كنت أشعر بالارتياح وأنا أصرف على نفسي من عرق جبيني وكدّ يميني رغم أنّ نوع العمل هذا لا يناسبني ولا يناسب آمالي وطموحاتي .. صرت أستطيع شراء بعض الملابس وتناول الأكلات واقتناء الحاجيات التي لم أكن قادراً عليها سابقاً ..
مجرّد كوني طالباً مقبولاً في الجامعات والمعاهد العراقيّة لا يعني توفّر الحصانة الثقافيّة والمعرفية الكافية ، ومراهناتي آنذاك على هذه الميزة المتواضعة سبّبت لي غروراً فارغاً وبَنَتْ حاجزاً شاهقاً قبال ولوج فضاءات العلم والفكر والتزوّد منها تزوّداً حقيقيّاً ، أمّا الاحتفاظ ببعض المعلومات المتناثرة والمصطلحات والتشبّث بالقشور فما كانت تجدي نفعاً في فهم القيم والمعايير والمبادئ فهماً صحيحاً وعميقاً ..
كانت مشهد بفعل «المحاصرة اللغويّة» معهداً عمليّاً لتعلّم اللغة الفارسيّة ، فبفضل محدوديّة التعامل باللغة العربيّة اضطررنا إلى تعلّم الفارسيّة ، وكانت الرغبة مؤثّرة في سرعة التعلّم ، كما أنّ ذلك يعدّ بذاته نوعاً من أنواع الثقافة والمعرفة .. نسأل عن كلّ شيء ومعناه ونقرأ الصحف والمجلاّت ، الأمر الذي أفادنا كثيراً في التعلّم ..
ولن أنسى الشهيد كريم سياهپوش ; لفترة الصداقة الممتعة التي قضيتها معه في مشهد ، حيث كان يكثر المجيء إليها في كلّ فرصة تسنح له رغم أنّ عائلته كانت تقطن إصفهان ، ولنا علاقة عائليّة تمتدّ إلى مدينة الناصريّة استمرّت حتى إبعادهم عام ١٩٧١ م ، فاختاروا مدينة خرّمشهر
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
