفسياً في النقد (حيث سنتحدّث عنه في حقل لاحق) يحاول ربط النص الأدبي بنفسية كاتبه ، حيث يُلاحظ أن روّاد هذا الاتجاه يجنحون في الغالب إلى (فضح) كاتب النص وإخضاع شخصيته للتحليل النفسي ، وهو تحليل يُعنى بإبراز السمات الشاذة للكاتب.
إن الشاعر أو القاص مثلاً يظل ـ مثل سائر النماذج البشرية ـ محكوماً بعقده المختلفة ، وإفرازاتها المتمثلة في سمات من نحو : الإحساس بالنقص أو العظمة الموهومة أو المخاوف أو الوساوس ، بما يستتبعها من الصدور عن (آليات) مختلفة ، مثل : الإسقاط ، النكوص ، التسويغ ... إلخ. فإذا اتجه الناقد إلى إبراز هذه السمات ، حينئذٍ تظل هذه العملية بمثابة (تشهير) و (فضح) للقاص أو الشاعر ، يتنافى أساساً مع (أخلاقية) الشخصية المسلمة.
إن الناقد نفسه من الممكن أن تطبعه نفس السمات المرضية التي خلعها على كاتب النص ، بل إن (التشهير) نفسه يجسد (نزعة عدوانية) تفصح عن شذوذ صاحبه ، ... وحينئذٍ ما فائدة أن يشخّص الناقد (حالة مرضية) تطبع شخصه بمثل ما تطبع شخصية كاتب النص ... إن أمثلة هذا النقد دفعت الكثير من روّاده إلى الوقوع في أحكام لا تقف عند مجرد التشهير أو الفضح لعيوب خفية ، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة (افتعال) التهم وإلصاقها بكاتب النص ، من نحو ما نلحظه من تفسيرات تتحدث عن شعراء وقصَّصين أخضعوا نتاجهم لتقاليد فنية لا علاقة لها بسلوكهم الشخصي ، أو لوحظ أنهم ـ في السلوك الشخصي ـ قد طبعهم بعض الشذوذ ، فالتمسوا لنتاجهم تفسيرات متعسّفة في ضوء وقوفهم على الشذوذ المذكور. فضلاً عن محاولتهم تفسير ما هو إيجابي عند بعض الفنانين ـ كما لو كانوا إسلاميين أو زهّاداً مثلاً ـ بأنه عملية (تعويض) لفشل ، أو (قناع) لنزعة عدوانية ، أو (تصعيد) لرغبة جنسية ... إلخ. أمثلة هذا النقد تظل غير متوافقة أساساً مع الاتجاه الإسلامي الذي لا يصدر (الحكم) إلاّ بعد اليقين بوجود الصلة بين نتاج الكاتب وشخصيته ، وحتى بعد يقينه بذلك ، لا يحقّ له ـ كما قلنا ـ فضح الشخصية ، بل يجب أن يتستر عليها كما هو صريح التوصيات الإسلامية المطالبة بذلك ، وبعدم الجهر بالسوء مادام الأمر غير مرتبط بالجانب الفنّي من النتاج ، بل بالجانب الشخصي الصرف. لكن تستثنى من ذلك ـ بطبيعة الحال ـ النماذج المنحرفة التي تجهر بممارسة الرذيلة ، أو النماذج المنحرفة التي (تتقنّع) بما هو ايجابي من السلوك بغية تمرير نزعتها الشريرة على الآخرين ، حيث يتطلّب مثل هذا الموقف عملية فضح وإدانة للنماذج المشار إليها.
