القريبون والبعيدون ، وحينما يجنّ الليل كنت ـ للأسف ـ أنام برغد دون أن أمنح نفسي فرصة مراجعة أحداث اليوم وما جرى من أفعال وأقوال وتقريرات ، من أخطاء وآثام وذنوب ، وكان من الطبيعي أن يأتي اليوم الآخر بتركة من الأخطاء أثقل وأمرّ وهكذا دون مراجعة وحساب ..
ولا أدّعي أنّ الفضاء الجديد من الصداقة قد منحني هذه الحالة والخصيصة ، لكنّه جعنلي اُفكّر قليلاً بأنّ الآخرين يألمون كما أألم أنا ، لهم وجودهم وكيانهم وأحاسيسهم كما هي لي ، إنّها نقطة البداية ليس إلاّ ، وإلاّ فسيل الأخطاء لازال جارفاً ، ولاسيّما أنّي كنت لا اُطيق الصمت ، وكثرة الكلام تخلق ثرثرة ، والثرثرة تحجّم فرص التفكير ، ألهو مع الكلمات وبها وأتفنّن في تصميمها وإخراجها كي أغلب الآخرين ، بالاستهزاء مرّة وبالتزييف اُخرى ، وبالخداع ثالثة ... وإذا ما أضحكتُ هذا على حساب ذاك فنشوتي لا حصر لها!! غافلاً بالمرّة أنّني آذيت إنساناً ، سحقتُ كرامةً ، هدرت عزّاً ... نعم ، كنت أفعلها ولا اُبالي بآثارها ونتائجها ..
و «نقطة البداية» في التفكير بالمراجعة ، هي قطرة في بحر أخطائي الناشئة من الغرور الفارغ والوعي المحدود والمراهقة وعدم وجود الناصح والموجّه الأمين ، وأشدّ ما يؤلمني ويجرّعني غصص المرارة أنّني كنت قد عبثت أكثر من مرّة بكرامة هذا وسمعة ذاك ، لا لسبب سوى إرضاءً لمرحي وإضحاك أقراني ، ولا اُبرّئ نفسي رغم سنّ المراهقة .. لم أكن فاسداً ومنحرفاً وشريراً لكنّي لم أكن مُقْنِعاً ، هكذا كنتُ حينما اُراجع الآن ما مضى وجرى ..
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
