ومن هذين الحديثين الشريفين تتبين لنا طبيعة العلاقة بين الرسول المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم وبين أخيه المرتضى عليهالسلام ، وإنَّها ليست من سنخ العلاقات الإعتيادية التي تربط الناس بعضهم ببعض ، إذ خُلِق نورهما بإرادة الله تعالى قبل أن يخلق آدم عليهالسلام فكان يسبح الله ويقدسه ، ثمَّ اُودع في صلب آدم ، وانتقل من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة ، حتى افترق في عبد المطلب ، فانتقل جزءٌ منه إلى صلب عبد الله ، فكان محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم سيد المرسلين ، وانتقل الجزء الآخر إلى صلب أبي طالب عليهالسلام ، فكان علي عليهالسلام سيد الوصيين ، وقُدِّر لهذا النور أن يجتمع مرة ثانية ليجمع نور النبوة ونور الإمامة في ذريعة البضعة الطاهرة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، والإمام علي عليهالسلام يتحدث عن هذه العلاقة ، فيقول : «وإنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء ، كنا ظلالاً تحت العرش قبل خلق البشر ، وقبل خلق الطينة التي كان منها البشر ، أشباحاً عالية ، لا أجساماً نامية» (١).
ويرسم لنا التأريخ صوراً توضح أواصر العلاقة بينهما : فعبد الله وأبو طالب أخَوان لأم واحدة ينفردان عن سائر أبناء عبد المطلب لأنَّهم لأمهات شتى ، وقد اختص عبد المطلب عند وفاته أبا طالب من بين أبنائه بكفالة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورعايته ، فكان هو وزوجته فاطمة بنت أسد بن هاشم أبوين بارين له ، يملآن حياته عطفاً وحناناً ، ويعوضانه ما فقده بفقد أبويه ، وكانا يقدمانه على أبنائهما الذين كانوا له بمنزلة الأخوة ، وكان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يقابل هذا الإحسان بما يكنه من الإحترام لأهل هذا البيت ، فيتعامل معهم معاملة الإبن البار لذويه ، ومن مظاهر ذلك : أنه سمّى العام الذي توفي فيه أبو طالب بعام الحزن ، وقال لعقيل : «أنا أحبك حبين : حباً لك ، وحباً لحب أبي طلب ، فإنَّه كان يحبك» (٢). وقدم جعفر بن أبي
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٣ / ١٠٥.
(٢) تاريخ مدينة دمشق ٤١ / ١٨ ، شرح نهج البلاغة ١ / ٧٠ ، المستدرك ٣ / ٥٧٦ ، المعجم الكبير ١٧ / ١٩١.
