سيارة داخلها مظلم معتم تماماً لا نوافذ بها مطلقاً ، إلى دائرة السفر والجنسيّة ، علمنا أنّها ليلة الإبعاد ، قاموا ببعض الإجراءات ، أرادوا منحنا مبلغاً ، حيث كانوا يمنحون كلّ عائلة يراد إبعادها مبلغاً معيّناً حسب تعداد أفرادها ، لكنّ والدي رحمه الله رفض المبلغ وقال : أنا تاجر ، لا أحتاج لهذا المبلغ ، الذي كان حوالي سبعمائة دينار كما أتذكّر .. لمنا الوالد لرفضه قبول المبلغ ، لكنّه كان مصيباً في رأيه ..
كان خالي المرحوم متواجداً ليلة الإبعاد في دائرة السفر والجنسيّة وكذا بعض الأصدقاء ، أوعدنا خالنا بالعمل كلّ ما في وسعه لنقلنا من إيران إلى الكويت ، ولم تكن والدتي هناك ; لأ نّها كانت بحالة سيّئة جدّاً ولم يخبرونا بحالها وقالوا : إنّها لا تعلم بأمر إبعادكم .. ذلك الذي علمناه عن حالها فيما بعد ..
أركبونا السيّارة التي ستقلّنا إلى الحدود ، تحرّكتْ وفي حركتها فاضت الدموع وانهمرت كالسيل ، أجهشتُ بالبكاء كثيراً ، مرّوا بنا على بهو البلديّة باتّجاه طريق مدينة الشطرة والدموع لا تفارقني أبداً ، فقدتُ الوطن والأهل والمعارف والأصدقاء والأقارب والمستقبل وكلّ شيء مرّة واحدة ، لِمَ لا أبكي وأصرخ وأنا ابن العشرين من العمر؟! اتّجهت بنا السيّارة نحو مدينة الكوت ، ثم مررنا بمنطقة بدرة وجصّان ، بقينا ليلتنا بمدينة بدرة في قاعة إحدى المدارس كما أتذكّر ، وفي صبيحة اليوم التالي نقلونا مباشرةً إلى الحدود العراقيّة ـ الإيرانيّة ..
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
