أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (١) ... بل لو تأمّلنا النصّ بأكمله وحكم العقل والإجماع الدائر في فضائه لالتقينا في نقطة واحدة ، نقطة أنّ الإنسان في محكّ ، أي لابدّ أن يقتحم غمار هذا المحكّ ـ رغم أنفه ـ وهنا تتلوّن الأساليب والآليات والأدوات التي تمنح الحصيلة النهائيّة لونها الخاصّ بها ..
وحيث نسير جميعاً إلى مصير واحد لا مفرّ منه بتاتاً تنكشف فيه الاُمور والخفايا على حقائقها ـ كما نعتقد ـ فياليت شعري هل نصفّي الحساب قبل حلول المصير المهيب ، قبل (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) (٢) فتكون (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) لا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) (٣)؟
لِمَ لا نسارع إلى حسم الموقف قبل فوات الأوان ، لِمَ نتقاعس بانتظار اللحظات الأخيرة ، ونحن لا نعلم متى وأين وكيف تكون النهاية؟
لست معتقداً بسهولة تصفية الحسابات قبل أوان الموت ، فالأمر يتطلّب مزيداً من الجدّ والجهد الشاملين على شتّى أصعدة الذات ، مزيداً من الخسائر والتضحيات ، مزيداً من الصبر والألم والمعاناة ، ولاسيّما أنّ ترويض النفس ومنعها عن رغباتها ولذائذها والانهماك في تهذيبها وتطهيرها من أدران المادّة وشوائبها أمرٌ على غاية الصعوبة والمشقّة بلا
__________________
١ .. سورة المؤمنون : ١١٥ ..
٢ .. سورة عبس : ٣٤ ـ ٣٦ ..
٣ .. سورة عبس : ٣٨ ـ ٤٠ ..
![نفحات الذّات [ ج ٣ ] نفحات الذّات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2838_nafahat-alzat-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
