أخروية ، فهناك نمط آخر من (الطيّ) يتم داخل البيئة الدنيوية نفسها ، متمثِّلاً في :
قصة سليمان :
قصة سليمان تتحدّث (في سورة النمل) عن الطائر الذي تفقدّه سليمان ، حيث كان قد ذهب لمهمة هي إخبار سليمان عن وجود ملِكة في (سبأ) ، تعبد ـ هي وقومها ـ الشمس. وعندما أمر سليمان بإحضار عرش الملكة ، (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) ، ولكن (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ). الهدف الفكري من القصة واضحٌ تماماً من خلال الفقرة التي عقّب عليها سليمان : (هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ). إِلاَّ أننا نستهدف من الوقوف عند القصة المذكورة ، ملاحظة (البُعد الزمني) فيها ، وطريقة (الطيّ) التي تعاملت القصة فيها مع عنصر (الزمن). فالزمن هنا قد (طُوي) في لحظة طرف لا أكثر ، مع أن البطل الذي نهض بهذه المهمة هو من (البشر) ، وليس من (الجن) الذي يملك إمكانات من التحرك السريع الذي لا يملكه البشر. ومع ذلك تم (الإعجاز) على يد (بشرٍ) عنده (علمٌ من الكتاب) ، في حين أن (الجن) لم يستطع تحقيق ذلك إلاَّ في (ساعات) ، حيث اقترح على (سليمان) بإحضاره قبل أن يقوم من مقامه ، في الوقت الذي استطاع (البشر) أن يحقّقه في (ثوانٍ) لا في (ساعات). هذا يعني أن القصة تريد أن تقول لنا : إنّ الشخصية الآدمية لو أخلصت في سلوكها العبادي ، لاستطاعت أن تحقّق ما لم يستطع تحقيقه حتى مَن ينتسب إلى (الجن) الذي يمتلك إمكانات لا يمتلكها البشر. مضافاً لذلك ، فان قضية شكر النِعَم أو تجاهلها ، تظل أيضاً مستهدفة بوضوح من خلال هذه القصة التي عبّر عنها سليمان صراحةً لا ضمناً.
إذن ، التعامل مع الزمن من خلال (طيّه) من بيئةٍ دنيوية إلى مثلها ، أو من بيئة دنيوية إلى أخروية ، يظل ـ في الحالتين ـ مرتبطاً بالكشف عن أهداف (فكرية) لا تحدّثنا القصة عنه مباشرة ، بل من خلال (مبنىً فنّي) خاص يحقّق كلاًّ من الإمتاع الجمالي والفكري عند القارئ.
هناك نمط آخر من التعامل من (الزمن) ، هو : طريقة (الإحساس) به. وهذه الطريقة لها أهميتها الفنية أيضاً ، من حيث (إبهام) الزمن وتضبيبه لدى أبطال القصة ، وليس لدى القارئ. ففي قصة سليمان ذاتها نجد أن (الملكية) افتقدت الإحساس بالزمان (وبالمكان أيضاً) ، ثم اهتدت إليه ، وكانت النتيجة أنها أسلمت لرب العالمين. ولكن لننتقل إلى أبطال آخرين في قصة أخرى ، هي :
