شاهدنا على الحدود قوّات عسكريّة عراقيّة في حالة تأهّب واستعداد وكأ نّها تريد البدء بحرب ، سرنا على الأقدام باتّجاه الأراضي الإيرانيّة حوالي المائة أو المائتي متر ، كان على الجانب الإيراني رجالٌ ملتحون يجيدون اللغة العربيّة ، يبدو أنّهم من حرس الثورة الإسلاميّة ، استقبلونا بحفاوة واحترام ، لم يكونوا مسلّحين وعددهم القليل جدّاً لا يقاس أبداً بعدد القوّات العراقيّة التي شاهدناها ، نقلونا مباشرةً إلى مدينة مهران ، توقّفنا قليلاً للاستراحة هناك ، والذي جذب نظري ونحن جالسون في السيّارة «الاُتوبوس» تلويح الناس بأيديهم ترحيباً بنا ، ولعلّ هذا الاستقبال مردّه إلى ما قاله السيّد الخميني «قدّس سرّه» عنّا : هؤلاء ضيوفنا ..
سارت بنا السيّارة باتّجاه مدينة أزنا ـ كما علمنا اسمها فيما بعد ـ بين الطرق الملتوية والجبال الشاهقة ، توقّفنا عند أحد المطاعم وكانت بطوننا خالية والجوع شديد ، والذي تفاجأنا به أن والدنا المرحوم تكلّم اللغة الفارسيّة ، ولم نكن نعلم ـ ولاسيّما أنا ـ أنّه يجيد التكلّم بها ، مازحناه قليلاً رغم التعب والألم ، جاءُوا بالرزّ الأبيض ولم يكن معه شيء وبقينا ننتظر شيئاً ولكن دون جدوى ، شرعنا بأكل الرزّ الخالي وإذا بنا نجد اللحم اللذيذ مدفوناً تحته .. لم نألف هذه الطريقة التي تعوّدنا عليها فيما بعد ، سواء بالنسبة إلى الكباب والدجاج أو غيرهما ، أمّا نحن في أكلاتنا فنجعل كلّ شيء ظاهراً بارزاً ، ولا أدري لماذا ذكّرتني وضعيّة الأكل هذه وتفاوتها بين العرب والعجم بكتاب عبدالله القصيمي : «العرب ظاهرة صوتية» ..
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
