والمصير المجهول والفقر وآلام الفراق حاكمةً على أوضاعنا ومشاعرنا ..
ساعات وساعات ، أيّاماً وليالي ، كنت أجول شوارع المدينة كي أتعرّف على طرقاتها ودروبها واُقضّي الوقت والفراغ القاتل ، ألحظ الملابس الجميلة والأكل الشهي وسائر الأشياء متمنّياً شراءها يوماً ما وتذوّقها واقتناءها ، كيف وأنا لا أمتلك قرشاً واحداً ، حيث يبقى الجيب خالياً لاُسبوع وأكثر ، وتمرّ الأيّام والفقر باق ولا عزم على العمل والخروج من هذا الحال المزري ، باشر أخي الثاني بالعمل وكان السبّاق دوماً لاغتنام أيّة فرصة عمل تحصل له ، سواء في العراق أو في إيران ، وقد بذل جهداً كبيراً يشهد له الجميع في مساعدة والدي المرحوم والبقاء إلى جانبه هنا وهناك ، كنّا ننتظره ليأتي بحصّته من الدجاج ، حيث عمل في محل لبيع الدجاج المشوي ..
من أجمل أمانيّي تلك الفترة أن أمتلك درّاجة هوائيّة كالتي اشتراها أخي بعرق جبينه ، ولكن من أين : من البطالة والكسل؟!
انتقلنا بعد أقلّ من سنة إلى «شهرك الشهيد بهشتي» ، وهو حيٌّ متكوّن من شقق سكنيّة ، جميعها بلا سلّم كهربائي ، كلّ ٤٥ شقّة في عمارة واحدة ، أعطونا من الطابق الخامس شقّة بلا أيّة غرف ، بل مجرّد صالة «هول» مع ملحقاتها الأساسيّة من مطبخ وحمّام وتواليت ومخزن صغير .. وكان ولازال أغلب قاطني هذا الحيّ من عرب خوزستان ، مهجّري الحرب ، وثقافتنا لا تلتقي مع ثقافتهم كثيراً وكذا عاداتنا وتقاليدنا
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
