لكنها لا تتحول إلى (برد وسلام).
أدرك القارئ ـ إِذن ـ جمالية الصياغة القرآنية الكريمة لعنصر (المباغتة) بمستوياتها الثلاثة في قصة واحدة ، هي قصة إبراهيم عليهالسلام ، بما صاحبها من تماوجٍ ممتعٍ في عواطف القارئ في توقّعاته التي تصاعَدَ بها وتهاوى من حين لآخر ، حتى انتهى به إلى النهاية التي لحظناها.
أما عنصر (المماطلة) أو (إرجاء المعلومات) ـ وهذا الأخير هو ما نفضّل استخدامه بدلاً من اللغة التي يستخدمها نقّاد القصة ـ هذا العنصر يمكننا أن نتلمسه بوضوح في قصة (أهل الكهف) : من حيث احتفاظ القصة بالسرّ المتمثّل في عدد سنيّ أهل الكهف. فالقصة بدأت ـ كما نعرف ـ بهذا النحو : (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ...).
القارئ منذ بداية القصة يظل على إحاطة مجملة بزمان اللبث ، لكنه يعرف أن اللبث هو (مجموعة من السنين ـ سنين عدداً). أمّا عددها المحدّد ، فأمر احتفظت القصةُ به. القارئ ـ بطبيعة الحال ـ يظل على أشد الشوق لمعرفة السنين التي مكث فيها أصحاب الكهف. وكلّما توغّل مع أحداث القصة ، فإن هذا السرّ يبقى على حاله ، وحتى إن النزاع الذي دار بين مكتشفي الكهف لم يسعفه في معرفة سنيّ اللبث : بالرغم من أن القارئ يستطيع أن يستنتج بأن هناك (جيلاً) أو أكثر قد تصرّم بعد حادثة الكهف ، بدليل أن النزاع الدائر بين مكتشفي الكهف يفصح عن وجود (فئة مؤمنة) اقترحت بناء مسجدٍ على أصحاب الكهف ، مع أن المرحلة التي عاصرها أهل الكهف كانت متمحّضة للسلطة الظالمة وللجمهور المماثل لها أيضاً ، وهذا يعني أن أعواماً طويلة قد تصرّمت ، أو أن السلطة الحاكمة قد تبدّلت : بحيث سمحت للفئة المؤمنة بمثل هذا الاقتراح ... ولكن مع ذلك لا يكاد القارئ يتعرّف أي تحديد للسنين في هذا الصدد ، ويظلّ القارئ على تطلّعه المذكور لمعرفة ذلك ، لحين اكتشاف القصة العدد المحدّد في (نهايتها) التي تقول :
(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ..).
طبيعياً ، أن هذا النمط الذي نطلق عليه مصطلح (إرجاء المعلومات) ، ويُطلق عليه نقاد القصة (المماطلة) ، يتّخذ أكثر من سمة في هذا الصدد ـ مثل عنصر المباغتة الذي تحدثنا عنه ـ فحيناً تحتفظ فيه القصة ب ـ (السر) لتكشفه في نهاية القصة كما لحظنا عن سنيّ أهل الكهف ، وحيناً آخر لا تفصح عنه البتة ، بل يظل (السر) على غموضه ، وهذا ما يتصل بعدد أصحاب الكهف أنفسهم. فالقارئ يتطلع لمعرفة عددهم حينما تنبهّه القصة ذاتها إلى ذلك من خلال هذا الحوار :
